Saturday, October 22, 2022

ضياع "العائلة الأوروبية" وتخبّطها .. زيلينسكي ليس المهرج الأوروبي الوحيد - م. ميشيل كلاغاصي


بعد انتهاء الاستفتاءات بموافقةٍ شعبية عريضة , وفق قواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة , وبحضور عددٍ كبير من المراقبين ومن جنسياتٍ مختلفة , وبعد الإنتهاء من الإجراءات الرسمية الروسية , تم الإعلان عن إنضمام دونيتسك ولوغانسك وخيرسون وزابوروجيا ، إلى روسيا الإتحادية , وأصبحت جزءاً منها , وسط الأفراح الشعبية , والرسمية في قاعة جورجيفسكي بقصر الكرملين , والكلمة المهيبة للرئيس فلاديمير بوتين , التي أكد من خلالها على "الوحدة التاريخية للأرض والشعب الروسيين" ، وعلى "استعادة العدالة التاريخية " , وبأن روسيا "لن تخون خيار الشعب".  

وسارع وزراء خارجية دول مجموعة السبع (الولايات المتحدة الأمريكية , ألمانيا , فرنسا , المملكة المتحدة , إيطاليا , كندا , اليابان) ، بالإضافة الأمين العام للأمم المتحدة , وتركيا "صديقة" روسيا , وعدد من الدول الأخرى المتحالفة مع واشنطن ، للإعلان عن رفضهم وعدم قبولهم بنتائج الإستفتاءات , وبعدم شرعيتها.. في وقتٍ لم تستغرب فيه موسكو تصرفات وسياسات أعدائها وخصومها , التي اعتادت عليها منذ ثلاثين عاماً , وإنسياقهم وراء السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية , التي لطالما سعت إلى التعدي والنيل من مصالح روسيا , والحد من نشاطها وقدرتها ونفوذها حول العالم ...

وقادهم إنقيادهم مؤخراً , نحو تعزيز المشاعر المعادية لروسيا وتأجيجها ، متكئين على إعادة إحياء وتعيميم الإيديولوجية النازية , عبر نظام كييف النازي , الذي أوصلوه إلى سدة الحكم منذ ثمانية أعوام , ليقوم عبر سياسة الإضطهاد والعنف والإبادة الجماعية , تجاه المواطنين الناطقين باللغة الروسية في شرق أوكرانيا ، ومن خلال قصفٍ ممنهج ومنتظم لبلدات ومدن منطقة دونباس , بدعمٍ وغطاءٍ سياسي وعسكري غربي , لوضع روسيا أمام خيارين اثنين , إما الإستسلام أمام زحف الناتو ووصوله إلى عتبة موسكو , أو الإنخراط  بعمل عسكري , يسمح للمخطط الغربي الخبيث بالتحرك العلني ضد روسيا , وهذا ما حصل فعلاً.

في هذا السياق ، يتساءل المرء ما الذي ستفعله الولايات المتحدة أو فرنسا أو بريطانيا , إذا ما تعرض مواطنيهم لإعمالٍ إرهابية مشابهة , وللإبادة الجماعية ؟, ألم تقم الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون بشن الحروب والعدوان على أفغانستان وسوريا والعراق وليبيا ، تحت شعار "تهديد الأمن القومي الأمريكي" , على الرغم من إدراك العالم لحجم نفاقها وأكاذيبها , ومع ذلك لم يتحد العالم وراء معاقبتها وعزلها وشن الحرب الكونية عليها , فما بال العالم الغربي اليوم , وهو يعلم مقدار المعاناة والصبر الروسي ومحاولات موسكو لحماية المواطنين الناطقين باللغة الروسية في شرقي أوكرانيا , بعدما نسفت حكومة النازين الأوكران إتفاقية مينسك لحمايتهم , ناهيك عن التهديد الحقيقي للأمن القومي الروسي بإنضمام أوكرانيا إلى الإتحاد الأوروبي , ووصول جنود وأسلحة الناتو إلى الحدود الروسية , بما يخالف أيضاً تعهدات الناتو السابقة حيال التوسع والتقدم شرقاً.

لا يجد المتابعون والمهتمون صعوبةً حقيقية في تقييم الأعمال الإستفزازية التي تعرضت لها روسيا , من قبل الولايات المتحدة وحلفائها في الناتو في أوكرانيا , بأن ما يحصل هو تنفيذٌ مباشر لمخططٍ غربي محكم مسبق التحضير, محسوب الخطى والأساليب والوسائل للوصول إلى الأهداف المعلنة بتدمير روسيا اقتصادياً وعسكرياً وبتقسيمها وفرط عقد الإتحاد الأوراسي , والتحالف الروسي – الصيني.

لكن سبعة أشهر من الحرب على روسيا كانت كافية , ليجد الأوروبيين أنفسهم محاصرين بأزماتٍ اقتصادية وأزمة طاقة حادة , تضاف إلى أزمات حكوماتهم المخادعة التي تعاني أصلاً أمام شعوبها بفضل سيرها وراء مصالح الولايات المتحدة على حسابهم , كما يحصل في فرنسا وألمانيا وبلجيكا والقائمة تطول , ناهيك عن الدعم المالي الكبير الذي أجبرت تلك الحكومات على ضخه يومياً في خزائن حكومة أوكرانيا لضمان استمرار الحرب "الغبية" , فضلاً عن تكاليف شحنات الأسلحة التي تُرسل يومياً إلى ساحة المعركة , في وقتٍ بدأت معالم الفقر والجوع , والتهجير والبطالة وغيرها من تداعيات تتفاقم بسرعةٍ مخيفة , وسط إرتفاعٍ غير مسبوق للسلع الغذائية وأسعار مواد الطاقة المختلفة , وانشغال الحكومات الغربية بقطع إمدادات الطاقة الروسية , والبحث عن البدائل الأمريكية بأسعارٍ خيالية , وإطلاق الأكاذيب حول توفر ما يكفي من موارد الطاقة في مستودعاتهم , لمواجهة الشتاء القادم بسرعة , وليس اّخرها أكاذيب رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون يدر لاين في 7/10/2022 , حول انخفاض نسبة استجرارهم للغاز الروسي من 41% إلى 7% , وبأنهم في وضعٍ جيد لمواجهة الشتاء , في وقتٍ لم تتحدث فيه عن نسب ومعدلات حاجاتهم الفعلية السنوية والمتزايدة من الطاقة , وبأنهم لم يصلوا إلى تأمين نسبة لا تتجاوز الـ 50% بشكل عام , مع تفاوت هذه النسب ما بين دول الإتحاد الأوروبي.

ومع ذلك ، بصرف النظر عن خيبة الأمل الصريحة لفشل أعمالهم الإستفزازية في أوكرانيا ، فإن ردات الفعل السلبية للولايات المتحدة و "القطيع الغربي" , لا تزال تدفعهم للمراهنة على التصعيد العسكري , والإستمرار في دعم كييف , وعلى حملة الترويج للإستخدام الروسي للإسلحة النووية , وتسابق الساسة الأمريكيين والأوروبيين والرئيس بايدن شخصياً , والماكينات الإعلامية العالمية , لتقديم الأدلة ولتأكيد تاريخ التهديد النووي الروسي عبر الرئيس بوتين , وذهب الرئيس بايدن إلى أبعد من ذلك , وهو "جو النائم". الذي انزلق على السلالم ولم يعرف عمر زوجته وكيف يخرج من قاعة الإجتماعات وصافح الهواء وأطلق عشرات التصاريح السخيفة.. ومع ذلك ادعى بأنه يعرف بوتين "جيداً" , وبأن بوتين "لا يمزح عندما يتحدث عن إمكانية استخدام أسلحة نووية تكتيكية أو بيولوجية أو كيماوية" , لكنه ما لبث أن تراجع وخفف من حدة الإتهامات وبأنهم حتى اللحظة لا يملكون أية استشعارات حول تحركات روسية بهذا الخصوص , لمجرد أنه استشعر خوف وهلع المتبرعين الديمقراطيين الذين التقاهم بالأمس في نيويورك , نتيجة الأضاليل الإعلامية الأمريكية.

تبدو نتائج الصراع حتى الاّن تقف وراء خيبة أمل الإدارة الأمريكية والرئيس بايدن , كذلك وراء خيبات أمل "العائلة الأوروبية" , التي بدت وأنها تعيش لحظات تخبطٍ واضحة , عكستها قمة براغ ونتائجها التي لم تحمل أي جديد بغياب الإملاءات الأمريكية المباشرة عن القمة , فجاءت العناوين ضمن السياقات السابقة , لكن من خلال المصالح الخاصة لكل دولة , حيث رفضت ليز تروس رفع الأعلام الزرقاء للاتحاد الأوروبي وسط  تنافس ماكرون وشولتز على قيادة الإتحاد الأوروبي , وتعمدها الإستمرار بسياسة تجاهل وربما بسحق ما تسمى بـ "وحدة العائلة الأوروبية" , فيما ذهب ماكرون نحو إنشاء صندوقٍ أوروبي خاص لدعم المواجهة مع روسيا برصيدٍ أولي 200 مليون يورو , كذلك دفع الألماني شولتز نحو مؤتمر إعادة إعمار أوكرانيا , في حين بشر رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشيل بالتوافق على الحزمة الثامنة للعقوبات على روسيا , وبإستمرار الدعم السياسي والعسكري والإقتصادي لأوكرانيا , ويبقى الأهم بالنسبة لقمة براغ التأكيد على استمرار حالة العداء لموسكو , لضمان استمرار الود والرضى الأمريكي , وتاكيد أن زيلينسكي ليس المهرج الأوروبي الوحيد.

يا له من ضياعٍ أوروبي , ما بين أهداف تروس ماكرون وشولتز , وسط الهمّ الجماعي للأوروبيين حول هوية من سيملأ الصندوق الأوروبي , ومن سيدفع الديون وتكاليف الحرب والأموال التي سرقها زيلينسكي وصحبه , وإعادة الإعمار , وهل هذا يفسر القراءة والتراجع الأمريكي عن التهويل النووي الروسي لإبعاد المتبرعين الأمريكيين , وتوريط المتبرعين الأوروبيين فقط .. وهل يمكن لهذا أن يعيدنا إلى زمن "الحلابة" , ويفضح استمرار بايدن بالسير على خطى سلفه دونالد ترامب رغم إدعائه بنسف حقبته برمتها. 

المهندس: ميشيل كلاغاصي

11/10/2022

 

Wednesday, October 5, 2022

هل تتحالف فرنسا وبريطانيا مجدداً ضد ألمانيا ؟ - م. ميشيل كلاغاصي


اقترحت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين , وضع أسقف على أسعار الطاقة المتجددة والطاقة الكهرومائية والنووية , وفرض ضرائب جديدة باعتبارها مشاريع منتجة للطاقة بتكاليف منخفضة ، بالمقارنة مع تكاليف محطات توليد الطاقة بالفحم والغاز، "بما يساعد الدول الأعضاء على شراء الغاز لإنتاج الكهرباء"... ويعكس اقتراحها مصلحة ألمانيا على حساب فرنسا واّخرين , وأثار غضبهم.

لم تعبّر العلاقات الفرنسية البريطانية عبر التاريخ عن علاقاتٍ جيدة وحسن جوار , على الرغم من التاريخ الطويل الذي جمعهما معاً أو وجهاً لوجه , واتسمت علاقاتهما بالتعقيد والتوترات والخلافات , وخاضا بسببها عدة حروب ومواجهات على امتداد سنوات العصور الوسطى ، كدولتين عدوتين , كحرب المائة عام ، وحروب الثورة الفرنسية ، وحرب السنوات السبع , والحروب "النابليونية".

ومع ذلك فقد السلام حل بينهما مع توقيعهما ما عرف بإلاتفاق الودي عام 1904، وتحالفا ضد ألمانيا في الحربين العالميتين الأولى والثانية ، وساهمت الجيوش البريطانية ، في تحرير فرنسا من النازيين , ووقفتا خلال الحرب الباردة ، في وجه الإتحاد السوفييتي ، وكانتا من بين الأعضاء المؤسسين لحلف الناتو بقيادة الولايات المتحدة , لكن هذا لم يمنع استمرار الإختلاف حول عديد القضايا البينية والأوروبية والعالمية , وغالباً ما يُشار إليهما على أنهما "الخصمين التاريخيين".

وفي العصر الحديث استمرت الخلافات في فترة حكم رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل ، والرئيس الفرنسي شارل ديغول ، على  الرغم من انتصارهما على النازية , نتيجة سعي كلٌ منهما إلى قيادة أوروبا ، ولكن التوجهات والمسارات المختلفة والمتضادة بينهما لتحقيق ذلك حدد تشكل العلاقة بين قادة البلدين إلى يومنا هذا.

وتأثرت علاقات البلدين بشكلٍ كبير مع خروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي , خصوصاً مع إعتبار باريس أن لندن لم تلتزم بالإتفاق المنصوص عليه بعد البريكست ، والذي يقضي بالسماح للصيادين الأوروبيين بمواصلة العمل في جزء من المياه التابعة لبريطانيا , الأمر الذي تطور لاحقاً وأدى إلى لنشوب نزاعٍ حاد بينهما , خصوصاً أن المياه في محيط جزيرة جيرسي البريطانية والقريبة من السواحل الفرنسية باّنٍ واحد غنية بالأسماك , ناهيك عن الأزمة الدبلوماسية الحادة بينهما على خلفية إتفاق "أوكوس" الذي أبرمته بريطانيا مع استراليا والولايات المتحدة ، والذي تم بموجبه إلغاء استراليا صفقة الغواصات المبرمة مسبقاً مع فرنسا , الأمر الذي أغضب فرنسا وألحق بها الضرر الكبير.

ولم تتوقف العدائية بين البلدين , وانتهى لقاء بوريس جونسون بالرئيس ماكرون في 24 تشرين الثاني / نوفمبر عام 2021, حول قضية غرق 27 مهاجراً أثناء محاولتهم عبور بحر المانش ، بدون أي إتفاق , وعلى إثر هذا اللقاء وصف الرئيس ماكرون جاره الإنكليزي بوريس جونسون بـ"المهرج" ... أمورٌ بمجملها تؤكد أن فرنسا وبريطانيا , جارين وحليفين استراتيجيين ، لكنهما يقفان على طرفي نقيض. 

ومع إعلان تشارلز الملك البريطاني الجديد , أن زيارته الأولى ستكون إلى فرنسا , يطرح السؤال نفسه , هل تعود بريطانيا وفرنسا إلى "الود" ثانيةً ، وهل يحمل لقاء ماكرون – تروس , على هامش لقاءات الجمعية العمومية للأمم المتحدة , دلالة ما ؟, بالتوازي مع تطلعات العديد من الفرنسيين نحو علاقاتٍ وثيقة مع بريطانيا ، تؤدي من النتيجة إلى الإبتعاد التدريجي عن ألمانيا , بفضل بهمسٍ فرنسي تحول إلى بوحٍ علني , أطلقته مارين لوبان عام 2021 , بـ "إبعاد الفرنسيين عن ألمانيا لصالح علاقات وثيقة مع بريطانيا" , نتيجة إعتقادها بالتأثير الألماني السلبي على الإقتصاد الفرنسي.

الأمر الذي يعززه السلوك الألماني خلال أزمة الطاقة الحالية , بعدما كشف تقرير لمركز الأبحاث الأوروبي ، إتجاه ألمانيا منذ أكثر من 20 عام نحو مشاريع الطاقة البديلة على حساب الطاقة النووية , السياسة التي صدقها ودعمها ماكرون وسار بها , وأغلق 17 محطة نووية خلال فترة حكمه الأولى , واليوم تدفع فرنسا ثمن هذا الخطأ , في وقتٍ لا يزال ماكرون يصر على مشاريع الطاقة الخضراء , وابتهج مغرداً قبل أيام على موقعه على تويتر , ومتباهياً بتدشين مشروع صغير للمراوح الهوائية لتشغيل توربينات إنتاج الكهرباء ويقول أنها "ستعين الفرنسيين في هذا الشتاء" !, وهو يعلم تماماً أن المشروع لا يمكنه تعويض الغاز الروسي , وقد نال نصيبه من السخرية والتعليقات القاسية من المتابعين .

بالإضافة للمقترح الغريب الذي أطلقته رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين , بوضع أسقف على أسعار الطاقة المتجددة والطاقة الكهرومائية والنووية ، وبفرض ضرائب جديدة , بإعتبارها مشاريع منتجة للطاقة بتكاليف منخفضة , بالمقارنة مع تكاليف محطات توليد الطاقة بالفحم والغاز , "بما يساعد الدول الأعضاء التي يتعين عليها شراء الغاز لإنتاج الكهرباء مثل ألمانيا" , بالتأكيد يعكس اقتراحها مصلحةً ألمانيا على حساب فرنسا وغيرها.

في وقتٍ يرى بعض الفرنسيين , أنه على ألمانيا تحمل مسؤولية ونتائج قراراتها الخاطئة على مدى 20 عام وليس على حساب الاّخرين , خصوصاً , وأن هذه الإستراتيجية الألمانية تم فضحها في كتاب نُشر حديثاً , للنائب الفرنسي ورئيس الجمعية الوطنية الفرنسية السابق , برنارد أكوير, تحت عنوان "محاولة لإفشال الصناعة النووية الفرنسية", تحدث فيه عن تاّمر ميركل بدعم من الإتحاد الأوروبي وحزب الخضر الفرنسي على فرنسا , عن طريق فرض تشريعات أوروبية تساعد منتجي الطاقة والكهرباء عبر المحطات النووية على الإنتاج بأسعارٍ منخفضة , كذلك النصحية التي قدمها الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي للمستشارة ميركل عام 2007 , بعدم تخلي ألمانيا عن الطاقة النووية , لرغبته بأن يكون لفرنسا وألمانيا طموحات موحدة حيال الطاقة , لكن ميركل رفضت الإنصات لنصائحه , وتقدمت بعد أربع سنوات نحو الإلغاء التدريجي لجميع المفاعلات النووية الألمانية السبعة عشر ، وأطلقت في الوقت نفسه حملة للضغط على فرنسا لتحذو حذوها.

ويرى البعض أن الفرنسيين لم يتمكنوا من كف يد ألمانيا عن محاولات أذيتهم , بسبب ضعف من تعاقبوا على حكم فرنسا ( فرانسوا هولاند وإيمانويل ماكرون )، الذين ساروا وفق استراتيجية الطاقة الألمانية التي تخدم مصالح برلين , ولكنها تضرب مصالح فرنسا , لدرجة إعلان الرئيس ماكرون عن إعجابه بمقترح رئيسة المفوضية الأوروبية , واتفق مع شولتز على أن ترسل فرنسا 5% من احتياطياتها من الغاز إلى ألمانيا مع بداية الشهر المقبل ، وستحصل فرنسا بالمقابل على الكهرباء من ألمانيا.

لقد كشفت الحرب في أوكرانيا عن تصدعات وشروخ في العلاقات الفرنسية الألمانية , وبحسب مارين لوبان واّخرين , يبدو أنه "اّن الأوان كي تبحث فرنسا عن شركاء أوروبيين آخرين" , وقد تكون بريطانيا وجهتهم القادمة.

ميشال كلاغاصي

5/10/2022

 

بوتين وعملية كسر الهيمنة الغربية وإنهاء القطبية الأحادية - م. ميشيل كلاغاصي


بالأمس شهد الكرملين حدثاً تاريخياً , تم خلاله توقيع الرئيس فلاديمير بوتين ورؤساء دونباس ومنطقة خيرسون وزابوروجيا اتفاقيات إعادة توحيد الأراضي الروسية التاريخية مع روسيا , وسط تأكيد الرئيس بوتين أن الناس الذين يعيشون في هذه الأراضي باتوا مواطنين روس إلى الأبد , وسط جدية العملية الصعبة لتفكيك النظام العالمي أحادي القطب , والتي تتقدم "بلا هوادة" .

ومن داخل إحدى أهم قاعات الإمبراطورية الروسية في الكرملين , قاعة جورجيفسكي التاريخية الأثرية الرائعة , لخص الرئيس بوتين نتائج الإستفتاءات التي انتهت مؤخراً , بقوله "اتخذ الناس خيارهم بشكلٍ واضح" , حيث جاءت موافقة الغالبية العظمى من المواطنين , لصالح أن تصبح هذه الأراضي جزءاً من روسيا , وبالعيش في كنف وطنهم.

وفي كلمةٍ مهيبة , أكد الرئيس بوتين , أن الشعب الروسي مارس "حقه" بما يتوافق مع المبادئ الأساسية لميثاق الأمم المتحدة , وعلى "الوحدة التاريخية للأرض والشعب الروسي" ، وعلى "استعادة العدالة التاريخية , لمن خلقوا ودافعوا عن روسيا لقرون , وأصبحوا يعتبرون أنفسهم جزءاً من روسيا بحكم ثقافتهم وإيمانهم وتقاليدهم ولغتهم" ، وأشار إلى أن روسيا لا تسعى إلى استعادة الإتحاد السوفيتي ، لكنها تعيد وحدة الشعب التي تم تدميرها عام 1991 , وبأنها "لن تخون خيار الشعب" , ودعا نظام كييف إلى وقفٍ فوري للحرب التي بدأها عام 2014 والعودة إلى طاولة المفاوضات , في الوقت الذي تعتبر دعوةً لأصحاب المشرع الحقيقيين في واشنطن ولندن وبروكسل .

دائماً هو المعسكر الانجلوسكسوني الذي سعى ما بعد إنهيار الإتحاد السوفيتي , إلى إضعاف روسيا وتدميرها وإقتصادها , ولم يتوانوا قبل أيام من عن اللجوء استراتيجية التخريب وتفجير خطوط أنابيب الغاز الدولية في نورد ستريم 1و2 , في تاكيد جديد على حقيقة الحرب الهجينة التي توحد الغرب وراء شنها على روسيا , على الرغم من حاجتهم إلى إمدادات الطاقة الروسية عبر تلك الخطوط , وما تسببت به سياسة وقف استجرار الطاقة من روسيا , وسط دوامة وأكذوبة البحث عن البدائل المكافئة كماً ونوعاً وكلفةً , وإنتقال المجتمعات الأوروبية الغربية نحو المزيد من الفقر والعوز والجوع , وتردي الأوضاع الصحية , وكلها أثمان تدفعها "دول القطيع الغربي" لدعم الشراكة المتوحشة للهيمنة على العالم تحت قيادة الولايات المتحدة الأمريكية , ولمنع ظهور العالم متعدد الأقطاب , "الأكثر عدالة وديمقراطية" بحسب وصف الرئيس بوتين , وتأكيده بإن "انهيار الهيمنة الغربية عملية صعبة , لكنها تتقدم ولا رجوع عنها".

لا تبدو روسيا وحيدة في توجهها وإصرارها نحو تفكيك النظام القطبي الأحادي المهيمن , وهناك عشرات الدول التي تقف إلى جانبها وتؤيد إنهاء مرحلة القطبية الأحادية , وكسر مشروع الهيمنة على العالم , بحثاً عن عالمٍ أكثر امناً واستقراراً , وعدلاً وديمقراطية , ومع تزايد أعداد الدول التي تنضم إلى هذا التوجه , وتكثيف علاقات التعاون البيني , وظهور التحالفات الثنائية والثلاثية , والتوافق وراء دعم النظام العالمي متعدد القطبية الجديد , يبدو أن ملامح محورٍ عالمي كبير بدأت تظهر في العلن , سيكون قادراً على فرض إرادته حرباً أو سلماً , وهذا يعود إلى خفايا محركات السياسة والمخططات الصهيو – أمريكية , وما تبيته من نوايا خبيثة , فولادة الهيمنة الأحادية جاءت على أنقاض الحروب العالمية , والويلات ودماء الأبرياء , ولا نعتقد أن نهايتها تشي بغير ذلك مع احتلال المتطرفين والمتغطرسين مقاعد القرار الخفي أو المعلن في عواصم الشر بدءاً من البيت الأبيض في واشنطن وليس انتهاءاً في بروكسل ولندن وباريس وبرلين وتل أبيب.

المهندس: ميشيل كلاغاصي

1/10/2022

 

هل يكون مصير المملكة المتحدة ثانيةً على المذبح الصهيوني ؟ - م. ميشيل كلاغاصي

في نهاية القرن العشرين قبل الميلاد ومع هزيمة النظام الإقطاعي والإنتقال من مرحلة المملكة إلى مرحلة الإمبراطورية , وصولاً إلى ما بعد السبي البابلي 722 ق.م , تفرق اليهود حول العالم , وحملوا معهم أموالهم وفكرة الإنتقام من النظام الإقطاعي , الذي لم يحمي رؤوسهم ووجودهم على أرض مصر, وخططوا ونجحوا مع مرور الزمن بالإعتماد ثروتهم وعلى الربا كفريضة دينية , بمضاعفة أموالهم وبتسخيرها لإعادة إحياء مكانتهم المالية ونفوذهم في دول غرب أوروبا , واستطاعوا جني الكثير من الأموال في بريطانيا من جمع الضرائب لحساب الملكة إليزابيث الأولى , واستفادت منهم المملكة البريطانية في استعادة صيغة الملكية الدستورية التي أبتكرها اليهود , والتي قامت على سلطة المصارف وتسخير الدولة لخدمة رأس المال , وبذلك استطاع الإنكليز أن يسبقوا كافة دول قارتهم بشوط كبير.

وفي الوقت الذي لم يسمح الموقع الجغرافي للمملكة بحروبٍ برية , ركزت إنفاقها العسكري على بناء وتطوير الأساطيل القوية ما جعل منها قوة ضاربة , وقامت بتأسيس بنك لندن بالإعتماد على الميزانية العسكرية , ودخل الدولة وقروض المصارف , وتضاعفت أموال المملكة أكثر من 40 مرة خلال قرن , وتضاعف معه عدد الجنود والآلة العسكرية وارتفع عدد سفن الأسطول البريطاني , وبذلك تمت ولادة "الدولة العظمة" , ورغم مشاعر الكراهية لليهود بفضل طريقة جنيهم للمال والأعمال والمهن التي مارسوها , تنافست الدول الغربية لمنحهم الجنسية لإبقاء أموالهم فيها , لكن اهتمامهم اتجه نحو القارة الأمريكية العذراء بثرواتها وخيراتها , فوضعوا "مشروعهم" وحلمهم بأرض فلسطين جانباً وبشكل مؤقت وانطلقوا إلى نيويورك وأنشأوا المصارف التي تبنت زيادة الإنتاج على نطاق لم يسبق له مثيل , وبذلك تضاعف رأس مال نظامهم المصرفي الحر بصورة خيالية , وأصبح لليهود "دولة" مصارف اجتاحت عبره أسواق دول العالم .

ومن خلال وعد بلفور عادت القصة إلى الشرق الأوسط وتحديداً إلى أرض فلسطين , بدعمٍ بريطاني وأمريكي فرنسي والماني , وتمت زراعة الكيان الإسرائيلي وسط إقطاعيات المنطقة العربية , وكان إحتلال فلسطين والعدوان الثلاثي على مصر وعدوان 1967 , واستمرت جولات العدوان , وقد لا يكون اّخرها حرب "الربيع العربي" المزور , وهذا كله حدث بفضل الدعم الغربي والبريطاني خصوصاً... وعلى الرغم من ذلك , ومع موت الملكة إليزابيث الثانية , رصد الإعلام العربي الحدث منذ اللحظات الأولى للإعلان عن وفاتها وخلال 10 أيام حتى لحظة موارتها الثرى , وتسابقت الشاشات العربية خلالها للحديث عن بريطانيا العظمى وتاريخها العظيم , وكل ما تناقله الإعلام العربي ببغائية غريبة عن إعلام الدول الغربية , وكانوا بريطانيون أكثر من البريطانيين أنفسهم .

بحلول عام 1914 ، كان للإمبراطورية البريطانية "التي لا تغرب فيها الشمس أبدًا" , كل الأسباب لتُسمى قوة عظمى عالمية , ومع ذلك ، ساهمت مؤامرات لندن بإندلاع الحرب العالمية الأولى وفق المخطط الصهيوني ، والتي تكبدت خلالها بريطانيا العظمى "المنتصرة" خسائر بشرية ومالية فادحة ، وفقدت جزءاً كبيراً من وضعها كقوة عالمية , وتعمد الأمريكيون لاحقاً مطالبتها بإنهاء الإستعمار البريطاني القديم ، الأمر الذي شجع العديد من دول مستعمراتها على المطالبة بالإستقلال.

منذ الخمسينيات من القرن الماضي ، أتقنت لندن لعب دور "الشريك الأصغر لواشنطن" ، للظفر بدور ومكانةٍ في الناتو تفوق أخواتها من العواصم الغربية , وتبنت المواقف السياسية لواشنطن والناتو , وبررت تحركاتهم العسكرية الإحتلالية التوسعية , واستمرت بحبك المؤامرات الجيوسياسية , وراء الستار الامريكي , واستعملت فيها صنائعها من بقايا الإحتلال العثماني وإيديولوجيته القاتلة , والتنظيمات الجهادية والإخوانية الإرهابية وأدواتها وعملائها في المنطقة , وليس اّخرها دورها السيئ في سورية والقتال العنيد الذي مارسه الإرهابيون وكل من دعمته المملكة , ناهيك عن شراسة مندوبيها في القاعات الأممية لتشويه القيادة والدولة السورية وانتزاع قراراتٍ أممية تساهم بتمرير المشروع الصهيو امريكي لتقسيم وتدمير سورية , وبقيادة بوريس جونسن استمر الوجه القبيح للملكة يرخي بظلاله ألماً وظلماً على الشعب السوري , وهاهي ليز تروس تسير على ذات الطريق وبمباركة من الملكة الراحلة التي عينتها قبل وفاتها رئيساً لوزراء بريطانيا.

 كذلك الامر حول ما يتعلق بحرب واشنطن والناتو والإتحاد الاوروبي والمتطرفين الأوكران على روسيا , فقد كانت ليز تروس كوزيرة للخارجية البريطانية , أول من أطلق المواقف العدائية ضد روسيا , بقولها في 26 شباط /فبراير " “لن تهدأ بريطانيا حتى تدمر الإقتصاد الروسي، وتتم استعادة سيادة ووحدة أراضي أوكرانيا” , ولم تكلف نفسها عناء النظر في أسباب الحرب ، أو التفكير في مصالح بلادها , وهي الشهيرة بضعف ثقافتها وغياب حنكتها السياسية.

وتبدو بريطانيا بعد نهاية مرحلة الملكة إليزابيث تقبع في أيادي غير أمينة ومتهورة وتابعة , ومع تصاعد الأصوات الداخلية المطالبة بنهاية الملكية الدستورية , يبدو ان بريطانيا مرشحة للتحول من المملكة التي لا تغيب فيها الشمس إلى مملكة على طريق الأفول , ولن تستطيع المتابعة تحت عنوان المملكة العظمى , بما تملكه حالياً من عناصر القوة , سوى انها دولة دائمة العضوية في مجلس الامن , وبترسانة نووية صغيرة وأسطول غواصات نووية ، وبعدد من دول "الكومنولث البريطاني" غير معروف النوايا في المرحلة المقبلة , ولن تكون بريطانيا التي خاضت الحرب الباردة بالأمس هي بنفس القوة اليوم , مع الصراعات والحروب الساخنة المفتوحة على مساحة العالم , ولن يساعدها وضعها الإقتصادي الغامض الذي يعتمد بشكل كبير على قطاعها المالي التقليدي كالخدمات المصرفية والسمسرة والتأمين والاستشارات ... إلخ , في ظل الازمات المالية والإقتصادية والحروب العسكرية التي أقحمت نفسها فيها , وتواجه الإحتجاجات الداخلية بسببها , وتشارك اقرانها الغربيين بدفع الفواتير الباهظة جراء انقيادها وراء السياسة الخارجية الامريكية .

 ولا تزال لندن تحاول لعب الدور الاكبر بالمقارنة مع نظيراتها في باريس وروما ومدريد وبرلين , وترفض الإعتراف بمساواتها بباقي القوى الغربية , وتحاول الإستحواذ على المشهد السياسيي والإعلامي في الملف الاوكراني , وما يترتب عليها من دفع حصتها من الفواتير اليومية لضمان استمرار الحرب على روسيا.

ومع تراجع الحالة الإقتصادية في بريطانيا , وارتفاع أسعار الطاقة والأغذية , تفقد بريطانيا أهم عاملٍ ساهم عبر التاريخ في جعلها مملكةً عظمى قادرة على ضمان تدفق المال وجلب العسكر وخوض الحروب , وبات على الملك الجديد ورئيسة الحكومة ليز تروس التخلي عن حنينهما إلى الماضي , فبريطانيا ما بعد الملكة إليزابيث لن يكون مثلما كمان قبلها , وسيكون من الصعب على تروس إقناع البريطانيين بالجوع والربد والبطالة , وبإستمرار القتال في أوكرانيا من أجل انكلترا والإمبراطورية معاً .

تبدو بريطانيا وقد وجدت نفسها من جديد على المذبح الصهيوني , وقرار الحفاظ على الملكية الدستورية و"الإمبراطورية" كان وسيبقى قرار صهيوني بإمتياز , وبهدف استمالة اليهود ثانيةً , اعلنت رئيسة الوزراء البريطانية ليز تراس إنها "تدرس بصورة جدية نقل سفارة المملكة المتحدة من تل أبيب إلى القدس" , في خطوةٍ خطيرة من شأنها منح الإسرائيليين فرصة السيطرة الكاملة على مدينة القدس , وطرد العرب منها , وتأكيد "محبة" الملك تشارلز للمسلمين , عبر تسليم مدينتهم ومقدساتهم لأعدائهم.

قد يضطر الشعب البريطاني لقول كلمته والإختيارما بين مليارات الجنيهات الإسترلينية التي تتكبدها المملكة للحفاظ على "الإمبراطورية وطقوسها وعرشها "العظيم" , دون أن يكون للإعلام العربي رأي مسموع ولا حتى تصويت لصالح التاريخ البريطاني "العظيم".

المهندس: ميشيل كلاغاصي

23/9/2022