Saturday, August 20, 2022

الإنعطافة التركية " حملٌ كاذب " إلى أن يثبت العكس - م. ميشيل كلاغاصي


اثنا عشر عاماً للحرب على سورية كانت كافية لتعقيد المشهد وإحاطة "الحل السياسي" بهالة ضبابية , يصعب معها التنبؤ بطريقة إنقشاعها , في وقتٍ يشتد فيه انقسام دول العالم واصطفافهم كفريقين أو محورين , على غرار اصطفافهم في الحربين العالميتين (محور, حلفاء) , مع فارق التوافق والتضاد والصراع البيني الداخلي لفريق العدوان على سورية , فيما يؤكد حلفاء سورية يوماً بعد يوم تمسكهم بوحدة أراضيها ودعمهم لسيادتها , ومساعدتها على محاربة كافة التنظيمات الإرهابية والمشاريع الإنفصالية المدعومة من خارج الحدود , ناهيك عن دعمها لطرد قوات الإحتلال الأمريكي والتركي والإسرائيلي.

تأخرت حكومة العدالة والتنمية , بفهم الأسباب الحقيقية لرفض الولايات المتحدة ما تسمى "المنطقة الاّمنة" التي تحدث عنها الرئيس التركي مراراً وتكراراً , وسط تمسك واشنطن بالبقاء في سورية , والإحتفاظ بنفوذها العسكري ووجودها اللاشرعي , وبقطع حبال الأرحجة التركية وعلاقات أنقرة مع موسكو , بما يؤكد اصرارها على مشروعها الصهيو- أمريكي , الذي تلعب فيه تركيا دور البيدق , وليس دور العقل المفكر وصاحب المشروع العثماني الخاص بتركيا .. وبهدف لجم الجموح والأطماع التركية , لجأت واشنطن تارةً لتهديد تركيا , وللتركيز على معاقبتها إقتصادياً ومالياً وفي قطاع وبرامج الصناعات الحربية المشتركة , ووصلت عام 2016 لقرار الإطاحة بحكم إردوغان , ومحاولة تجميد تركيا على حدود التضخم والأزمات الداخلية , وتوريطها خارجياً بعدة صراعات لم تكن تركيا بحاجة إليها , ولمضاعفة أزماتها وأعداد خصومها وأعدائها ...

لم يقرأ الرئيس التركي بعناية مصالح بلاده في محيطها الحيوي وموقعها الجغرافي وبعلاقاتها مع دول الجوار في المنطقة والإقليم , وابتلع الطعم الأمريكي منذ ما قبل عام 2011 وحتى اليوم , وخاض معركةً خاسرة ضد سورية في شمالها وشمالها الغربي , وفي المربع الجغرافي والأمني القومي لإيران والعراق وتركيا وسورية , وآن له إكتشاف الخداع الأمريكي , وبأن المخطط الصهيو- أمريكي يستهدف استخدام تركيا المطيعة في خاصرة روسيا وإيران والصين , وليس تركيا المتمردة أو المتأرجحة على حدود دورها الأطلسي , وحرمانها من تنامي علاقاتها الإقتصادية والتجارية والعسكرية مع روسيا وإيران والصين وحتى مع سورية التي تشكل بوابتها للعبور نحو الشرق الأوسط والعالم العربي , وما يمكن أن تحمله تلك العلاقات من مشاريع حيوية بالنسبة لتركيا , تستطيع إنقاذ الرئيس إردوغان في معارك الداخل بمواجهة المعارضة , مع إقتراب الإنتخابات الرئاسية التركية , وسط نتائج السياسات الداخلية الإقتصادية والمالية الفاشلة , وتدهور الحالة الإجتماعية والأوضاع المعيشية , والخشية من اّثار التضخم والبطالة المتزايدين.

ووفق موازين الربح والخسارة , كان على الرئيس التركي قراءة المتغيرات كسقوط الإخوان المسلمين في المنطقة العربية , وغياب الحديث عن إنضمام تركيا إلى الإتحاد الأوروبي , وسط انشغاله بإسقاط ورقة اللاجئين السوريين من أيدي المعارضة التركية , ما بين تجنيسهم  أوطردهم , أو خديعة مشروع إعادة مليون ونصف منهم إلى بلادهم ووضعهم بعهدة الإرهابيين في بيوت اسمنتية , بما يخدم الترويج لما تسمى "المنطقة الاّمنة" التي لا يزال يتوعد بإنشائها , عبر عملية عسكرية خامسة مزعومة داخل الأراضي السورية.

لا شك أن تهوره وأحلامه وأطماعه العثمانية أعمت بصره , لكن الصمود والإنتصار السوري دفعه وبهمسٍ روسي وإيراني , لإكتشاف أخطائه , وقبوله الترويض السياسي والإغراء الإقتصادي , ليعود إلى رشده , وليكون بقاؤه طبيعياً وفاعلاً في محيطه , وللخروج من سورية قبيل الإنتخابات التركية , التي ستحدد مصيره السياسي دون أدنى شك.

وفي الاّونة الأخيرة , ازدادت وتيرة تصريحات كل من الرئيس التركي ووزيري دفاعه وخارجيته , حول العمل والتنسيق الإستخباري مع الدولة السورية لمحاربة التنظيمات الإرهابية , لكن هذا لا يعدو أكثر من فقاعة دخانية إذا لم تقترن بالأفعال , وبتحديد تلك التنظيمات بشكل واضح لا لبس فيه , وقد اعتبرها الكثيرون إنعطافة تركية , خصوصاً بعد لقائه الأخير مع الرئيس بوتين في سوتشي , والتي عزاها البعض لضغوط الرئيس بوتين ومطالبته أنقرة بالتقدم نحو دمشق بخطواتٍ ملموسة ومباشرة , لكن هذا لا يستوي مع استمرار الحديث والإستعداد التركي عن الإنطلاقة القريبة للعملية العسكرية التركية المزعومة , مع استمرار عمليات القصف المدفعي على مدينتي الحسكة والقامشلي , وغير مناطق في شرق وشمال البلاد , تحت عنوان محاربة التنظيمات والأحزاب الكردية التي تصنفها تركيا بالإرهابية.

تبدو مفاعيل اللقاء الثلاثي في طهران , والثنائي في سوتشي , قد أحرجت أنقرة , وأربكت إردوغان , فلجأ إعلامه إلى بث الإشاعات والأخبار عن محادثة هاتفية محتملة بين الرئيسين التركي والسوري , بناءاً على اقتراح الرئيس بوتين , ومع سرعة إنتشارها , بات من المهم إعادة التذكير بتصريحاتٍ تركية العام الماضي , نفتها دمشق جملةً وتفصيلاً وبشكل رسمي , ويبقى الحديث عن "الإنعطافة" التركية موضع شك , لحين صدور ما ينفيها أو يؤكدها من الجانب الحكومي السوري الرسمي , وهو المصدر الوحيد والموثوق لدى السوريين , ويرتبط مباشرة بنهج المصداقية والشفافية للرئيس بشار الأسد.

من المهم أن يتعقل الجانب التركي ويتحدث عن "الإنعطافة" الحقيقية , ويعيد تقييم الإقتراح السابق للرئيس بوتين حول العودة إلى عام 1997 وما قبل إتفاقية أضنة , كمدخلاً منطقياً لوضع الأساس الصحيح لإبرام إتفاقية أضنة2 , من الأهمية بمكان أن يبحث الأتراك والرئيس إردوغان , عن إمكانية استعادة ثقة السوريين والرئيس الأسد , وهذا يفرض على روسيا بذل جهودٍ نوعية , على أمل إخراج هذه المهمة من إطار المهام المستحيلة.

تبدو المراهنة حالياً على التصريحات التركية و"الإنعطافة" المزعومة كالمراهنة على "الحمل الكاذب" , مع حقيقة حاجة إردوغان الماسة إلى روافع داخلية لمواجهة المعارضة وإسقاط ورقة اللاجئين السوريين من أيديهم , وإلى علاقات إقتصادية هامة مع طهران وموسكو , تنعكس اّثارها الإيجابية على الحد من التضخم وتدهور الليرة التركية والأوضاع المعيشية للشعب التركي , ولا يمكن للرئيس التركي أن يراهن على فوزه في الإنتخابات , عبر أكاذيب وأضاليل سياسية داخلية وخارجية , وعمليات عسكرية عدوانية إرهابية على الأراضي السورية والعراقية , في وقتٍ اكتفى فيه صاحب "الإنعطافة" في 20 تموز ومن طهران بدعوة الولايات المتحدة " للإنسحاب من مناطق شرق الفرات في سورية ووقف دعمها للجماعات الإرهابية" !! .

لا يمكن للإحتلال التركي واحتضانه للمجاميع الإرهابية أن يستمرا على الأراضي السورية , فالدولة السورية أعلنت مراراً وتكراراً توصيفها للوجود العسكري التركي في سورية بأنه "عدوان وإحتلال" سافر, بالتوازي مع تأكيد الرئيس بشار الأسد على "تحرير كل شبر" , والخارجية السورية بأن "إدلب هي محافظة سورية" , و"بإحتفاظ سورية بحقها في إستعادة سيطرتها وسيادتها على كامل التراب السوري بكافة الوسائل التي ينص عليها الميثاق والقانون الدولي , بما فيها حق المقاومة" لإنهاء الإحتلال التركي وممارساته العدوانية الإرهابية وعمليات التتريك والتهجير الديموغرافي الممنهج والتطهير العرقي , بالإضافة إلى أعمال السلب والنهب للثروات والمقدرات السورية.

تبدو الإنعطافة الوحيدة للرئيس إردوغان هي بترجمة إنعدام أفق استمرار حربه على سورية , والبحث عن نقاط إلتقاء مصالح بلاده ومصلحة الدولة السورية , وعدم التدخل بالشؤون الداخلية السورية بما فيها الملف الكردي الذي سبق له وحاول نبشه وحلّه بمفرده وبطريقته , على حساب الدولة والشعب السوري , في الوقت الذي يستطيع فيه طرح هواجسه على طاولة الحوار مع الدولة السورية , والتوصل إلى حلول تضمن الأمن وعلاقات حسن الجوار على طرفي الحدود... وإلى حين تعقل إردوغان , لن تتوقف الدولة السورية عن سعيها الدؤوب لتحقيق إنتصارها الكبير , شاء إردوغان أم أبى.   

م. ميشيل كلاغاصي

13/8/2022

 

شيءٌ ما قد تغير .. واشنطن تُهزم في "حديقتها الخلفية" - م. ميشيل كلاغاصي


كشفت العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا , أن شيئاً ما قد تغير فيما تعتبره واشنطن حديقتها الخلفية , وبأن بعض دولها خرجت عن صمتها , وعن بيت الطاعة الأمريكي , ولم تعد تهاب الإغتيالات , ومحاولات قلب الأنظمة من داخلها , على الرغم من المحاولات الدؤوبة للولايات المتحدة لصبغ دول "الحديقة" باليمين وبمحاربة اليسار , والأهم محاربة من يخالفها , لقد تجاوزت غالبية تلك الدول مرحلة إبداء رأيها والتصويت وتأييد مشاريع القرارات الأمريكية في الجمعية العامة للأمم المتحدة , لتفادي الغضب الأمريكي , خصوصاً بعدما انتقلت واشنطن إلى مرحلة مطالبة تلك الدول بالإنضمام إلى جوقة العقوبات والحرب الإقتصادية على روسيا من بوابة الحرب في اوكرانيا , واعتمدت على الإبتزاز الأخلاقي لحشد "الحلفاء" ووحدة مواقفهم للرد على "الغزو الروسي" لأوكرانيا وإدانته.

على الرغم من نجاح واشنطن في اّذار/ مارس بحصد تأييد 141 دولة في الجمعية العامة للأمم المتحدة لإدانة العملية العسكرية الروسية الخاصة , ومن بينها غالبية دول امريكا اللاتينية , رغم علاقاتها الجيدة مع موسكو , في الوقت الذي جاء فيه إعلان الرئيس بولسونارو تعبيراً عن لسان حال كافة الدول اللاتينية بقوله :"أصبح التعاون مع موسكو مكلفاً" , وفي الوقت الذي لا تترتب فيه على قرارات الجمعية العامة أية عواقب قانونية ملزمة , اهتمت واشنطن بحشد تأييدٍ دولي من شانه الضغط على موسكو وإدانة سلوكها لتأكيد شيطنتها والعمل على عزلتها ومحاصرتها.

إن لجوء الولايات المتحدة إلى ألد أعدائها في فنزويلا بهدف تأمين النفط لحلفائها الأوروبيين , يؤكد إنتزاع بعض دول أمريكا اللاتينية الشيء الكثير من استقلاليتها , وخروجها عن "الوصاية" , والإنتقال إلى مرحلة الحوار المتكافئ مع واشنطن , ويكشف امتداد خط الشرخ الجيو سياسي الأمريكي إلى دول "الحديقة الخلفية", التي باتت تقترب أكثر فأكثر من مصالحها الوطنية على حساب التخلص من الهيمنة الأمريكية عليها.

على الرغم من نجاح واشنطن بمهزلة تجنيد الدول الأوروبية لقتال موسكو ومعاقبتها , لكنها واجهت الهزيمة أمام المكسيك والبرازيل والأرجنتين وفنزويلا وبوليفيا وباراغواي وكولومبيا وتشيلي , على اختلاف مواقفها الظاهرية , ووجهة النظر في تعاملها مع القرار 141 من الجانب الإنساني البعيد عن التسيس , وفاجئتها صفعة الرئيس البرازيلي بقوله:"لن نفرض العقوبات الإقتصادية على روسيا , وسنعمل للحفاظ على علاقاتنا الجيدة معها".

لقد رفضت الأرجنتين والبرازيل وبوليفيا والأوروغواي والسلفادور التوقيع على القرار ، وبحسب توصيف الرئيس السلفادوري نجيب بوكيلي لما يحصل في أوكرانيا : بأن " الحرب الحقيقية ليست بين أوكرانيا وروسيا ، وهي في كندا وأستراليا وفرنسا وبروكسل وبريطانيا العظمى وألمانيا وإيطاليا وغيرها ".

إن ما يمكن تسميته اليوم بالعصيان "اللاتيني" , يستند إلى الإتفاق القديم الملغي نصاً في عهد أوباما , والذي لا زال سارياً روحاً ومفعولاً , وما كان يعرف بـ "مبدأ مونرو" الذي قام على أساس أن تكون "أمريكا للأميركيين" , بمعنى عدم تدخل الدول والقوى الأوروبية في شؤون القارة "الأمريكية" , والتوقف عن محاولات استعادة مستعمراتها السابقة ، مقابل عدم تدخل الولايات المتحدة بدورها في الشؤون الأوروبية ... وقد منح هذا المبدأ الولايات المتحدة الفرصة لتحويل دول أمريكا اللاتينية بشكلٍ لا أخلاقي إلى دول في حديقتها الخلفية الخاصة , بعدما أخضعتها بالهيمنة والتدخل المباشر وبقلب الأنظمة , كذلك بإستخدام القوة العسكرية , فقد احتل الأمريكيون نيكاراغوا 21 عاماً , وهايتي 19 عاماً , وجمهورية الدومينيكان 8 أعوام ، وتكرر احتلال كوبا وهايتي لمرتين. 

لم يكن السلوك الأمريكي تجاه دول أمريكا اللاتينية ليختلف عن السلوك الأوروبي كمستعمرٍ قديم , بل تعداه ليكون استعماراً حديثاً ومن نوعٍ جديد... بالتأكيد شكّل ذاكرةً سيئة وتاريخ مؤلم , كان له أثر كبير بالوقوف وراء مشاعر كراهية تلك الدول للدولة الأمريكية العظمى , التي تطالبهم اليوم بعداء إيران والصين , وبكراهية موسكو ومعاقبتها..!.

وفي ذات السياق , تحولت نتائج المؤتمر الخامس عشر لوزراء الدفاع الأمريكيين , الذي عقد في العاصمة البرازيلية يومي 25 و 29 تموز إلى فضيحةٍ مدوية , نتيجة رفض البرازيل والأرجنتين والمكسيك دعوة الولايات المتحدة لإدانة روسيا , وسط تأكيدهم على أن "حل النزاع في أوكرانيا منوط بالأمم المتحدة , وليس بوزراء الدفاع الأمريكيين".

لقد ساهم السلوك الأمريكي الذي اتبعته تجاه دول القارة الأمريكية , حماسة تلك الدول ونخبها الحاكمة للتركيز على ما يحدث داخل الولايات المتحدة نفسها , وطريقة إتخاذ القرارات بما يتماشى مع المصالح الخاصة لطبقة النيوليبراليين المتطرفين , وأصحا ب المصلحة الحقيقية في إشاعة الحروب والفوضى حول العالم.

إن رفض تلك الدول لإيديولوجيا الغطرسة والهيمنة للرأسمالية الغربية , لا يعني اختيارها الإيديولوجيا الإشتراكية السوفيتية , لكن وعلى ما يبدو أنهم يبحثون الإكتفاء الذاتي , والإستقلال السياسي عن الولايات المتحدة ونيوليبرالييها الجدد , في وقتٍ امتلك فيه بعضها من القوة ما جعلها تنضم إلى القوى الإقليمية الهامة , واقتحام مجموعة العشرين , واحتلال مكانة مرموقة واعدة في إطار منتدى التعاون الإقتصادي لدول آسيا الوسطى والمحيطين الهندي والهادئ , مع اقتراب إنضمام الأرجنتين إلى دول البريكس قريباً.

إن اهتمام الدول اللاتينية بإستقلال قرارها عن الولايات المتحدة , لا يعني فك عرى التعاون , والإتجاه نحو العداء مع واشنطن , بقدر ما هو بحثٌ عن التوازن والإستقرار الإقليمي كجزء من التوازن والإستقرار العالمي , ويلتقي في الوقت ذاته مع تطلعات العديد من الدول حول العالم كالصين وروسيا وكوريا الشمالية وإيران وسوريا وغيرها , وتبقى وحدها الولايات المتحدة وقادة الدول الأوروبية الحليفة لها , من تجد فرصها في السير وراء السياسة الخارجية للولايات المتحدة , عبر تكريس ظاهرة "القطيع السياسي" , الذي وجد نفسه وقد تحول إلى "قطيعٍ عسكري" كما حصل اليوم في أوكرانيا.

م. ميشال كلاغاصي

9/8/2022

 

زيارة بيلوسي إلى تايوان تفتح أبواب جهنم في المحيط الحيوي للصين - م. ميشيل كلاغاصي


تابعت وسائل الإعلام الدولية زيارة رئيسة مجلس النواب الأمريكي نانسي بيلوسي إلى تايوان بقلقٍ شديد, وسط التحذيرات الصينية شديدة اللهجة, وتحمّلت الصين لوم الكثيرين لعدم تنفيذ تهديدها , في وقتٍ لن تمنح فيه الصين العجوز الأمريكية الشمطاء فرصة جعلها “بطلةً الديمقراطية” في نظر الأمريكيين والعالم , وأظهرت “صبراً إستراتيجياً” حكيماً سيساعدها على استخدام أخطاء الولايات المتحدة لتغيير الوضع بشكلٍ جذري وسريع ، على غرار ما حدث في هونغ كونغ عبر عدة سنوات.

الصين تجنبت الانجرار إلى مواجهة عسكرية مع الولايات المتحدة , تحت عنوان قصف طائرة رئيس مجلس النواب الأمريكي, على الرغم من ثقة الصين بعدم قدرة واشنطن على تحمل نتائج الحرب, وفي وقتٍ لا تفكر فيه الصين بالانتحار وبتدمير العالم, كما تفعل الولايات المتحدة , من أجل الحفاظ على مكانة أشرارها في الدولة العميقة والبنتاغون والبيت الأبيض.

وعلى عكس ما رآه العالم وحدها العجوز نانسي بيلوسي , عدّت أن الهدف الرئيس لزيارتها تايوان هو “دعم الديمقراطية” “المشرقة والديناميكية” , وبأن بلادها تسعى إلى المزيد من الحوار والتعاون مع تايبيه , وبأنه يتوجب على بلادها دعم تايوان أمام ما سمته ” تهديدات بكين المتزايدة”.

في حين تحدثت الصين عن تدمير واشنطن للسلام في المنطقة من خلال تقويض مبدأ “الصين الواحدة” , الأمر الذي تعدّه خطاً أحمر , وتوجهت بتهديد ووعيد تايوان بـ “كارثةٍ كبيرة”, وأطلقت تدريباتها العسكرية في منطقة مضيق تايوان وبحر الصين الجنوبي .

مهما كان الهدف الحقيقي للزيارة , لكنها تأتي في سياق الجنون الأمريكي, محاولاتها لتصفية أعدائها, وأقله لإلهائهم بحروب محلية في مناطقهم, لإضعافهم وكسب الوقت على أمل وقف انهيار وتراجع الولايات المتحدة , أمام الصين بشكل خاص, والتي ترى فيها “العدو اللدود” .

وكي لا نتهم واشنطن جزافاً , تحدث الرئيس جو بايدن في بيانٍ أثناء زيارته لليابان مؤخراً : إن “الولايات المتحدة مستعدة للتدخل عسكرياً للدفاع عن تايوان” , كذلك قوله قبيل زيارة بيلوسي لتايوان :” إنه سيمنع الصين من تجاوز الولايات المتحدة لتصبح أقوى وأغنى دولة في العالم , وهذا لن يحصل في عهدي” , في وقتٍ يبدو فيه أن الأمر يتخطى شخص الرئيس الأمريكي, ويمس صلب العقيدة الإستراتيجية الأمريكية التي أعلنت أن الصين “عدوها اللدود” , وباعتبارها لا تستطيع إثبات تفوقها على الصين من خلال المقاييس الاقتصادية , فإنها تفعل ذلك من خلال تأكيد نفسها عسكرياً وسياسياً ، وللولوج إلى الداخل الصيني لمصادرة القرار السياسي والاقتصادي من داخل الحدود .

وقد دأبت الولايات المتحدة على توجيه الاتهامات للصين, وبأنها تقف عقبة أمام امتداد “الديمقراطية” إلى مناطق اّسيا الوسطى ومنطقتي المحيط الهندي والهادئ , وفي هذا السياق شنت إدارة الرئيس الأسبق دونالد ترامب حملةً قوية ضد الصين تحت عنوان “الكورونا الصيني” , واليوم تحاول دفعها نحو عملية عسكرية في تايوان تحت عنوان “الغزو الصيني” على غرار “الغزو الروسي” لأوكرانيا , لتشويه سمعة الصين, من دون أن تأبه بزعزعة أمن واستقرار المنطقة الاّسيوية والعالم , وبأنها قادرة على “الإفلات من العقاب” – بحسب وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف .

من الواضح أن مرحلة ما بعد زيارة بيلوسي ستختلف عما قبلها , وتوقعت صحيفة الـ واشنطن بوست أن تكون “ردة فعل بكين على تايبيه تدريجية , على الصعيد العسكري والاقتصادي , الأمر الذي سيزيد من وتيرة وشدة التنافس بين الولايات المتحدة والصين ، وستقع تايوان وسط الحريقين “.

المتحدث باسم وزارة الدفاع الصينية , أكد أن زيارة بيلوسي “تنتهك سيادة الصين وسلامة أراضيها” وتقوض بشكل خطير الأساس السياسي للعلاقات الصينية- الأمريكية , فعلى الرغم من متانة العلاقات الأمريكية- التايوانية , لكنها تبقى غير رسمية , ويلخص البيان المشترك لجمهورية الصين الشعبية والولايات المتحدة الأمريكية لعام 1979 , اعتراف هذه الأخيرة بحكومة جمهورية الصين الشعبية باعتبارها الحكومة الشرعية الوحيدة للصين ، وبالموقف الصيني المتمثل بوجود صين واحدة وبأن تايوان جزء منها.

وعلى الرغم من تصريحات مسؤول الأمن القومي الأمريكي جون كيربي , بأن واشنطن “لا تدعم استقلال تايوان” , إلّا أن الزيارة تمثل انتهاكاً واضحاً للسيادة الصينية, وتقود نحو المزيد من التصعيد والتوترات في المنطقة والعالم , وتشي بمحاولات واشنطن للابتعاد عن نص اتفاق 1979 ونسفه, والدفع بالمزيد من الدعم للنزعة الانفصالية في تايوان, بما يهدد الأمن القومي الصيني . إن دعم فكرة الصدام المباشر بين واشنطن وبكين , يبقى محفوفاً بمخاطر تدمير الحياة على سطح الكوكب , فلجوء الصين إلى سياسة الضغط والحصار؛ الجوي , والبحري , والاقتصادي , سيدفع الدولتين النوويتين إلى حربٍ مفتوحة , في وقتٍ لا يبدو فيه أنه الهدف الحقيقي لكلا الطرفين.

المهندس: ميشيل كلاغاصي

5/8/2022

 

لا جديد في مسودة بوريل ولا تغيير في السلوك الأمريكي تجاه الإتفاق النووي الإيراني - م. ميشيل كلاغاصي


أيُّ جديدٍ قدمه رئيس الدبلوماسية في الإتحاد الأوروبي جوزيب بوريل , قبيل توجّه الجانبين الأمريكي والإيراني إلى الدوحة , من خلال طرح مسودة “نصٍ جديد” لإحياء إتفاق إيران النووي لعام 2015 , مع أنه اعتبر عبر مقاله في صحيفة الـ “فاينانشال تايمز” , بأنه طرح نصاً جديداً , تناول التفاصيل الدقيقة لرفع العقوبات , بالإضافة إلى الخطوات النووية “اللازمة” لإستعادة العمل بخطة العمل الشاملة المشتركة , مؤكداً أن طرحه الجديد يمثل سقف ونهاية التنازلات الكبرى.

فقد ركزت مقترحات بوريل التي حملها من خلال زيارته إلى طهران , على بعض القضايا الهامة التي تضمنتها المسودات السابقة , كالضمانات والحرس الثوري والإستثمارات والتبادل التجاري .. معتمداً على الأجندة التي ناقشها مع روبرت مالي , والتي تقبلها الإيرانيون بشكلٍ أولي , وكان من المفترض أن يذهبوا إلى الدوحة ويروا تغييراً في السلوك الامريكي , لكنهم وجدوا عكس ذلك , فإنتهت المباحثات دون أن يتوصل الجانبان إلى فهمٍ مشترك لإستثناف مفاوضات فيينا…

تبدو الصياغة الجديدة للمقترحات التي حملها السيد بوريل إلى الإيرانيين قبيل محادثات الدوحة الأولى , استندت على ذات التصورات التي تم طرحها سابقاً , لجهة رفع العقوبات , والضمانات التي تترتب على واشنطن تقديمها , والدور الأوروبي في تعزيز هذه الضمانات أو بتأمينها , وعلى ما يبدو أن الطرح الجديد في مسودة بوريل “المعدلة” يتمثل بالشرح التفصيلي الجزئي لبعض الإستثمارات الأجنبية.

لم يستطع بوريل استيعاب الفرق ما بين الجانبين , فواشنطن تبحث عن عما هو أبعد من الإتفاق النووي مع إيران , كمصير وجود قواتها في منطقة الشرق الأوسط , ومصير الكيان الإسرائيلي المؤقت , وعن هيمنتها ونفوذها الدولي الاّخذ في التاّكل , وعن مخرج مناسب للحرب التي شنتها على روسيا , والتي منيت فيها بهزيمة غير مسبوقة , والتي سيكون لها من التداعيات ما يكفي لإقناع الدولة الأمريكية العميقة بطي صفحة الرئيس جو بايدن وتحميله مسؤولية تدحرج الولايات المتحدة عن عرش القيادة القطبية الواحدة , والقبول بعالمٍ جديد متعدد القطبية لطالما رفضه الأمريكيون.

وبالنسبة لطهران ، فإن العودة إلى خطة العمل الشاملة المشتركة , لا بد لها من رفع العقوبات التي تسببت بالأذى الكبير للاقتصاد الإيراني , وستمهد الطريق لإعادة تأهيل العلاقات الإيرانية السياسية والإقتصادية بشكلها الطبيعي مع الكثيرمن الدول التي وقفت ضدها بالوكالة أوالأصالة , وستضع حداً لذرائع الحملة الأمريكية – الإسرائيلية المستمرة ضدها منذ أربعين عاماً إلى أمدٍ يطول أو يقصر بحسب إلتزام واشنطن بالمخططات الصهيونية الكبرى وماتحيكه لساكني الأرض ومنطقة الشرق الأوسط وغرب اّسيا تحديداً.

فيما تنظر القيادة الإيرانية للإتفاق , بأنه يعبر عن حق الدولة والشعب الإيراني في الحصول على الطاقة النووية السلمية , وبتطور أنظمتها الدفاعية , وبالسعي لرفاهية شعبها , وهي صاحبة الحق والقوة والإصرار والخبرة , على الرغم من المرواغة الأمريكية والنفاق الأوروبي .

تبدو المراهنة على الوقت والضغوط واستمرار العقوبات أمورٌ تجاوزتها الدولة الإيرانية , ولم تعد سياسة التهديد والتهويل أو العصا والجزرة مفيدة , وعلى واشنطن أن تكون أكثر واقعية , وتتخلى عن شروطها وتعنتها , وتتجه نحو إثبات حسن نواياها , فالدولة الإيرانية ماضية نحو تحقيق أهدافها وإنتصارها بوجود الإتفاق أو عدمه , فيما تمضي الولايات المتحدة نحو المزيد من الهزائم وإنهيار سياساتها ووجودها في الشرق الأوسط .

أما عن موقف السيد بوريل والإتحاد الأوروبي , وبحسب المثل القائل “لا يصلح العطار ما أفسده الزمن” , فالزمن الأمريكي أنتج هذا العطار الأوروبي , الذي سار لعقود وراء السياسة الخارجية الأمريكية , وعلى “هدى” الرئيس بايدن , الذي يرى أنه ليس بالضرورة أن تكون يهودياً لتكون صهيونياً , وتحول الإتحاد الأوروبي برمته إلى خادم مطيع لمصالح الصهيونية العالمية.

وبإختصار , أراد بوريل أن يطرح معادلة “العودة إلى إتفاق 2015 مقابل تخفيف العقوبات الإقتصادية” , وأرفقها بنوع من التهويل والتهديد في حال رفض الإتفاق “بمواجهة أزمةٍ نووية خطيرة , واحتمالية زيادة عزلة إيران وشعبها”.. لكنه وبهذا المنطق لن يستطع إقناع الجانب الإيراني , أو النجاح بالتفكير عنه , وسط تأكيد علي باقر يكني ، كبير المفاوضين النوويين الإيرانيين ، بأن بلاده ستقدم أفكارها الخاصة من حيث الشكل والمضمون ,لإكمال المفاوضات .. في وقتٍ تحدث فيه الأمريكيون عن مراجعة “مسودة التفاهم” , والرد على طرح الإتحاد الأوروبي , الذي يستعجله السيد بوريل بـ “قرارات سياسية سريعة” من أجل “إنقاذ” الاتفاق.!

تبدو مراهنة بوريل على الطرح الأوروبي “الجديد” , نابعة من الأوضاع الصعبة التي تمر بها الولايات المتحدة , نتيجة تورطها وحلفائها بتوسيع رقعة المواجهات الساخنة مع اعدائها , والتي تقودها نحو هزائم إضافية ستجد صداها في الداخل الأمريكي وعلى الصعيد الدولي , ومع ذلك يعتبر بوريل أن طرح المسودة المعدلة “جيداً” و”قابلاً للتنفيذ” و”مفيداً” لإيران والعالم.

المهندس: ميشيل كلاغاصي

1/8/2022