Saturday, October 22, 2022

الأمم المتحدة لن تنقل البشر إلى الجنة.. لكن عليها إنقاذهم من الجحيم - م. ميشيل كلاغاصي


في عام 1954 أكد الأمين العام للأمم المتحدة داغ همرشولد، أن تأسيس الأمم المتحدة "لم يتم لقيادة البشرية الى الجنة، بل لإنقاذها من الجحيم"... 

لم تكن قرارات الأمم المتحدة منذ تأسيسها، مصدر سعادة وعدل وإنصاف دائم لجميع الدول الأعضاء فيها، وغالباً ما تسبب استخدام الفيتو أو حق النقض، الذي تتمتع به الدول الخمسة دائمة العضوية في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، بالإحباط  والأمل، والإنحياز والتسييس، والإنصاف أوعدمه، والقسوة والهيمنة، هذه المشاعر والمواقف دائمة الحضور داخل القاعات الأممية، ولا يمكن تصور حجم المعارك التي تدور رحاها بشكلٍ يومي تحت القباب الأممية، ويبقى حق النقض من أهم أسلحة الدول الخمسة عموماً ، مع فارق استخدامها من بعض الدول كالولايات المتحدة , وفقاً لمصالحها وليس لمصلحة ما نصت عليه نصوص وتشريعات وميثاق الأمم المتحدة، ولحماية الدول الصغيرة والضعيفة، وحقوق الإنسان، على عكس استخدامه من قبل روسيا والصين , بما ينسجم إضافةً للنصوص والتشريعات والميثاق , مع المعايير الأخلاقية والسياسة التاريخية لكلتا الدولتين , لإنصاف العديد من الدول ونصرة قضاياها العادلة , كما حدث في الحالة السورية , وما شابه من القضايا الدولية.

ويضرب الإنقسام وحدة الدول الأعضاء، بحسب أحلافها وسياساتها ومصالحها، وقوتها ونفوذها , ويذهب بها نحو مديح فريق من الدول الخمسة على حساب لوم الفريق الاّخر , ويبقى من السهولة بمكان ومن بديهيات العصر الحالي , إلقاء اللوم على الولايات المتحدة بإعتبارها المحرض الأول وربما الوحيد , على الصراعات العالمية , وبإساءة استخدام حق الفيتو , من خلال استراتيجيتها وأهدافها في الهيمنة والسيطرة على العالم , في وقتٍ تتداعى عديد الدول للمطالبة بإصلاح المؤسسة الأممية , ودفعها نحو الإلتزام بميثاقها و"شهادة ميلادها" التي خلقت لأجلها , فيما يطالب فريقٌ اّخر بإلغاء حق النقض , ويسعى اّخرون لزيادة عدد الدول التي تتمتع بحق النقض , تتعدد الدوافع والحجج والذرائع والمطالب المحقة والمضللة , ويبقى العالم حتى اللحظة خاضع لذات المعايير التي ادعت نظاماً دولياً يقوم على "القواعد" , التي لا زالت مفاعيلها سارية منذ خمسة وسبعون عاماً , وتحديداً ما بعد نهاية الحرب العالمية الثانية.

من الجدير بالذكر أن الدول الخمسة دائمة العضوية حتى اليوم، اعتمدت على إرثها التاريخي، ونتائج الحرب العالمية الثانية، مع مراعاة خروج البعض منهم منتصرين، فيما انتهى المهزومين إلى التحالف مع أحد أطراف الإنتصار، ألا وهو الولايات المتحدة الأمريكية، بالإضافة إلى سرعة امتلاكها القوة النووية , وبناء قوتها ومكانتها العسكرية الجديدة على أساس الهيمنة العسكرية للولايات المتحدة , وتم عقد الشراكة المتوحشة مع الأوروبيين , وتحولت إلى شرطي العالم , بعد منحها الثقة والتفويض بالقيادة المبنية على القوة , للتأثير والحفاظ على شكل النظام العالمي (العصر الأمريكي)، بهدف الحفاظ على مكاسبهم وإنجازاتهم، وهذا بدوره منحها القدرة على لعب دورها في لجم النزاعات أو تأجيجها، وفي توفير كافة عناصر تقلبات القوة الصلبة والناعمة.

في وقتٍ كان العالم يأمل أن يشكل حق الفيتو حاجزاً ومانعاً استباقياً ووقائياً، أمام استشعار المخاطر، في وجه نوايا الدول المارقة والمعتدية , لمنعها من العدوان , ولوأد الصراع في مهده , لكن واقع العلاقات الدولية والمشاركة لا يزال متجذراً في الحقيقة التي لا يمكن إنكارها , المتمثلة بحاجة القوى الصغرى إلى ضمانات أمنية من القوى الكبرى ، كشكل من أشكال الثقة والإلتزام المعياري.

لقد سعت واشنطن وحلفائها في باريس وبرلين، لإخضاع العالم وفق رغباتهم ومصالحهم عبر الأمم المتحدة واستخدام الهيمنة على قرار عديد من الدول الصغيرة والضعيفة، واستخدام حق الفيتو، إلى تحييد المنظمة الأممية عن مسارها ودورها الأساس، ودفعها نحو تسييس القضايا والملفات بعيداً عن الحقوق والقانون الدولي، وميثاق الأمم المتحدة، بما في ذلك سياسة الكيل بمكيالين والنفاق المكشوف، وساهمت بذلك بتأجيج الصراعات، وبإستغلال القوة غير المتوازنة في مجلس الأمن، دون مراعاة وجود دولٍ وقوى أخرى قادرة وفاعلة ومؤثرة داخل مجموعة الدول الخمسة الدائمة العضوية كروسيا والصين، الذين حاولوا على الرغم من مخاطر كبح "الشرّ الدولي" , ولجم النظام العالمي الأحادي المتوحش الذي تفردت من خلاله الولايات المتحدة بحكم العالم لأكثر من ربع قرن، وتحديداً منذ إنهيار وتفكك الإتحاد السوفيتي، في محاولة لمنع إنزلاق العالم نحو الفوضى أكثر فأكثر.

تدل الإحصائيات على أن الولايات المتحدة، والإتحاد الروسي والصين، هي أكثر الدول استخداماً  لحق النقض، وخصوصاً في السنوات الأخيرة، بهدف ضمان المصالح الجوهرية خصوصاً لموسكو وبكين، وإرتباط استخدامها بخطورة الملفات والقضايا والصراعات التي فرضتها عليهم الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين، خصوصاً ما يتعلق بأوكرانيا وتايوان، ناهيك عن عدة قضايا وصراعات تمتلك من الأهمية ما يكفي لتغيير التوازن الدولي وإنجراره نحو الحروب الشاملة والجرثومية والنووية , وسط قراءة واقعية وحقيقة وجود مسرحها الرئيسي على غالبية أراضي القارة الأوروبية، في وقتٍ لا تُستبعد أن تكون مسارحها الموازية في الشرق الأوسط واّسيا الوسطى ومياه المحيطين الهادئ والهندي.

لم يعد بالإمكان المراهنة على تبرير مواقف الدول الكبرى التي تشكل الأطراف الرئيسية في الصراعات الحالية , ولا يوجد إجماع عالمي على تأييد أو إدانة تلك المواقف , ولا بد أن يحصل التوافق مجدداً على دعم ودعوة كافة الأطراف للإلتزام بالقواعد والمعايير المتفق عليها في إطار الأمم المتحدة , لتصحيح الأخطاء والوقوف بوجه التنمر الغربي، وإتاحة الفرصة أمام الديمقراطية العادلة للعمل بشكلٍ أفضل، خصوصاً مع التشدق الدائم لواشنطن وحلفائها الغربيين بشعارات الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان.

مع كافة الحقائق والدلائل التي تشير إلى بدء تشكل ملامح النظام العالمي الجديد متعدد الأقطاب، في ظل رفض إعتراف واشنطن وفريقها الأوروبي بذلك , ولجوئهم نحو إشعال الحروب حول العالم، والتصعيد العسكري المتزايد على الجبهة الأوكرانية، وغياب كل ما يشي بتوقف المواجهة الساخنة ما بين روسيا من جهة، والولايات المتحدة و"ناتو" والإتحاد الأوروبي من جهةٍ أخرى، قبل حلول فصل الشتاء، يبقى من المهم التأكيد على صعوبة المرحلة الوسطية - الإنتقالية، التي لم تؤكد بعد موت النظام الأحادي، وولادة جديدة للنظام متعدد الأقطاب، ولحين تبلور نتائج الصراع، لا بد من وقف الحديث عن إمكانية استخدام أي طرف للسلاح النووي، أو التهديد الفعلي به، وحتى التهويل السياسي والإعلامي، فقد لا يعرف الساسة منسوب الرعب والخوف والهواجس والكوابيس التي تعصف برؤوس البشر.

ولا بد للأمم المتحدة أن تخرج من ضعفها وعجزها، وتحاول القيام بمهامها الحقيقية في حفظ الأمن والسلم الدوليين ولو بالحد الأدنى، وبما يبعد شبح الحرب النووية، ويفتح باب الأمل عبر إيجاد الحلول السياسية والسلمية، بما يضمن الأمن القومي للدول التي استشعرت تهديداً وتجاوزاً لخطوطها الحمراء، وتحديداً روسيا والصين، ووقف المخططات الخبيثة، التي فرضت الحرب والجوع والفقر والبرد والبطالة والهجرة ... إلخ , ناهيك عن الضحايا الذين فقدوا أرواحهم كمدنيين أو حتى كجنود وعسكريين .. ومن حيث النتيجة، يأمل العالم في حال لم يكن بإمكان الأمم المتحدة نقل البشر إلى الجنة، فأقله يتوجب عليها إنقاذهم من الجحيم .

المهندس: ميشيل كلاغاصي

8/10/2022

 

ضياع "العائلة الأوروبية" وتخبّطها .. زيلينسكي ليس المهرج الأوروبي الوحيد - م. ميشيل كلاغاصي


بعد انتهاء الاستفتاءات بموافقةٍ شعبية عريضة , وفق قواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة , وبحضور عددٍ كبير من المراقبين ومن جنسياتٍ مختلفة , وبعد الإنتهاء من الإجراءات الرسمية الروسية , تم الإعلان عن إنضمام دونيتسك ولوغانسك وخيرسون وزابوروجيا ، إلى روسيا الإتحادية , وأصبحت جزءاً منها , وسط الأفراح الشعبية , والرسمية في قاعة جورجيفسكي بقصر الكرملين , والكلمة المهيبة للرئيس فلاديمير بوتين , التي أكد من خلالها على "الوحدة التاريخية للأرض والشعب الروسيين" ، وعلى "استعادة العدالة التاريخية " , وبأن روسيا "لن تخون خيار الشعب".  

وسارع وزراء خارجية دول مجموعة السبع (الولايات المتحدة الأمريكية , ألمانيا , فرنسا , المملكة المتحدة , إيطاليا , كندا , اليابان) ، بالإضافة الأمين العام للأمم المتحدة , وتركيا "صديقة" روسيا , وعدد من الدول الأخرى المتحالفة مع واشنطن ، للإعلان عن رفضهم وعدم قبولهم بنتائج الإستفتاءات , وبعدم شرعيتها.. في وقتٍ لم تستغرب فيه موسكو تصرفات وسياسات أعدائها وخصومها , التي اعتادت عليها منذ ثلاثين عاماً , وإنسياقهم وراء السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية , التي لطالما سعت إلى التعدي والنيل من مصالح روسيا , والحد من نشاطها وقدرتها ونفوذها حول العالم ...

وقادهم إنقيادهم مؤخراً , نحو تعزيز المشاعر المعادية لروسيا وتأجيجها ، متكئين على إعادة إحياء وتعيميم الإيديولوجية النازية , عبر نظام كييف النازي , الذي أوصلوه إلى سدة الحكم منذ ثمانية أعوام , ليقوم عبر سياسة الإضطهاد والعنف والإبادة الجماعية , تجاه المواطنين الناطقين باللغة الروسية في شرق أوكرانيا ، ومن خلال قصفٍ ممنهج ومنتظم لبلدات ومدن منطقة دونباس , بدعمٍ وغطاءٍ سياسي وعسكري غربي , لوضع روسيا أمام خيارين اثنين , إما الإستسلام أمام زحف الناتو ووصوله إلى عتبة موسكو , أو الإنخراط  بعمل عسكري , يسمح للمخطط الغربي الخبيث بالتحرك العلني ضد روسيا , وهذا ما حصل فعلاً.

في هذا السياق ، يتساءل المرء ما الذي ستفعله الولايات المتحدة أو فرنسا أو بريطانيا , إذا ما تعرض مواطنيهم لإعمالٍ إرهابية مشابهة , وللإبادة الجماعية ؟, ألم تقم الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون بشن الحروب والعدوان على أفغانستان وسوريا والعراق وليبيا ، تحت شعار "تهديد الأمن القومي الأمريكي" , على الرغم من إدراك العالم لحجم نفاقها وأكاذيبها , ومع ذلك لم يتحد العالم وراء معاقبتها وعزلها وشن الحرب الكونية عليها , فما بال العالم الغربي اليوم , وهو يعلم مقدار المعاناة والصبر الروسي ومحاولات موسكو لحماية المواطنين الناطقين باللغة الروسية في شرقي أوكرانيا , بعدما نسفت حكومة النازين الأوكران إتفاقية مينسك لحمايتهم , ناهيك عن التهديد الحقيقي للأمن القومي الروسي بإنضمام أوكرانيا إلى الإتحاد الأوروبي , ووصول جنود وأسلحة الناتو إلى الحدود الروسية , بما يخالف أيضاً تعهدات الناتو السابقة حيال التوسع والتقدم شرقاً.

لا يجد المتابعون والمهتمون صعوبةً حقيقية في تقييم الأعمال الإستفزازية التي تعرضت لها روسيا , من قبل الولايات المتحدة وحلفائها في الناتو في أوكرانيا , بأن ما يحصل هو تنفيذٌ مباشر لمخططٍ غربي محكم مسبق التحضير, محسوب الخطى والأساليب والوسائل للوصول إلى الأهداف المعلنة بتدمير روسيا اقتصادياً وعسكرياً وبتقسيمها وفرط عقد الإتحاد الأوراسي , والتحالف الروسي – الصيني.

لكن سبعة أشهر من الحرب على روسيا كانت كافية , ليجد الأوروبيين أنفسهم محاصرين بأزماتٍ اقتصادية وأزمة طاقة حادة , تضاف إلى أزمات حكوماتهم المخادعة التي تعاني أصلاً أمام شعوبها بفضل سيرها وراء مصالح الولايات المتحدة على حسابهم , كما يحصل في فرنسا وألمانيا وبلجيكا والقائمة تطول , ناهيك عن الدعم المالي الكبير الذي أجبرت تلك الحكومات على ضخه يومياً في خزائن حكومة أوكرانيا لضمان استمرار الحرب "الغبية" , فضلاً عن تكاليف شحنات الأسلحة التي تُرسل يومياً إلى ساحة المعركة , في وقتٍ بدأت معالم الفقر والجوع , والتهجير والبطالة وغيرها من تداعيات تتفاقم بسرعةٍ مخيفة , وسط إرتفاعٍ غير مسبوق للسلع الغذائية وأسعار مواد الطاقة المختلفة , وانشغال الحكومات الغربية بقطع إمدادات الطاقة الروسية , والبحث عن البدائل الأمريكية بأسعارٍ خيالية , وإطلاق الأكاذيب حول توفر ما يكفي من موارد الطاقة في مستودعاتهم , لمواجهة الشتاء القادم بسرعة , وليس اّخرها أكاذيب رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون يدر لاين في 7/10/2022 , حول انخفاض نسبة استجرارهم للغاز الروسي من 41% إلى 7% , وبأنهم في وضعٍ جيد لمواجهة الشتاء , في وقتٍ لم تتحدث فيه عن نسب ومعدلات حاجاتهم الفعلية السنوية والمتزايدة من الطاقة , وبأنهم لم يصلوا إلى تأمين نسبة لا تتجاوز الـ 50% بشكل عام , مع تفاوت هذه النسب ما بين دول الإتحاد الأوروبي.

ومع ذلك ، بصرف النظر عن خيبة الأمل الصريحة لفشل أعمالهم الإستفزازية في أوكرانيا ، فإن ردات الفعل السلبية للولايات المتحدة و "القطيع الغربي" , لا تزال تدفعهم للمراهنة على التصعيد العسكري , والإستمرار في دعم كييف , وعلى حملة الترويج للإستخدام الروسي للإسلحة النووية , وتسابق الساسة الأمريكيين والأوروبيين والرئيس بايدن شخصياً , والماكينات الإعلامية العالمية , لتقديم الأدلة ولتأكيد تاريخ التهديد النووي الروسي عبر الرئيس بوتين , وذهب الرئيس بايدن إلى أبعد من ذلك , وهو "جو النائم". الذي انزلق على السلالم ولم يعرف عمر زوجته وكيف يخرج من قاعة الإجتماعات وصافح الهواء وأطلق عشرات التصاريح السخيفة.. ومع ذلك ادعى بأنه يعرف بوتين "جيداً" , وبأن بوتين "لا يمزح عندما يتحدث عن إمكانية استخدام أسلحة نووية تكتيكية أو بيولوجية أو كيماوية" , لكنه ما لبث أن تراجع وخفف من حدة الإتهامات وبأنهم حتى اللحظة لا يملكون أية استشعارات حول تحركات روسية بهذا الخصوص , لمجرد أنه استشعر خوف وهلع المتبرعين الديمقراطيين الذين التقاهم بالأمس في نيويورك , نتيجة الأضاليل الإعلامية الأمريكية.

تبدو نتائج الصراع حتى الاّن تقف وراء خيبة أمل الإدارة الأمريكية والرئيس بايدن , كذلك وراء خيبات أمل "العائلة الأوروبية" , التي بدت وأنها تعيش لحظات تخبطٍ واضحة , عكستها قمة براغ ونتائجها التي لم تحمل أي جديد بغياب الإملاءات الأمريكية المباشرة عن القمة , فجاءت العناوين ضمن السياقات السابقة , لكن من خلال المصالح الخاصة لكل دولة , حيث رفضت ليز تروس رفع الأعلام الزرقاء للاتحاد الأوروبي وسط  تنافس ماكرون وشولتز على قيادة الإتحاد الأوروبي , وتعمدها الإستمرار بسياسة تجاهل وربما بسحق ما تسمى بـ "وحدة العائلة الأوروبية" , فيما ذهب ماكرون نحو إنشاء صندوقٍ أوروبي خاص لدعم المواجهة مع روسيا برصيدٍ أولي 200 مليون يورو , كذلك دفع الألماني شولتز نحو مؤتمر إعادة إعمار أوكرانيا , في حين بشر رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشيل بالتوافق على الحزمة الثامنة للعقوبات على روسيا , وبإستمرار الدعم السياسي والعسكري والإقتصادي لأوكرانيا , ويبقى الأهم بالنسبة لقمة براغ التأكيد على استمرار حالة العداء لموسكو , لضمان استمرار الود والرضى الأمريكي , وتاكيد أن زيلينسكي ليس المهرج الأوروبي الوحيد.

يا له من ضياعٍ أوروبي , ما بين أهداف تروس ماكرون وشولتز , وسط الهمّ الجماعي للأوروبيين حول هوية من سيملأ الصندوق الأوروبي , ومن سيدفع الديون وتكاليف الحرب والأموال التي سرقها زيلينسكي وصحبه , وإعادة الإعمار , وهل هذا يفسر القراءة والتراجع الأمريكي عن التهويل النووي الروسي لإبعاد المتبرعين الأمريكيين , وتوريط المتبرعين الأوروبيين فقط .. وهل يمكن لهذا أن يعيدنا إلى زمن "الحلابة" , ويفضح استمرار بايدن بالسير على خطى سلفه دونالد ترامب رغم إدعائه بنسف حقبته برمتها. 

المهندس: ميشيل كلاغاصي

11/10/2022

 

Wednesday, October 5, 2022

هل تتحالف فرنسا وبريطانيا مجدداً ضد ألمانيا ؟ - م. ميشيل كلاغاصي


اقترحت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين , وضع أسقف على أسعار الطاقة المتجددة والطاقة الكهرومائية والنووية , وفرض ضرائب جديدة باعتبارها مشاريع منتجة للطاقة بتكاليف منخفضة ، بالمقارنة مع تكاليف محطات توليد الطاقة بالفحم والغاز، "بما يساعد الدول الأعضاء على شراء الغاز لإنتاج الكهرباء"... ويعكس اقتراحها مصلحة ألمانيا على حساب فرنسا واّخرين , وأثار غضبهم.

لم تعبّر العلاقات الفرنسية البريطانية عبر التاريخ عن علاقاتٍ جيدة وحسن جوار , على الرغم من التاريخ الطويل الذي جمعهما معاً أو وجهاً لوجه , واتسمت علاقاتهما بالتعقيد والتوترات والخلافات , وخاضا بسببها عدة حروب ومواجهات على امتداد سنوات العصور الوسطى ، كدولتين عدوتين , كحرب المائة عام ، وحروب الثورة الفرنسية ، وحرب السنوات السبع , والحروب "النابليونية".

ومع ذلك فقد السلام حل بينهما مع توقيعهما ما عرف بإلاتفاق الودي عام 1904، وتحالفا ضد ألمانيا في الحربين العالميتين الأولى والثانية ، وساهمت الجيوش البريطانية ، في تحرير فرنسا من النازيين , ووقفتا خلال الحرب الباردة ، في وجه الإتحاد السوفييتي ، وكانتا من بين الأعضاء المؤسسين لحلف الناتو بقيادة الولايات المتحدة , لكن هذا لم يمنع استمرار الإختلاف حول عديد القضايا البينية والأوروبية والعالمية , وغالباً ما يُشار إليهما على أنهما "الخصمين التاريخيين".

وفي العصر الحديث استمرت الخلافات في فترة حكم رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل ، والرئيس الفرنسي شارل ديغول ، على  الرغم من انتصارهما على النازية , نتيجة سعي كلٌ منهما إلى قيادة أوروبا ، ولكن التوجهات والمسارات المختلفة والمتضادة بينهما لتحقيق ذلك حدد تشكل العلاقة بين قادة البلدين إلى يومنا هذا.

وتأثرت علاقات البلدين بشكلٍ كبير مع خروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي , خصوصاً مع إعتبار باريس أن لندن لم تلتزم بالإتفاق المنصوص عليه بعد البريكست ، والذي يقضي بالسماح للصيادين الأوروبيين بمواصلة العمل في جزء من المياه التابعة لبريطانيا , الأمر الذي تطور لاحقاً وأدى إلى لنشوب نزاعٍ حاد بينهما , خصوصاً أن المياه في محيط جزيرة جيرسي البريطانية والقريبة من السواحل الفرنسية باّنٍ واحد غنية بالأسماك , ناهيك عن الأزمة الدبلوماسية الحادة بينهما على خلفية إتفاق "أوكوس" الذي أبرمته بريطانيا مع استراليا والولايات المتحدة ، والذي تم بموجبه إلغاء استراليا صفقة الغواصات المبرمة مسبقاً مع فرنسا , الأمر الذي أغضب فرنسا وألحق بها الضرر الكبير.

ولم تتوقف العدائية بين البلدين , وانتهى لقاء بوريس جونسون بالرئيس ماكرون في 24 تشرين الثاني / نوفمبر عام 2021, حول قضية غرق 27 مهاجراً أثناء محاولتهم عبور بحر المانش ، بدون أي إتفاق , وعلى إثر هذا اللقاء وصف الرئيس ماكرون جاره الإنكليزي بوريس جونسون بـ"المهرج" ... أمورٌ بمجملها تؤكد أن فرنسا وبريطانيا , جارين وحليفين استراتيجيين ، لكنهما يقفان على طرفي نقيض. 

ومع إعلان تشارلز الملك البريطاني الجديد , أن زيارته الأولى ستكون إلى فرنسا , يطرح السؤال نفسه , هل تعود بريطانيا وفرنسا إلى "الود" ثانيةً ، وهل يحمل لقاء ماكرون – تروس , على هامش لقاءات الجمعية العمومية للأمم المتحدة , دلالة ما ؟, بالتوازي مع تطلعات العديد من الفرنسيين نحو علاقاتٍ وثيقة مع بريطانيا ، تؤدي من النتيجة إلى الإبتعاد التدريجي عن ألمانيا , بفضل بهمسٍ فرنسي تحول إلى بوحٍ علني , أطلقته مارين لوبان عام 2021 , بـ "إبعاد الفرنسيين عن ألمانيا لصالح علاقات وثيقة مع بريطانيا" , نتيجة إعتقادها بالتأثير الألماني السلبي على الإقتصاد الفرنسي.

الأمر الذي يعززه السلوك الألماني خلال أزمة الطاقة الحالية , بعدما كشف تقرير لمركز الأبحاث الأوروبي ، إتجاه ألمانيا منذ أكثر من 20 عام نحو مشاريع الطاقة البديلة على حساب الطاقة النووية , السياسة التي صدقها ودعمها ماكرون وسار بها , وأغلق 17 محطة نووية خلال فترة حكمه الأولى , واليوم تدفع فرنسا ثمن هذا الخطأ , في وقتٍ لا يزال ماكرون يصر على مشاريع الطاقة الخضراء , وابتهج مغرداً قبل أيام على موقعه على تويتر , ومتباهياً بتدشين مشروع صغير للمراوح الهوائية لتشغيل توربينات إنتاج الكهرباء ويقول أنها "ستعين الفرنسيين في هذا الشتاء" !, وهو يعلم تماماً أن المشروع لا يمكنه تعويض الغاز الروسي , وقد نال نصيبه من السخرية والتعليقات القاسية من المتابعين .

بالإضافة للمقترح الغريب الذي أطلقته رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين , بوضع أسقف على أسعار الطاقة المتجددة والطاقة الكهرومائية والنووية ، وبفرض ضرائب جديدة , بإعتبارها مشاريع منتجة للطاقة بتكاليف منخفضة , بالمقارنة مع تكاليف محطات توليد الطاقة بالفحم والغاز , "بما يساعد الدول الأعضاء التي يتعين عليها شراء الغاز لإنتاج الكهرباء مثل ألمانيا" , بالتأكيد يعكس اقتراحها مصلحةً ألمانيا على حساب فرنسا وغيرها.

في وقتٍ يرى بعض الفرنسيين , أنه على ألمانيا تحمل مسؤولية ونتائج قراراتها الخاطئة على مدى 20 عام وليس على حساب الاّخرين , خصوصاً , وأن هذه الإستراتيجية الألمانية تم فضحها في كتاب نُشر حديثاً , للنائب الفرنسي ورئيس الجمعية الوطنية الفرنسية السابق , برنارد أكوير, تحت عنوان "محاولة لإفشال الصناعة النووية الفرنسية", تحدث فيه عن تاّمر ميركل بدعم من الإتحاد الأوروبي وحزب الخضر الفرنسي على فرنسا , عن طريق فرض تشريعات أوروبية تساعد منتجي الطاقة والكهرباء عبر المحطات النووية على الإنتاج بأسعارٍ منخفضة , كذلك النصحية التي قدمها الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي للمستشارة ميركل عام 2007 , بعدم تخلي ألمانيا عن الطاقة النووية , لرغبته بأن يكون لفرنسا وألمانيا طموحات موحدة حيال الطاقة , لكن ميركل رفضت الإنصات لنصائحه , وتقدمت بعد أربع سنوات نحو الإلغاء التدريجي لجميع المفاعلات النووية الألمانية السبعة عشر ، وأطلقت في الوقت نفسه حملة للضغط على فرنسا لتحذو حذوها.

ويرى البعض أن الفرنسيين لم يتمكنوا من كف يد ألمانيا عن محاولات أذيتهم , بسبب ضعف من تعاقبوا على حكم فرنسا ( فرانسوا هولاند وإيمانويل ماكرون )، الذين ساروا وفق استراتيجية الطاقة الألمانية التي تخدم مصالح برلين , ولكنها تضرب مصالح فرنسا , لدرجة إعلان الرئيس ماكرون عن إعجابه بمقترح رئيسة المفوضية الأوروبية , واتفق مع شولتز على أن ترسل فرنسا 5% من احتياطياتها من الغاز إلى ألمانيا مع بداية الشهر المقبل ، وستحصل فرنسا بالمقابل على الكهرباء من ألمانيا.

لقد كشفت الحرب في أوكرانيا عن تصدعات وشروخ في العلاقات الفرنسية الألمانية , وبحسب مارين لوبان واّخرين , يبدو أنه "اّن الأوان كي تبحث فرنسا عن شركاء أوروبيين آخرين" , وقد تكون بريطانيا وجهتهم القادمة.

ميشال كلاغاصي

5/10/2022

 

بوتين وعملية كسر الهيمنة الغربية وإنهاء القطبية الأحادية - م. ميشيل كلاغاصي


بالأمس شهد الكرملين حدثاً تاريخياً , تم خلاله توقيع الرئيس فلاديمير بوتين ورؤساء دونباس ومنطقة خيرسون وزابوروجيا اتفاقيات إعادة توحيد الأراضي الروسية التاريخية مع روسيا , وسط تأكيد الرئيس بوتين أن الناس الذين يعيشون في هذه الأراضي باتوا مواطنين روس إلى الأبد , وسط جدية العملية الصعبة لتفكيك النظام العالمي أحادي القطب , والتي تتقدم "بلا هوادة" .

ومن داخل إحدى أهم قاعات الإمبراطورية الروسية في الكرملين , قاعة جورجيفسكي التاريخية الأثرية الرائعة , لخص الرئيس بوتين نتائج الإستفتاءات التي انتهت مؤخراً , بقوله "اتخذ الناس خيارهم بشكلٍ واضح" , حيث جاءت موافقة الغالبية العظمى من المواطنين , لصالح أن تصبح هذه الأراضي جزءاً من روسيا , وبالعيش في كنف وطنهم.

وفي كلمةٍ مهيبة , أكد الرئيس بوتين , أن الشعب الروسي مارس "حقه" بما يتوافق مع المبادئ الأساسية لميثاق الأمم المتحدة , وعلى "الوحدة التاريخية للأرض والشعب الروسي" ، وعلى "استعادة العدالة التاريخية , لمن خلقوا ودافعوا عن روسيا لقرون , وأصبحوا يعتبرون أنفسهم جزءاً من روسيا بحكم ثقافتهم وإيمانهم وتقاليدهم ولغتهم" ، وأشار إلى أن روسيا لا تسعى إلى استعادة الإتحاد السوفيتي ، لكنها تعيد وحدة الشعب التي تم تدميرها عام 1991 , وبأنها "لن تخون خيار الشعب" , ودعا نظام كييف إلى وقفٍ فوري للحرب التي بدأها عام 2014 والعودة إلى طاولة المفاوضات , في الوقت الذي تعتبر دعوةً لأصحاب المشرع الحقيقيين في واشنطن ولندن وبروكسل .

دائماً هو المعسكر الانجلوسكسوني الذي سعى ما بعد إنهيار الإتحاد السوفيتي , إلى إضعاف روسيا وتدميرها وإقتصادها , ولم يتوانوا قبل أيام من عن اللجوء استراتيجية التخريب وتفجير خطوط أنابيب الغاز الدولية في نورد ستريم 1و2 , في تاكيد جديد على حقيقة الحرب الهجينة التي توحد الغرب وراء شنها على روسيا , على الرغم من حاجتهم إلى إمدادات الطاقة الروسية عبر تلك الخطوط , وما تسببت به سياسة وقف استجرار الطاقة من روسيا , وسط دوامة وأكذوبة البحث عن البدائل المكافئة كماً ونوعاً وكلفةً , وإنتقال المجتمعات الأوروبية الغربية نحو المزيد من الفقر والعوز والجوع , وتردي الأوضاع الصحية , وكلها أثمان تدفعها "دول القطيع الغربي" لدعم الشراكة المتوحشة للهيمنة على العالم تحت قيادة الولايات المتحدة الأمريكية , ولمنع ظهور العالم متعدد الأقطاب , "الأكثر عدالة وديمقراطية" بحسب وصف الرئيس بوتين , وتأكيده بإن "انهيار الهيمنة الغربية عملية صعبة , لكنها تتقدم ولا رجوع عنها".

لا تبدو روسيا وحيدة في توجهها وإصرارها نحو تفكيك النظام القطبي الأحادي المهيمن , وهناك عشرات الدول التي تقف إلى جانبها وتؤيد إنهاء مرحلة القطبية الأحادية , وكسر مشروع الهيمنة على العالم , بحثاً عن عالمٍ أكثر امناً واستقراراً , وعدلاً وديمقراطية , ومع تزايد أعداد الدول التي تنضم إلى هذا التوجه , وتكثيف علاقات التعاون البيني , وظهور التحالفات الثنائية والثلاثية , والتوافق وراء دعم النظام العالمي متعدد القطبية الجديد , يبدو أن ملامح محورٍ عالمي كبير بدأت تظهر في العلن , سيكون قادراً على فرض إرادته حرباً أو سلماً , وهذا يعود إلى خفايا محركات السياسة والمخططات الصهيو – أمريكية , وما تبيته من نوايا خبيثة , فولادة الهيمنة الأحادية جاءت على أنقاض الحروب العالمية , والويلات ودماء الأبرياء , ولا نعتقد أن نهايتها تشي بغير ذلك مع احتلال المتطرفين والمتغطرسين مقاعد القرار الخفي أو المعلن في عواصم الشر بدءاً من البيت الأبيض في واشنطن وليس انتهاءاً في بروكسل ولندن وباريس وبرلين وتل أبيب.

المهندس: ميشيل كلاغاصي

1/10/2022