Friday, June 14, 2019

إفلاس ترامب واستراتيجية "لن أسقط وحدي" - م.ميشيل كلاغاصي


لم يعد بالإمكان النظر إلى الولايات المتحدة الأمريكية, على أنها السيد المهيمن والمسيطر على خارطة النفوذ العالمي, وهي التي هُزمت في عديد الصراعت والمواجهات السياسية والعسكرية التي خاضتها بالأصالة أو الوكالة, والتي تحاول استبدلاها بالحروب التجارية, وبالعقوبات الإقتصادية, وبالإنسحاب من الإتفاقات الدولية, وتحولت مناوراتها إلى سياسة اللعب على حافة الهاوية, وأصبح من الممكن ملاحظة إرتباكها وترددها وتخبط سياساتها الخارجية, وكشف نقاط ضعفها, وغياب استراتيجيتها وإفلاسها.
ولم يعد بالإمكان إخفاء جروحها وندوبها, مع إقتصادٍ نازف وبعجزٍ تجاري يُقارب ال 900 مليار دولار, وبتحالفاتٍ منهكة هزيلة, وبات من المهم ملاحظة أن لجوئها إلى تهديد للأمن والسلم الدوليين, يأتي من باب التراجع وليس من باب التفوق, ويعتمد على رفض غالبية دول العالم العودة إلى الحروب والمواجهات الكبرى.
ولا يمكن لعاقل أن أن يفهم تهديدها وهجومها على الدولة الصينية وعشرات الدول من بوابة القوة, وما يقوم به ترامب يبدو أقرب إلى سياسة "لن أسقط وحدي", بدليل نوعية العقوبات وقواعد الإشتباك التجاري الذي أوقع نفسه وبلاه فيه, وفرضه أسسا ًجديدةً للصراع والمواجهة, في وقتٍ قد تكون بلاده أحد أهم المتضررين والخاسرين.
على سبيل المثال, يبدو حصارها وعقوباتها للدولة الإيرانية بما يتعلق بتصدير النفط الإيراني, بات يفضح حلفائها في الخليج ويكشف عجزهم عن تعويض النقص الحاصل في السوق الدولية على المدى المتوسط والبعيد, وهذا بدوره سيؤدي إلى إرتفاع أسعاره الدولية, الأمر الذي سيتسبب بخسائر طائلة وغير متوقعة للولايات المتحدة الأمريكية أيضا ً, ولا تقل عن أضرار أعدائها والمعنيين بعقوباتها.
كذلك عقوباته ورفع الرسوم على ما يقارب ال 900 من السلع الأمريكية التي تصدرها إلى الصين, والتي اكتفت في المرحلة الأولى بالرد وبالإسلوب ذاته, وبرفع رسوم الصادرات الصينية لما يقارب ال 625 سلعة فقط ... ومع استمراره بالتصعيد, واستهدافه للشركات العملاقة كشركة هواوي, لم يتوقع الرئيس ترامب أنه بإمكان الصين أن تلحق الأذى الكبير وتصيب قلب الصناعات العسكرية الأمريكية, وبما يمكنه أن يتسبب لها من تراجعٍ كبير لقدراتها العسكرية, وسيدفع بتراجع مكانتها ونفوذها في العالم, وبإضعاف قدراتها على إنتاج بعض الأسلحة النوعية المتقدمة.
فغالبية الأسلحة الأمريكية المتقدمة تعتمد بشكلٍ شبه كلي على مواد "الأرض النادرة" التي لا تنتجها دولةٌ في العالم سوى الصين ... وقد يكون تعنت الرئيس الأمريكي وإدارته سببا ًرئيسيا ً لتحويل الولايات المتحدة  إلى أحد ضحايا الحرب التجارية التي يضرمونها ... إذ تعتمد الولايات المتحدة على الصين في الحصول على مواد الأتربة النادرة, والتي تستخدم 17 عنصرا ً منها على نطاقٍ واسع في صناعة البطاريات والهواتف الذكية والسيارات الكهربائية وعديد الخدمات والسلع الأساسية.
ويبقى من اللافت الإشارة إلى دخول تلك المواد والعناصر الأرضية النادرة, في الصناعات العسكرية الهامة, خصوصا ً تلك الأسلحة النوعية والمتقدمة والحرجة, والتي تشمل لوائح كبيرة من تلك الصناعات, فمن صواريخ التوماهوك إلى طائرات ال F-35 المقاتلة, والمدمرات والطرادات المجهزة بنظام "إيجيس", وكل ما يتعلق بالصناعات الحربية الدقيقة, التي تتطلب توفر العناصر الحرجة, كالمغناطيس الدائم والسبائك النوعية المتخصصة التي تنتجها الصين حصريا ً.
ومن المهم الإشارة, إلى دخول تلك المواد في صناعات القنابل الذكية والذخائر الموجهة, والتي تدخل في عداد الإمداد الأمريكي طويل المدى, والتي لا يتم إنتاجها إلاّ بعد إبرام صفقات بيعها, أو لإستخدامها السريع, بسبب إرتفاع تكالبف إنتاجها, وعدم قابليتها للتخزين الطويل, والتي قد تحتاجها الولايات المتحدة على عجل, في حال نشوب بعض الصراعات من خارج الأجندة الأمريكية, أو تلك التي تتطلب حربا ً أو هجوما ً فوريا ً مستعجلا ً... ويكفي معرفة أن كل قطعة بحرية من غواصات الهجوم السريع الأمريكية, تحتاج لما يقارب الخمسة أطنان من المواد الأرضية النادرة.
ومع ذلك يستمر الرئيس دونالد ترامب بالتصعيد والتهديد بالحروب العسكرية, ويستخدم المنابر الإعلامية لإطلاق أكاذيبه حيال رضوخ الدول لحروبه التجارية وعقوباته الإقتصادية, ولا ينفك يعلن عن إنتصاراته الوهمية, كإدعائه رضوخ المكسيك للإتفاق الجديد قبل أيام , في وقتٍ تبين فيه أن المكسيك كانت قد وافقت على طلبات وربما على توسلات ترامب قبل عدة اشهر, كذلك تصريحاته وتوقعاته بإقتراب التفاوض مع الدولة الإيرانية إلى أن ثبت العكس, بالإضافة لإعلانه عن إقتراب رضوخ الصين والتفاوض معها, بعدما أطلق عشرات الأكاذيب بأن:" الصين ستخسر الكثير, وأكثر مما ستربحه من سيطرتها على المواد الحيوية".
لم تكتف الصين بالإشارات الإعلامية وبالتهديد بقطع صادراتها من الأتربة النادرة, كنوع من الرد على الضغوط الأمريكية على شركة الإتصالات العملاقة "هواوي", بل ذهبت تلميحاتها الإعلامية الحكومية الرسمية , إلى أبعد من ذلك, وبإحتمالية إدراج تلك المواد على لوائح صادراتها التكنولوجية, بما يشكل ضربة ً قاضية للصناعات العسكرية الأمريكية, وقد يسمح ذلك للاّخرين من أصدقاء وأعداء بالحصول عليها.
من الواضح أن إعتداد الرئيس ترامب بذكائه وفريقه الحاكم ومستشاريه, جعله غير قادر على فهم وهضم أن الصين غيّرت وبشكل فعال طريقة إدارتها للحرب, وربما ستغير من نتائجها... وبات على فريق الأمن القومي الأمريكي الإقتناع بقدرة المنافسين الإستراتيجيين, وفرزهم وتمييزهم عن الضعفاء... وبات عليهم الحذر من دفع الصين إلى استخدام مواد الأتربة كسلاح استراتيجي, وإلى البحث عن الهيمنة العسكرية... فلن يكون بمقدور الولايات المتحدة الإستعاضة عن السوق الصينية للمواد والأتربة النادرة, عبر السوق اليابانية التي حاولت البحث عن مصادر أخرى وفشلت, فالصين تحتكر تلك التجارة بفضل إمتلاكها الخامات وبالأسعار التي لا يمكن منافستها.
وعلى الرغم من إدراك وزارة الدفاع الأمريكية أهمية التلميحات والتهديات الصينية, وعلى الرغم من إعترافها وتحذيراتها من إحتكار الصين لهذه المواد, وتأكيدها عبر تقريرٍ في نهاية العام 2018, بأن الولايات المتحدة لا زالت تعتمد في صناعة المغناطيس الدائم على توفر النيوديميوم, الذي تستخدمه في توجيه الصواريخ الدفاعية, إلا ّ أن ترامب يتابع إفلاسه وسياسة التصعيد والتهيد والعقوبات واللعب على حافة الهاوية تحت عنوان "لن أسقط وحدي".
المهندس: ميشيل كلاغاصي
14 / 6 / 2019

Friday, June 7, 2019

أيادٍ إسرائيلية, وسعيٌ لإثبات تورط روسيا في الإنتخابات الأمريكية - ميشيل كلاغاصي


منذ أكثر من عامين, ولا تزال الماكينات الإعلامية الأمريكية الكبرى تتحدث عما أطلق عليه "التدخل الروسي" في الإنتخابات الأمريكية لعام 2016, وترصد كل شاردة وواردة حيال تحقيقات مولر وفريقه الخاص, وتغريدات الرئيس ترامب المتعلقة بهذه القضية... وعلى الرغم من التشعب والتعقيد وضخامة التحقيقات, يبدو أن الأمريكيين يسعون للإستفادة منها داخليا ً في الصراع على النفوذ والسلطة, وخارجيا ًعبر محاولة إثبات تورط الدولة الروسية, من بوابة البراءة والبحث عن الحقيقة, وقد يذهب البعض إلى الإعتقاد بأن الأمريكيين يسعون لإستخدام هذا الملف في محاصرة الكثيرين من أصدقائهم وخصومهم وأعدائهم, دولا ً كانوا أم مؤسسات دولية وإستخبارية أم سياسيين وأفراد...وعلى الرغم من النفي الروسي المتكرر, وتصريحات الوزير سيرغي لافروف بأن: الإتهامات "بلا أدلة", يبقى التحقيق مستمرا ً, وتتكشف عنه يوما ً بعد يوم خيوط جديدة تدفع بإتجاهات مختلفة, تبدأ بمقتل الخاشقجي ولا تنتهي بإعتقال بالمستشار جورج نادر.

ويبقى التدخل الإسرائيلي في الإنتخابات الأمريكية, أمرا ً لا يحتاج إلى إثبات جديد, ويبدو كمحاولة لإثبات المُثبت, لكن استخدام التدخل الإسرائيلي وربطه بطرفٍ روسي, يبقى أمرا ًمريبا ًويُثير الكثير من الشكوك, ويبدو من الحكمة أن يتم التعامل مع الأدلة الواضحة -هذا إن وُجدت-, وبالنسبة إلى الكثيرين يبدو النفي الروسي كافيا ً, قياسا ً لصدق التعامل والسلوك الروسي, مقارنة ً بالسلوك والغايات الأمريكية المشبوهة غالبا ً.

وفي هذا السياق, تحدثت صحيفة "POLICTICO MAGAZINE" الأمريكية, عن جانب مهم يتعلق بإحتمالية وجود أيادٍ إسرائيلية, وبعض المؤشرات على إرتباطها بأطرافٍ روسية... وبحسب الصحيفة, فقد عمدت لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ الأمريكي برئاسة ريتشارد بور, لمطالبة السيد "وول سوريانو" بالحضور لإجراء مقابلة طوعيةٍ ومغلقةٍ معه...

شكوك حول الأيادي الإسرائيلية في الإنتخابات الأمريكية

وذكرت الصحيفة أنه, بعد أسبوعين من تقديم المستشار الخاص روبرت مولر تقريره النهائي، طالبت لجنة الإستخبارات في مجلس الشيوخ, عبر رسالة أرسلتها إلى البريطاني "والتر سوريانو", تدعوه فيها إلى الحضور الطوعي للتحقيق معه حول عدة وثائق – مرتبطة - وتعود للعام 2015, على خلفية اهتمام المحققين بالدور - المحتمل - ل "إسرائيل" في محاولات التلاعب بإنتخابات 2016.

ومن خلال المداولات الخاصة لأعضاء اللجنة, ورد اسم الروسي "أوليغ ديريباسكا" (الشريك التجاري السابق لرئيس حملة ترامب بول مانافورت)، والذي قدم عروضا ًخاصة للحملة الإنتخابية في عام 2016, بعدما تم الكشف عن ارتباطه ب "سوريانو" وبالعديد من الأشخاص المهتمين بالشركات الإستخبارية.

وقد أرسلت اللجنة بتاريخ 5 أبريل / نيسان الماضي, إلى سوريانو, وطالبته بسجلات اتصالاته مع مانافورت وترامب ومايكل فلين... وطالبته بسجل إتصالاته مع ثلاث شركات استخبارية إسرائيلية خاصة, "Psy Group" و "Wikistrat" و "Black Cube"، وبأي اتصالات له –إن وجدت- مع "Orbis Business Intelligence"، وهي الشركة التي شارك في تأسيسها الجاسوس البريطاني السابق كريستوفر ستيل.

لا يعرف الكثيرون عن وول سوريانو, سوى ما تذكره السجلات العامة لشركة USG Security"" الأمنية وبأنه مديرها في لندن ... وقد سبق للصحافة الإسرائيلية أن اتهمته بالتجسس على ضباط شرطة متورطين في قضايا فساد رئيس الوزراء الإسرائيلي "ب نتنياهو".

لم تفصح لجنة مجلس الشيوخ عن أسبابٍ واضحة تجعلها تعتقد بصلة "سوريانو" بالشركات الإسرائيلية الخاصة , مع العلم بأنه عُين في شركة "Psy Group" بتوصيةٍ من نائب رئيس حملة الرئيس ترامب "ريك جيتس" في العام 2016, بهدف التلاعب عبر وسائل التواصل الإجتماعي, لمساعدة ترامب في التغلب على منافسيه الجمهوريين, وعلى هيلاري كلينتون... لكن, - دائما ًبحسب الصحيفة –, أن مصدرا ًمقربا ًمن شركة "Orbis Business Intelligence" أكد للصحيفة أنهم لم يسمعوا أبدا ً بسوريانو.
ولأكثر من عامين, لا تزال التحقيقات مستمرة, ولا تزال لجنة استخبارات مجلس الشيوخ تبحث في قضية التدخل الروسي, والتآمر – المحتمل - بين حملة ترامب وموسكو, ولا يمكن لأحد أن يتوقع مدى زمني لنهاية التحقيق, على الرغم من إدعاء أحد مساعدي اللجنة بأن: التحقيق بات "أقرب إلى النهاية من البداية".

المهندس : ميشيل كلاغاصي
7 / 6 / 2019


Wednesday, June 5, 2019

هل يخسر ترامب "صفقة" بقائه في البيت الأبيض, ويُعزل؟ - ميشيل كلاغاصي


يوما ً بعد يوم تتصاعد الدعوات لمقاضاة الرئيس دونالد ترامب والمطالبة بعزله, بالتوازي مع تحقيقات مولر وإصداره تقريره الخاص حول التحقيقات والنتائج التي توصل إليها, على الرغم من محاولات البيت الأبيض وساكنيه عرقلة مسار الملف برمته, مع مطالبة ما يقارب الستون نائبا ً ديمقراطيا ًفي مجلس النواب ممن يؤيدون إجراء التحقيق والمضي بالمساءلة حتى نهايتها, بما قد يفضي إلى العزل.
والحدث عموما ً, لا يشكل سابقة ًفي الولايات المتحدة الأمريكية, إذ سبق وأن خضع الرئيس ريتشارد نيكسون في العام 1974 لمثل هذه المساءلة, وواجه الأمر ذاته الرئيس بيل كلينتون عام 1998, وليس مستغربا ً أن يخضع الرئيس ترامب للمساءلة ولتقييم سلوكه, لكن يبدو من الصعوبة بمكان فصل العملية القضائية – القانونية, عن إعتمادها عملية ًسياسية لإقالة أو عزل الرئيس في الولايات المتحدة الأمريكية.
نيكسون وترامب ...
فقد سبق وأن وافقت اللجنة القضائية في مجلس النواب على مساءلة الرئيس ريتشارد نيكسون في ملفات، تتعلق بعرقلة العدالة, والتدخل بالتحقيق في قضية ووترغيت, ورفضه تسليم بعض المستندات المرتبطة, بالإضافة للضغوط التي مارسها على الشهود, وكذبه العلني أمام الرأي العام, لكنه استقال من منصبه قبل تصويت المجلس النيابي, ويمكن بكل بساطة ملاحظة مدى التشابه في سلوك الرئيسان نيكسون وترامب.
فقد قام الرئيس نيكسون بعرقلة التحقيق وحماية المتورطين من فريقه, وبإخفاء أنشطتهم والأعمال غير القانونية التي قاموا بها أثناء حملته الإنتخابية, وبإقتحامهم مقر اللجنة الوطنية الديمقراطية في واشنطن للحصول على معلومات إستخبارية ... بالمقارنة مع مسألة إعاقة ترامب للتحقيق الفيدرالي لإخفاء سلوكه وفريقه الخاص , حصول صهره وإطلاعه على معلومات إستخبارية سرية بدون تصريح ... وإدلائه ببيانات كاذبة ومضللة في التحقيق, دفعت محققي مولر, لإعتبار إجابات ترامب الخطية حيال التدخل الروسي في الإنتخابات, إجابات "غير كافية", لكنهم لم يتهموه بتقديم معلومات خاطئة ... على غرار نيكسون, الذي تدخل في تحقيقات وزارة العدل ومكتب التحقيقات الفيدرالي ومكتب الإدعاء الخاص في قضية ووترغيت, ودفع مبالغ مالية كبيرة لإسكات الشهود والمتورطين, وسعيه إلى استغلال نفوذه داخل وكالة الإستخبارات المركزية, بالإضافة إلى سعيه لإثارة المدعي العام ضد من تمت محاكمتهم وخروجهم عن صمتهم.
بالمجمل فقد كان سلوك وتصرفات الرئيس نيكسون كافية لإستدعائه ومحاكمته وعزله, فهل يسمح التشابه الكبير في تصرفات ترامب لإعادة نفس السيناريو؟
إن إنتهاك "الرئيس الأمريكي" للدستور الذي أقسم على الحفاظ عليه واحترامه والدفاع عنه, وإساءة استخدامه لصلاحيات منصبنه, تضعه دون شك أمام المساءلة القانونية, ولا يمكن تجاهل سلوكه خصوصا ً بما يرتبط بمسائل بالأمن القومي, وبإنتهاك الحقوق الدستورية للمواطنين أو بتجاهلها ... ويمكن التأكيد أن الرئيسين نيكسون وترامب قاما بأمور متشابهة, ساهمت بتقويض عمل الحكومة الفيدرالية, وهاجمت حكم القانون والدعوة إلى إجراء التحقيقات.  
كلينتون وترامب ...
فقد استندت المساءلة التي أقرها مجلس النواب للرئيس بيل كلينتون, إلى شهادته التي أدلى بها أمام هيئة المحلفين الفيدرالية في العام 1998, بعدما تمت إدانته بتهمة ارتكاب "جرائم وجنح", حيث تعمّد تحت القسم الإدلاء بشهادة مزورة ومضللة حيال عدة قضايا منسوبة إليه, ساهمت بالتأثيرعلى إفادات الشهود, وأعاقت كشف الأدلة بما يخالف ويسيء للحقوق المدنية... وبذلك، قوض كلينتون نزاهة مكتبه، وأثار الشكوك حول الرئاسة، وأكد خيانته للثقة الممنوحة له كرئيس, وتصرف بطريقة منافية لحكم القانون والعدالة، بهدف إلحاق الأذى ببعض الأشخاص.
واستحق بسلوكه الأرعن المساءلة والإقالة والمحاكمة, وعرقلته مسار سير العدالة, وأثبت عدم أهليته لشغل منصب الرئاسة ... وعلى الرغم من إعداد مذكرة إقالته, لم يُصدِر مجلسي النواب والشيوخ أي تحرك بهذا الصدد... إن إنتهاكه للدستور الأمريكي , وإعلائه بشهادة كاذبة, وإخفائه الأدلة في دعوى الحقوق المدنية المرفوعة ضده, وتقديمه لروايات كاذبة بهدف تقويض أحد الشهود, ناهيك عن دفع الأموال للنساء ... كلها أمورٌ تشكل بمجملها سلوكا ً مشابها ً لسلوكيات الرئيس ترامب, الذي ذهب لأبعد من ذلك وإتخذ خطوات أكثر سوءا ً مما فعله الرئيس كلينتون لإحباط المحققين, وللتدخل بالشهود وتشجيعهم على الإدلاء بشهادات كاذبة.
ومع ذلك, لا يمكن ضمان نتائج التحقيقات ضد الرئيس ترامب, وإمكانية الوصول إلى قرار عزله, لكن يبقى من المؤكد إرتكابه كسابقيه جرائم ستبقى في الذاكرة.
هل يمكن إقالة وعزل الرئيس دونالد ترامب
إن الحديث عن إتهام وإنخراط الدولة الروسية وتدخلها وتأثيرها على الإنتخابات الرئاسية الأخيرة، دفع إلى تعيين مستشار خاص للتحقيق, ومحامي خاص مُنحا سلطة التحقيق في الجرائم الفيدرالية المرتكبة والتدخل فيها, كالحنث باليمين، وعرقلة العدالة، وإزالة الأدلة، والضغط على الشهود...
وبات من المعروف أن الرئيس ترامب, استخدم سلطته وصلاحياته كرئيس للبلاد, بالتدخل الشخصي ومن خلال مرؤوسيه ووكلائه المقربين، بإعاقة وعرقلة التحقيق, وبإحتمالية عرقلة العدالة, بهدف التستر وإخفاء وحماية مساعديه, ولإخفاء أعمالهم غير القانونية... فقد حجب الأدلة والمعلومات عن موظفي التحقيق المعتمدين قانونيا ً, وعن لجان الكونغرس المكلفة رسميا ً,وقام بتشجيع الشهود للإدلاء ببيانات كاذبة أو مضللة للتحقيقات,  وتدخل في إجراءات التحقيقات التي أقرتها وزارة العدل، ومكتب التحقيقات الفيدرالي، ومكتب المستشار الخاص، ولجان الكونغرس, وقام بالإدلاء ببيانات علنية كاذبة أو مضللة, لخداع الشعب والرأي العام الأمريكي, حيال الإنتهاء من التحقيق مع موظفي حملته الإنتخابية, وبعدم تورطهم... ناهيك عن سعيه للتأثيرعلى المدعى عليهم من خصومه والأفراد الذين تمت محاكمتهم وإدانتهم, للحصول على صمتهم أو إدلائهم بشهادات كاذبة، مقابل مكافأتهم.
من خلال هذه المقارنة, يبدو واضحا ً أن الرئيس دونالد ترامب, لم يختلف في سلوكه عن الرئيسين نيكسون وكلينتون, وبإستخدامه لصلاحيات مكتب الرئيس، وفي انتهاك القَسَم الدستوري, وبعدم إخلاصه للدستور الأمريكي وفي الحفاظ عليه وحمايته, وكرر سلوكا ًمشابها ً لمن أغضبوا الرأي العام الأمريكي, وتعرضوا للإقالة أوالعزل... فهل تشهد الولايات المتحدة والعالم عزل الرئيس الأشقر, ورجل الصفقات, ويَثبت فشله في الصفقة الأهم في حياته, ويغادر البيت الأبيض على غرار العشرات ممن أقالهم ورمى بهم خارج حدود غطرسته.
المهندس: ميشيل كلاغاصي
6 / 6 / 2019


Sunday, June 2, 2019

"صفقة القرن" إلى التأجيل .. مؤتمر البحرين إلى أين؟ - م. ميشيل كلاغاصي


في الوقت الذي يستمر فيه الرئيس الأمريكي بالإستهزاء وبتوجيه الإهانات للنظام السعودي تحديدا ً, ولأنظمة الخليج عموما ً, يتابع صهره ومستشاره استخدام الإسلوب ذاته, ويتمادى في سخريته وخداعه, وبوعده بتأجيل الإعلان عن صفقة القرن لما بعد شهر رمضان المبارك ... هل حقا ً يهتم طفل الصهيونية المدلل بعقائد وطقوس وعبادة الاّخرين, في الوقت الذي يرى بأم عينيه كيف يستبيح المئات من الصهاينة ساحات المسجد الأقصى لتدنيسه, وإرسال جيش الإحتلال الإسرائيلي مجموعاته المتطرفة لتدنيس حائط البراق ... فيما يتهيأ بعض العرب للمشاركة في مؤتمر وورشة البحرين لتشريع "صفقة القرن" ولإقرار الموافقة على إغتصاب فلسطين....

ويتساءل البعض لماذا البحرين, في الوقت الذي سبق للرئيس المصري أن أعلن أن "السعودية ومصر هما جناحا الأمن القومي العربي", حيث لا يختلف إثنان حول أهمية القضية الفلسطينية ومركزيتها كما يدعي جميع العرب, فلماذا لا تكون ورشة القاهرة, أو ورشة الرياض؟ هل يهربون من "المجد" أم من العار؟

من الثابت والمعروف أن أساس القضية الفلسطينية هو الإحتلال الإسرائيلي, وإذا كان لا بد لحل هذه القضية بعيدا ًعن لغة المقاومة والعسكرة والحروب, فلا بد من البحث الجدي عن حلٍ سياسي منصف وعادل أساسه القرارات الدولية والحقوق الفلسطينية, ومن ثم يمكن الحديث عن تعويض الشعب الفلسطيني والإهتمام "بإزدهاره" الإقتصادي, وبدولته التي يمكن للحل السياسي أن يقرّ ويعترف بها رسميا ًويرضى بها الفلسطينيون والعرب والمنصفون, ويبقى السؤال هل يمكن للحل الإقتصادي أن يسبق الحل السياسي ؟

وكيف للمؤتمرين, أن يقبلوا الحديث عن "الخطة – الصفقة" وبمناقشة الحل الإقتصادي بغياب الحل السياسي ,هذا الحل الذي يخفيه الأمريكيون حتى اللحظة, وسط إعلان الرئيس الأميركي تأجيل خطته إلى وقت غير مسمى, فيما وعد مسؤول أمريكي – بالأمس – عن طرح الحل السياسي في "الوقت المناسب" بحسب وكالة رويترز, في وقتٍ تشير كافة التسريبات أن الهدف الرئيسي للخطة هو تصفية القضية الفلسطينية وضياع الحقوق العربية.
الأمر الذي يعرّي مؤتمر المنامة الإقتصادي , ويؤكد نوايا وأهداف من سيحضره علنا ً, ومن يوافق عليه سرا ً, أنه مؤتمرٌ لتعزيز التطبيع وتعميق مختلف العلاقات مع العدو الصهيوني, بعيدا ًعن شعارات الإنعاش الإقتصادي للشعب الفلسطيني , وتمهيدا ً للقبول بالحل السياسي المجهول للعرب والفلسطنينين على حدٍ سواء.

إن سخرية كوشنر من أصدقائه "العرب", وإدعائه بتأجيل إعلان الصفقة لما بعد شهر رمضان, يبدو أمرا ًسخيفا ً أحب العرب تصديقه, فمن المعروف أن خطة ترامب للسلام ليست سوى تبني جديد لفكرة رئيس وزراء العدو الصهيوني "نتنياهو" التي طرحها في العام 2008, والتي تقوم على إعتبار السلام الإقتصادي بديل حقيقي عن الحل السياسي.

بمعنى أنها ترتبط ارتباطا ًعضويا ً بالطرف الإسرائيلي, وبمن طرح الفكرة, لذلك تم تأجيل طرحها لحين الإنتهاء من الإنتخابات الإسرائيلية, مع كل الدعم والتعويم الأمريكي لنتنياهو, ومع ذلك يبدو أن الموضوع سيبقى ساكنا ً لحين تشكيل الحكومة والذي يفشل به "بنيامين نتنياهو" حتى اللحظة, فحل البرلمان الإسرائيلي لنفسه وإجراء إنتخاباتٍ جديدة, يعني إن إسرائيل لن تكون جاهزة لمناقشة الخطة إلا بعد عام على الأقل, وهذا بدوره سيدفع الإدارة الأمريكية إلى تأجيل إعلان "الخطة –الصفقة" إلى ما بعد التحضير والإنتهاء من الإنتخابات الأمريكية القادمة, مع إحتمالية عدم فوز الرئيس ترامب بولاية ثانية, نظرا ً لشراسة المعركة الداخلية التي يخوضها هناك, بالإضافة إلى مسألة العزل التي قد تطيح بحسابات الحزب الجمهوري بالكامل.

وعليه يبدو أن صفقة القرن الحالية, ستتحول إلى صفقة قرن العهدان الإسرائيلي والأمريكي المقبلان, لهذا كان لا بد لترامب وكوشنر من إخفاء أسباب التأجيل, ومن بوابة السخرية من العرب وبإعائهم إحترام فرائض عبادتهم... بالإضافة إلى إهانات كوشنر للعرب والفلسطينيين, وبإعتقاده أنهم سيوافقون على التخلي عن حقوقهم مقابل حفنة من الدولارات الأمريكية.
إن مواصلة كوشنر جولاته في المنطقة يأتي في إطار حشد الدعم الذي يحتاجه الحكام العرب والنظام البحريني خصوصا ً, لإرتكاب جريمة إستضافة "الورشة" والمؤتمر الذي ستُعلن فيه "صفقة القرن"... والإكتفاء بمناقشة "الخطة – الضفقة" على الجانب العربي, وإعفاء الطرف الإسرائيلي من أية إلتزامات سياسية وإقتصادية تجاه حل الصراع، ويبقى للمؤتمر أن يتحول إلى أداة ضغطٍ وإبتزاز للطرف الفلسطيني والعربي.

لقد أحسن الفلسطينيون وعلى كافة المستويات برفض "الصفقة", وبالدعوة إلى مقاطعة المؤتمر, ولما سيُقدم فيه من شرعيةٍ مجانية لخطةٍ أمريكية – إسرائيلية أقل ما يقال فيها أنها مجحفة وظالمة وناسفة للحقوق الفلسطينية, ويبقى من المعيب أن يستمر النظام البحريني في استضافة المؤتمر بغياب الطرف الرئيسي والأساسي الأول.

 حتى لو إعتبرنا أن نتائج الإنتخابات الإسرائيلية قد عرقلت بمفردها "الخطة – الصفقة", وأن رئيس الوزراء الإسرائيلي لن يوافق على إعلان الجانب السياسي لها قبل الإنتخابات الإسرائيلية القادمة وتشكيل الحكومة بتركيبتها النهائية, فسيكون إصرار البحرين على عقد المؤتمر قبل معرفة نتائج الإنتخابات يمثل تآمرا وصفعة ً للدولة الأردنية ولكل من تطاله بنود الصفقة بشكلٍ مباشر, خصوصا ًمع إحتمالية أن تضم الحكومة الإسرائيلية أحزابا ً يمينية متطرفة تدعو لحل القضية الفلسطينية على حساب الأردن وغيرها, ناهيك عن الهدف الرئيسي للمؤتمر معني مباشرة ً بتصفية القضية الفلسطينية.

لا يملك النظام البحريني وقتا ً كبيرا ً للتفكير, وعليه أن يسارع لإلغاء استضافته للورشة القاتلة, والإستفادة من الرفض الفلسطيني, ورفض بعض الدول العربية, ورفض محور المقاومة والشعوب العربية, وكل شرفاء العالم...
وعليه الإستفادة من فشل التحريض الإسرائيلي – الخليجي للإدارة الأمريكية ودفعه لشن الحرب على إيران – الداعم الكبير للقضية الفلسطينية -, فموازين القوى في المنطقة لن تسمح لمحور التاّمر الخليجي بتصفية القضية الفلسطينية, ولن يكون مسموحا ً لأحد بالإنفراد بالفلسطينين وبالقضية الفلسطينية, طالما لا يزال أبناؤها يحملون السلاح, ولا زال هناك محورٌ للمقاومة يمتد من طهران إلى العراق وسورية ولبنان وفلسطين وغير شرفاء, ممن يؤمنون بعدالة وقدسية القضية الفلسطينية, وأنها لن تُوضع يوما ًعلى مشرحة الإستسلام الصهيوني.

المهندس: ميشيل كلاغاصي
2 / 6 / 2019

Thursday, May 30, 2019

صفقة محتملة , ترامب والخامنئي - دنيس روس


دنيس روس : الددبلوماسي الأمريكي والمستشار في معهد واشنطن للأبحاث
ترجمة وإعداد : ميشيل كلاغاصي – 30 / 5 / 2019

إيران تقول إنها لن تتفاوض مع الولايات المتحدة تحت الضغط, لكنها فعلت ذلك في الماضي – وربما ستفعل ذلك مرة أخرى.
لطالما أكد المرشد الإعلى لإيران آية الله علي خامنئي، أن إيران لن تتنازل, وجاء موقف المسؤولين الإيرانيين أنهم لن يتفاوضون مع الولايات المتحدة  تحت الضغط.
وليس من المستغرب أن يأت الرد الإيراني على حملة الضغوط القصوى لإدارة  ترامب, عبر اختبار وفضح حدود العزم الأمريكي، من خلال إطلاق سلسلة من الهجمات التخريبية والوكيلة، ضد ناقلات النفط – إثنتان سعوديتان وناقلة إماراتية وأخرى نرويجية - ومحطات ضخ النفط, في المملكة العربية السعودية.      
وفي ظل تصاعد التوتر قامت الولايات المتحدة بإرسال المزيد من قواتها الى المنطقة، لكن ومن المثير للإهتمام أن يتحول ترامب وخامنئي لوقف التحرك نحو الصراع المباشر.
فقد أوضح الرئيس ترامب أنه لا يريد حربا ً، وتحدث عن "الإمكانات الكبيرة لإيران"، وحث قادة الجمهورية الإسلامية على قبول دعوته لعقد صفقة جديدة, كذلك تحدث المرشد الأعلى وأطلق تصريحاته عبر التلفزيون الوطني لبلاده وقال: "نحن لا نسعى للحرب, لكنهم ( الأمريكيون ) يسعون إليها". 
هذا يعني أنهم لازالوا غير مستعدين للدخول في المفاوضات, لكن الخامنئي الذي قضى عقودا ً يشكك في جدوى المحادثات مع الولايات المتحدة، لا يريد الظهور وكأنه قد خضع لأمريكا, وهو لا يزال يعتبر المفاوضات "سامة", حيث قال الرئيس حسن روحاني إن "الوضع غير مناسب للمحادثات وخيارنا هو المقاومة". 
يبدو أن مقاومة التي تحدث عنها المرشد الأعلى وروحاني , يمكن أن تنطوي على التخلص من القيود القديمة المفروضة على إيران قبل توقيع الإتفاق النووي عام 2015، والمعروفة بإسم خطة العمل المشتركة الشاملة...
في الحقيقة أن إعلان الإيرانيون بمضاعفة معدل التخصيب لأربعة أضعاف ، يعني أن إيران ستتجاوز قريبا ً تخصيب ال 300 كيلوغرام من اليورانيوم المسموح بها من خلال شروط الإتفاق, ويكون روحاني قد وضع الأوروبيين الموقعين على الخطة الشاملة أمام قيامهم بتعويض إيران إقتصاديا ًعن العقوبات الأمريكية التي فرضتها في 7 يوليو، وإلاّ فسيستأنفون التخصيب إلى 20٪ ، الأمر الذي سيمكنهم نوويا ً من "كسر القيود".... وبهذا يكون المرشد الأعلى قد استطاع تطبيق أقصى الضغوط على الرئيس ترامب.
لكن, إلى متى يمكن للمرشد أن يواصل هذا  الأمر؟ في ظل قوة ترامب وشدة العقوبات, وإنهيار الإقتصاد الإيراني والإعمال التجارية, وما يعانيه الإيرانيون يوميا ًمن خسائر في قيم مدخراتهم، وإرتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية و  الأدوية والسلع الإستهلاكية. 
قد يصرّ المرشد الأعلى على عدم التفاوض تحت الضغط ، لكن تاريخ الجمهورية الإسلامية يشير إلى خلاف ذلك...
ففي الماضي، وعندما واجهت الدولة الإيرانية الضغوط الخارجية المرتفعة، وهُدد استقرارها الداخلي، بحثت عن وسيلة لتخفيف الضغوط والتكاليف الباهظة... واتخذت قرارها الصحيح بإنهاء الحرب مع العراق عام 1988؛ وعندما كانت العقوبات والتهديدات قوية أوقفت إغتيال المنشقين في أوروبا, وبعد أن هزمت الولايات المتحدة الجيش العراقي في ثلاثة أسابيع في 2003 أوقفت تقديمها للصفقة النووية, وفي عام 2012خشي الإيرانيون أن يكونوا الهدف التالي للقوات الأمريكية فوافقت إيران على الإتصالات السرية, بعد أن كثفت إدارة أوباما عقوباتها, وتوقف الأوروبيون عن شراء النفط الإيراني .  
هل يمكن أن نرى مشهدا ً مشابها ً مع إدارة ترامب ؟ فالحكمة التقليدية هي أن الإيرانيين يريدون إنتظار رحيل ترامب والتعامل مع خليفته... من المؤكد أن الخامنئي يفضل هذا الخيار، لكن هذا يعتمد الكثير على قدرة الشعب الإيراني على تحمل الصعوبات الإقتصادية.
إذا كان الخامنئي يبحث عن تخفيف الضغوط، وعن اختيار التفاوض وتكرار المشهد, فسيكون من شبه المؤكد أن التفاوض المباشر سيجعله يعترف بالهزيمة, وعليه اللجوء إلى التفاوض غير المباشرعن طريق وسيط مثل فلاديمير بوتين, ويتم إستئناف التفاوض بين بوتين وترامب.
لكن ما نوع الصفقة التي سيكون ترامب على استعداد لإبرامها ؟ من غير المرجح أن يكون ذلك بناءً على الشروط ال 12 لوزير الخارجية مايك بومبيو, التي ينظر إليها الإيرانيون على أنها تتطلب تغيير النظام, في وقتٍ وخلال زيارته لليابان، كان ترامب واضحًا بأنه "لا يبحث عن تغيير النظام", وأن هدفه هو "عدم إمتلاكها أسلحة نووية"، الأمر الذي يترك مجالًا للمناورة. 
لكن في الحقيقة، يبدو أن المعايير الوحيدة لترامب هي أن تكون الصفقة بمجملها أفضل من تلك التي حصل عليها أوباما. 
ويتمثل أحد التحسينات الواضحة في خطة العمل المشتركة في تمديد الأحكام التي تحد من تخصيب اليورانيوم الإيراني ، من عام 2030 إلى 2045 على سبيل المثال، وهذا من شأنه إرجاء تهديد أسلحة نووية إيراني محتمل إلى أبعد بكثير في المستقبل... لكنها هذا لا يتعلق بالتهديدات الإقليمية الناتجة عن الجهود الإيرانية لتوسيع نفوذها ووسائلها القسرية ضد الأنظمة العربية و"إسرائيل"... وسيتطلب ذلك إقناع إيران بالحد من بصمتها العسكرية في سوريا, والتوقف عن توفير  الصواريخ والقذائف الموجهة بدقة  لحزب الله وغيره من الوكلاء في لبنان وسوريا. 
لكن الإيرانيين لن يقدموا هذه التنازلات مجانًا, وسوف يسعون إلى رفع جميع العقوبات النووية وغير النووية, هذا من شأنه أن يقرر ترامب مدى استعداده للتخلي عنها, إذ لم يكن أوباما على استعداد لرفع العقوبات المتعلقة بحقوق الإنسان والإرهاب, ومن المرجح أيضا ً أن تكون مجموعة ال 5 مترددة في القيام بذلك .... ومع ذلك ، فقد يستنتج أن  كسب  الوقت  ( 15 عامًا إضافيًا ) وتقليص احتمال نشوب حرب إقليمية سيكون إنجازًا كبيرًا.  
وتبدو المفارقة الكبرى, بأننا نرى الضغوط الكبرى التي يمارسها الخامنئي وترامب , يمكنها أن تدفعهم نحو توفير سوء تقدير لكنها لا تؤدي بهم أولاً إلى صراع أكبر.

Monday, May 27, 2019

الهواجس الإسرائيلية للمواجهة الأمريكية الشاملة مع إيران - ميشيل كلاغاصي


خائفة مرتبكة تخشى مصيرها, وهي تراقب كل شيء وقد تغير, ولازالت تعتدي لكنها تستجدي عدم الرد, ولم يعد عدوانها نزهة, ولم يعد وجودها مستقر واّمن, فالرعب تسلل إلى قلوب قادتها ومستوطنيها ... فلا ردعها كافٍ, ولا قبتها الحديدة تطمئنها... هي ترفع السواتر, وتُضاعف كاميرات المراقبة, وترفع الجدران البيتونية, وعينها على ملاجئها, واّذنيها ترقب صافرات الإنذار, وأصدقائها عروشٌ خائنة لأوطانهم وشعوبهم وقد يتبخرون في لحظة... ياله من تخبط وخوف وعشرات اّلاف الصواريخ قد تُمطر سمائها... جبهاتٌ وجبهات, ومقاوماتٌ لم تُهزم, وأسدٌ في دمشق, وحرسٌ ثوري في طهران, أين أنت ترامب, وهل تستطيع فعل ما تعهدت به, وهل أنت قادر على هزيمة إيران ومحور المقاومة ؟.

دائما ًهو التحريض الإسرائيلي الكبير والسعي لوقوع المواجهة بين الولايات المتحدة وجمهورية إيران الإسلامية, والعين الإسرائيلية على تحقيق جملةٍ من الغايات والأهداف, لكنها غير واثقةٍ من قدرة حليفها الأمريكي على الإنتصار وعلى كسر الإرادة الإيرانية وإضعافها, ويُخيفها مجرد التفكير بهزيمةٍ أمريكية مستعجلة, تنعكس عليها لوما ًومسؤولية هناك بعيدا ً في بلاد العم سام ...
دائما ًهو الخائف "نتنياهو" والذي يخشى خسارة متطرفي الرأي العام والمتحكمين من النخب السياسية في الولايات المتحدة, وهو الذي أصدر تعليماته لوزرائه وكبار مسؤوليه السياسيين والعسكريين بالصوم والصمت عن التصريحات المباشرة الواضحة لتوريط واشنطن في المواجهة الشاملة مع إيران ... ويبقى تعويله على براعة المستشار الأمريكي "جون بولتون" في إقناع الرئيس دونالد ترامب بطريقته الخاصة ...

إذ يخشى رئيس وزراء الكيان الغاصب أن يجد نفسه وكيانه وسط هذه هذه المواجهة, الأمر الذي سيمنح إيران الفرصة الذهبية لإستهداف تل أبيب مباشرةً لإيلام واشنطن كعنوان إضافي لتحرير فلسطين ... ويفضل اللجوء إلى التهويل وتعظيم قدرات كيانه العسكرية في وجه إيران, لكن وفي الوقت نفسه تبقى مخاوفه من تراجع الرئيس الأمريكي عن المواجهة, الأمر الذي سيؤدي حتما ً إلى هزيمةٍ أمريكية – إسرائيلية – خليجية, وإلى ضياع الفرصة في عهده.

وفي ذات السياق حذّر مركز "أبحاث الأمن القومي" الإسرائيلي في بيان, من خطورة المواجهة الشاملة بين إيران والولايات المتحدة الأميركية في الخليج, وبأنها ستؤدي إلى "تداعيات كبيرة على الأمن الإسرائيلي", ومن إمكانية لجوء القوات الإيرانية إلى استهداف "إسرائيل" ومصالحها في الخليج والمنطقة, وشدد البيان على ضرورة تعزيز العلاقات الإسرائيلية بالدول الخليجية, وإستمرار ضغوطها على إدارة ترامب للتعامل الحازم مع الملف النووي والبرنامج الصاروخي الإيراني...

وبناءً على مجمل تلك المخاوف والحسابات المعقدة, تبقى الإتصالات الأمريكية – الإسرائيلية – الخليجية في أعلى مستوياتها, وتبقى - في الوقت ذاته - الرغبة في الإستمرار والحفاظ على مستوى التحريض الإسرائيلي – الخليجي , ليشكل هاجسا ًوربما كابوسا ًوسلاحا ًذو حدين ... ويُبقي اّمالهما معلقة على الرئيس الأمريكي وقبل إنتهاء ولايته, مع الصعوبات التي يواجهها في بلاده وعلى رأسها العزل, أوعدم فوزه بولايةٍ رئاسية ثانية.

يبدو من الحكمة ألاّ يتجاهل الأمريكيون والإسرائيليون والخليجيون, قدرات القوات الإيرانية وحلفائها, والتي تمكّنها من استهداف المصالح والقواعد والجنود الأميركيين في العراق وسوريا والمنطقة عموما ً, بالإضافة إلى ترسانتها الصاروخية القادرة على تدمير حاملات الطائرات والقاذفات والأساطيل التي استقدمتها إلى المنطقة, وبقدرتها على وقف عمليات تصدير النفط من الخليج إن مُنعت من ممارسة حقها بتصدير نفطها, ومن بوابة الدفاع عن النفس والمصالح القومية والإستراتيجية العليا وعلى رأسها السيادة واستقلال القرار الإيراني.

ويبدو من الحكمة وقف التحريض الإسرائيلي – الخليجي, واللجوء إلى الحوار الأمريكي – الخليجي المباشر مع الدولة الإيرانية, أوعبر عشرات الأقنية والأطراف التي أبدت استعدادها للعب دورٍ إيجابي لنزع فتيل المواجهة, بالإضافة إلى تراجع الرئيس الأمريكي ووزير خارجيته عن التصعيد وعن عنجهية تصريحاتهم, وتقديم الإحترام المكافىء لقوة وقدرات الجمهورية الإسلامية, خصوصا ً أنها لم ولن تسعى للمواجهة العسكرية, إنما تدافع عن حقوقها المشروعة والمنصوص عليها في بنود الإتفاق النووي - الدولي, وفي تعاملها السلمي مع كافة دول العالم, وسعيها الدائم إلى تعزيز تعاملها الإيجابي و"علاقاتها المتوازنة" مع جميع الدول الخليجية – بحسب الوزير ظريف-, الذي عمل لتأكيد سعي بلاده لخفض التصعيد, ولإختبار النوايا السلمية لجيرانها, من خلال العرض الذي طرحه بالأمس من بغداد, حيال التوقيع على إتفاق "عدم إعتداء", لإقامة علاقات إيرانية بناءة مع جميع جيرانها في الخليج.

المهندس: ميشيل كلاغاصي
27 / 5 / 2019