Friday, September 20, 2019

اّرامكو .. ضربة إستراتيجية وأكثر من صفعة - ميشيل كلاغاصي


لم يعد الحديث يقتصر على قدرة اليمن على الصمود في وجه الحرب الهمجية التي يشنها نظام اّل سعود ومن لف لفه في الخليج , بل أصبح الحديث عن قدرة النظام السعودي وتحالفه الخليجي على تحمّل الضربات النوعية الموجعة, وعن عناده قبيل إستسلامه وإعلانه الهزيمة الكاملة ... فقد أظهرت القوات المسلحة واللجان الشعبية اليمنية قدراتٍ عسكرية مذهلة, وعزيمةٍ جبارة قادرة على الذهاب بعيدا ًعلى طريق الإنتصار , وإنهاء غطرسة وإجرام ورياح عواصف "الحزم والأمل" السعودية, وربما للذهاب نحو الإطاحة بحكم اّل سعود...
فالضربات الموجعة التي تلقاها النظام السعودي في بقيق واّرامكو, هي نتيجة طبيعية للتطور النوعي في أداء وأدوات وأساليب المقاومة اليمنية, ورد مباشر على استمرار العدوان الهمجي على مساجد ومدارس وشوارع وبيوت وحياة اليمنيين ... ولمن يراها أشبه بالمعجزات, فقد يكون القادم أفظع وأشد إيلاما ً, كما أعلنها صراحةً المتحدث بإسم القوات المسلحة اليمنية العميد يحيى سريع.
ومع غيابٍ كلي لفعالية أنظمة الدفاع الإعتراضية السعودية (الأمريكية), ومع دقة العمليات الإستخبارية واّلية الرصد اليمني , يحق للصواريخ والمسيرات اليمنية أن تتبختر فوق حقول النفط في السعودية , ومحطة الطاقة النووية - قيد الإنشاء - في الإمارات وفي سماء الرياض وأبو ظبي ودبي أيضا ً..
إن سرعة توجيه الإتهام الأمريكي والبريطاني والسعودي للدولة الإيرانية, والروايات والمسرحيات التلفزيونية للمتحدث بإسم التحالف السعودي الإماراتي تركي المالكي وتأكيده أن الهجوم على منشأتي النفط السعوديتين قد "شُن بأسلحة إيرانية ولم ينطلق من اليمن", لا يعدو أكثر من تسييسٍ أعمى لرفع مستوى التصعيد والتوتير في المنطقة, والذي لن يشكل بطبيعة الحال مادةً جادة لتحفيز الأمريكيين على شن الحرب أو لتوجيه بعض الضربات في الداخل الإيراني.
وقد بدا هذا واضحا ً رغم سرعة وصول الوزير بومبيو إلى جدة بأجندةٍ خاوية, وبعدة تصريحاتٍ متناقضة للرئيس ترامب, وبمؤتمرٍ هزيل للبنتاغون ... وقد ينتهي كل شيء مع إعلان الرئيس ترامب فرض عقوباتٍ جديدة على البنك المركزي الإيراني, وهذا بمجمله لا يصب في خانة حماية المملكة أكثر مما يصب في خانة إستراتيجية الضياع والإرتباك الأمريكي في المنطقة والعالم , على وقع الهزائم في سوريا ولبنان والعراق واليمن وبالتأكيد أمام إيران وروسيا والصين وكوريا الشمالية وفنزويلا ...
يبدو أن استهداف اّرامكو, أحرج الأمريكيين أكثر مما أقلقهم على منشاّت وسمعة وسيادة النظام السعودي , فقد كشف عجز أنظمة الدفاع الأمريكية عن كشف تحليق المسيرات والصواريخ اليمنية ... في الوقت الذي أكد فيه الرئيس الروسي في المؤتمر الصحفي بعد قمة أنقرة الإسبوع الماضي بحضور الرئيسين أردوغان وروحاني , استعداد بلاده لبيع المملكة أنظمة الـ S-300, كما فعل وقدم للرئيس أردوغان أحدث الأنظمة المضادة للطائرات عبر منظومة الـ S-400, وحديثه الواثق عن قدرتها على توفير الحماية الحقيقية.
إن خشية الولايات المتحدة من تداعيات ما حصل على سمعة ومبيعات أسلحتها, يدفعها للضغط على ولي العهد السعودي للسير بعكس التيار والسعي لشراء منظوماتٍ أمريكية جديدة بأسمائها البراقة والشكوك حيال فعاليتها وجدواها أمام التطور النوعي لأسلحة الردع الهجومية اليمنية, دون أن يدرك كم سيتلقى من الضربات لحين وصولها وتشغيلها, ناهيك عن أثمانها الباهظة, خصوصا ً مع ظروف التقشف وبوادر العوز الذي تواجهه المملكة نتيجة عمليات الحلابة الأمريكية المستمرة, وتمويل مخططات ومعارك الغرب في العالم والمنطقة.
تبدو المملكة بحالٍ لا تحسد عليه, خصوصا ً بعدما حشرها الأمريكيون وبعض الأوروبيين بضرورة إنهاء تحقيقاتها والإعلان عن نتائجها وتأكيد مصدر الهجمات والإستهداف ... وتجد المملكة نفسها أمام خيارات صعبة ومرّة , فإما أن تؤكد إتهام إيران وتتحمل مسؤولية الرد بنفسها, مع وضوح الرؤية والسلة الفارغة التي جنتها من زيارة بومبيو وعزوف ترامب وعجزه عن شن الحرب على إيران, أو أن تؤكد بيان العميد يحيى سريع وتعترف بصفعة القوات والمقاومة اليمنية والتي تحتفظ دائما ً بشرعية دفاعها عن سيادة اليمن وحماية مواطنيه من العدوان الاّتي من خارج الحدود ....
وربما يكون من المستحسن أن تُنهي المملكة تحقيقاتها, وتقيّد الهجوم ضد مجهول لتحافظ ما أمكن على ماء وجهها وتكتفي بالمزيد من سخط العالم , وبإسدال الستار على إكذوبة أن السعوديين هم ضحايا وليسوا معتدين ... وهناك ثمة خيارٌ رابع أطلقه اليوم سماحة السيد حسن نصر الله ومن باب النصيحة, بأنه على المملكة أن "توفر مالها وتحمي منشاّتها" وتنهي عواصفها الهوجاء, "بإعلانها وقف الحرب على اليمن", و"فسح المجال أمام الحوار اليمني – اليمني" , الذي سينجح دونما شك بعيدا ًعن أصوات النشاذ السعودية والإماراتية والهمس الإسرائيلي.
المهندس: ميشيل كلاغاصي
20 / 9 / 2019

Wednesday, September 11, 2019

أمريكا عاجزة عن فك الشيفرة السورية - الإيرانية // م.ميشيل كلاغاصي


لأن "فاقد الشيء لا يعطيه", لم تستطع الإدارة الأمريكية فهم طبيعة العلاقات الإستراتيجية السياسية والإقتصادية  والتحالف القوي, وإرتباط المصير والمسار بين الدولتين والشعبين الإيراني والسوري, المبني على مناهضة ومقاومة المشروع الغربي في الشرق الأوسط, الذي يقوم أساسا ًعلى قيام الكيان الإسرائيلي الغاصب ودعم عدوانه وإحتلاله لأراضي فلسطين بكل ما تمثله من حاضرةٍ تاريخية وقيمةٍ دينية عالية بمقدساتها المسيحية والإسلامية على حدٍ سواء , ناهيك عن إحتلاله للأراضي العربية في عدوان 1967 بما فيها الجولان السوري.
أكثر من أربعين عاما ً للنضال المشترك للدولتين والشعبين الصديقين, تحملا فيها عبىء مقاومة الإحتلال الإسرائيلي والمشروع الصهيو-أمريكي , دفاعا ًعن الأرض والسيادة والكرامة والمقدسات, ومناهضة الظلم والطبيعة العدوانية – التوسعية للكيان الإسرائيلي, مع تفاقم حالة الخذلان والإنقسام العربي, والتاّمر والإنحياز الدولي, لدعم وحماية واستمرار الإحتلال الإسرائيلي, ودعم مشاريعه التوسعية في المنطقة.
سنواتٌ من العمل الدؤوب أثمرت وأنتجت نواةً صلبة للمقاومة, ورسمت بتضحياتها وشهدائها نهجا ً تُرجم محورا ً مقاوما ً امتد من طهران إلى دمشق مرورا ً ببغداد وبيروت ووصولا ً إلى غزة والقدس والضفة وكامل الأراضي الفلسطينية المحتلة... محورٌ أثبت فعاليته في تحرير الجنوب اللبناني وبإنسحاب سلطات العدو الإسرائيلي من غزة , وبفرض معادلات الردع التي حاصرت الكيان وأجبرته على إعادة حساباته التوسعية , فإنكفىء نحو حماية وجوده وبقائه عبر بناء الجدران الإسمنتية , واللهاث وراء الإدارات الأمريكية للبقاء في المنطقة لأجل حمايته... ولم يتوقف عن تحريض مسؤوليه على شن الحروب العسكرية على عواصم المقاومة على أمل إسقاطها وتدميرها, والقضاء على جذور وفكر وثقافة المقاومة وعلى الذراع العسكرية لجيوشها ولأحزاب وحركات المقاومة فيها.
ويأتي اليوم من يستغربون وقوف الدولة الإيرانية إلى جانب سوريا !, وكيف لها ألاّ تساعد وتدعم صمود وإنتصار الدولة والشعب السوري في الحرب الإرهابية – الكونية التي فرضت عليها !, وكيف لها أن تتجاهل قساوة الحصار والضغط الرهيب الذي تتعرض له قلعة المقاومة ورأس حربتها ! .. يا لهم من أغبياء إذ لم يستطعوا فهم قيم الوفاء والصدق والأخوة, ولم يروا الكتف على الكتف واليد باليد في أحلك الأوقات وأصعبها, كم يبدو أعداء المقاومة صغارا ً وهم يتحدثون عن ناقلة النفط الإيرانية وهي تشق طريقها نحو شرايين ومفاصل الحركة والحياة للدولة والشعب السوري , حقا ً صدق من قال "فاقد الشيء لا يعطيه".
فبعد كل ما أُشيع , وكل ما حدث من إحتجازٍ للناقلة الإيرانية, فقد وصلت إلى هدفها وفرّغت حمولتها حيث أرادت وقامت بما يفرضه عليها واجبها الأخوي والأخلاقي , وبدورها السياسي – المقاوم وبدعمها الكامل للدولة والشعب السوري .
إن وصول الناقلة إلى مرافىء سوريا هو نصرٌ لمحور المقاومة وهزيمة أكيدة للإدارة الأمريكية ولشركائها الأوروبيين ولحصارهم اللاشرعي المفروض على سوريا .. ومع ذلك بدأت وسائل الإعلام الأمريكية محاولة ً يائسة للتخفيف من وطأة الهزيمة, بالحديث عن صفقةٍ سرية بين الولايات المتحدة وإيران عبر طرفٍ ثالث , بما يُتيح للناقلة الإيرانية العملاقة تسليم 2.1 مليون برميل من النفط إلى الحكومة السورية.
وسائل الإعلام هذه تجاهل أو تناست, كافة التصريحات والأحاديث الإعلامية والرسمية الأمريكية عن وصول الحرب على سوريا إلى طريقٍ مسدود, وعن فشل الإدارة الأمريكية في إسقاط الدولة السورية وقيادتها أو بتغيير نهجها وسياساتها وبتحويلها إلى دولةٍ فاشلة عاجزة عن حماية أرضها وشعبها, وبتأمين مقومات ومتطلبات حياة مواطنيها, كما فشلت بمنع إيران من تأكيد حرصها على دعم حلفائها.
وبحسب الروايات الأمريكية, فإن بقاء الناقلة "أدريان داريا1" عدة أيام في البحر الأبيض المتوسط دون تحديد وجهةٍ نهائية, يعود لإنتظارها نهاية المفاوضات الأمريكية – الإيرانية... وتُعلل الروايات سبب إختفاء وإنسحاب الطائرة بدون طيار الإسرائيلية "هيرون سوبر" التي كانت ترصد الناقلة الإيرانية بالقرب من المياه السورية, على أنه الدليل على إبرام الصفقة, الأمر الذي منح الناقلة إمكانية التوجه بحرية نحو ميناء طرطوس.
من السذاجة بمكان أن تلجأ وسائل الإعلام الأمريكية لتأكيد رواياتها إلى كلام وزير الدفاع مارك اسبير وهو يقول: "ليس لدينا خطط للاستيلاء على ادريان داريا 1 وإدارتنا تتفاوض مع إيران بشكل غير مباشر", فما أسهل التصريح والكذب في إدارةٍ يرأسها دونالد ترامب صاحب الأرقام القياسية في النفاق والكذب, وفي الوقت ذاته تنتشر فضيحة محاولة رشوة القبطان الهندي بـ 15 مليون دولار من أجل تسهيل الإستيلاء الأمريكي على الناقلة, بالتوازي مع بعض التهديدات الرامية لإخافة الإيرانيين ومنعهم من تسليم الشحنة إلى سوريا.
ولا بد من قراءة التناقض في كلام وزير الدفاع الأمريكي, الذي يُثبت عكس ما ذهبت إليه وسائل إعلامه, وحاولت إثبات ضعف إيران ورضوخها لشروط  التفاوض السري مع الجانب الأمريكي, مقابل وصول الناقلة إلى سوريا ... فقد بات معلوما ً للجميع مدى النجاح الذي حققته إيران بالوقوف في وجه الولايات المتحدة والمملكة المتحدة في مياه الخليج, وبقدرتها على إرسال طائراتها بدون طيار وبشكلٍ يومي فوق السفن الحربية البريطانية ودورياتها في مضيق هرمز وقبالة الساحل الإيراني, وهذا بدوره يُثبت قدرة الحرس الحرس الثوري الإيراني على حفظ الأمن في مياه الخليج, وأمن الدولة الإيرانية والدفاع عن مصالحها الإقتصادية وحقها في تصدير نفطها, وهي بمجملها أمورٌ تنفي كل حديثٍ عن أي ضعفٍ أو رضوخٍ إيراني لأي شروط أمريكية تتعلق بناقلة النفط العملاقة. 
إن حديث وسائل الإعلام عن مفاوضاتٍ سرية بين واشنطن وطهران, لا يعدو أكثر من محاولة خبيثة ويائسة لإظهار ضعف إيران وإحراجها أمام شعبها في الداخل وأمام سوريا وحلفائها في محور المقاومة, وللإيحاء بأنها مستعدة للتفاوض السري, الذي يزرع الشك فيما بينهم وبإمكانية أن يكون ذلك على حسابهم, كما يسعى لإستعراض العضلات الأمريكية, ولإثبات الإدعاء حيال رغبة إيران واستعدادها للتفاوض من بوابة الناقلة أدريان أو لإستجداء أي حوارٍ مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قبل أو حتى بعد الإنتخابات الأمريكية في العام 2020.
لم تُثبت الإدارات الأمريكية ولو لمرة واحدة على مدى عشرات العقود, ذكاءا ًعلى حساب الغباء, وموضوعية ً على حساب العنجهية, وحكمة ًعلى حساب التهور والجنون, وبقيت تحتفظ بأسبابها وبكثرة أخطائها وجهلها بطبيعة العلاقات الإستراتيجية والأخلاقية والمبدئية والإحترام المتبادل بين الدول والشعوب, خصوصا ً في الحديث عن الدولتين والشعبين السوري والإيراني , وتبدو عاجزة تماما ًعن فك الشيفرة السورية – الإيرانية.
المهندس: ميشيل كلاغاصي
11/ 9 / 2019

Monday, August 19, 2019

سوريا ليست أرضا ًمشاع لعربدة الإنفصاليين والأتراك والأمريكان - ميشيل كلاغاصي


(هواجسها ومخاوفها من تداعيات تحرير إدلب, دفعتها لإستعجال تأزيم الأوضاع ولقبولها بما كانت ترفضه, ولإستعجال استنساخ الكيان الإسرائيلي شمالا ًوشرقا ًبالنكهة التركية والإنفصالية ... ودَعَتها منطقة اّمنة رغم التكريد والتتريك على غرار التهويد ... ورأت في إنفصالييها وأردوغانها عكاز بقائها اللاشرعي على الأراضي السورية, والذي رأى نفسه ضامنا ً للحلم العصملي, وراّه السوريون عدوا ًوقحا ًضامنا ً للإرهاب والإحتلال البائد لا محالة .. واعتبروها فرصة لإستلاب السيادة ولإبراز العضلات بالوكالة, لكنهم بَدوا تائهين وربما سيتحولون إلى نادمين وللعفو طالبين... وَيحَكم ... فهذه سوريا ربة الحكمة ومنجبة النور والأبطال والحرية والكرامة وليست أرضا ًمشاعا ًلعربدتكم وأوهامكم).
مع غيابٍ كلي للأمم المتحدة والقانون الدولي, يُكشّر الوحش الأمريكي عن أنيابه, ويزحفُ بمشروعه الصهيو-أمريكي إلى سوريا والمنطقة, وهو يحلم بشرق أوسط جديد ومزيف بغير دول وغير شعوب, لكنه وبعد سلسلة الهزائم العسكرية والسياسية التي مُني بها, اختزل مشروعه وأصبح همّه الخروج من سوريا بأقل الخسائر وأكبر المكاسب داخلها وعلى حساب دورها التاريخي والإقليمي والدولي, ولم يغب عن باله, كيفية إحكام قبضته على الحدود بين سوريا والعراق ومنع خط التواصل البري السياسي والإقتصادي والعسكري والإستراتيجي لمحور المقاومة ما بين طهران ودمشق عبر بغداد وصولا ًإلى بيروت والقدس وكافة الأراضي العربية والفلسطينية المحتلة, ومنع مرور خط النفط الإيراني بإتجاه خطوط النفط السوري وموانىء تصديره عبر المتوسط إلى العالم, في وقتٍ لم ولن يغيب عن باله الحفاظ على أمن ووجود الكيان الإسرائيلي الغاصب, الذي بدت  فيه عوامل بقائه ووجوده رهانٌ خاسر على محك محور المقاومة... وعليه احتفظ القطب المتهاوي ببعض اّماله عبر إطالة أمد الحرب من خلال ممارسته أعلى الضغوط على الدولة والسيادة السورية, والتطاول على وحدة أراضيها, ليقود مشروع تقسيمها في شرقي الفرات وغربه.
على المقلب التركي ... ثماني سنوات ولا تزال تركيا هي الأخطر على الدولة السورية, تبعا ًلحدودها الطويلة معها ولحجم إنغماسها في خدمة المهمة القذرة والذي يعادل حجم أطماعها وإجرامها في سوريا.. فمنذ اللحظات الأولى للعدوان التركي-الإرهابي والمباشر على السيادة ووحدة الأراضي السورية, أعلن أردوغان نيته بإقامة منطقة عازلة أو اّمنة مدعومة بقرارٍ أممي أو أمريكي يضمن فيها حظرا ًللطيران السوري وحدودا ًاستعمارية تمنع تقدم الجيش العربي السوري نحوها... فسعى لتهجير أهلها وادعى حيازته على صكوك ملكيتها, وأراد أن يجعل منها منطقة خاضعة لنفوذه, واعتمد على عمالة بعض السوريين ممن باعوا أنفسهم للشيطان... يبدو أن أردوغان مستمرٌ بتصدير أزماته وهزائمه الداخلية, ويحلم بإعادة توحيد الشارع التركي خلف قيادته عبر إثارة مشاعره القومية بمعارك تخوضها الدولة والشعب التركي لأجل إعادة تعويم "السلطان".
وعلى المقلب الإنفصالي ... فقد بدأت فصول القصة الفعلية في 17\2\2016 عندما أُطلق في مدينة رميلان وبزعامة حزب الإتحاد الديمقراطي الكردي ما يسمى "وثيقة النظام الإتحادي الديمقراطي الفيدرالي في روج آفا - شمال سوريا", لإقامة "إدارة حكمٍ ذاتي" في الرقة وعين العرب وعفرين والجزيرة, وكافة الأراضي التي سيطرت عليها ميليشيات "قسد" بدعمٍ مطلق من قوات الإحتلال الأمريكي والفرنسي, وبالتنسيق  الكامل مع كافة التنظيمات والمجاميع الإرهابية المتواجدة هناك وعلى رأسها تنظيم "داعش" الإرهابي. 
ففي البداية لم يكن السوريون يعرفون الكثيرعن مّا سُمى "قوات سورية الديمقراطية" ولاعن أهدافها, لكن الأيام كشفت نوايا مطلقي هذا المشروع المشبوه وأنه لا يعدو أكثر من إدارة توحشٍ جديدة بإدارةٍ مختلفة... يقوم على الطاعة العمياء للسيد الأمريكي, وبإدعاءات محاربة الإرهاب, فقد رأى العالم كله مرور وعبور الإرهابيين وإمداداتهم عبر مناطق سيطرة ميليشيات "قسد", وكان لهم "شرف" حضور حفلات نقل الدواعش عبر الحوامات الأمريكية إلى غير جبهات, وكانت اّخر المسرحيات معارك الهول والباغوز ونهاية التنظيم في سوريا ... لكن الرئيس ترامب تراجع عن إعلان القضاء عليه في اللحظات الأخيرة, ليعود ويعلن عن إمكانية عودة التنظيم, ومؤخرا ً ليعلن رسميا ًعن عودته, لكن الأهم أنه حافظ على ذريعة وجود وتسليح ميليشيات "قسد", والتي احتفظت بدورها عبر مخاوفها من العدو التركي, وحقها بالدفاع عن نفسها ومناطق "إحتلالها".
الموقف السوري الرسمي ... وعلى الرغم من إعلان الدولة السورية عن موقفها الرافض لأي مشروع تقسيمي, وتحذيرها لكل من "تسول له نفسه النيل من وحدة أرض وشعب الجمهورية العربية السورية تحت أي عنوان", وتأكيدها مرارا ً أن "طرح موضوع الإتحاد أو الفيدرالية يشكل مساسا ًبوحدة الأراضي السورية, وأنه "يتناقض مع الدستور والمفاهيم الوطنية والقرارات الدولية" وأنه "لا قيمة ولا أثر قانوني له".. واعتبرته عملا ًداعما ً للإرهاب وأنه يصب في خانة إضعاف سوريا, وأنها ترى في أي تواجد لا شرعي على أراضيها هو مجرد إحتلال.
لكن هذا لم يُثن قادة الميليشيات الإنفصالية, واستمرت في العمل على تكريس الإنفصال, وأقاموا هياكل الجسم الفيدرالي–التقسيمي, واستولوا على كافة مصادر الثروات المتنوعة على امتداد الشرق السوري, وبنوا بأيدهم القواعد الأمريكية, وحفروا الخنادق حول القواعد الفرنسية, وقاموا بتنفيذ كل ما من شأنه خدمة المشروع الأمريكي-الصهيوني, مستغلين إنشغال الدولة والجيش السوري وحلفائه في دحر الإرهاب جنوب ووسط البلاد.
لقد بالغوا في تقدير قدراتهم وحجمهم في الميدان والمنطقة, واعتقدوا أنهم قادرين على تنفيذ المهمة الأمريكية في الحصار الإقتصادي للدولة والشعب السوري في محاولةٍ لكسر إرادة السوريين, وبقدرتهم على تغيير أوراق اللعبة الدولية, وغاب عن ذهنهم سرعة تخلي أسيادهم عنهم كما فعلوا بغير ميليشيات وغير أدوات ... ومن الواضح أنهم أضاعوا جميع الفرص التي منحتهم إياها الدولة السورية, وتجاهلوا الغضب الشعبي وقدرة الدولة والجيش السوري على فرض السيادة السورية, ووضعوا أنفسهم في وجه العاصفة وعليهم تحمل النتائج.
وعلى المقلب الأمريكي ... لم يتوقف تأرجح ولعب الإدارة الأمريكية على الحبلين التركي والإنفصالي, ومضت في استغلالهما إلى أبعد مدى, فقد رفضت المنطقة الاّمنة على مدى ثمان سنوات, ورفضت سحب السلاح الأمريكي من أيدي الإنفصاليين, وحافظت على النقيضين وصاعقي التفجير, فالأتراك يتمسكون بأمنهم القومي وبمنع قيام أي شكل سياسي لكيان كردي لطالما دعاه الرئيس أردوغان بالإرهابي, فيما يمضي الإنفصاليون تحت العباءة الأمريكية بتكرار مخاوفهم من عدوان تركي يجتاح مناطقهم .. من خلال علاقة تكافلية لم يعد بالإمكان إخفائها, ما يدفع للسؤال, هل هم حقا ًعلى خلاف وعداء, وهل ما قبل أسر واحتجاز عبدالله أوجلان يختلف عمّا بعده ؟.
من الواضح أن مطالبة كلا الطرفين التركي والإنفصالي بإنشاء المنطقة الاّمنة, ومن خلال مقارنة ما يتحدثا عنه يتضح أنهما يتفقان على إغتصاب الأرض السورية لكنهما يختلفان حول السيطرة, فأردوغان يريدها مناطق نفوذ تركي ولا يمانع بالإبقاء على مناطق الإدارة الذاتية وبهيمنة المكون الكردي من باب الرشوة, فيما يريدها الإنفصاليين منطقة اّمنة بقرار دولي أو أمريكي تمنحهم أحقية السيطرة عليها وإدارتها.
حقيقة الإتفاق الأمريكي – التركي لإقامة المنطقة الاّمنة ... فبعد لقاءاتٍ مكثفة تم الإعلان عن الإتفاق التركي-الأمريكي لإقامة المنطقة الاّمنة, وعلى إقامة مركز عمليات مشترك بينهما في "شانلي أورفا" أو "غازي عنتاب", وقد يتوهم البعض بأن مبررات الرفض الأمريكي قد زالت, وزالت معها هواجس ومخاوف الأتراك والإنفصاليين, مع تحوّل الإعلام للحديث عن طول وعمق المنطقة وعن ترتيبات المجال الجوي, ومناطق إنتشار القوات, وتركيبة الدوريات, واّليات إنسحاب القوى الإرهابية بحسب تصنيف كلٍ منهما, وعن قوى الأمن والسيطرة الفعلية على الأرض.
في حين أن الأمريكيين لم يفصحوا عن أيا ًمن تلك النقاط, وفضلوا الحفاظ على منسوب الغموض, وتركوا المجال مفتوحا ً للتوقعات والتكهنات, وربما لإنتظار ردود الأفعال وقبض الثمن من كافة الأطراف بدءأ ًمن الدولة السورية وحلفائها ولكافة الأطراف الإقليمية والدولية الفاعلة والمؤثرة في المواجهة... في حين تبقى عينها على قطع طريق التقارب التركي–الروسي, وعلى جهود الوساطة والدور الروسي لتقريب وجهات النظر وتقدم الحوار بين الأكراد والدولة السورية.
رؤى عديدة وحقيقة سورية واحدة ... وسط مشاهد الغموض والضباب, هناك من هلل لمنع التحرك التركي العسكري بإتجاه شرق الفرات, وهناك من ادعى وقوع أردوغان في الفخ الأمريكي, ووقوع الإنفصاليين في شباك التجميد الأمريكي تمهيدا ً لبيعهم كالأسماك المجمدة في السوق المحلية والإقليم ...
في وقتٍ تراقب فيه واشنطن الإندفاعة السورية–الروسية نحو تطبيق بنود إتفاق سوتشي بالقوة العسكرية, وربما إلى أبعد من ذلك فتحرير إدلب بات متاحا ًومتوقعا ًفي أية لحظة, فترى أردوغان يقف غبيا ًمكتوف الأيدي تحت عباءة الدور الضامن لدولة الإحتلال التركي ومشروعها ...
ويحق للبعض الاّخر أن يتحدثوا عن رد فعلٍ أمريكي استباقي لتحرير إدلب عبر التهويل بمشروع التقسيم الخيالي وغير القابل للتحقيق, ويحق للسوريين أن يرونه إتفاقا ًميتا ً قبل أن يولد, فما من قوة في العالم تستطيع منع السوريين من فرض سيطرتهم وسيادتهم على أراضيهم, ولو كلف ذلك خوض المزيد من المعارك, بعدما أثبتوا قوتهم ورباطة جاشهم واستعدادهم لقتال وطرد كل من تجرأ على وطنهم وسيادتهم ووحدة أراضيهم.
المهندس: ميشيل كلاغاصي
19 / 8 / 2019

Tuesday, August 13, 2019

أفول الإمبراطورية المتوحشة..هل يتخلى الأمريكيون عن رخصة القتل - ميشيل كلاغاصي


عصور وعقود وسنوات تعاقبت, تكررت معها ذات القصة وذات الفصول, أممٌ تصعد وتلتقي ظروفها وحظوظها, ربما هي الحيوية والطموح, وربما القوة والأطماع, وفي المحصلة تجد نفسها "المملكة" أو "الإمبراطورية" أو "الدولة العظمى", فتقول كلمتها, وترسمُ أقدار من هم أضعف منها ومن يدورون في فلكها أو من وقعوا في شباكها, لكن الأيام لا تسمح لها بالدوام والإستمرار إلى ما لا نهاية, وعندما يحين الوقت تتحول إلى قوةٍ سابقة وربما تالفة ومتاّكلة, وتعود القصة لتبدأ من جديد.

قد لا يؤمن البعض, بأن الإمبراطورية الغربية الحديثة, ستنهار فوق رؤوس أصحابها, ويرون أن مجمل الإخفاقات والضعف والخلافات والأزمات السياسية داخلها, ستُطلق نوعا ًمن ردود الفعل تؤدي بالنتيجة إلى إحتواء الصدع, لكن الحقيقة تشي بأكثر مما يجري أمام أعيننا ...

ولا بد من قراءة بعض التغييرات التي طرأت على النظام الدولي, فمن كان يصدق أن تتحول أوروبا إلى مستعمرة أمريكية غير قادرة على الدفاع عن مصالحها الجيوسياسية, ومن يصدق أن تتحول الولايات المتحدة إلى مستعمرة إسرائيلية مسخرة لخدمة بقائها وأوهامها الدينية المزورة وأهدافها العنصرية, ومن كان يصدق حجم الخلاف بين الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي وارتفاع احتمالية إنهيار شراكتهما المتوحشة تحت وطأة أخطائهما, بالتوازي مع صعود الصين وروسيا الإتحادية وتقدمهما العسكري وتحالفهما وشراكتهما الإستراتيجية الشاملة, وبعلاقاتهما المميزة مع إيران وغير دول, بما يتوافق مع روح العصر الجديد.

فلم تعد تركيا جزءا ًواضحا ًمن حلف شمال الأطلسي, ولم تعد علاقاتها وشراكاتها مع الأوروبيين موضع ثقة, ولم تعد الولايات المتحدة تستطيع الحديث عن تغيير النظام في فنزويلا وسوريا, وفشلت في تقسيم العراق, وفقدت هيبتها بالواسطة في اليمن, وفقدت تحالفها العسكري مع باكستان, ولم يعد بمقدورها الإعتماد على أذربيجان وتركمانستان, مع تفكك دول مجلس التعاون الخليجي, وفشل الناتو العربي, والتحالف العربي الإسرائيلي ضد إيران, بالإضافة إلى إنكفاء الذراع الإسرائيلية نحو إقامة الجدران والدفاع عن وجود كيانها السرطاني, بالتوازي مع سقوط وإنكشاف ما تدعيه من قوتها الرادعة, أمام المد الكبير وتعاظم قوة محور المقاومة.
فالفوضى والتخبط يقودان السياسة الخارجية للولايات المتحدة, ومع خسارتها لعديد الحلفاء وفشل غالبية التحالفات, فكيف لها أن تستخدم القوة العسكرية والتي تعتبر أهم دعائم امبراطوريتها ؟.. وكيف لها أن ترفع منسوب تصعيدها العسكري مع إيران, والصين وروسيا.

ويبقى من أهم مؤشرات ضعفها وتراجع أدواتها, إصرارها على نقل مقر قيادتها المركزية في الشرق الأوسط إلى أراضي أعدائها لحماية مصالحها بنفسها, لكنها تبقى عاجزة عن حماية جنودها وأهدافها وسياساتها...بالتأكيد هي تعيش أسوأ كوابيس تحالفها الأنجلو- صهيوني, وتقدم أهم علامات انهيار الإمبراطورية الغربية التي نخرها السوس وأوصلها إلى النهاية.

فبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية, لعبت الذهنية الأمريكية دورا ًسلبيا ًمن خلال الفهم والإستغلال الخاطىء لنتائج الحرب, وبنت سلم صعودها وامبراطوريتها معتمدة على ضعف وإنهاك غالبية الدول المنتصرة أو المهزومة, فقد اتجهت لمنافسة حليفها وشريكها الروسي في الإنتصار, وتخطت المنافسة إلى حد العداء والعدوان بالوساطة, وكانت قادرة وحلفائها الأوربيين على المساعدة في إعادة بناء ألمانيا لكنها لم تفعل, وامتلكتها السعادة لوضع اليابان تحت وصايتها, وأحكمت قبضتها على كوريا الجنوبية, ولم تبال بقسوة أفعالها في فيتنام ولاوس وكمبوديا... وتحت الذرائع المختلفة, اشعلت حروب الخليج الأولى والثانية, وانتهت إلى غزو العراق, بعدما نجحت بقتل عددٍ لا يحصى من المدنيين وتدمير كل ما استطاعت تدميره هناك...وحققت نتائج مماثلة في أفغانستان, والصومال وليبيا, ومؤخرا ًفي سوريا واليمن, وفي العراق ثانية ً, لقد دمرت العالم لأجل إعادة بنائه على "صورتها ومثالها", تحت شعار الدمار لأجل الدمار, معتقدة ًأنها تسير على طريق المجد وبناء الإمبراطورية الأبدية.

وأنفقت الأموال الطائلة لبناء ترساناتها العسكرية وقواعدها المنتشرة عبر العالم, وحولت جيشها إلى جيش مترف مهووس ببذخه وغطرسته وقساوة قلبه, وبدأت تفقد شيئا ًفشيئا ًروحها وعرق مبدعيها الذين بنوا قوتها الصناعية والتكنولوجية التي تفوقت بها خلال الحرب العالمية الثانية, وسيطرت عليها ذهنية الحروب والقتل والهيمنة العسكرية, وأصبح الإنفاق العسكري هاجسها ومصدر "إلهامها" للتفوق على بقية الدول, دون أي مراجعةٍ وإهتمام لما تجنيه من نجاح أو فشل.

 ومع ذلك لم تحقق أسلحتها السمعة ولم تجلب لها التفوق أمام غير جيوش, لكن الأميركيين يحبون أسلحتهم, ويعشقون بيعها أو حتى تسليمها وإعاراتها لأي كان كدليلٍ على الدعم وربما على "الصداقة", ويعشقون التصريحات السياسية حول تتبع أسلحتهم وحرصهم على عدم وصولها إلى الأيدي الخاطئة, لكنك تستطيع غالبا ًرؤيتها في أيدي أعدائهم أو أصدقائهم لا فرق, ولا تسأل عن أسلحة السعودية و"داعش" و"النصرة" و"قسد" و"بوكوحرام" ...

ومع فشل إستراتيجية التدميرالشامل, ومع عديد الهزائم العسكرية التي منيت بها, تستمر بطموحها الأعمى وشبقها للإنتشار العسكري حول العالم, الأمر الذي أصبح جزءا ًمن ثقافة سياسييها وسياستها الخارجية وجوهرها القتل, ولجأت أيضا ًإلى سياسة الإغتيالات سواء لرؤساء وقادة دول, أو لبعض أدواتها الإرهابية, أو لقادة حركاتٍ وطنية مقاومة, ويبقى العامل المشترك هو الإغتيال بهدف القتل.... في وقتٍ لم تمانع فيه حصد أرواح المدنيين والأبرياء, وحرصت على أن ينالوا حصتهم من القتل أيضا ً, فقد قصفت العديد من الجنازات وحفلات الزفاف عبر الطائرات المسيرة بدون طيار؟ فهل يعرف الشعب الأمريكي هذا ؟ أم يكتفون بالحزن على أقربائهم وأبنائهم اللذين يقتلون على بعد اّلاف الأميال !...

وعلى الرغم من قوتها العسكرية وأدواتها حول العالم, لكنها تبدو عاجزة عن مواجهة كوريا وإيران وإسقاط سوريا وإختراق فنزويلا والجزائر, وباتت مقاومة الغزو الأمريكي متاحة ًلأي دولةٍ تستطيع الصمود وإجبارها على دفع التكاليف الباهظة في المال والأرواح, الأمر الذي يحصر قوتها الصاروخية في تدمير المباني والجسور وقتل الأبرياء فقط, ما يجعل قواتها العسكرية عديمة الفائدة, ويقلص قدرتها على المساعدة في تحقيق أيٍّ من أهدافها السياسية.

بات من المؤكد أن هذا السلوك والتكتيك الأمريكي لن يساعد على خلق سلام دائم في الداخل الأمريكي وحول العالم, لكنه يبدو مناسبا ًلإستمرار الفوضى وتصعيد واحتدام الصراعات, ويخلق القاعدة والمبرر لزيادة الإنفاق العسكري ولتبرير السياسات العدائية ... يبدو أن الأمريكيين منحوا أنفسهم رخصة القتل والتحريض تحت عنوان سياسة الدولة العظمى, ويبقى السؤال مالذي سيحتفظون به بعد أفول إمبراطوريتهم سوى وحشيتهم ورخص القتل خاصتهم ؟... فالفوضى التي يبحثون عنها ويقومون بتصديرها إلى أنحاء العالم, تعيش في صدورهم وعقولهم وقلوبهم, ولن يكون مستغربا ًأن يتساءل الأمريكيون عمن يقتلهم, ومن هو عدوهم الحقيقي؟...
لكن اليوم ومع إنقلاب المشهد, نجد أن بعض الدول قد أسست تحالفاتها على أساس القوة العسكرية والإقتصادية والتحالفات الإستراتيجية, وبات من الممكن ومع إنهيار الإمبراطورية الغربية أن تحل محلها غير قوى وعلى رأسها الصين وروسيا, الذان يستطيعان أن يحلا محلها في قيادة العالم وفق معايير نظرية فقط, وذلك لعدم إمتلاكهما لقواعد عسكرية حول العالم, توازي ما تمتلكه الولايات المتحدة, ناهيك عن طبيعة علاقاتهما مع حلفائهما والتي تختلف تماما ًعن علاقة "الدمى العسكرية" التي تربط الولايات المتحدة مع حلفائها, التي تساعدها على نشر مختلف أشكال القوات العسكرية, والعمل وفق أجدنتها السياسية.

بالإضافة لكون الصين وروسيا, لا يملكان الرغبة بالعودة إلى زمن الإمبراطوريات مرة أخرى, ويسعون لحرية وقوة وسيادة بلادهم, ولا يطمحون لقيادة و"حراسة" الكوكب, أو بتغيير أنظمة الدول الأخرى, ولا يؤمنون بعلاقاتٍ تهدف إلى توسيع رقعة الإحتلال وذبح البشر وتدمير الدول والمدن.

أخيرا ً... إذا كان المحافظون الجدد ونازيو العصر, يعاندون إنهيار امبراطوريتهم, ويسعون إلى تفجير الكوكب بحروبٍ شاملة وربما نووية, فلا بد لهم من معرفة أن الولايات المتحدة ستبقى, وكذلك أوروبا وبقية دول وشعوب الأرض, لكن تحت عناوين جديدة, لا مكان فيها للتفرد والغطرسة وجنون العظمة, في عالمٍ متعدد الأقطاب, كان له شرف مواجهة اّخر الإمبراطوريات الغربية.

المهندس: ميشيل كلاغاصي
13 / 8 / 2019

Friday, July 26, 2019

بريطانيا لاعبٌ بديل في الوقت الضائع - م.ميشيل كلاغاصي


دائما ًهي الجزيرة البريطانية التي إختفت حدودها البرية, فصبت كامل جهودها على حدودها البحرية, وطورت أساطيلها ومدافعها, وانطلقت قرصانا ًيجوب البحار والمحيطات, بحثا ًعن النفوذ وأموال الغير, وبالمال الصهيوني تحولت إلى أكبر القراصنة اللذين عرفهم التاريخ, ودُعيت "جحافلها" وأساطيلها البحرية بـ "قرش البحر القاتل"....
هكذا أصبحت بريطانيا القوة العظمى التي حكمت وتحكم العالم بوجهيها الظاهر والمستتر, وتراجعت إلى ما وراء الستار بعد إكتشاف وبلورة قوة القارة الأمريكية وسيطرة الحركة الصهيونية عليها, واقتصر دورها الظاهري على استمرارية العبث بدول القارة العجوز وحيث تصل أياديها, لكنها حافظت على دورها الخفي, واستمرت بحياكة كافة المؤامرات حول العالم وتحديدا ًحيال الشرق الأوسط, فقد تبنت دور أم "الصبي – الشرير" في إحتلال فلسطين وتشريد شعبها, لإطلاق الوعود ودعم تنفيذها لإقامة "الكيان الغاصب" على أرض فلسطين, مستغلة ًالأموال الصهيونية, وتفوقت على كافة دول قارتها وأقرانها من المستعمرين واللصوص والقراصنة.
هكذا يهلل الإسرائيليون لكل من يحكم بريطانيا, سواء كان ماي أو كوربن أو هانت, أو جونسون, وهكذا تندفع حكوماتها بعكس مصالح شعبها, لخدمة سياسة الولايات المتحدة الأمريكية الخارجية والداخلية, والتي تمسك بخيوط اللعبة, وتدفع بكافة المراكب نحو المصالح الصهيونية في مواجهة إيران والصين وروسيا, وفي المواجهة الدولية على الأرض السورية وبمواجهة الجيش العربي السوري الذي أكد وبدون أدنى شك أنه يدافع عن سورية وفلسطين والهوية العربية والإنسانية للبشرية جمعاء.
هي بريطانيا اليوم, التي لم تنفك يوما ًعن لعب دور القرصان البحري, في مياه الخليج والمتوسط وحيث تتواجد البحار والمحيطات, هي بريطانيا التي احتجزت الناقلات والسفن الإيرانية بالقرب من مضيق هرمز, وفي مضيق جبل طارق, عبر ذرائع سخيفة لقرصانٍ يدعي تطبيق القانون الدولي ..!
وفي وقتٍ تحتاجه الولايات المتحدة والرئيس ترامب لتمرير الإنتخابات الأمريكية, تطفو مراكب القرصان البريطاني لشغل الساحة وللمحافظة على سخونة التصعيد العسكري, وتؤكد دورها كأداة مسخّرة لخدمة المشروع الصهيو-أمريكي, وأنها لاعبٌ بديل في الوقت الضائع, دون أن تحظى بأدنى إحترام أو حماية أمريكية.
في وقتٍ يتحدث فيه البعض عن توريطٍ أمريكي – صهيوني للحكومة البريطانية, عبر مستشار الأمن القومي الأمريكي جون بولتون, الذي هلل للقرصنة البريطانية ووصف عملية الإحتجاز بـ "الخبر الجيد"... يلبس الساسة البريطانيون ثوب العفة, ويتحدث البريطاني جيرمي هانت عن استياء ورفض بلاده لإحتجاز إيران ناقلة ًتحمل العلم البريطاني, ويؤكد على ضرورة الحفاظ على حركة السفن البحرية "بأمان وبحرية في المنطقة"... متجاهلا ًقرصنة بلاده في مضيق جبل طارق في الرابع من تموز الحالي, بذريعة إنتهاك الناقلة الإيرانية للعقوبات الأوروبية التي تمنع نقل النفط إلى سوريا, ضاربا ًعرض الحائط بالقواعد والقوانين الدولية الناظمة لحركة ومرور السفن التجارية في المضائق والممرات الدولية.
ومع تهاوي كافة الإدعاءات والأكاذيب التي ساقتها الحكومة البريطانية لتبرير قرصنتها البحرية, يتبين ومن خلال عشرات الأدلة, ومما تناقلته الصحافة البريطانية والعالمية, أن ما قامت به بريطانيا ليس سوى جزءا ًمن مخطط كبير يتم تحضير مسرحه بالتنسيق الكامل مع إدارة الرئيس ترامب لتشديد الحصار والضغوط على الإقتصاد الإيراني والحد من قدرته على التصدير, وبطلبٍ من الولايات المتحدة الأمريكية.
يبدو أن الأمريكيين سعوا لتفيذ عملية القرصنة عبر بريطانيا, ليس بهدف تطبيق عقوبات الإتحاد الأوروبي على سوريا فقط ، بل للدفع للمزيد من إستعداء إيران وخنق شريان الحياة فيها, بغية استفزازها ورفع إحتمالات شن الحرب المباشرة عليها... الأمر الذي لن يقدم للبريطانيين سوى إنهيار ما تبقى من سمعتهم الدولية, وما تبقى من الثقة الإيرانية – الأوروبية, في وقتٍ كان الأجدر ببريطانيا أن تدعم الإتفاق النووي وأن تقف إلى جانب شركائها الأوروبيين ... وكلها أمورٌ تؤكد بمجملها عمالة العرش البريطاني وتبعيته للشرّ الصهيو –أمريكي, في إشاعة الفوضى وتهيد الملاحة البحرية في مضيق هرمز وغير مكان.
بات من الواضح أن التصعيد العسكري والحروب التجارية التي تسوقها الإدارة الأمريكية على الجمهورية الإسلامية الإيرانية, تحت ذريعة تعديل الإتفاق النووي الإيراني الذي تراه إدارة ترامب غير عادلٍ وغير منصف, ما هو إلاّ كلام خيالي يسعى لذر الرماد في العيون, ولم يعد خافيا ًعلى أحد الدور الهدام الذي تلعبه الولايات المتحدة الأمريكية كثورٍ جريح تمت إزاحته عن قمة العرش الدولي في عالمٍ متعدد الأقطاب, لن تكون فيه السيد والشرطي واللص باّنٍ واحد.
ولحين تبلور ملامح النظام العالمي الجديد, تسعى كافة الدول بما فيها الدول العظمى والكبرى, لتقديم ثبوتيات هيمنتها ونفوذها على أوسع نطاق, في وقتٍ تسعى فيه الدول التي تستشعر الهزيمة أو التراجع لإشاعة الفوضى والتهديد بالحروب, وما "أسعد" العالم بوصول بوريس جونسون إلى سدة حكم المملكة المتحدة, وهو الشبيه وربما النسخة الثانية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب, ويحق للعالم أن يتوخى الحذر, وأن يشعر بالخطر القادم, من حقبةٍ قادمة يجتمع فيها ترامب وجونسون, وعشرات المتطرفين اليمينيين اللذين أخذوا يحتلون غالبية سدات الحكم حول العالم.
المهندس
: ميشيل كلاغاصي
26 / 7 / 2019

Sunday, July 21, 2019

تداعيات الإنتصار السوري على التحالفات الدولية..هل تغادر تركيا الناتو؟ ميشيل كلاغاصي


لا شك أن إنتصار الدولة السورية وحلفائها في الحرب الدولية التي أرادتها الولايات المتحدة أن تكون حربا ًإرهابية ساخنة تحرق جسد الدولة السورية وأرضها وشعبها, وحربا ًباردة مع بعض الدول الإقليمية والعالمية, التي لا زالت إحتمالات تصعيدها العسكري والتجاري, تدفع بإتجاه تسخينها وتحويلها حروبا ًواسعة وربما شاملة مع كامل التخبط وغياب الإستراتيجية الواضحة للولايات المتحدة, وإبعادها لحلفائها وشركائها الأوروبيين والخليجيين عن حضور جلسات قرارها, واكتفائهم بالتبعية الكاملة, على الرغم من نزعات الخوف والخشية والرغبة لدى بعضهم بالبحث عن مصالحهم بعيدا ًعن الهيمنة الأمريكية.
ومع نجاح الدولة السورية بالقضاء على عديد التنظيمات والمجاميع الإرهابية, وتحرير واستعادة غالبية المدن والمناطق التي تسلل إليها الإرهاب, وعزل ما تبقى منها ومحاصرته في إدلب ومحيطها وفي شرقي البلاد, على الرغم من الدعم الرئيسي والمباشر من القوات التركية والأمريكية, بما يؤكد محاصرتها للمشروعين التقسيمي والإنفصالي, وحَصرِ خياراتهما بالذوبان والتلاشي, إما عبر العملية السياسية أو بفضل قرارها العسكري بتحرير كل شبر, ورفضها وشعبها كافة المشاريع الخارجية التركية والأمريكية ومشاريع الفتات التي يبحث عنها الفرنسيون والبريطانيون وأنظمة الخليج.
وتجدر الإشارة إلى أن الصمود والإنتصار السوري في مركز الصراع الإقليمي–الدولي, بدأت تنعكس نتائجه وتداعياته على غير ساحات ومواجهات, وبدأت تساهم في رسم ملامح جديدة لنظام التحالفات الإقليمية والدولية , إنطلاقا ًمن مصالح الدول الكبرى, وحساباتها المعقدة لتفادي الحروب الشاملة من جهة, ولتفادي الهزيمة والإستسلام من جهةٍ أخرى, ولضمان أمنها القومي ومستقبل شعوبها, ولم تعد التحالفات السابقة تتمتع بقدسية عدم المساس بها, وبات من الممكن ظهور تحالفاتٍ جديدة, لم تكن متوقعة وفق الحسابات التقليدية.
ومع وصول الدفعة الأولى لمنظومة الدفاع الصاروخي الروسية S-400 إلى تركيا في 12 حزيران بحسب وزارة الدفاع التركية, ومع استكمال جدول التسليم تباعا ًحتى نهاية صيف هذا العام, ستكون تركيا قد حصلت على أكثر من 120 صاروخ روسي مضاد للطائرات, بالإضافة إلى التقارير التركية التي تؤكد إرسالها فريقها لتشغيل منظومة الـ S-400 المؤلف من 20 عسكريا ًتركيا ًإلى روسيا للتدريب على استخدامها خلال الشهرين القادمين, بما يعني فعليا ًإعلان التحالف العسكري الروسي–التركي بطريقةٍ أو أخرى, يضاف إلى تحالفهما الإقتصادي والإستثماري في عديد المجالات, ناهيك عن التحالف السياسي –بعيد المدى- الذي جعل من تركيا دولة ًضامنة للحل السياسي وفي وقف الحرب على سوريا.
ويبقى السؤال, كيف سترد الولايات المتحدة؟ وهل ستفكر بتغيير النظام في تركيا ؟ أم سيكون الرئيس أردوغان هو الهدف ؟ أم سيتجه إنتقامها نحو الليرة التركية والعقوبات الإقتصادية ؟, أم ستكتفي بالعقوبات العسكرية والتي بدأتها بمحاولة إخراج تركيا من منظومة طائرات الـ F-35, أم بتطبيق قانون جاستا ؟.
فما يحدث ليس عابرا ً, ويؤكد وجود أزمة شاملة بدأت تتكشف فصولها وتداعياتها على بنية التحالفات العسكرية الدولية... ولا يمكن لتركيا أن تحافظ في الوقت ذاته, على عضويتها الأطلسية, والدخول في إتفاق تعاون عسكري مع الإتحاد الروسي... وقد يعود بنا هذا إلى أزمنة الحرب العالمية الأولى, حيث أدى تغيّر التحالفات العسكرية إلى حدوث نتائج حاسمة في التاريخ... مع ملاحظة أن تحالفات وأحلاف اليوم تختلف عن تحالفات الأمس, وأكثر تعقيدا ًمنها.
إن مجرد محاولة تركيا الخروج – ولو جزئيا ً- من حلف الناتو, مهما كانت غاياتها وأهدافها الحالية, سيؤدي إلى تحولات تاريخية في بنية التحالفات العسكرية, التي قد تساهم في إضعاف الهيمنة الأمريكية على الشرق الأوسط, وتُهيىء الأرضية لتفكك الحلف برمته... فالحلف وكما هو معروف يشكل قوة ًعسكرية كبيرة تضم عضوية 29 دولة, تعمل تحت القيادة الأمريكية, ويعتبر أداة الحروب الحديثة والخطيرة, بفضل قدرته على تهديد الأمن والسلم الدوليين... وسيكون من تداعيات خروج عضوٍ واحد على الأقل, الأثر الكبيرعلى إضعاف الحلف وباقي الدول الأعضاء... فهل يمكن إعتبار أن ما يجري هو جزء من المخطط الأمريكي, والذي تجلى في وعود ترامب الإنتخابية بفرط عقد الناتو؟, أم بتغيير قواعد اللعبة الدولية..!
فعلى الرغم من عضوية تركيا الأطلسية, إلاّ أنه لوحظ خلال العامين الماضيين, اهتمام الرئيس التركي بتطويرعلاقات بلاده مع اثنين من ألد أعداء أميركا وهما إيران وروسيا... وأن إنهاء تسليم تركيا لمنظومة الـ S-400 قبل عام تقريبا ًمن الموعد المحدد, يشي بشكلٍ أو باّخر بإمكانية إنسحابها لاحقا ًمن منظومة الدفاع الجوي المتكامل للولايات المتحدة والناتو و"إسرائيل", وسيُسهم في زعزعة الإستقرار في بنية التحالفات العسكرية على حساب واشنطن... وسيفرض أثره على خطط الحرب الأمريكية ضد إيران بإعتبارها دولة ًحليفة لتركيا أيضا ً... وسيطرح عديد الأسئلة حيال العلاقات والتحالفات والتفاهمات التركية – الإسرائيلية, والتي بموجبها تم التوقيع بينهما عام 1993 على مذكرة تفاهم أدت إلى تشكيل "لجان مشتركة" مهمتها التعاون في جمع المعلومات الإستخبارية عن سوريا وإيران والعراق, وتبادل التقييمات والقدرات العسكرية لهذه الدول... كما أسفرت في العام 2004 عن إيجاد تفاهمٍ للتعاون العسكري مع الناتو, والذي اعتبرته "إسرائيل" تعزيزا ًلقدراتها الرادعة في وجه إيران وسوريا.
إن "التحالف الثلاثي"– العسكري, الذي ربط الولايات المتحدة و"إسرائيل" وتركيا, استند بشكلٍ كبير على العلاقات العسكرية الثنائية القوية بين تل أبيب وأنقرة, وتم تسخيره لخدمة أطماعهما ولخدمة مصالح ومخططات الولايات المتحدة في وجه إيران وسوريا بالحد الأدنى ... لكن مع التغير الجديد في العلاقات التركية مع روسيا وإيران, وما يمكن وصفه بالتحالف العسكري لها مع موسكو, سيدفع الولايات المتحدة و"إسرائيل" للتفكير مليا ًقبل إتخاذ أي قرار بشأن شن الحرب والعدوان والهجمات الجوية على إيران.... وما كان متوقعا ًمن دورٍ تركي فيها أصبح موضع شك. 
ومع وصول ماّل الحرب الدولية إنطلاقا ًمن الحرب على سوريا إلى ما وصلت إليه اليوم, يمكننا التأكيد على أن تغير التحالفات العسكرية لم يعد يقتصر على تركيا وحدها, ويمكن رصد الخلافات الحاصلة بين النظام القطري ونظام اّل سعود, وحالة الفوضى التي تعم دول ومجلس التعاون الخليجي, وإنقسامه ما بينهما, مع انحياز قطر لإيران وتركيا, ضد السعودية والإمارات.
كما يمكننا رصد التحول العميق في التحالفات الجيوسياسية في جنوب آسيا عمّا كان عليه في العام 2017, بين  الهند وباكستان, وتحولهما إلى أعضاء كاملي العضوية في منظمة شنغهاي للتعاون... بما يمكن وصفه بالتحول التاريخي, الذي يشكل ضربة قوية ومباشرة لواشنطن صاحبة الإتفاقيات الدفاعية والتجارية مع كل منهما على حدة, في وقتٍ لا تزال فيه الهند تقبع تحت الإبط والرعاية الأمريكية الكاملة, فيما ابتعدت باكستان بشكل نسبي عن القبضة الأمريكية, خصوصا ًبعد إبرامها عديد الإتفاقات العسكرية والإستخباراتية, والصفقات التجارية والإستثمارية مع الصين.
إن توسيع إطار دول منظمة شنغهاي للتعاون, بدأ يسهم بإضعاف الطموحات الأميركية وبتقليل مستوى هيمنتها على دول جنوب اّسيا, خصوصا ًبما يتعلق بقدرة تأثيرها وتحكمها بخطوط أنابيب الطاقة وممرات النقل والحدود والأمن المتبادل والحقوق البحرية, إذ لا يمكن لواشنطن تجاهل حقيقة كون الباكستان هي المدخل الفعلي إلى أفغانستان وآسيا الوسطى, وعليه يبدو أن تراجع النفوذ الأمريكي هناك يصب في صالح الصين وإيران وتركيا.
مهما كانت الحسابات التركية, فيتوجب عليها أن تراعي مصالحها والتي تربط إرتباطا ًوثيقا ًبالمشروع الأوراسي الذي تقوده الصين وروسيا, خصوصا ًأن تركيا تعتبر حاليا ًشريكا ًأساسيا ًفي حوارات منظمة شنغهاي للتعاون...
فهل تستطيع تركيا وبالإعتماد على الصين وروسيا وإيران وغير دول, أن تتفادى الغضب الأمريكي والطوفان الكبير, للخروج من حلف شمال الأطلسي, مستغلة ًأزماته الداخلية, وتصاعد حركة الخروج من الناتو في جميع أنحاء أوروبا وأمريكا الشمالية, وتنامي حركات الضغط الشعبي على الحكومات لمغادرة الحلف, والتي تصب بمجملها في محاولة تفكيكه, وإلغاء أجهزته العسكرية والسياسية التي تستنزف قدرات الدول دون أن تقدم لها شيئا ً, والتي تبدو مخصصة ًلخدمة السيد الأمريكي وحده.
المهندس: ميشيل كلاغاصي
21 / 7 /2019

Sunday, July 14, 2019

صهاينة أكثر من الصهاينة..من وعد بلفور إلى صفقة القرن - ميشيل كلاغاصي



لا يمكن الحديث عن إحلال السلام والإستقرار في العالم, دون الحديث عن حل الصراع القائم في مركزه ونقطة توازنه في الشرق الأوسط... وهو صراعٌ أساسه الإحتلال الإسرائيلي لمساحات واسعة من الأراضي العربية, وعلى رأسها إحتلاله أرض فلسطين ومدنها التاريخية المقدسة, وقد تكون مدينة الناصرة مدخلا ًمناسبا ًلحديثنا اليوم.
تعتبر الناصرة إحدى أهم المدن الفلسطينية في الأراضي المحتلة عام 1948، وإحدى المدن التي نالت حصتها من الإحتلال والحقد والعداء والممارسات الإسرائيلية... وتحظى المدينة بأهميةٍ دينية وروحية كبرى خصوصا ًلدى المسيحيين, فهي أرض الرسالة والبشارة الإلهية إلى السيدة العذراء "ستحبلين وتلدين إبنا ًوتسمينه يسوع", والذي دعي لاحقا ًبالناصري... وإعتادت المدينة على استقبال زوارها من كافة أنحاء العالم, طلبا ً لإشتنشاق عبيرها الروحي أو السياحي على حدٍ سواء.
وقد يكون القس النيجيري تيميتوبي بالوجون جوشوا, صاحب ملايين الأتباع في الغرب, والذي وصفه البعض بـ "الشيطان, الدجال, المحتال", الذي يزعم النبوة, واحدا ًممن يملكون أسبابا ًخاصة لإختياره الناصرة مكانا ًلإطلاق ونشر "إنجيله", الذي لا يلتقي مع العقائد المسيحية التقليدية والمعروفة, بفضل قراءاته الغريبة و "المروعة" للكتاب المقدس, ومع تدخله السياسي الواضح في الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي, لصالح الحكومات الإسرائيلية اليمينية المتطرفة.
ومن اللافت أن تكون زيارة جوشوا إلى الناصرة في 23/6 /2019, ساهمت بتنشيط السياحة الدينية إلى فلسطين المحتلة عموما ًوالناصرة خصوصا ً, ويمكنها أن تتطور لحد جلب وجذب أكثر من 60 مليون أمريكي من المسيحيين الإنجيليين... ومن الملاحظ أن زيارات جوشوا ل"إسرائيل", تعتدت الهدف الديني التبشيري, إلى عقد اللقاءات مع قادة ومسؤولين حكوميين إسرائيليين من الصف الأول, والمعنيين بالشأن السياحي, وبمناقشة قدرة الكيان الإسرائيلي على استيعاب المزيد من المهاجرين اليهود الجدد من الولايات المتحدة وأوروبا.
إذ يعتقد جوشوا والكثيرون في المجتمع الإنجيلي, أن من واجبهم تشجيع اليهود على الإنتقال من بلدانهم الأصلية إلى أرض "الميعاد" بهدف تسريع الوصول إلى أزمنة نهاية العالم التي تنبأ بها الكتاب المقدس... ويؤمنون أن عليهم التواجد والوقوف إلى جانب السيد المسيح لدى عودته ليبني مملكته على الأرض, متجاهلين بهذا كلام السيد المسيح ذاته: "مملكتي ليست من هذا العالم".
يبدو أن جوشوا يعمل على تجميع كل من يسير في ركبه ووراء بدعه وخرافاته وتفاسيره المشبوهة, لهذا اختار  وبعناية فائقة أماكن جغرافية تتمتع بصلات عقائدية ليطلق منها حملته التبشيرية في مدينة الناصرة, كوقوفه وأتباعه على مدرج جبل القفزة, وعلى الجرف المطل على وادي "وادي يزرعيل" في "تل مَجِدُّو" (وهو الإسم التوراتي لموقع هرمجدون), حيث يعتقدون أن نهاية العالم ستحدث فيه عمّا قريب.
من السذاجة بمكان أن يصدق العالم أن المسيحيون الإنجيليون هم المراقبون لخطةٍ إلهية كُشفت لهم وحدهم, وبأنهم فاعلين ومؤثرين فيها وقادرين على تسريعها... في الواقع, لا يمكن فهم حقيقة صمت ومشاركة زعماء الدول الغربية المسيحية العظمى, في الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي على أساسٍ عقائدي لا تؤمن به غالبية كنائسهم, وقد ساهموا بشكلٍ مباشر ولعقود طويلة في تقديم الوعود (بلفور) وبسفك الدماء واستعمار الأرض وطرد وتشريد أهلها, من الواضح أنهم سعوا إلى تصميم الكيان الإسرائيلي على الشكل الذي نراه اليوم.
ويمكننا القول, أن الصهاينة الأوائل هم مسيحيوا الغرب المتطرفون .. اللذين فردوا العباءة والظل البريطاني لينعم به جميع الصهاينة لقرن كامل, ثم تحولوا نحو الرعاية والتبني الكامل تحت العباءة الأمريكية...
فمنذ أواخر القرن السادس عشر, وتحديدا ًفي الأوساط البروتستانتية في انكلترا, أُطلق مصطلح "الصهيونية" وفقا ًلنظرة الغرب لليهود, وبأنهم ليسوا جزءا ًمن النسيج الحضاري الغربي, ونظروا إليهم على أنهم شعب الله المختار ووطنهم فلسطين, وعرفت هذه النزعة بإسم "الصهيونية المسيحية", أو "صهيونية غير اليهود".
ومع تبلور الهجمة والأطماع الإمبريالية الغربية في الشرق, ومع تبلور الفكر العلماني المعادي لليهود في الغرب, بدأ مفهوم الصهيونية بالتخلص من أبعاده الدينية وانتقل إلى عالم السياسة والمنفعة المادية ومصالح الدول... فعلى سبيل المثال نجد أن نابليون بونابارت المعادي لليهود, يدعوهم للإستيطان في "بلد أجدادهم", ليكون بذلك صاحب أول مشروع صهيوني حقيقي على أرض فلسطين.
وأصبح مفهوم الصهيونية مفهوما ًأساسيا ًفي الخطاب السياسي الغربي منذ العام 1841 مع نجاح أوربا في بلورة مشروعها الإستعماري ضد العالم العربي, وبعد القضاء على مشروع محمد علي في مصر... وفي منتصف القرن التاسع عشر, بدأت تتبلور المفاهيم الصهيونية وتكتمل معها ملامح المشروع الصهيوني على يد المفكـرين المسيحيين الغربيين الصهاينة من غير اليهود, الذين اعتقدوا أن المجيء الثاني للسيد المسيح, يمكن تسريعه مع عودة اليهود "شعب الله المختار" إلى أرض "الميعاد"...
وعليه انطلق تشارلز تاز راسل (الأمريكي من أصول إيرلندية ومؤسس شهود يهوه) في نهاية سبعينيات القرن التاسع عشر, ليجوب العالم, ويحث اليهود على تأسيس وطنٍ قوميٍ لهم في فلسطين, إلى أن طرح ثيودور هرتزل -من بعده بعشرين عاما ً– كتابه المعروف عن الدولة اليهودية... وتعاقب من بعده من أدركوا جيدا ً قيمة القبضة المسيحية الصهيونية على العواصم الغربية, وركّزوا اهتمامهم على فلسطين أرض التوراة الموعودة, وسعوا لكسب حلفاء أقوياء في أوروبا والولايات المتحدة.
ولطالما كان دعم الإمبراطورية البريطانية هاما ًومؤثرا ًفي حث اليهود على الهجرة إلى فلسطين, وكان للمسيحيين الصهاينة الدور الأكبر في دفع المملكة على استصدار وعد بلفور .. وشجع سلوكهم ونفوذهم, اليهود على قبول الإنتقال من العباءة البريطانية إلى الأمريكية, في ستينيات القرن الماضي .. ودأب الرؤساء الأمريكيون على إحاطة أنفسهم بخليطٍ من الصهاينة اليهود والمسيحيين.
وبدورها وصلت هذه الإحاطة إلى عهد الرئيس دونالد ترامب, فأحاط نفسه ببطانة مماثلة, ضمت أسماء كثيرة ومعروفة ك ديفيد فريدمان, جيسون غرينبلات, مايك بنس, جون بولتون, ومايك بومبيو الذي أيّد فكرة "أن يكون الله قد أرسل ترامب لإنقاذ إسرائيل من التهديدات", في وقتٍ قال فيه مايك بنس:"شغفي لإسرائيل ينبع من إيماني المسيحي".
إن قيام ترامب بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس, وبالإعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان السوري المحتل, لم يكن سوى عملية استباقية لأي تسوياتٍ تفاوضية قادمة, وبهدف إرضاء قاعدته المسيحية الصهيونية التي صوتت له عام 2016, وهو على بعد أيام قليلة من الحاجة إليهم مجددا ً لعبوره إنتخابات 2020.
وفي هذا السياق, تجدر الإشارة إلى تكليفه ل "جون هاجي" و"روبرت جيفريس" وهما من القساوسة المتعصبين والداعمين لإسرائيل, لأن يقوما بتدشين مبنى السفارة الأمريكية الجديدة في القدس!, وسبق للقس هاجي أن قال على منبر الأيباك: "لقد استيقظ العملاق النائم للصهيونية المسيحية, هناك خمسون مليون مسيحي يقفون ويشيدون بدولة إسرائيل".
ومن الملاحظ أن الإنجيليين الأمريكيين لا ينفكون عن الإهتمام بتطوير علاقاتهم مع متطرفي اليهود الإسرائيليين, وأصبحت "إسرائيل" بالنسبة لهم قضية ً أساسية, في وقتٍ تؤمن فيه غالبيتهم بأن كل ما يحصل في "إسرائيل" يعود إلى نبؤات الوحي في الكتاب المقدس... وعليه فإن سعيهم لتشجيع اليهود من جميع أنحاء العالم للتوجه نحو أرض فلسطين يتوافق مع معتقداتهم المسيحية - الصهيونية, ومن خلال خطةٍ إلهية للشرق الأوسط... ويؤيدون كل ما يفعله المستوطنون اليهود المتطرفون بهدف إبتلاع الضفة الغربية, وينسجم أيضا ًمع فهمهم بأن الضفة الغربية هي "قلب التوراة", ويجب على اليهود إمتلاكها قبل عودة المسيح.
وعليه يُقّدم الإنجيليون الصهاينة لسلطات الكيان الغاصب, كافة أشكال الدعم السياسي والعسكري والمالي, بما لا يمكن تصوره ... كما أن حديث العالم عن "صفقة القرن" وما تتطلبه من أموال لإغراء الفلسطينيين والعرب لقبولها, لن يكون أمرا ًصعبا ً أو مستحيلا ً, مع وجود "جيش" من المتبرعين الإنجيليين الصهاينة الأوروبيين والأمريكيين حول العالم... ومع ذلك, يبقى هاجسهم لجمع الأموال يفوق إدراكهم للنبؤات التوراتية ولحاجتهم الماسة لتبرير سياساتهم حول العالم عموما ًوفي الشرق الأوسط خصوصا ً, ويشكل لهم حافزا ً ودافعا ً لتأجيج سعيهم للسيطرة على الثروات وموارد النفط في المنطقة, ولو تطلب ذلك استخدام القوة العسكرية وخوض الحروب المدمرة.
ويبقى إضطهادهم وتاّمرهم على الفلسطينين والعرب, يشكل مصدرا ًلحصول سلطات الكيان الغاصب على المكافئات والدعم اللامحدود, بما فيه مشاريعهم وحروبهم الإرهابية على سوريا والشعوب العربية المقاومة, وبمحاربة الدولة الإيرانية وروسيا والصين, وعليه لا يحتاج الرئيس ترامب تقديم الحجج والذرائع لكل ما يفعله مهما كان سيئا ًتجاه الدول والشعوب الأخرى, ويكتفي بعداء من تعتبره "إسرائيل" عدوا ً, وسبق لبنامين نتنياهو القول في العام 2017 :"ليس لدينا أصدقاء أعظم من المؤيدين المسيحيين لإسرائيل".
أخيرا ً... من الواضح أن السلام لا يبدو قريبا ً, في ظل الأطماع والنفوذ والقوة والهيمنة الغربية, وتطرف الحكومات الأمريكية والأوروبية والإسرائيلية, ويبدو أن إقناع أو إجبار الإسرائيليين على السلام, لا بد له أن يمرّ من بوابة إقناع أو إجبار من هم صهاينة أكثر من الصهاينة... وتبقى مقاومة الإحتلال الإسرائيلي, وكسر الإرادة والهيمنة الغربية والأمريكية على وجه التحديد, هي مفتاح الإنتصار وإستعادة الحقوق, وفرض السلام.
المهندس: ميشيل كلاغاصي
 14 / 7 / 2019