Monday, July 16, 2018

تاريخ من تآمروا على سورية..أعراب ٌ يعتقدون أنهم عربا ً- ميشيل كلاغاصي

في مطلع الألف الثالث قبل الميلاد تم تطوير السفن النهرية لتجوب البحار وتفتح أبواب التجارة البعيدة , واحتل المصريون بوابة الطريق الدولي الوحيد الذي يربط بين أسواق العالم القديم , ودعت ظروف التجارة الدولية إلى البحث عن عملة دولية , وانتهى البحث سريعاً ً بإعتماد الذهب والفضة لتغطية جميع السلع بسعر موحد , مما جعل مالكي الذهب والفضة يتحولون من صاغة إلى أصحاب "مصارف" خاصة ً عندما نجحوا بإقناع زبائنهم بإيداع ذهبهم وفضتهم لديهم مقابل فائدة محدودة وبالتالي تحولت الودائع إلى ما يمكن اعتباره بوديعة مصرفية مضمونة يمكن استثمارها في التجارة الدولية لتحقيق ربح غير محدود.
لم يطل الزمن حتى أثبت المصرف انه ليس دكاناً ً للنقود فقط بل سلاحاً ً جديداً ً يمكنه أن يُحدث انقلابا ً شاملا ً في خطط الحرب , بسبب قدرته على حشد قوات عسكرية بالأجرة و ضمان تمويل المعارك لزمن طويل .
وفي نهاية القرن العشرين قبل الميلاد تم نقل دولة الإقطاع من مرحلة المملكة إلى مرحلة الإمبراطورية وأصبح الإقطاعي يعرف وجه العلاقة بين التفوق العسكري و التمويل المنتظم.
وفي القرن الثامن عشر قبل الميلاد تسللت إلى مصر إحدى القبائل والتي كانت تدعو نفسها باسم العبرانيين- أي الرحّل - وتفرّقت داخل المدن المصرية المحتلة من قبل الهكسوس , حيث اشتغل رجالها في ميادين الحرف اليدوية كونهم لا يملكون نصيبا ً في الأرض وكانت صياغة الذهب من أكثر الحرف إثارة ً لكل مهاجر غريب .. وفي عصر يوسف الصديق كانت مصارف العبرانيين قد احتكرت تمويل حكومة الاحتلال مقابل جمع الضرائب من المصريين ونجحت في السيطرة على اقتصاد الدولة.
الى حد ُأرغم ملك الهكسوس على أن يتقاسم السلطة مع يوسف قائلاً : "أنت تكون على بيتي و على فمك يقبل جميع الشعب" وبذلك تمكنت المصارف العبرانية من تسخير اقتصاد مصر و أن تستغل سنوات الجفاف وترفع العمولة على القروض إلى حد تجاوز قدرة المزارعين على السداد وبالتالي تمكن يوسف من شراء كل أراضي مصر لصالح فرعون.
استمر ذلك إلى عام 1550 ق.م حيث اجتاح المصريون قلاع الهكسوس في معركة أعادت ميزان القوى لنصابه وعاد فرعون ظافرا ًمن أرض المعركة ووجد الوقت مناسبا ً لتصفية الحساب مع رأس المال في أيدي العبرانيين ويؤمم مصارفهم ويطردهم من مصر , فأدرك المصرفي العبراني أن رأس المال الذي اشترى أرض مصر لحساب الهكسوس لم يستطع أن يضمن رأسه في مصر . وأن تصحيح "الخطأ" يكون بشراء الأرض هذه المرة في أرض فلسطين ولحسابهم و بذلك ولدت فكرة أرض الميعاد .. وفي صحراء سيناء القاحلة جلس قادة العبرانيين الهاربين برؤوس أموالهم من مصر لكي يكتبوا النسخة الأولى من دستور الدولة الرأسمالية الحديثة ويؤسسوا على الورق مخطط أول جمهورية في التاريخ خلال 2000 عام .
لقد تضمن البند الأول لهذا الدستور إنهاء عصر الإقطاع بتقليص سلطات الملك وتوزيع أجهزة الإدارة بين اثني عشرة قبيلة من أسباط إسرائيل.
أما البند الثاني فقد ُخصص لضمان شرعية الربا وتسخير جهاز الدولة لحماية قروض المصارف في الداخل والخارج.
فيما اتجه البند الثالث لتأمين قاعدة رأس المال "خاصتهم" بمنع الربا بين اليهود وتصفية ديونهم بالإبراء العام مرة كل سبع سنوات.
معتمدين التوراة كأساس لوضع هذه البنود من خلال التفسير الملائم لهم ( التلمود ).
لقد جعلت التوراة إقراض الغريب بالربا فريضة دينية لزيادة رأس المال اليهودي عبر وسائل وطرق متعددة كزيادة سعر الفائدة على القروض واحتكار السلع.....الخ. مما يؤمن تضاعف رأس المال اليهودي 50% سنويا ً..لقد قرر اليهود إعادة كتابة التاريخ كله من جديد وبضمانة التوراة التي تصيغ قصة خروجهم من مصر في صيغة تليق بمقام الأغنياء وينال فرعون العقاب الذي يستحقه مع كل من يهدد أمن المصارف فتغرقه التوراة في البحر الأحمر و يلعنه رجال الدين للأبد.
و في عصرالملك سليمان حوالي 950 ق.م أصبح التجار اليهود هم أصحاب اليد العليا في اقتصاد الشرق الأوسط و كانت مصارفهم تدير أكبر أسطول تجاري في المنطقة و تسيطر على أسواق عالمية تمتد بين الصين و اليمن.
إن سلاح المصرف الحر أراد تحويل قبيلة الرعاة إلى مستوطنين ناجحين في أرض فلسطين لكن نبوخذ نصر قام في سنة 722 ق. م بأسرهم و ترحيلهم إلى بابل معتقدا ً أن الإقطاع انتصر على نظام المصرف الحر.
وخلال الألف سنة التالية تفرق اليهود في جهات الأرض الأربعة وتحوّل نشاطهم المصرفي إلى كارثة على اقتصاد جميع الأمم فقد طبقوا أينما حلوا نظام دفع الفائدة وأقاموا المشاريع المشبوهة القادرة على تحقيق ربح سريع في زمن قصير حيث مولوا الخمارات ونوادي القمار وتجهيز عصابات القراصنة لخطف الرقيق و ....وهي مشروعات ما لبثت أن أدانت اليهود أخلاقيا ً في كل أنحاء العالم. حتى السيد المسيح حمل عصاه وخرج لطرد الصرافين من ساحة المعبد قائلاً : "بيت أبي بيت صلاة و أنتم جعلتموه مغارة لصوص", معلنا ً بالوقت نفسه إفلاس مشروع التوراة رسمياً ً.
ومن ثم رفعت الكنيسة المسيحية عصاها غاضبة ً في وجه المرابين اليهود , حيث تكلم الاقتصاد بلغة الرهبان فصار الفقر فضيلة وتصاعدت الحرب ضد متاع الحياة الدنيا حتى قرر سمعان العمودي أن يقضي حياته فوق عمود . وبذلك حفر خندقا ً بين الدين و رأس المال غير قابل ٍ للردم.
وظلّ الوضع على حاله كما تركه نبوخذ نصر إلى أن استعاد الرسول (ص) الصيغة الصحيحة تحت شعار حكم الجماعة لتنمية رأس المال في مجتمع ديمقراطي وأعاد توزيعه بشكل يضمن إنهاء عصر الفقر و البطالة ولم يعرف العرب أن يحافظوا على ما وصلوا إليه رغم اكتسابهم ثقة الناس والقدرة على كسب المعارك وخسروا المعركة أمام مد العالم الرأسمالي الذي لا يرحم , واختفوا عن مسرح الحياة بعد ثمانية قرون وبات عليهم أن يدفعوا الثمن.
و رغم ظروفهم الحالكة استطاعوا تطوير السفينة البحرية وجابوا البحار و المحيطات ووصلوا الى اليابان واستراليا , فتضاعفت تجارتهم لكنهم لا يملكون المال القادر على تمويل حملات الاستيطان وبقوا عند حدود جبل طارق , في الوقت نفسه كان كولومبس عام 1492 يبحر بسفن وخرائط عربية ويتجه غرباً ً ليكتشف العالم الجديد, في حين لم يتمكن العرب من السيطرة على خطوط التجارة الدولية.
في هذا الوقت كان نظام المصرف اليهودي الذي مات في الشرق الأوسط يُبعث للحياة مجددا ً في بلدان غرب أوروبا واستطاع جني الكثير من المال في بريطانيا من جمع الضرائب لحساب الملكة إليزابيث في خضم نقمة شعبية عارمة ضد اليهود كما حدث لهم في عصر الهكسوس, لكن المملكة البريطانية استفادت منهم في استعادة صيغة الملكية الدستورية التي أبتكرها اليهود والتي تقوم على سلطة المصارف وتسخير الدولة لخدمة رأس المال وبذلك استطاع الانكليز أن يسبقوا كافة دول قارتهم بشوط كبير.
كما أن الموقع الجغرافي للمملكة لم يسمح لها بحروب برية فركزت أنفاقها العسكري على بناء الأساطيل وتطوير المدافع وزيادة سرعة الطوربيد البحري, مما جعلهم بمثابة قرش البحر القاتل.
فقام الانكليز بتأسيس بنك لندن معتمدين على الميزانية العسكرية ودخل الدولة وقروض المصارف الذي ضاعف نفسه أكثر من أربعين مرة خلال قرن وبذلك تضاعف عدد الجنود والآلة العسكرية وارتفع عدد سفن الأسطول وبذلك تمت ولادة الدولة العظمة, وتحت رعاية هذه الدولة المصرفية استعاد اليهود حق المواطنة ولأول مرة منذ عصر نبوخذ نصر حيث منحتهم الثورة الفرنسية حق الحصول على الجنسية وكذلك فعلت بريطانيا لقطع الطريق على نابليون في استمالة المصارف اليهودية, وبذلك أضحى الأوربيون يتنافسون على منحهم الجنسيات المختلفة وتحولت أوروبا بأسرها إلى أرض الميعاد لكن اليهود بقيت عيونهم شاخصة إلى القارة الأمريكية العذراء بثرواتها وخيراتها وبذلك وضعوا حلمهم بأرض فلسطين جانبا ً وبشكل مؤقت وانطلقوا إلى نيويورك وأنشأوا المصارف التي تبنت زيادة الإنتاج على نطاق لم يسبق له مثيل وبذلك تضاعف نظام المصرف الحر بصورة خيالية وأصبح جاهزا ً للانطلاق نحو للمرحلة التالية.
فبعد أن تحرر نظام الدولة الرأسمالية من قاموس التوراة واستعاد لغته في قاموس المصرف الحر فلم تعد فكرة "الدولة اليهودية" دولة لليهود بل أصبحت دولة المصارف التي تتعامل مع كل الزبائن من أي لون وعرق , ولم يكن همها سوى الربح المادي وبذلك فتحت السوق العالمية أمام رأس المال شرط تولي الإدارة وضمنت مستقبل المصرف الحر الذي أخذ يجتاح دول العالم والقارات حيث أمتد من وراء المحيط إلى داخل منطقة نفوذ الأتراك واشترت امتيازات سكة حديد بغداد وآبار نفط البحرين وافتتحت معركة المصرف الحر ضد الإقطاع ثانية ً تحت سماء الشرق الأوسط للمرة الثانية منذ عصر فرعون.
في هذا الوقت كان الشرق الأوسط لا يزال على حاله كما تركه فرعون تتحكم به حكوماته الإقطاعية المتناحرة والتي تدار بنظم بدائية لا تستطيع أن تحوي نظام المصرف الحر ولا تضمن له الأمان المطلوب.
ومن جهة أخرى كان الشرق الأوسط بموقعه الجغرافي الممتاز الذي يتمركز عند بوابة التجارة الدولية بين القارات, والذي تحتاج فيه المصارف إلى مراكز مستقرة وبأي طريقة وثمن دفع الدول الرأسمالية للإختلاف فيما بينها على حلين:
الأول وتبنته فرنسا و يتمثل بإنشاء جمهورية لبنان على أن توزع فيه السلطة بين خصوم ذوي مصالح متناقضة بشكل لا يهدد النظام المصرفي الحر ونجحوا مؤقتا ً في اجتذاب رأس المال إلى لبنان وتم تأسيس أول بنك عربي ( بنك انترا ) لكن سرعان ما قتلته المصارف الغربية وأعلن إفلاسه.
الثاني تبنته الولايات المتحدة الأمريكية وتمثل بإحياء مشروع إسرائيل على خطة مصرفية صريحة هدفها كسب رأس المال اليهودي وكذلك أن تضمن للمصرف الحر وطناً آمنا ً بين إقطاعيات الشرق الأوسط , و هي فكرة لم تولد من الشعب الأمريكي أو الكونغرس إنما ولدت سراً ً في مكاتب أصحاب المصارف الأمريكية وسخروا لها الرئيس ترومان لتنفيذها بأسلحة مالية بحتة منها تهديد بريطانيا و إلزام ألمانيا بدفع تعويضات لإسرائيل إذا عارضتا دخول اليهود لفلسطين عام 1947, وبذلك كان المصرف الحر يملك فكرة إقامة وطنيين في الشرق الأوسط سنة 1948, الأول لبنان والثاني إسرائيل مع عدم التكافؤ حيث انطلق اللبنانيون من خلال صيغة خرافية ساذجة نحو بناء وطن رأس مالي دون جيش وأطلقوا على لبنان تسمية سويسرا الشرق متجاهلين أن سويسرا نفسها تملك أكفأ جيش دفاعي في التاريخ.
و في الجهة الأخرى أقامت إسرائيل تدابير عديدة لخدمة رأس المال في أرض فلسطين المحتلة حيث استماتوا دفاعا ً عن أسهم بريطانيا في قناة السويس وحرسوا آبار النفط الأمريكية في الخليج و أداروا مصارف التجارة الدولية بين آسيا و أفريقيا تحت عين الرضا من دول الغرب.
ثم جاءت عام 1967 المواجهة المباشرة وانتهت المعركة خلال ساعات معدودة وعاد العرب بدرس موجع للكل ونافع للبعض , حيث فهمه بعض القادة على مبدأ أن جميع أوراق اللعبة بيد أمريكا ولابد من الاستسلام لها كما فعل سادات ومصر وملك الأردن علنا ً , ودول الخليج و آل سعود سرا ً.. وفهمها البعض الآخر أن ما أخذ بالقوة لا يسترد إلاّ بالقوة و بالإعتماد  على الله والذات وبالالتفاف حول رمز الأمة وبدأت تتشكل نواة المقاومة بزعامة سوريا وفكر قائدها المؤسس حافظ الأسد ومن خلفها كل الشعوب العربية وأحرار العالم , و أخذت تبني نفسها من جديد اقتصادياً ً وعسكرياً ً في ظل أحلك الظروف وسوداء الأيام واستطاعت بناء جسم المقاومة ومدت له الجسور المتينة والقوية مع بعض الدول كإيران والاتحاد السوفيتي سابقا ً(روسياً) والصين و غيرها ... و تمكنت من وضع صخرة الانطلاق الأولى التي تمنع التراجع والخسائر أو الهزائم وتبشر بزمن الانتصار انطلاقا ًمن حرب تشرين التحريرية 1973.
لم يرق للأعداء أن تنهض الأمة من جديد, فكان ربيع الدم, و ربيع التقسيم, والقتل والدمار والدماء.. ولم يبخل الأعراب بمالهم , وبفكرهم التكفيري و ببدعتهم الدينية المشوهة وأن يكونوا النسخة الأعرابية الصهيونية المتأسلمة , و الأداة القاتلة للمشروع النهضوي العربي الذي أرّق مضاجعهم وهدد عروشهم , مع تنامي الوعي القومي العربي والعروبي الأصيل .. فكانت سورية قلب العروبة النابض هدفا ً رئيسيا ً لمخططاتهم ولعمالتهم وحقدهم, ويحهم .. أعرابٌ وقد اعتقدوا أنفسهم عربا ً ..!  
أخيراً ً: إن إسرائيل ليست صنيعة أمريكا كما يعتقد الكثيرين بل إن كلتاهما معاً صنيعتا المصرف الحر الرأسمالي. وأن العرب لم يخسروا الحرب إمام إسرائيل "القوية", بل نتيجة عمالة البعض ممن فضلّوا التآمر على العرب وتدمير سورية ومصر والعراق واليمن و ليبيا.... الخ, والجلوس تحت أقدام الأعداء أذلاء.
رغم ما وصل إليه العرب فإن حالهم ليست قدرية ونهائية فلا بد من النهوض ثانية وثالثة و ... إن البلاد العربية غنية بطاقاتها البشرية و الذهنية و ثرواتها و بموقعها الجغرافي و لم تكن الشعوب العربية محظوظة بأغلب قادتها الذين دفعوا العربة نحو الخلف وساروا بعكس الاتجاه.. وحاربوا سورية كوكلاء , وتصرّف بعضهم كأصلاء , لكن الوقت حان تنفض الأمة عنها قشورها وورقها اليابس وتظهر صخورها الصلبة التي يمكنها أن تقف عليها وتخوض غمار التحدي والمعركة.
لقد بدأت الصورة تزداد وضوحاً ً وبدأ الكل يبصرون و يرون أن القائد والرمز سيادة الدكتور بشار الأسد هو من يحمل راية الأمة العربية مجددا ً و وراءه كل الشعب العربي في معركة المصير والكرامة وتحقيق الذات , ولنا في الماضي القريب والحاضر عبرة ً , ولهم فيها عارٌ و رعبٌ وخوفٌ, أيا شعب أمتي ألا انتفض فقد انتهى زمن الهزائم وحان وقت الانتصار والمضي قدماً بإذن الله.
 المهندس : ميشيل كلاغاصي
1 \ 8 \ 2015

Saturday, July 14, 2018

ترامب إلى هلسنكي مهزوما ً.. وإنسحابه من سوريا حتمي



عامان كاملان أمضاهما دونالد ترامب المرشح ولاحقا ً الرئيس, تحت الأضواء العالمية أثبت من خلالهما أنه النسخة الرئاسية المناسبة للمرحلة الصعبة التي تمر بها بلاده وعليه عُقدت الاّمال للحفاظ على هيبتها وسمعتها وفي محاولتها للتمسك بعتبة الدولة القطب وعدم التراجع إلى ما دونها في عالمٍ جديدٍ ناشئٍ بشّر بتعددية قطبية لا تعترف بالقوة العسكرية منفردة ً عاملا ً محددا ً لنفوذ الدول وأحجامها ومكانتها الدولية, فالإقتصاد والتجارة الدولية هما من يرسما حدود السلام والحروب العالمية.
إن الفشل الإقتصادي الداخلي والخارجي وحجم الديون وحصيلة الهزائم الأمريكية السياسية والعسكرية الناجمة عن نسف الإتفاقيات والعهود والتفاهمات مع حلف الناتو وتركيا والتراجع أمام روسيا في سوريا وأوكرانيا وكوريا الشمالية , والفشل في تعديل الملف النووي الإيراني والتواجد في بحر الصين الجنوبي .. أمورٌ تسببت بإصابة سياسة الولايات المتحدة بشرخٍ كبير بعلاقاتها مع الجميع , ودفعت أوروبا للإعتماد على نفسها والبحث عن مستقبلها ومصالحها ومصيرها بعيدا ًعن شريكها الأمريكي , بالتزامن مع العودة القوية للحليف الروسي السابق والمنافس وربما العدو الحالي وأصدقاؤه الصينيون والكوريون وعديد الدول في منظمتي البريكس وشنغهاي , والتي باتت ألغازا ً أمريكية تحتاج حلولا ً سريعة ً وإلاّ ستتبدد الأحلام وتسقط المشاريع , ويصير الأمريكان حديث السهرة والفرنجة والطليان.
وعلى الرغم مما قيل عن قلة خبرته السياسية  مقارنة ً بما يمتلكه في التجارة والمقايضة والصفقات , يبقى الأهم هو ما فعله ترامب خلال الفترة الماضية , وتجدر مقارنة مواقفه التي أطلقها كمرشح ما قبل الفوز ومقدار ما استطاع تنفيذه بما يرسم حدود حكمه كرجل إقتصاد خبير وواثق وصريح , ويضعه في عداد الأقوياء ممن سبقوه في رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية , تلك المواقف التي أعلن عنها صراحة ً منذ أن بدأ حملته الإنتخابية , فقد قال :"سأحمي العالم وسأبني حائطاً مكسيكيا ً وقد أفكك الأطلسي وأطيح بالنووي وسأحمي من يدفع" .. وإعتبر أنه "من الخطأ محاربة دمشق التي تحارب داعش ورحيل الأسد جنون" .. فقد بدا صادقا ً مخيفا ً أخرق القول وربما الفعل واستطاع قلب التوقعات وكسب الخصومات والعداوات.
لقد أنهى بسرعة إبتزازه لدول الخليج العربي وما بين الزيارة والدعابة والهدايا والعقود العسكرية والأتاوات الصريحة حصل على المليارات مقابل حماية تلك العروش , وحاول إعادة فتح الملف النووي الإيراني واستخدامه سلاحا ً لمحاصرتها والتضييق عليها ومنعها من بيع نفطها لحين رضوخها – كما يعتقد- , لكنه بذلك أرعج وأرعب الأوروبيين ولم يحترم مصالحهم مع الدولة الإيرانية وشراكتهم وطاعتهم وصداقتهم لبلاده , فقد حاول إبتزازهم دولة ً تلو الأخرى , وأجبرهم على الإختيار ما بين المواجهة والإستسلام للهيمنة والغطرسة الأمريكية , واختار أن يدق الرأس الكبيرة في ألمانيا واتهمها بالخيانة لشركائها وحلفائها في الناتو وبأنها تملئ الخزائن الروسية بالمليارات , لقد حصل على مبتغاه وجنى بعض المال وفرض على حلفائه في العالم الأوروبي الغربي نوعا ً جديدا ً من العلاقات الإقتصادية - الإستراتيجية على أسس جديدة تليق بإحجامهم السياسية الحقيقية – الحالية – , بما يشكل إنقلابا ً على شراكتهم القائمة منذ سبعون عاما ً وما بعد إنتهاء الحرب العالمية الثانية.. وبشكل عام فقد أربك دول الإتحاد الأوروبي وبريطانيا المغردة من خارجه , بعدما راهنوا بمالٍ كثير ووضعوا نفوذهم في كفة التحالف مع إدارة أوباما والإستثمار في الإرهاب, واهتموا بالمال الإيراني المفرج عنه بعد الإتفاق النووي, لكنهم في عصر ترامب أخذوا يتحسسون خسائرهم ونزيف نفوذهم وهيبتهم وإقتصادهم.
من الواضح أنه قلب العالم رأسا ً على عقب , ووضع خلفه كافة أدواته من دول وأنظمة تابعة وتنظيمات إرهابية , واخنزل فريقه بشخصه ليجلس على طاولة التفاوض مع الرئيس فلايديمير بوتين في اللقاء المرتقب بعد غدٍ الإثنين في هلسنكي .. وبحسب المؤشرات فإن ترامب لن يسعى لوقف المعارك لكنه سيعرض تحويلها من العسكرة إلى الإقتصاد والتجارة  بغية الحد من نزيف نفوذ الكثيرين وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية , وقد يعتبر الشراكة مع روسيا نوعا ً من الإحتواء القطبي المؤقت, لذلك لم يحدد فيما إذا الرئيس بوتين صديق أم عدو , لكنه يؤكد وعلى جميع الأحوال أنه منافس قوي.
- ترامب يذهب إلى هلسنكي مهزوما ً....
من الواضح أن مجموع الثقل النوعي الذي تأبطه ترامب قبيل لقاء الرئيس بوتين , لن يجعل منه ندا ً قويا ً في اللقاء , فتحديد ملفات أوكرانيا وسوريا و إيران موادا ً للبحث تؤكد حجم معاناته وضاّلة حظوظه في إنتزاع أي فوز أو تعادل بعد إنتهاء المونديال في روسيا.
ففي الملف الأوكراني وتحديدا ً ما يتعلق بالقرم , يبدو الموضوع محسوما ً وقانونيا ً ومن الصعوبة بمكان إقناع بوتين بوقف مد ودعم خطوط السيل الشمالي نحو أوروبا , ولا يمكن التعويل على نجاح ترامب في إبتزاز الرئيس بوتين من بوابة الإستمرار بالعقوبات وبمحاصرة خطوط نفطها نحو أسواقها و زبائنها المعتادين أو المحتملين.
أما الملف الإيراني .. فيبدو معقدا ً للغاية , ولا يمكن تصور مدى قوة القرار الإيراني الداخلي بقبول بالتحدي, لجهة مواقف الرئيس حسن روحاني ومرشد الثورة والحرس الثوري ومن ورائهم تتجلى وحدة الشعب الإيراني ودعمه لقياداته ... ويبقى تحويل المعارك العسكرية لإركاع إيران وفرض الشروط الأمريكية عليها من بوابة إعادة فتح الملف النووي وتعديله, إلى معارك إقتصادية – تجارية,  تتمثل بمنع إيران من تصدير نفطها وبخفض أسعار النفط بالإعتماد على التواطؤ السعودي يعتبر أمرا ً خطيرا ً قد يُقابل بإغلاق مضيق هرمز والردود الإيرانية واضحة ذلك , الأمر الذي يهدد بجر العالم إلى مخاطر وحروب لا تحمد عقباها.
وفي الحديث عن سوريا ....يبدو أن السوريون لم يستعجلوا الحكم والتوقعات, ولم يراهنون على شخص ترامب وحده , إذ يعتقد الرئيس الأسد :"أن الأمر لا يتعلق بالرئيس ترامب فقط ولكن بقوى مختلفة داخل الإدارة", لكن ترامب لم يتلقف في بداية عهده كلام الرئيس الأسد الذي أكد – وقتها - أن دمشق يمكنها أن تتعاون مع ترامب "إن كان سيحارب الإرهاب" وبذلك تمنحه فرصة الحفاظ على ماء وجهه , لكن ترامب أضاع الفرصة وتمترس وراء زيادة عدد القواعد الأمريكية وبالمراهنة على الأتراك والأكراد والجماعات الإرهابية وخصوصا ً "داعش" , فتحول بأفعاله إلى محتل حقيقي واستحق تبعات هذا التصنيف بحسب السوريين , وسيتم التعامل معه عبر المواجهة العسكرية المباشرة وعبر عمليات المقاومة الشعبية ووفق سلم الأولويات السوري.
وما يدفع ترامب في لقاء هلسنكي لعرض تخليه عن التواجد العسكري الأمريكي ليقينه بفقدان المجاميع الإرهابية قدرتها على أي فعل عسكري كبير, وعدم قدرتها على الإحتفاظ بمناطق سيطرتها , لذلك سيسعى ترامب لإستبدال ملفاته العسكرية بأخرى سياسية – إقتصادية  ضاغطة على الحكومة السورية من بوابة "الشروط" الأمريكية للإنسحاب من سوريا , وبما يصب في صالح ما يسمى "صفقة القرن" , وبما يتعلق بمخطط ضم الجولان المحتل و بالإعتراف بالدولة اليهودية وعاصمتها القدس من خلال ما أطلقوا عليه مبدأ "نبادل أو أستبدال الأراضي" , وبتوطين الفلسطينيين الموجودين في سوريا ...وقد يسعى لتعويض خيبات نتنياهو في زياراته الثلاثة الأخيرة إلى موسكو ويطرح توافقا ً أمريكيا ً- روسيا ً على قرار أممي يكون كبديل لفشل الحزام الأمني الإرهابي أو منطقة معزولة السلاح على غرار القرار 1701 في الأراضي اللبنانية, لتهدئة روع قادة الكيان الغاصب.
بإختصار .. يُخطىء  دونالد ترامب إن اعتقد بإمكانية مقايضة إنسحابه  من سوريا بحصوله على مكاسب سياسية أو عسكرية أو إقتصادية , فما عجز بالحصول عليه في الحرب لن يحصل عليه سلما ً أو إتفاقا.
ومع بدء الحديث الروسي عن موعد تحرير إدلب في مطلع ايلول , ومع نضج الحوار بين مكونات الشمال الشرقي للبلاد والحكومة السورية والذي أسفر عن تسليم قوات سورية الديمقراطية للعديد من مناطق سيطرتها في مدينة الحسكة واستعدادها لتسليم كامل الشريط الحدودي مع تركيا .. ووسط معلومات تؤكد بدء إنسحاب القوات التركية من ريف إدلب نتيجة نضج الحوار الماراتوني الروسي– التركي , لا يملك ترامب سوى أن يعرض إنسحاب قواته من سوريا مقابل انسحاب إيران وحزب الله منها دون أن ينتظر الرد ، فبقاء القوات والقواعد الأميركية في الشمال الشرقي لسوريا وفي التنف لم يعد مفيدا ً, وقد يعرض الجنود الأمريكين لما لا يحمد عقباه.
المهندس : ميشيل كلاغاصي
15\ 7 \ 2018

Saturday, June 30, 2018

صفقة القرن .. رشاوى الإستسلام لا تصنع السلام



صفقة القرن أو تصفية القضية الفلسطينية ..جديد العرب والغرب أم قديمهم؟ هل حقا ً يتاّمرون عليها منذ سبعون عاما ً؟, أم هي تهمة ٌوأوهامٌ إعلامية وخيالية, تعصف برأس مصدقيها ومروجيها ؟ من يستطيع الدفاع عنها وإثبات برائتها , لنكّذب الكاذب ونضع اللوم على المسيء, ونقول للجميع أنتم مخطئون فقد تبين وبالدليل القاطع براءة الولايات المتحدة الأمريكية و"ملائكتها" الإسرائيليون , ووداعة الحكام والعروش العربية من "محبي" فلسطين .. ويحكم .! ألا ترون ولا تسمعون هدير ملك الأردن وهو يستقبل الأمير وليام وميركل ونتنياهو وعريقات ويُهاتف كوشنر صهر البيت الأبيض, ألم تروا كيف صارَحَ الطفل التلمودي مخضرم السلطة - عريقات – وأخبره  أن العرب لا يتاّمرون على فلسطين ويحلمون بدولةٍ على حدود الرابع من حزيران لعام 1967وعاصمتها القدس الشرقية , نعم .. يصدقه الطيب عريقات وعلى ما يبدو أنه لا يعرف العرب ولم يلتقيهم أبدا ً في حياته !, وكم هو جميلٌ أن يشهد للعربِ شاهدٌ من غير أهلهم .. ولا بد أن يشهد من غير أهلهم على ما فعلوه بأهلهم , فالسعودية والإمارات وقطر ومصر والسودان والبحرين والأردن قدموا من "المحبة" ما يكفي لإعلان الصفقة عاجلا ً وليس اّجلا ً....
يبدو أن العمالة والخيانة التي اختبأت في حالة الإنقسام العربي المخجلة, قد وجدت ضالتها لتبرير نفسها في معادلة " مع أو ضد مقاومة المشروع الصهيو- أمريكي في منطقة الشرق الأوسط", وأطلقت من على مذبح الصهيونية ووعودها وإنبطاحها وخدماتها وحقدها وتاّمرها على سوريا والعراق وليبيا واليمن وفلسطين ...إلخ, وتذرعت بالفتن المذهبية والطائفية وحروب الإرهاب لحماية الله والدفاع عنه وإفتتاح العصر الصهيوني بإسمه , لقد أهدى العرب صفحاتٍ كاملة من بطاقاتهم العائلية كي تسجل فيها واشنطن أسماء لقطاء إرهابييها في "داعش والنصرة والجيش الحر واّلاف أسماء اللقطاء المحليين والمستورين من أصقاع الأرض" على أنهم أبناء العرب والمنطقة والإسلام , وأخفوا حقيقة الإنقسام والعداء "لإسرائيل" ومن هو معها ومن هو ضدها , وضرورة إنهاء الصراع والتطبيع الكامل والمجاني معها , فأسقطوا من قواميسهم علنا ً ما أخفوه لعقود برروا فيها وجودهم كعائلات مالكة وحاكمة , وأسقطوا معها إستعادة الحقوق العربية وحماية المقدسات وحق عودة الفلسطينيين و.... إلخ, وهذا بإختصار ملخص وجوهر ما أُطلق عليه "صفقة القرن".
لقد برر بعض العرب خيانتهم لفلسطين, بقول الوزير القطري حمد بن جاسم : ب "توفر الإمكانات لتحرير فلسطين وعدم توفر الإرادة", ونظر بعضهم "ملك السعودية" إلى عمليات المقاومة ضد الجنود الإسرائيليين بأنها "مغامرة" , ووافق عمرو موسى على خراب وضرب ليبيا , وجمّد نبيل العربي عضوية سوريا في الجامعة العربية وهاجموها كفريسةٍ وبلا رحمة , بإعتراف "حمد" القطري بعد إقالته كمدير للحرب على سوريا بقوله : أن العرب "تهاوشوا على الطريدة"- السورية , ناهيك عن المؤامرة على العراق ودعم ظالم البحرين, والإستفراد بأطفال اليمن في عواصف "حزمٍ وأملٍ" صهيونية التخطيط , سعودية وإماراتية التنفيذ ولم يتأخر عنها عربٌ اّخرون .. فهل يستبعد أحدكم الحديث عن "صفقة القرن"؟.
يبدو أن عرب - الصفقة مهتمون بالسلام الإقتصادي كبديل وكتعويض عن السلام السياسي, وعليه بنوا جوهر موقفهم من صفقة القرن, ولم تعد تعنيهم الحقوق السياسية الفلسطينية والعربية , فيما بدأ "فيلسوف" العرب ومنظر "ثورات" الخراب العربي المدعو "عزمي بشارة"  يروج لتسميةٍ أقل حدة ً ووضوحا ً, ورأى أن تسميتها بالصفقة "مضللة", وأنها لا تعدو أكثر من "وجهة نظر إسرائيلية قديمة" تحاول إسرائيل إملائها على العرب!.
هذه النظرة وهذا السلام المزعوم عبر الحل الإقتصادي والذي تحدث عنه صهر الرئيس الأمريكي وكبير مستشاريه كوشنر , في لقاءاته المتكررة مع أعضاء بارزين في السلطة الفلسطينية كالرئيس محمود عباس وصائب عريقات وغيرهم , بدا كمن يتحدث عن الفلسطينيين كمرتشين..! واختزل قضيتهم بمساعدات مالية وقليل من الرفاهية , الأمر الذي لا يبدو معيبا ً للصبي التلمودي بقدر ما هو معيبٌ بحق ساسةٍ وقادة ومسؤولين فلسطينيين يسمعون تهديد كوشنر لرئيس السلطة بفضح ونشر بنود الصفقة ولا ينبسون ببنت شفة ؟..
لقد أمعن كبير مستشاري ترامب في إهانة السلطة والشعب الفلسطيني , كما هو واضح في حديثه لصحيفة "القدس" الأحد 24\6\2018, وما تحدثت عنه صحيفة "إنتليجانس أون لاين" الفرنسية, و دوره في تنظيم لقاء جمع قادة استخبارات "اسرائيل" والسعودية ومصر والأردن والسلطة الفلسطينية في العقبة للتأثير على موقف السلطة حيال "صفقة القرن".
فقد أتى كلام كوشنر بحق الشعب الفلسطيني, قاسٍ ومهين ولا يخلو من الإستخفاف والسخرية , وتأكيده بأن "الرشاوى" الإقتصادية ، قادرة على جعل الفلسطينين يتنازلون عن حقوقهم الوطنية والتاريخية مقابل تحسين أوضاعهم الاقتصادية , لهو دليلٌ قاطع على أنه حصل على وعود البعض في هذا الشأن , بدليل عدم تكذيبه حتى الاّن ...
و بدا مقتنعا ً بأن معالجة الأوضاع المتدهورة في قطاع غزة ستكون بوابة ً لمرور الصفقة , وعليه كان محور جولته الخليجية في الإسبوع الماضي للتركيز على إقامة مشاريع البنى التحتية في شمال سيناء , ما يعزز الشكوك حيال ما يُخطط له بإنشاء "غزة الكبرى" عبر ضم جزء واسع من أراضي شمال سيناء إليها من خلال ما دُعي بتبادل الأراضي , بهدف إعلانها أرض الدولة الفلسطينية النهائية , الأمر الذي يثير الشكوك حول موافقة الرئيس المصري على هذا!, في وقتٍ تحدثت فيه صحفٌ إسرائيليلة عن موافقة أربع دولٍ عربية على الصفقة بما فيها مصر.. وعليه, يتمنى الشارع العربي سماع ما يثبت عكس هذا الكلام من القيادة المصرية.
ومن خلال دوامة الحلول الإقتصادية والدخول في تفاصيلها قد يجد الأردن فرصة ً وإغراءا ً للموافقة على الصفقة ,  كالحديث عن مشروع تغذية غور الأردن بالمياه العذبة ومحطات تحليتها التي ستقام في العقبة , فيما تجد مصر ضغوطا ً وتهديدا ً لإقتصادها وأمنها القومي, عبر مشروع خط السكة الحديدية الذي سيصل السعودية بإسرائيل وبأوروبا ، على حساب قناة السويس , ما قد يشكل إحراجا ً للرئيس السيسي الذي قال يوما ً أن :"مصر و السعودية يشكلا جناحي الأمن القومي العربي"!!
إن الحديث عن صفقة القرن بحسب الذهنية الأمريكية ورشاوى كوشنر, ومبدأ المال وتحسين الإقتصاد مقابل السلام , هو حديثٌ عن الإستسلام  دون شك أو مواربة , ويبدو كلاما ً قاصرا ً ورؤية ً فاشلة, فالطريق الأمريكي يقود إلى جهنم مهما زُين بالجحارة الجميلة , وعلى كوشنر ألاّ يراهن على عرب - الصفقة من العملاء والخونة , فالمشروع الأمريكي هُزم في سوريا والمنطقة, وتحولت تداعيات النصر السوري صمودا ً وصواريخا ً يمنية تدك عروش التاّمر الخليجية , في مشهدٍ بدت معه المقاومة الفلسطينية واللبنانية والعراقية والسورية في أبها صورها , وعليه لا بد لكوشنر من إعادة تقييم وتقدير قوة محور المقاومة والمقاومون والشرفاء اللذين لا تعنيهم كنوز الدنيا , ولا تبهرهم مشاريع ترامب الإقتصادية , وتبقى القدس وفلسطين بالنسبة إليهم قدس الأقداس وأرض الأجداد المباركة , فبدون السلام العادل والشامل وإستعادة كامل الحقوق لن يكون هناك صفقة ٌ أو سلامٌ أو تطبيع , شاء من شاء و أبى من أبى.
المهندس : ميشيل كلاغاصي
30\6\2018

Wednesday, June 20, 2018

العدوان الجبان لن يُثني دمشق عن إستعادة الحدود مع الأردن


لم يعد الإرهاب قادرا ًعلى إبهار الدولة السورية أو مفاجئتها , أو حتى إحراجها .. وباتت معارك الأصيل ضرورية بعدما مُنيت جحافل المجموعات والتنظيمات الإرهابية  بهزائم مؤلمة , جعلتها تفقد سيطرتها على مساحاتٍ واسعة شاسعة متنوعة الأهمية الإستراتيجية والعسكرية والإقتصادية , وباتت غالبية المشاهد مكررة ضعيفة التأثير على الدولة السورية وسيطرتها الميدانية أو على مواقفها السياسية وتحركاتها الدبلوماسية ,  فكما اعتاد السوريون والعالم رؤية مشاهد التفجيرات والمجازر ومسرحيات الكيماوي قبيل جلسات مجلس الأمن أو لقاءات جنيف وغيرها , كذلك أصبحت مشاهد العدوان الصاروخي والجوي والمدفعي , مشاهد ثابتة تلي كل تحريرٍ هام وكل تقدمٍ استراتيجي للجيش العربي السوري , فقد تناوبت القوات الأمريكية وتحالفها اللاشرعي والقوات الإسرائيلية والفرنسية والبريطانية على تنفيذ جولاتٍ من العدوان اختلفت من حيث الزمان والمكان والهدف المباشر واتحدت في الجوهر , واحتفظت بنفسها كمحاولاتٍ يائسة لرفع معنويات مجاميعها الإرهابية ومنع إنهيارها , وكأفعالٍ إرهابية جبانة لإلحاق الأذى ما أمكن بمقدرات الجيش العربي السوري وبأرواح جنوده وقادته و للتأثير على إنجازاته وسرعة تقدمه , بعدما فشلت خطوطهم "الحمراء" وتهديداتهم في ثنيه عن تحقيق أهدافه عبر تحركاته النابعة من جدول أولوياته والذي تحكمه قاعدة "تحرير كل شبر" التي أطلقها الرئيس بشار الأسد.
ومن يتتبع يوميات وملفات الحرب على سوريا , يرى تعرضها لعشرات الإعتداءات والغارات الصاروخية والجوية التي نفذتها قوات العدو الإسرائيلي وقوات التحالف اللاشرعي الذي تقوده القوات الأمريكية , وباتت عملية إحصاؤها خلال ثمان سنوات تتطلب الوقت والجهد الكبير, ويبقى من اللافت مؤخرا ً, أن تقوم الجهة المنفذة للعدوان سواء كانت أمريكا أو إسرائيل بنفي الخبر أو بتكذيبه وفي أفضل الحالات بالإمتناع عن التصريح أو التعليق عليه , وذلك لحساباتٍ تتعلق بإرباك الدولة السورية و للخشية والحد من ردود أفعالها , وهذا بالطبع يعود لإختلاف وتطور طريقة واّلية التصدي السوري الدفاعي للعدوان وتنوع أشكاله وأدواته واّلياته التي أثبتت كفائتها في التعامل مع الصواريخ المعادية وتدميرها قبل وصولها إلى أهدافها كما حصل في العدوان الثلاثي على سورية عشية 10\4\2018, أو لتوسيع دائرة الرد وإعتماد الرد الهجومي المباشر كما حصل في عدوان 10\5\2018حيث أمطرت الدفاعات الجوية السورية سماء الجولان المحتل بالصواريخ , وأجبرت مستوطني الكيان الغاصب على النزول إلى الملاجئ , وكرست معادلة الصاروخ بالصاروخ , وأربكت يومها قادة الكيان الغاصب وجعلتهم يتكتمون ويخفون خسائرهم العسكرية المؤلمة ولا يتحدثون عن مواقعهم الحساسة  التي دُكت وعن قتلاهم اللذين تبعثرت أشلاؤهم.
وفي الحديث عن العدوان الأمريكي الجديد الأحد 17\6\2018, لا بد استحضار العدوان السابق أيضا ً الذي حصل بتاريخ 24 \5\2018, للإرتباط الوثيق بين الحدثين وتشابههما وللفارق الزمني القليل بينهما ...فقد نفذت القوات الأمريكية عدوانها 24 أيار, على القوات السورية  في منطقة دير الزور وبالقرب من البوكمال وفي بادية حمص , انطلاقاً من ما يسمى "جيب التنف".. وجاء العدوان بعد تحرير دمشق وتأمين محيطها من الإرهاب , وبدأ الحديث عن حشد وتقدم القوات السورية وحلفائها نحو الجبهة الجنوبية للإمساك  بالحدود مع الأُردن وتحرير كامل منطقة الجنوب ومدينة درعا... في وقتٍ نفت فيه قيادة التحالف الأمريكي علمها أو قيامها بالعدوان , وأكدته وكالة سانا السورية الرسمية .. كذلك أتي العدوان الأمريكي الثاني 17حزيران, ليستهدف موقعا ً عسكريا ً سوريا ً في بلدة الهرى جنوب شرقي البوكمال , وكسابقه فقد نفت الولايات المتحدة قيامها بالعدوان , وأكدته أيضا ً وكالة سانا ووجهت إتهامها للقوات الأمريكية , وقد جاء العدوان بعد ثلاثة أيام من تحرير وحدات الجيش محورا" بطول 40 كم وتمشيطها مساحة 2000 كم2 في البادية الغربية للميادين.
إن تشابه الإعتدائين يعود لإرتباطهما الوثيق بما سيجري في الجنوب والجنوب الغربي و درعا , ومحاولة كل من أمريكا واسرائيل تأخير أو منع الجيش السوري من بدء التحرك العسكري في درعا عبر إعادة خلط الأوراق السياسية وبعملية تبادل الأدوار وبإخفاء الجهة المنفذة , وبإستخدام ذريعة تواجد القوات الإيرانية على الحدود الجنوبية لسورية الأمر الذي قد يشير إلى أن إسرائيل هي الجهة المنفذة , فقد تحدث عنه نتنياهو قبيل العدوان وقال :" أننا سنعمل ونعمل حاليا ً ضد المحاولات الإيرانية ووكلاء إيران للتموضع عسكريا ً قرب الحدود الإسرائيلية وداخل العمق السوري", وهذا يتقاطع مع تصريح هام للغاية لمسؤول أمني إسرائيلي بالأمس إذ يقول:" أن الأزمة الإقتصادية في الأردن ليس الوحيدة التي تؤثر على استقراره ، وهناك مخاطر أمنية من اقتراب مقاتلي حزب الله والإيرانيين من حدوده ", بالإضافة إلى لقاء نتنياهو بالملك الأردني والذي يأتي بعد إعادة تعويم العرش الأردني وملئ خزائنه بالمال الكافي لقبوله بصفقة القرن وتقديم سلسلة من المشاريع الإقتصادية (كمشروع قناة البحرين , ومشروع تغذية غور الأردن بالمياه العذبة التي ستنتجها محطات التحلية التي ستقام في العقبة), كرشاوى للنظام الأردني ودفعة ًعلى حساب صفقة القرن؟, أم لنيل موافقته على عبور الطائرات الإسرائيلية الأجواء الأردنية لإستهداف القوات السورية وحلفائها والقوات الرديفة شرق سوريا ؟ .. لا يمكن التفكير بعيدا ً عن هذا المنطق فقد سبق للطائرات الإسرائيلية أن عبرت الأجواء الأردنية والعراقية ونفذت إعتداءاتها على ريفي حماه وحلب الجنوبي الشرقي تحت ذريعة تفادي إحتكاكها وإصطدامها بالطائرات الروسية.
مهما يكن من أمر العدوان , فقد تناقلت وسائل الإعلام تصريحا ً لمسؤول أمريكي نقلته عنه ال CNN ليلة الأمس وبعد 24 ساعة على العدوان يقول فيه :" إسرائيل نفذت القصف على منطقة البوكمال عند الحدود السورية العراقية الليلة الماضية", أتبعه صباح اليوم كلام السفير الأمريكي لدى بغداد :"القوة الجوية الأمريكية غير مسؤولة عن الهجوم على الحدود , ولا وجود لأي نشاط جوي أمريكي على الحدود السورية – العراقية" , في وقتٍ حصرت فيه كتائب حزب الله– العراق الحديث عن مسؤولية القوات الأمريكية والإسرائيلية بالجريمة , وأكدت استعداد الحزب للمواجهة " مع الكيان الصهيوني والمشروع الأمريكي" , وأنه سيكون لها موقفها مع إنكشاف هوية المرتكبين.
بلا شك فقد باتت إستعادة السيطرة على الحدود الأردنية أولوية ً للجيش العربي السوري بعد استعادته للحدود مع العراق ولبنان , في وقتٍ يعلم فيه قادته أن المعركة لن تكون سهلة خصوصا ً مع الدعم المطلق لما يسمى عصابات الجيش الحر المتواجدة هناك من كافة أعداء سوريا وعلى رأسهم العدو الإسرائيلي وإحتمالية التدخل المباشر للقوات الأمريكية و الإسرائيلية ... لكن, وعلى الرغم من العدوان الأخير ورسائله وأهدافه وبغض النظر عمن إرتكبه , لن يستطيع أحدٌ ثني دمشق عن تحرير كامل أراضيها ، فمعركة درعا باتت معلنة ووشيكة وواضحة الهدف.
فقد منحت الدولة السورية الجهد والوقت للحلول الهادئة – السلمية بما يعيد الأمن والأمان لاّلاف سكان المناطق الحدودية ويسمح بعودة اللاجئين من الأردن , لكن الإرهابيين - العملاء ممن يستعملون اسم المعارضة أبوا إلاّ والإنصات لمشغليهم , وبات من الواضح أن الدواء لم يعد نافعا ً ولا بد من إستئصال الإرهاب قسرا ً... إن لتحرير درعا أهميةٌ استراتيجية  للدولتان السورية والأردنية على حدٍ سواء , فإعادة فتح طريق دمشق - عمّان ستكون له إنعكاسات أمنية وإقتصادية هامة لكلا البلدين , ونتمنى ألاّ يستمر إنسياق العرش الأردني بعكس مصالح شعبه , فقدر البلدين أنهما أشقاء وجيران وأمريكا لن تكون قدرا ً لشعبيهما.
إن اللعب على إخفاء حقيقة من قام بتنفيذ العدوان , لن يكون عاملا ً مؤثرا ً من حيث النتيجة على تغيير حقيقة ما حث و الغاية والرسالة منه , فحماية المجموعات والتنظيمات الإرهابية هي أهدافٌ مشتركة لكلا العدوين الأمريكي والإسرائيلي , وقيامهما بمثل هذه الجرائم لا يعدو أكثر من جرعةٍ لإنعاش إرهابييهما في البوكمال و درعا ,  ناهيك عن الإرتباط الوثيق ما بين وجود ومصير الولايات المتحدة الأمريكية والإرهاب في سوريا , ولم يعد خافيا ً على أحد تدخلها الصريح لإنقاذ ما تبقى من أذرعها الإرهابية على الحدود السورية - العراقية , وأنها لا تزال تتخذ من وجودهم ذريعة لبقائها في سوريا تحت عنوان محاربة الإرهاب , فيما انتصارات الجيش العربي السوري وحلفاؤه على الإرهابيين تقضي على مبررات وجودها وغزوها للأراضي السورية....
ويبقى السؤال, أما اّن لقوات العدوان الإسرائيلي والأميركي وحلفائهما وأدواتهما الإرهابية إدراك أن الحرب على سوريا انتهت حسابيا ً , وأنه بات عليهم البحث عن منفذ النجاة , فقد اختبروا صلابة شدة بأس السوريين , وحكمة وشجاعة الرئيس بشار الأسد وإلتفاف الشعب السوري والعربي حوله , وأنه بات من المستحيل وقف أو منع الجيش العربي السوري من تحرير كامل الأراضي السورية , وطرد كافة الغزاة والمحتلين , فعدم إعترافهم بالهزيمة لن يمنع وقوعها.
المهندس : ميشيل كلاغاصي
19\6\2018