Saturday, July 22, 2023

الغرب أدخل الوساطة الأفريقية غرفة الإنعاش قبل أن تولد - م. ميشال كلاغاصي


لأنه ما من حربٍ جيدة , ولأن ماّسيها واضرارها وتداعياتها لم تعد تُحصر في ساحاتها وجبهاتها فقط, ترحب عديد الدول وغالبية شعوب العالم, بالحلول السياسية وبالتسويات والمفاوضات, لوقف الحروب واّلات الموت والدمار والجوع, وهذا بطبيعة الحال شكل جوهر مواقف قادة القارة السمراء , ودفعهم للعب دور الوسيط في الصراع الحالي ما بين موسكو وكييف.

حيث توجه الوفد الأفريقي يوم السبت 17/يونيو, بعد أن ضم رؤساء كل من جنوب إفريقيا وجزر القمر وزامبيا والسنغال، ورئيس وزراء مصر وممثلين عن أوغندا والكونغو, إلى سان بطرسبرج للقاء فلاديمير بوتين، بعد أن أمضوا يوماً سيئاً في كييف وبضيافة الرئيس الأوكراني, الذي استقبلهم بطريقة لم تخلوا من الإذلال والإهانة, مستكملاً المسرحية اللااخلاقية بحق الزائرين في بولندا, الأمر الذي ساهم بإفساد الزيارة شكلاً وضموناً.

بطبيعة الحال كان هدف القادة الأفارقة هو التوصل إلى حلٍ وسط يرضي الطرفين والأمم المتحدة, لكنهم لم يتأخروا لإدراك استحالة مهمتهم, وبأن المفاوضات التي أعدوا لها أجندة مناسبة وواقعية, بدت بلا معنى, نظراً للبون الشاسع بين مواقف موسكو وكييف التي لا تملك قرارها وتفويضاً أمريكياً لبدء التفاوض, وتتصرف وكأنها وكيل غربي وليست طرفاً اساسياً في الصراع، وبأن الحل السياسي سيبقى بعيداً طالما تستمر القوات الاوكرانية بتلقي الدعم العسكري الغربي, يبدو أنه سيتسمر لحين مغادرة الرئيس جو بايدن البيت الأبيض.

وبالفعل فقد عرض الأفارقة خطتهم للسلام والمكونة من 10 نقاط على الملأ , بهدف المساعدة على التوصل إلى تسوية عاجلة للصراع, تشمل خفض التصعيد, والضمانات الأمنية, والمساعدات الإنسانية, وتبادلٍ للأسرى, إطلاق سراح السجناء وإعادة الأطفال إلى حيث أتوا.

في وقتٍ اعتبر فيه البعض أن الرئيس الجنوب أفريقي "رامافوزا" يبحث عن تكريس زعامته في القارة الأفريقية, ومنح دول الوفد الأفريقي أيضاً مكانةً جديدة تمكنهم من الدخول على خط الأزمات الدولية, ولعب دورٍ دولي محوري كوسطاء في الصراع الروسي الأوكراني، وبأنهم ليسوا مجرد قادة دول تتلقى المساعدات الدولية فقط.

لكن ما حدث في كييف لم يكن متوقعاً, فقد تعمد الأوكرانيون الخروج عن برتوكول الزيارة, واستقبلوا زائريهم في منطقة بوتشا, كشاهد على ما يصفونه بـ "جرائم الحرب الروسية", وحلقت بعض طائراتهم الحربية, واستعرضت مواجهة هجوم جوي روسي مزعوم, شكك به أعضاء الوفد.

التقى الوفد الزائر بالرئيس الأوكراني, الذي تعمد إفشال الزيارة منذ لحظاتها الأولى, وبدا فظاً للغاية أثناء المؤتمر الصحفي الذي جمعه بالرئيس رامافوزا, ورفض بنبرة حادة دعوات الوفد للسلام، ولبدء المفاوضات مع روسيا، مؤكداً على استحالة حدوثها مع وجود "المحتلين" على أراضي بلاده, واصفاً هدف خطة السلام الأفريقية بأنها "تجميد للحرب", وقال للوفد بتهكم وفظاظة : "جمّدوا كل شيء, جمدوا الألم والمعاناة", في الوقت الذي اعتبر فيه وزير خارجيته كوليبا بإنهم "يريدون استسلام أوكرانيا وليس السلام".

لم يتأخر الأفارقة في تقييم العقبات والعراقيل التي وضعها زيلينسكي أمامهم, وأدركوا على الفور استحالة مهمتهم, وسط استيائهم من الطريقة التي عوملوا بها , ليس في أوكرانيا فقط , بل من قبلها وعلى الجانب البولندي أيضاً , حيث مُنع مرافقي الرئيس رامافوزا وعناصر الحرس والأمن الشخصي من النزول من طائرتهم بحجة أنهم لا يحملون تراخيص لحمل السلاح , وترتب على رئيس جنوب إفريقيا أن يسافر إلى أوكرانيا دون مرافقة صحفية وأمنية , كذلك تعمدوا صباح السبت وأثناء مغادرة الوفد نحو روسيا ، منع طائرة الحراس الأمنيين والإعلاميين المرافقين , من دخول المجال الجوي البولندي, لقد تعمدت أوكرانيا وبولندا , إهانة الوفد الأفريقي , وبإظهارهما كماً هائلاً من الوقاحة واالعنصرية الأوروبية المعروفة .

وفي روسيا اختلف المشهد كليةً, وتم استقبال الوفد الأفريقي بحفاوة في قصر كونستانتينوفسكي في سان بطرسبرغ, وناقش الرئيس بوتين مع زائريه , إمكانية استكمال العملية الخاصة, والسبل الممكنة لتسوية الأوضاع في أوكرانيا, ومستقبل صفقة الحبوب , ومن خلال أجواء النقاش بكل صراحة وإيجابية, أكد رئيس جزر القمر , أن الصراع في أوكرانيا أثر على أفريقيا, وتسبب بتهديدات غير مسبوقة لقطاعي الغذاء والطاقة , فيما أشار الرئيس السنغالي, إلى ضرورة الحوار , والإمتثال لميثاق الأمم المتحدة .

لكن بوتين فاجئ الجميع, وكشف للمرة لأولى عن مسودة المعاهدة والوثيقة الموقعة بالأحرف الأولى مع رئيس لجنة التفاوض الأوكراني، في مارس/اّذار 2022 في إسطنبول, والمعنونة بـ "معاهدة الحياد الدائم والضمانات الأمنية لأوكرانيا", وأكد أنه بموجبها انسحبت القوات الروسية من كييف ومناطق أوكرانية على أساس اتفاق سلام، لكن كييف لم تلتزم به, و"رفضت التوقيع على الإتفاق بعد انسحاب القوات الروسية طوعياً كجزء من الصفقة".

وبحسب بعض وسائل الإعلام الروسية والغربية, فقد تزامنت الإتفاقية مع زيارة رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون, الذي حث كييف على قطع المحادثات مع موسكو, تحت عنوان "لا يمكن التفاوض مع بوتين"، وبأن "الغرب ليس مستعداً لنهاية الحرب".

كذلك أكد الرئيس بوتين, أن جميع المشاكل في أوكرانيا بدأت بعد الإنقلاب العسكري عام 2014 ، بدعم غربي, وأن بعض الأوكرانيين لم يدعموا السلطات الجديدة, على الرغم من مساعدة موسكو واسترشادها بالعلاقات التاريخية, لكن الغرب أوصل التفاوض إلى طريقٍ مسدود, وأصبح من حقنا الإعتراف بإستقلال بعض المناطق, بما يتفق تماماً مع ميثاق الأمم المتحدة.

بالإضافة إلى ذلك، أوضح للقادة الأفارقة أن أزمة الغذاء لم تكن مرتبطة بالمنظمة البحرية العالمية, ونشأت مع انخراط الدول الغربية بإجراءات إقتصادية لحل مشاكلها المتعلقة بجائحة فيروس كورونا, ومع ذلك أبرمنا صفقة حبوب لضمان وصولها إلى أفقر البلدان في إفريقيا.

وفيما يتعلق بالمفاوضات مع أوكرانيا، أكد بوتين أن روسيا لم ترفضها, لا بل كان من الممكن الإتفاق على تطبيق بنود معاهدة اسطنبول للسلام في ربيع العام الماضي, لكن الجانب الأوكراني انسحب من الصفقة أصدرت مرسوماً يحظر المفاوضات, وتساءل عن الضمانات بعدم تراجعهم عن إتفاقات أخرى.

فيما يتعلق بالأطفال، قال بوتين: "هذا شيء مقدس - لقد أخرجناهم من منطقة الصراع، وأنقذنا حياتهم, وتم إخراجهم من دور الأيتام مع عائلاتهم أو أقاربهم , بشكل قانوني", ومع ذلك أصدرت المحكمة الجنائية الدولية "مذكرة توقيف" بحق الرئيس بوتين.

من الواضح أن زيلينسكي أخذ على عاتقه رفض الوساطة الإفريقية, وحافظت واشنطن على مقعدها الخلفي في القيادة والتحكم, وبالمزيد من الضغوط على حكومة كييف, وكرر الرئيس جو بايدن كلامه حول عدم قبول إنضمام أوكرانيا إلى الناتو وهي في حالة صراع عسكري, وأنه لا يمكن النظر في قبول عضويتها إن لم تكن تتمتع بالسيادة والديمقراطية, وهذا ليس من باب المبادئ, إنما لدفع أوكرانيا أكثر فأكثر نحو تحقيق نصرٍ عسكري على روسيا, وأقله استمرار الحرب وإطالة أمدها.

من الواضح ان الزيارة والوساطة الأفريقية لم تحظ بترحيبٍ الغربيين, وأرادوا وأدها قبل أن تبصر النور, ولا زالت العناوين العسكرية الميدانية, وسلاح العقوبات, هي الأكثر حضوراً على الجانب الغربي بقيادة الولايات المتحدة, وزال التعويل على استمرار الهجوم الأوكراني المضاد, على الرغم من فشله, يشكل البوصلة ومصدر الإلهام الغربي, في وقتٍ يستمر فيه الرهان على تكريس العداء لروسيا, وإعتبار موسكو "مصدراً رئيسياً للتهديد", وأن تدرج في إستراتيجية الأمن القومي الألماني الجديدة على هذا الأساس, رغم "ابتعادها عن المنطق ومصالح ألمانيا والشعب الألماني" - بحسب الوزير سيرغي لافروف-.

يبدو أن الوفد الافريقي لم يفقد الأمل بشكل نهائي, وسط تأكيد رئيس جنوب أفريقيا استمرار العمل والتواصل مع كلا الطرفين لحين عقد القمة الأفريقية القادمة قريباً, وبان الوفد لا يزال يبحث عن الأجوبة لتساؤلاته, معتبراً أن وساطتهم ومساعيهم تشكل "إنجازاً" هاماً بالنسبة لهم.

م. ميشال كلاغاصي

19/6/2023

 

Sunday, June 11, 2023

ماكرون في منطقة النفوذ المشترك لموسكو وبكين - م. ميشيل كلاغاصي

مع اختتام أعمال قمة مجموعة السبع في هيروشيما , توجه على الفور الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون نحو منغوليا في قلب القارة الاّسيوية والواقعة ما بين الصين وروسيا , وهذا بطبيعة الحال كان ولا يزال يشكل الدافع وراء الإهتمام الغربي بها , وسبق لوزير الخارجية الأمريكي السابق جون كيري وصفها بـ "واحة الديمقراطية بين جيرانها المستبدين".

وعلى الرغم من النمو الإقتصادي الملحوظ في منغوليا خلال السنوات الأخيرة , إلاّ أنها تعاني ولا يزال حوالي ثلث سكانها يقبعون تحت خط الفقر, وتبدو بحاجة ماسة للاستثمارات الأجنبية والفرص الإقتصادية الجديدة , ومع بدء العملية العسكرية الروسية الخاصة في أوكرانيا , ظهر إنقسام في الشارع المنغولي بين من اعتبروه "غزواً روسياً", وبين داعمي روسيا .

ومن خلال سعيها لمواجهة العقوبات الغربية ، وبعد خمسة أيام من بدء العملية العسكرية في أوكرانيا , وقعت شركة غازبروم الروسية عقداً لوضع التصميم وكافة أعمال والمسح لمشروع خط أنابيب الغاز "سويوز فوستوك" ، الممتد من روسيا إلى الصين عبر منغوليا ، وباتت أقرب لكلا الدولتين , وامتنعت عن إدانة العملية الروسية في أوكرانيا , وخرجت فيها المسيرات والشعارات والتصريحات المعادية للغرب وأوكرانيا والنازية , بالتوازي مع قمع رجال الشرطة الهجوم على السفارة الروسية في العاصمة المنغولية , وبعض المظاهرات المناهضة لروسيا , الأمر الذي وضعها أكثر فأكثر تحت المجهر الغربي.

يدرك الرئيس الفرنسي أهمية منغوليا بانسبة لروسيا والصين , وتُعتبر أكثر من دولة جارة لهما , في وقتٍ تعاني فيه فرنسا من إضطراب علاقاتها مع دول القارات القديمة , وبأنها تُطرد من بعض مستعمراتها السابقة , وتبدو غير مرحبٍ بها في معظم بلدان القارة الاّسيوية , وحيث يتجلى النفوذان الصيني والروسي بأعلى تجلياتهما , وهذا بدوره يدفع للسؤال حول أسباب الزيارة , وأهدافها , ومالذي يبحث عنه إيمانويل ماكرون في منغوليا ما بين الصين وروسيا ! , ويجده عبر إستفزازهما معاً , أم تراه يغتنمها فرصة للإقتراب والتقارب معهما , بدخوله زائراً "مسالماً" إلى منغوليا وهي المنطقة الإستراتيجية لنفوذهما.

على الرغم من نظرة دول الإتحاد الأوروبي والناتو السلبية إلى حلفاء روسيا والصين , وفي ظل إنقسام الشارع المنغولي بين مناهض وموالي للغرب , تبدي القيادة والحكومة المنغولية قلقها وترفع هواجس مخاوفها على أمنها وهويتها , من "عطورات" فرنسا و"مساحيق تجميل" الثورات الملونة الغربية , رغم حاجتها للإستثمارات الخارجية , ولتوسيع نطاق علاقاتها الاقتصادية وشراكاتها بما يتعدى المنطقة الاّسيوية أيضاً.

وقد أعلنت باريس رغبتها في "تخفيف القيود المفروضة على جيران روسيا ومنحهم خياراً من الخيارات" , لكن الرئيس ماكرون لم يُخفِ الجانب التجاري والإقتصادي لزيارته , وتحدث عن أهمية شراكة منغوليا مع شركة التكنولوجيا النووية الفرنسية أورانو، بما يشمل قطاع التعدين وإنتاج اليورانيوم.

علماً أن شركة أورانو تعمل في منغوليا منذ عام 1997, مع الشركات الرسمية المنغولية في مشاريع استغلال الرواسب في صحراء غوبي ومشاريع تعدين اليورانيوم الطبيعي , الذي يُصدّر إلى فرنسا على الرغم من ضعف كميات إنتاجه في منغوليا , الأمر الذي دفع ماكرون لمطالبة نظيره المنغولي بتسريع تطوير اثنين من رواسب اليورانيوم لإنتاج ما يفي بحاجة فرنسا من اليورانيوم السنوية والتي تقدر بحوالي 7000 /طن , وهذا يحتاج إلى جهود إضافية كبيرة , وإلى زيادة أعداد العاملين المحليين.

على الرغم من إعتراض المجتمع الأهلي المنغولي على هذا المشروع ، خصوصاً مع تسجيل عديد الحوادث صحية الخطيرة التي سبق وتعرض لها السكان المحليين الذين يعيشون حول مواقع تشغيل المناجم , وتقديم مجموعة منهم شكوى في عام 2018 ضد شركة بدراخ للطاقة التابعة لشركة أورانو في منغوليا , بدعوى أن أعمال التعدين تسببت بتشوهات للماشية ، وبأمراض سرطانية وحالات إجهاض , وبتلويث آبار المياه , ناهيك عن فساد شركة أورانو وتقديمها الرشاوى لأعضاء البرلمان والمديرين التنفيذيين للشركات الحكومية , والتي لعبت دوراً حاسماً في الحصول على تراخيص استخراج اليورانيوم في صحراء غوبي , مما استدعى خروج اّلاف المنغوليين للتظاهر أيضاً مع نهاية عام 2022.

وأثناء الزيارة وخلال المحادثات ، أشار ماكرون إلى أهمية شراكة منغوليا مع شركة التكنولوجيا النووية الفرنسية أورانو ، بما في ذلك في قضية تعدين المعادن , وتوسيع التعاون في مجالات الطاقة الخضراء والنقل بالسيارات والرعاية الصحية والزراعة , على الرغم من فشل فرنسا في الإستفادة من تلك المشاريع فعلياً , وأن إثارتها داخل فرنسا بدت سياسية أكثر منها إقتصادية وتجارية.

ومع سوء العلاقات الحالية مع موسكو , تبدو فرنسا مهتمة بالبدائل الممكنة , وعلى ما يبدو بأنها حددت منغوليا هدفاً وسوقاً جديداً لمواردها من اليورانيوم , وهذا بدوره يفرض على موسكو إعادة تقييم علاقاتها مع منغوليا وزيادة استثمارتها فيها , قبل إنجرارها نحو الغرب عبر البوابة الفرنسية , والتركيز على سرعة تنفيذ مشروع إنشاء خط أنابيب الغاز "سويوز فوستوك" , خصوصاً مع اقتراب الإنتهاء من أعمال التصميم والمسح للمشروع , فالمشروع يحظى بأهمية خاصة بالنسبة لمنغوليا , ليس لجهة حصولها على الغاز فقط , بل لحصولها أيضاً على مبالغ طائلة مقابل عبور خط الأنابيب الجديد , بالإضافة إلى تعزيز دورها ومكانتها في علاقتها المميزة مع روسيا , ومع الصين أيضاً.

تبدو زيارة ماكرون سياسية أكثر منها تجارية وإقتصادية , وتبدو كرسالة قوية لجهة استمرارها بالسيرعلى طريق إنهاء العلاقات مع روسيا , وبمنافسة الصين في عقر دارها كدولة مسيطرة على صناعات التعدين والمعادن الأرضية النادرة , تحت ذريعة اهتمامها بتنمية تلك الصناعات على المستوى الفرنسي , بما يبرر تقاربها مع منغوليا ووجود إيمانويل ماكرون فيها ضيفاً على قيادتها وحكومتها وأرضها وزائراً لمتحفها , وذهب إلى أبعد من ذلك بحديثه عن منغوليا كبلد "محاط " بجيرانه الروس والصينيين , وأشار إلى أنه "يمثل نموذجاً لحكم ليبرالي , يمارس الإنتخابات وتداول السلطة , ويسعى إلى تنويع شراكاته" , وبدا بقوله هذا كمن يقتبس ويغزل على كلام وزير الخارجية الأمريكي السابق جون كيري حيال منغوليا .

كذلك , يمكن ملاحظة التقييم الكبير للرئاسة الفرنسية للزيارة وأهميتها "الإستراتيجية", وبحسبها فقد كانت الزيارة "لأجل ضمان سيادة فرنسا في مجال الطاقة", ومن أجل "تشجيع الإستثمارات الأجنبية الضرورية لمكافحة ظاهرة الإحتباس الحراري في منغوليا" , ومساعدتها على إنهاء إعتمادها على الفحم (الكربون) لتوليد الكهرباء , في وقتٍ تنظر فيه الرئاسة الفرنسية للزيارة على الصعيد "الجيو- استراتيجي" , وتندرج – بحسب قولها - في إطار رغبة باريس في "تخفيف القيود المفروضة على جيران روسيا وفتح المجال أمامهم ليقوموا بخياراتهم".

ميشيل كلاغاصي

11/6/2023

 

العدو الإسرائيلي من استرتيجية العدوان إلى استراتيجية منشورات الهروب السريع - م. ميشيل كلاغاصي

بدأ الكيان الإسرائيلي يشعر بتقييد حركته نتيجة جملة معادلات وقواعد الإشتباك التي راكمتها المعارك وجولات المواجهة مع فصائل وأحزاب ودول محور المقاومة , إن كان على مستوى على الحدود الشمالية , أوفي الداخل الفلسطيني وقطاع غزة , ناهيك عن معاناته الداخلية وأزماته السياسية , التي تعكس الخلافات والإختلافات السياسية والإيديولوجية العنصرية – الداخلية , داخل مجتمعه العنصري أساساً , وتمييزاً ما بين متطرفيه , ومستوطنيه الغربيين والمشرقيين والأفارقة , أمورٌ لم يعد قادراً على إحتوائها , على الرغم من محاولاته الدؤوبة لتصدير أزماته الداخلية , وخوض الحروب أو المعارك , واللعب على وتر "أمن الكيان" لرص الصفوف ما أمكن , ومع ذلك كاد الداخل الإسرائيلي مؤخراً أن ينفجر بحربٍ أهلية , تزيد من همومه وهواجس وجوده وبقائه.

وبات ينتقل من إستراتيجيةٍ إلى أخرى خائفاً مرتبكاً , رغم صراخه وتهديداته المستمرة , التي "لم تعد تخيفنا" بحسب كلام سماحة السيد حسن نصر الله , وبات أكثر فأكثر بحاجةً إلى استراتيجية "الجدر الإسمنتية" , واستراتيجية النزول إلى "الملاجئ وتكديس المؤن" , واستراتيجية رسائل "المنشورات" , فلم تعد منشوراته تسعى للوصول إلى أيدي أعدائه فقط , بل بات يرسلها إلى مستوطنيه أيضاً.

وقد أثار المنشور الإسرائيلي الذي ُوزع مؤخراً على رؤساء المستوطنات والمدن الشمالية , هلع المستوطنين ، خصوصاً وأنه ركز على دعوتهم في حال نشوب الحرب , إلى "إخلاء البيوت ومغادرتها بأسرع ما يمكن" , خشية إغلاق الطرقات "جراء السقوط المرتقب لصواريخ المقاومة , بما لا يتيح فرصة الحركة والتنقل".

إن التدريبات أو المناورات الحالية التي يقوم بها جيش الاحتلال الإسرائيلي في المناطق الشمالية المحاذية للحدود , تحت مسمى "القبضة الساحقة", تأتي بعد أيام من المناورة الرمزية التي قام بها مقاومو حزب الله , والتي شكلت محاكاة لعملياتٍ نوعية تحت عنوان "سنعبر" , ورسائلها حول الإنتقال من حالة الردع والتصدي للعدوان الإسرائيلي , إلى حالة الهجوم , وسط معادلة "وحدة الساحات" و"وحدة الجبهات" على مستوى محور المقاومة مجتمعاً.

في الوقت الذي يستبعد فيه بعض الإسرائيليين نشوب الحرب , نشرت القناة "14" الإسرائيلية تقريراً أكدت فيه أنه وبحسب تقديرات الجيش الإسرائيلي وأجهزة الأمن "ستكون الحرب في الجبهة الشمالية قاسية وطويلة" , وأقوى بكثير من الحرب في لبنان عام 2006 , ولا شيء يشبهها , "فالحرب مع حزب الله ستكون قاسية ومدمرة وغير مسبوقة "لإسرائيل" وعلى الشعب اليهودي التماسك والصبر, وبأن الحزب "سيطلق 15 ألف صاروخ في أول 3 أيام من الحرب وعلى الجبهة الداخلية الإستعداد".

تدرك سلطات الكيان الغاصب بأنها باتت اليوم تواجه الكثير من التهديدات سواء من إيران أو حزب الله أو من محور المقاومة مجتمعاً , في وقتٍ عبّر قادتها خلال المواجهة الأخيرة مع فصائل المقاومة في غزة , بأنهم "لا يسعون إلى حربٍ كبرى" , في وقت يراقبون فيه عديد التغيرات على خارطة الجغرافية السياسية , والإنخفاض الكبير في مستوى التوترات بين الدول العربية , ومثلها تلك التوترات بين إيران ودول الجوار , وهذا يصب في خانة تعزيز النفوذ الإيراني , وزيادة صلابة الجمهورية الإسلامية في مقاومة المشروع الصهيو –أمريكي  في فلسطين المحتلة ولبنان وسوريا والعراق واليمن وعموم المنطقة , أمورٌ تزيد هواجس وقلق الكيان , خصوصاً مع إنشغال وتركيز الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين على الحرب ضد روسيا في أوكرانيا واستعدادها لمواجهة الصين.

ونتيجة لذلك ، قد تكون إحتمالية إقدام سلطات الكيان المؤقت على عملٍ طائش , وخوض مواجهة جديدة على إحدى الجبهات أمراً معقداً , وقد يؤدي إلى مخاطر إقليمية كبيرة , في حين عبّرت المقاومة عن جهوزيتها واستعدادها , وسط إطلاق رئيس الإستخبارات العسكرية الإسرائيلية تحذيراته للمقاومة اللبنانية من "ارتكاب خطأ يؤدي إلى حرب في الشرق الأوسط".

لا تحتاج سلطات الكيان الغاصب إلى ذرائع لشن العدوان , بالتماهي مع طبيعتها العدوانية التوسعية , وبتقديمها الدائم لأوراق إعتمادها على مذبح خدمة من زرعها كياناً إحتلالياً في فلسطين , وفي قلب الشرق الأوسط , ومع ذلك تستمر الرواية الإسرائيلية مع رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو , وإتهام إيران بإنتاج الأسلحة النووية , وبخطورة ومخالفات برنامجها النووي , على الرغم من إصرار وكالة الطاقة الدولية على دحض ورفض مثل هذه المزاعم , وبأنه لا أساس لها من الصحة , الأمر الذي يضعف من قيمة الإتهامات الإسرائيلية , ويجردها من ذريعة إشعال الحرب والعدوان على إيران , ويُبقي على منسوب القلق الإسرائيلي من حقيقة انكشاف ضعف ما تسمى القبة الحديدية , وامتلاك المقاومة عدداً كبيراً من الصواريخ الدقيقة , والطائرات المسيرة المتطورة , ناهيك عن قدرات وجهوزية عناصر المقاومة لإختراق وعبور الشريط الحدودي , وبتنفيذ عمليات الأسر , وتفجير الجدر الإسمنتية , وإقتحام المستوطنات.

بالإضافة إلى ذلك ، بات على قادة الكيان توقع أن تدور المواجهة القادمة على أرض فلسطين المحتلة , وما بين المستوطنات والمدن الإسرائيلية , فقد استطاعت قوة المقاومة اللبنانية أن تشكل "مصدر إلهام" لقادة الكيان العسكريين بتجنب التحرك ضد حزب الله في لبنان , وبرفض اتهامه ببعض الهجمات الصاروخية , لأنها لا تبحث عن مواجهته وهي تعاني من الضعف والخوف والقلق , وعدم القدرة على توقع نتيجة المواجهة سلفاً , وسط غياب قدرتها على تغيير قواعد الإشتباك , وخشيتها من المواجهة دون معرفة مداها الزمني , ومتى ستنتهي , فقد باتت المقاومة هي من تستحوذ على هذه القرارات.

بات واضحاً أن قرار المواجهة الإسرائيلية مع حزب الله أو إيران أو سورية , لن يكون في تل أبيب , وأنها غير قادرة على ذلك بدون دعمٍ أمريكي مباشر, وهذا بدوره يستدعي قلقاً أمريكياً أيضاً على قواعدها وجنودها في سورية والعراق , وكامل منطقة الشرق الأوسط , وسط إدراكها قدرة إيران على استهداف أي قاعدةٍ أمريكية في المنطقة , خصوصاً وأنها تمتلك صواريخ بالستية , وصواريخ تفوق سرعتها سرعة الصوت , ويصل مداها إلى أكثر من 2000 كم .

في الوقت الذي يعتبر الكثيرون أن العودة إلى الإتفاق النووي لعام 2015, بما يحمله من تعديلات وإضافات تم التوافق عليها في الجولات السابقة , تتجه الأنظار اليوم نحو الزيارة الهامة التي قام بها سلطان عُمان إلى إيران , وسط تقارير إعلامية غربية تتحدث عن إمكانية مناقشة "اتفاق مرحلي" مع طهران ، يضمن وقف التخصيب بما يفوق نسبة الـ60% ، مقابل تحرير جزء من الأموال الإيرانية المجمّدة ، وإعطاء الضوء الأخضر لتوسيع العلاقات الإقتصادية بين طهران والدول العربية , وقد سبق للجمهورية الإسلامية رفضها لهذه "المقايضة" المؤقتة , ولا بد اليوم من إنتظار الرد الإيراني عليها , ويبقى من المهم قراءة "العرض" الغربي , تحت عناوين استبدال لهجة الوعيد والتهديد الأمريكي , وخفض منسوب التوتر في المنطقة والعالم , وهذا بطبيعة الحال لن يكون خبراً سعيداً للحكومة الإسرائيلية , ويدعم فكرة إنشغال الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين بملف الحرب على روسيا في أوكرانيا , وبأنهم لا ينوون التصعيد الكبير مع طهران وأقله في هذه الاّونة , وتشجيع سلطة الكيان الغاصب على خوض الحرب الكبرى ضد فصائل وأحزاب ودول محور المقاومة.   

يبدو أنه على قادة الكيان الغاصب التوقف عن توجيه التهديدات , والتظاهر بإمتلاك القوة الفاعلة والمؤثرة , خصوصاً وأن محاولاتها لتغيير معادلات الإشتباك لم تعد مجدية , ولم يعد بإمكانها شن الحروب الخاطفة وإنهائها بتوقيتها , وكذلك استخدام ذريعة الملف النووي الإيراني للعدوان على إيران , وقريباً ستفقد قدرتها على العربدة واستمرار إعتداءاتها الجوية والصاروخية المتكررة على سورية , وأهم ما تستطيع فعله اليوم سطرته في منشورها الأخير, حول اهتمامها بالملاجئ وبالمؤن , وبإخلاء المستوطنين بسرعة فائقة , وبحالة التفكك السياسي والإجتماعي الداخلي , وعليها تجنب الحرب الكبرى فقد تكون الأخيرة على مستوى بقاء ووجود الكيان المؤقت برمته.

وفي سياق المناورة العسكرية الذي قام بها حزب الله مؤخراً , وقبيل الذكرى 23 لتحرير الجنوب اللبناني في 24 /5/2000 , حذر رئيس المجلس التنفيذي في حزب الله السيد هاشم صفي الدين , من أنه "إذا ارتكب العدو حماقة وتجاوز قواعد اللعبة سوف نمطر هذا الكيان بصواريخنا الدقيقة وبكافة أسلحتنا التي نملكها، والعدو سيرى فعل الصواريخ الدقيقة في قلب كيانه".

م. ميشيل كلاغاصي

7/6/2023