Saturday, December 17, 2022

أردوغان ما بين الإنعطافة والعدوان والمنطقة الاّمنة - م. ميشيل كلاغاصي


منذ أكثر من عقد ازدحمت الأراضي السورية وأجوائها , بجحافل الغزاة , الذين تسللوا عبر دول الجوار , وحلقوا في سماء سورية عبر التحالف الستيني, ناهيك عن جحافل التنظيمات الإرهابية القاعدية , وتلك المحلية التي سُحبت من أضلاعها , يا لها من حربٍ كونية تعرضت لها الدولة السورية , في زمنٍ إدعت فيه القوى الغربية الإستعمارية نهاية مرحلة الإستعمار , وترفرف فيه أعلام الإنحياز ونفاق الأمم المتحدة كحامٍ لسيادة ووحدة أراضي دولها الأعضاء , وصوتها الممزوج بمعاييرها المزدوجة , المنادي بإحترام حقوق الدول والإنسان على ضفةٍ , ويسمح بإختراقها على الضفة الأخرى.

لا بد لهذا المشهد أن يعود بنا نحو قرن من الزمان , وإلى طاولات سايكس بيكو, ومؤتمر سان ريمو, وموافقته على معاهدة سيفر عام 1920 بكامل وحشيتها، وتقسيمها المنطقة العربية إلى عدة كيانات وأجزاء, وخصت منطقة العراق وسورية الطبيعية بتقسيمها إلى لبنان و شرقي الأردن وفلسطين وسورية, وبتحويل وعد بلفور إلى وثيقةٍ دعمها الغرب وفرضها واقعاً, لم يعد بالإمكان تغييره إلاّ بالحاق الهزيمة بالكيان الغاصب وإزالته عن خارطة فلسطين.

فمنذ ما قبل الحرب العالمية الأولى, شكلت ثروات الدول وشعوب المنطقة , ونفطها المكتشف, هاجساً وهدفاً جيوسياسياً بريطانياً, وباتت المصالح النفطية والثروات محفزاً رئيسياً للسياسة العالمية والغربية تحديداً, وصبّت تركيزها على استهداف ووراثة الدولة العثمانية, والأراضي العربية التي تحتلها, والغنية بالثروات والنفط كالموصل العراقية, وشمال شرق سورية, تحت ذريعة تحريرها من العثمانيين, في وقتٍ استبعدت فيه اتفاقية سان ريمو شركات النفط الأميركية وحرمتها من تقاسم المصالح النفطية في المنطقة.

لم يطل الزمن, إلى أن نشبت الحربين العالميتين, وخرجت منهما أمريكا وحليفها الروسي منتصرين, وتم استبدال قائد المشروع الصهيوني – الغربي البريطاني, بالقائد الأمريكي الجديد, الذي حول الدول الأوروبية من سادة الإستعمار والعالم إلى عبيد مشروعه, ومن دولٍ تتقاسم الثروات إلى دول تنتظر فتات المائدة الأمريكية, وحول تركيا من امبراطورية عثمانية تغزو وتقتل بحثاً عن "مجدها" وتخمة ثرواتها, إلى دولة أطلسية تابعة, تصطاد لينعم الأمريكي بصيدها, فيما بقيت الدول الضحية, ضحايا لذات المشاريع, لكن على يد جلادٍ جديد.

أضعف السيد الأمريكي حلفاؤه الغربيين, وسخّرهم لخدمة مشروعه, كذلك حاصر حليف نصره الإتحاد السوفيتي وأطاح به, وهيمن على العالم, واعتمد على خبرة أدواته الأوروبية والتركية في إحتلال دول وشعوب المنطقة, وعلى معرفتهم بدقائق الأمور فيها, واستخدمهم وعملائهم لصالحه, وحصد كل "زرعهم", وأوكل إليهم ذات مهامهم وأدوارهم السابقة.

وجاء بقواته وقواعده العسكرية إلى المنطقة, ودخل العراق غازياً محتلاً, وكذلك فعل في سورية, واعتمد على المشروع التركي – العثماني , وسيلةً لبلوغ أهدافه والنيل من ثروات كلا البلدين العربيين, لكنه اصطدم بالمشروع التركي, بعد تلقيه دعماً روسياً, ساعده على زيادة مساحة أرجحته ومراوغته وحجم المكافئة .

وعليه ما يحصل اليوم في شمال العراق, وفي شرق سورية وصولاً إلى شمالها وشمالها الغربي, هو صراع أمريكي تركي ظاهري, يكمن خبثه بإمتلاك كل طرف نصف النفوذ داخل معسكر الطرف الاّخر, فالقوات التركية "تمون" على نصف "قسد" ونصف "داعش" , ونصف بعض المكونات العربية في شرق سورية, فيما "تمون" واشنطن على كامل تنظيمي "داعش" وجبهة النصرة" الإرهابيين, وعلى نصف عصابات الإخوان المسلمين والإرهابيين الأجانب, في مناطق النفوذ التركي, وتبقى عملية القيادة والتحكم والأوامر والإملاءات السياسية والعسكرية, من اختصاص "الوحي" الأمريكي – التركي المشترك.

سنوات تجاوزت الإثنتي عشرة سنة , وسورية تتعرض لأبشع أنواع الحروب المباشرة والمركبة والهجينة, اجتمع فيها الاصيل والوكيل, إلى أن تصدّرها الأصيل بشكلٍ علني, ناهيك عن الحصار والعقوبات أحادية الجانب, المخالفة لكافة المعايير والقوانين الدولية , فيما استمرت عمليات السرقة المنظمة للنفط السوري, والاقماح والاّثار وغير ثروات, فيما تعرض أهالي الشمال والشرق السوري إلى أبشع أنواع الظلم والقهر والتغيير الديموغرافي, والتجنيد القسري للشبان والإعتداء وخطف الشابات, وتجنيد الأطفال, في ظل إدارات توحشٍ, أطلقوا عليها "الإدارة الذاتية" في الشرق, و"المناطق المحررة" شمالاً, وأرادها المخططون مناطق مغتصبة عن الجسد الأم للوطن, وإعلانها مناطق "اّمنة وعازلة, ومناطق ما وراء الجدار الإسمنتي".

ومن خلال الإنتصار العسكري للدولة السورية, أجبرت طرفي العدوان الأمريكي والتركي على الإنتقال إلى الحلول السياسية, ما دفع الأول إلى توحيد ما تسمى الأحزاب الكردية, ولإعادة إحياء تنظيم "داعش", والثاني للبحث عن تمددٍ جغرافي واسع, وابتلاع "جبهة النصرة" لكافة الفصائل الإرهابية الاخرى, من خلال مخططٍ بدت معالمه واضحة , للجلوس على طاولة المفاوضات برأسين الأول عرقي والثاني طائفي متطرف, لينتزعا سويةً من الدولة السورية, نظامها السياسي المركزي المقاوم للمشروع الصهيو-أمريكي, ولتكريس الإنفصال شرقاً لصالح كيانٍ أو كانتونٍ كردي, وقضم المزيد من الأراضي السورية شمالاً لصالح تركيا وضمها إلى ما سبق واحتلته وقضمته الإمبراطورية العثمانية البائدة.

فشل الأمريكيون بتوحيد الفصائل والأحزاب الكردية, كذلك لم تتمكن أنقرة من إقامة المنطقة الاّمنة, رغم عملياتها العدوانية العسكرية الأربع السابقة, فقرر أردوغان شن عملية خامسة, لطالما هدد وتوعد بها خلال الأشهر الماضية, لكنه اصطدم بالموقف السوري, وخشية مواجهة الجيش العربي السوري, ورفضٍ شعبي سوري واسع, حتى في مناطق الإحتلال والسيطرة التركية - الإرهابية , كذلك اصطدم برفضٍ روسي وإيراني , ورفضٍ أمريكي معلن وسخيف.

ومع إقتراب الإنتخابات التركية, وإحتمالية سقوط أردوغان, نتيجة تردي الاوضاع المعيشية والإجتماعية والتضخم استمرار إنهيار الإقتصاد والليرة التركية في عهده, كان لا بد لواشنطن وأنقرة استعجال المخطط القديم – الحديث, وإقامة المنطقة العازلة, وإضعاف تركيا لنصف "قسد" الرافض للمشروع التركي, والطامع بالإنفصال وبالحماية الأمريكية .. فلجأ أردوغان ووسائل إعلامه للتركيز على أعداء تركيا, وما تتعرض له من هجمات إرهابية على يد حزب العمال الكردستاني وميليشيات وحدات الحماية الكردية, اللذان تصنفهما أنقرة بـ "الإرهابيين" , وبحث مجدداً عن الضوء الأخضر الأمريكي والروسي والسوري , فكانت الإنعطافة التركية المزعومة تجاه الدولة السورية.

وبدأ الإعلام التركي والرئيس أردوغان وبعض ساسته , بإطلاق عشرات التصاريح والمواقف الكلامية – الإعلامية, حول إنعطافةٍ تركية تجاه سورية بهمسٍ روسي, وادعوا بحصول عديد اللقاءات الأمنية مع نظرائهم السوريين, في الوقت الذي تحدث الرئيس التركي عن "إمكانية إعادة النظر في العلاقات السياسية مع سورية بعد الانتخابات" الرئاسية التركية القادمة , ووصلت الماكينات الإعلامية والسياسية التركية بث أضاليلها, وتفاؤلها بإمكانية لقاء الرئيس بشار الأسد بالرئيس التركي, وحصول "المصافحة" السياسية والشخصية.

استغل أردوغان طراوة اللسان تجاه سورية, وخشونتها وحدتها تجاه الإرهابيين ( قسد وحزب العمال الكردستاني), لصرف الأنظار عن استعداداته للعدوان الجديد, بعد تحميل موسكو مسؤولية "عدم تنفيذ إلتزاماتها بإبعاد الكرد عن المناطق الحدودية بحسب اتفاق سوتشي عام 2019", وانتظر إنشغال العالم بالحدث الرياضي الدولي في المونديال, وأطلق عدوانه عشية إنطلاق صافرته, متكئاً على حشد الداخل التركي بأحزابه ومواطنيه, تحت راية حماية الأمن القومي التركي, مستغلاً عملية إستخباريةً مفضوحةً , وتفجيراً إرهابياً وسط اسطنبول, اودى بحياة 86 مواطناً تركياً وعدد كبير من الجرحى, مهد له الطريق لإتهام اعدائه من الكرد, وبإلقاء القبض على منفذة التفجير"أحلام البشير" الكردية - السورية, واعترافاتها المزعومة بحسب وزير الداخلية التركي, والرئيس أردوغان شخصياً, وبأنها تلقت تدريباتها في عين العرب السورية على يد أعداء تركيا الكرد في سورية, وبأنه "اّن أوان الحساب".

ونفذت الطائرات الحربية والمسيرات التركية , بدعمٍ من المدفعية التركية, عدوانها , وادعت قصف ما يتجاوز الـ 250 موقعاً وتحصيناً ومركز قيادة ومستودعات ذخيرة, تعود إلى قوات "قسد" وحزب العمال الكردستاني على الأراضي السورية والعراقية والتي وصلت ضرباتها إلى الموصل العراقية ( الهدف التركي القديم – الحديث ), وتجنبت البيانات التركية الحديث عن قصف المناطق السكنية, والمشافي , وبعض مواقع انتشار الجيش العربي السوري, واهتمت بالترويج لتصريحات وزير الدفاع التركي, بإطلاق "عملية برية واسعة محتملة بالتوقيت التركي", وسط تأكيد الرئيس التركي على ضرورة إقامة المنطقة العازلة .

وانطلقت الماكينات الإعلامية والتحليلات السياسية, للحديث عن هوية الضوء الأخضر الذي حصل عليه أردوغان, وسط نفي واشنطن, مع إقرارها "بحق تركيا بالدفاع عن امنها القومي", وتفهمٍ روسي, قد يندرج في إطار العلاقات الروسية – التركية في إطارها الواسع والمتداخل مع ما يحصل في أوكرانيا, وضرورة حماية الأراضي التركية التي قرر الرئيس بوتين تحويلها إلى مركز دولي للغاز الروسي, والذي من شأنه ضمان وصول أنابيب الغاز الروسي إلى أوروبا , لكن هذا لن يغير من طبيعة وجود أردوغان في حلف الناتو , كحال الرطوبة في لوح خشبي مضغوط , والذي لا بد له أن يتعفن.

فيما يتساءل البعض عن الموقف السوري الرسمي, متجاهلين ثباته ووضوحه وصراحته , والذي عبّر عنه الرئيس بشار الأسد في كافة لقاءاته مع وسائل الإعلام الغربية والروسية , كذلك عبرت عنه وزارة الخارجية السورية مراراً وتكراراً, عبر وزير الخارجية السوري, والمستشارة بثينة شعبان مؤخراً, وعبر وسائل الإعلام السورية الرسمية, ومفاده , بأن سورية تعتبر الوجود التركي على الأراضي السورية وجوداً إحتلالياً , وبأنها لا تؤمن بأقوال تركيا وتنتظر منها الأفعال, كذلك تعبر عن استهجانها ورفضها لمبدأ قيام دولةٍ "بهدف حماية أمنها القومي بالإعتداء على أراضي وسيادة دولةٍ أخرى",  في وقتٍ لا ترى فيه دمشق أية إمكانية للثقة بتصريحات وكلام الرئيس أردوغان, وترى في وجود قواته الإحتلالي, ودعمه للإرهابيين على الأراضي السورية, "ذهنية اّن لها أن تتغير", كي يتسنى للدولتين التعاون بشكلٍ جدي لمكافحة الإرهاب على طرفي الحدود, وضمان الأمن القومي لكلا البلدين.

وجديرٌ بالمهتمين بالموقف السوري, العودة إلى تصريحات الرئيس بشار الأسد, الذي وصف الإحتلال التركي ووجوده على الأراضي السورية بـ "المخفر المتقدم", وهذا ما يعبر عن حقيقة المواقف التركية التابعة لواشنطن صاحبة المخطط وقائدة الحرب الكونية على سورية والعراق, وتأكيد إضافي, على انخراط تركيا بخدمة خرائط ومخططات سايكس بيكو وسان ريمو وإتفاقية أنقرة وغيرها من المشاريع الدنيئة, التي لم يتخل المخططون عنها منذ أكثر من قرن, مع فارق استبدال القيادة البريطانية بالقيادة الأمريكية المتصهينة .

تبدو المرحلة شديدة التعقيد بالنسبة لغالبية الأطراف, وتتطلب فيها محاولة إيجاد الحلول نوعاً من المعجزات السياسية والعسكرية , في حين أنها تبدو شديدة الوضوح بالنسبة إلى سورية والسوريين , نتيجة معرفتهم بطبيعة ذهنية أعدائها وتاريخهم ومشاريعهم الإحتلالية والإنفصالية , التي قادتهم للعدوان الجماعي على سورية.

في وقتٍ لم تظهر فيه قيادات ميليشيات "قسد", الحد الأدنى من النضج السياسي, ولا زالت تتحدث عن طعنات أمريكية, وسط ضياعٍ كلي للمدعو مظلوم عبدي, ولعبة التذاكي ما بين صقور وحمائم "قسد" للحوار مع دمشق, وبتحميله واجب حماية ميليشياته على عاتق الأمريكيين, وبلوم روسيا ومسؤوليتها في دعم تركيا و"كسبها إلى جانبها", وكالعادة يطلق تصريحاته ومواقفه المتأخرة والسطحية , التي لا تشبه مواقف السياسيين ولا العسكريين أوالحكماء والعقلاء, والتي لم يطلبها منه أحد أساساً, ولأنه لا يزال يسير في الطريق الخاطئة, يبدو أن في صمته اقوى المواقف التي يستطيع إتخاذها, وكفاه هو وواشنطن وتركيا الحديث عن محاربة "داعش", وإلاّ فسيتوجب عليهم جميعاً إثبات ذلك.

بإختصار .. ما تقوم به تركيا اليوم, هو عدوانٌ جديد على سورية, عقله ومخططه صهيو- أمريكي, وسيفه تركي – إرهابي, ودميته انفصاليو "قسد" .

المهندس: ميشيل كلاغاصي

29/11/2022

 

السلام مع روسيا .. قبل تراكم الثلوج - م. ميشيل كلاغاصي


بات واضحاً أن الأوروبيين سئموا من الصراع الأوكراني ، بعدما خرجوا مراراً للاحتجاج والتظاهر ضد استمرار الحرب على روسيا وأهدافها , وبأنهم لم يكونوا يوماً من المؤمنين بضرورة تدمير إقتصاد روسيا , وتهشيم صورتها الحضارية , وشيطنة قيادتها , وسباب فنانيها , ومنع رياضييها عن المشاركة في المحافل الرياضية , أي نوعية من السياسيين يقودون القارة الأوروبية , وهم لا يفوتون الفرص للتعبير عن عدم إيمانهم بالقيادة الأمريكية للعالم , وبضرورة ابتعادهم عن سياستها الخارجية – كما تحدث مراراً الرئيس إيمانويل ماكرون , والمستشارة ميركل , وغيرهم -.

إذا كانت الحكومات والعواصم الغربية تعتقد أن شعوبها تؤيد حربهم على موسكو , فعليهم معرفة أن الغالبية يعارضونها , وسينضم المزيد والمزيد منهم إلى معارضة حكوماتهم علناً , وسيؤدي ذلك إلى تعزيز مواقف الأحزاب الشعبية والسياسيين الذين لا يؤمنون بمشروع أوروبي موحد تحت راية الحلف الأطلسي والقيادة الأمريكية .

وسط إدراك العالم , أن الحرب الحالية التي يشنها الغرب على روسيا ليست الحرب الأولى , ويتمنى الكثيرون أن تكون الأخيرة , خصوصاً بعدما لقد أظهرت واشنطن وبروكسل وباريس وبرلين وغيرهم , انهم أشبه بـ "الكلاب البرية" غير القابلة للترويض والتدريب والتعلم من دروس الماضي القريب والبعيد , ولن تتوقف شرورهم سوى بإقتلاع أسنانهم , ويبقى السؤال , إلى متى سيستمر تسليح وتمويل المتطرفين الأوكران , وهل يعتقدون أن ما يفعونه هو طريقة لجلب السلام , وأقله للقبول بالتسوية من أجل السلام .

 هل يدركون معنى غياب السلام , وكم ستكون عليه "فواتير" هذا الشتاء قاسيةً على أوروبا والأوروبيين , وهم الذين يشعرون بعواقبه الإقتصادية قبل غيرهم , وتراهم أمام أنظار العالم , يلومون ويعتبون على من أتى بزيلينسكي وحكومته ونخبه المتطرفة إلى سدة الحكم , يبدو أن الحكومات الأوروبية ستواجه شعوبها لا محالة , وعلى طريقة كرات الثلج , فكلما كبرت زاد ثقلها ووطأتها , وكارثية استمرار تدحرجها واصطدامها بجدران حياة كل أوروبي وجميع قاطني القارة العجوز .

لا تبدو أن ملامح الصحوة ستلوح قبل تراكم الثلوج , فوسائل الإعلام الغربية , المساندة لحكومتها , والمروجة لسياساتها , تبدو وأنها تستمتع بأخبار أي إخفاقٍ , أوتراجعٍ للقوات الروسية , ولا ينتظرون رؤية تداعياته أوأهدافه , ولا يمنحون أنفسهم الوقت للحكم عليه وتقييمه استراتيجياً وعسكرياً , في سعيٍ واضح لخلق أوهام الإنتصار على روسيا , على الرغم من صعوبة الحديث عن نصرٍ سريعٍ – بعد نحو ما يقارب الـ 10 أشهر لإندلاع العملية العسكرية الروسية الخاصة -, وغياب المؤشرات عن قرب توقف الحرب , في وقتٍ قد يكون الحل الوحيد حالياً , هو التدخل الدبلوماسي العاقل , وليس المضي قدماً بالتسليح والتمويل , وبتزويد حكومة وقوات المتطرفين الأوكران بالأسلحة النوعية ومضادات الطائرات والصواريخ , والدبابات التي يشتهيها زيلنسكي.

وقد يكون بعض مؤيدي حكومة أوكرانيا , بحاجة للإنصات إلى ما تنشره بعض وسائل الإعلام نقلاً عن المتظاهرين ضد استمرار الحرب , كالتي نشرتها الـ فاينانشيال تايمز, ووكالة الأسوشييتد برس: "ألمانيا دمية لخدمة مصالح الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي" , "سياسة "على دعاة الحرب في الناتو التوقف عن تأجيج الصراع بين ألمانيا وروسيا وبين أوكرانيا وروسيا" , "نريد السلام مع روسيا" , "للعودة أسعار البنزين والكهرباء إلى ما كانت عليه" , "هذه حرب بايدن" , " أوقفوا التضخم والحرب والجنون".

وإذا كانت معارضوا الحرب على روسيا , استطاعوا حشدوا حوالي 70 ألف متظاهر في براغ وحدها , فعلى واشنطن وقيادة الناتو والإتحاد الأوروبي وصناع القرار في العواصم الغربية , قراءة المشهد , قبل أن يتحول إلى احتجاجات وتظاهرات واسعة النطاق , على غرار ما حدث في جمهورية التشيك وسلوفينيا , حينها لن يستطيع أحد التكهن حول هوية الحكومات التي ستتم الإطاحة بها , وبأي الأثمان ؟.

أوقفوا هزائمكم والحرب على روسيا , ودعوها تملي شروطها , عاجلاً وليس اّجلاً , وتضمن حقوقها وأمنها القومي , وتهدئ من روع هواجسها , التي تعدت الهواجس وأصبحت حقائق لا يمكن التشكيك بها , وقبل تراكم الثلوج , وهي التي لن تتراجع دون تحقيق الإنتصار.

المهندس: ميشيل كلاغاصي

26/11/2022

 

شيءٌ ما قد تغير.. الأمم المتحدة تدعو الكيان الإسرائيلي إلى تدمير أسلحته النووية - م. ميشيل كلاغاصي


مؤخراً وفي نهاية أوكتوبر/تشرين الأول , صوتت الجمعية العامة للأمم المتحدة على قرار يدعو سلطات الكيان الإسرائيلي الغاصب إلى تدمير ترسانتها النووية بالكامل , والسماح لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بزيارة منشآتها النووية , وقد صوتت 152 دولة لصالح القرار ، وعارضته 4 دول هي كندا , ميكرونيزيا ، بالاو ، والولايات المتحدة , بالإضافة إلى سلطة الكيان , - وامتنعت 24 دولة أخرى عن التصويت ، بما فيها أعضاء الإتحاد الأوروبي .

وقبل الخوض في التفاصيل , نسأل عمن يعرف ميكرونيزيا أو بالاو , ومن لا يعرف أن الرئيس والحاكم الرسمي لكندا هو ملك بريطانيا "العظمى" ، وبأن معارضة هذه الدول للقرار لا تعدو أكثر من سلوك العبيد تجاه أسيادهم , ويبدو من المهم ملاحظة عدد الدول التي صوتت بمسؤولية لصالح القرار , من خلال إدراكها الخطر الكبير الذي تشكله سلطة الكيان الغاصب بأسلحتها النووية والسرية ، بالإضافة لتربع "الحمقى" على سدة قرارها - بحسب توصيف سماحة السيد حسن نصر الله.

وتنص وثيقة القرار على أن "إسرائيل" هي الوحيدة في منطقة غرب آسيا , وواحدة من القلائل في الأمم المتحدة , التي لم توقع على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية , ويعكس التأييد الكبير للقرار في الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك , حقيقة مخاوف تلك الدول من كون الكيان الإسرائيلي يشكل تهديداً نووياً خصوصاً في عموم منطقة غرب آسيا , بالإضافة إلى سلوكياتها ووحشيتها , الواضحة والمعروفة في العدوان المباشر على فلسطين المحتلة , وغالبية دول الجوار الفلسطيني , وبشكلٍ غير مباشر على عديد الدول بما فيها تلك التي تبعد عنها اّلاف الأميال , ما يجعل منها "مصدراً استثنائياً لعدم الإستقرار إنطلاقاً من الشرق الأوسط  الذي يقع في قلب العالم.

وجدد القرار التأكيد على أهمية انضمام "إسرائيل" إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية , وإخضاع جميع منشآتها النووية لضمانات شاملة من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية , كإجراء مهم "لبناء الثقة وكخطوة نحو تعزيز السلام والأمن " , والإلتزام بالمعاهدة , دون المزيد من التأخير ، وعدم تطوير أو إنتاج أو اختبار أو الحصول على أسلحة نووية بطريقة أخرى ، والتخلي عن حيازة الأسلحة النووية.  

كم يبدو عليه الأمر من وقاحة ونفاق , عندما استهدف العدو الإسرائيلي في سبتمبر/أيلول عام 2007 , بعض المنشاّت في سورية تحت ذريعة أنها بنى تحتية لمواقع نووية , ومزاعم امتلاكها برنامجاً سرياً لإنتاج "قنبلةٍ نووية" بحسب الإدعاءات الكاذبة لرئيس الوزراء الإسرائيلي السابق، إيهود أولمرت , وعدم وجود أي جهةٍ استطاعت تأكيد ومساندة كيان العدو بهذا الادعاء المزيف.

ناهيك عن البروباغاندا والهستيريا الغربية - الإسرائيلية الشرسة , التي تستهدف ومنذ عقود , البرنامج الإيراني النووي السلمي , والذي أكدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية سلميته مراراً وتكراراً في تقاريرها عبر السنوات , ولا تزال حتى اليوم تسعى إلى عرقلة العودة إلى الاتفاق "خطة العمل الشاملة المشتركة", على الرغم من حاجة الغرب والولايات المتحدة إليه , وتبني أكاذيبها على أساس إقتراب إيران من نفس الذريعة , ألا وهي "تصنيع القنبلة النووية".

لا نقدم جديداً إذ تحدثنا عن إمتلاك الكيان الإسرائيلي , أسلحة الدمار الشامل , وإنفاقه مبالغ ضخمة على الإحتياجات العسكرية التقليدية , واستمراره بتهديد السلام والأمن في المنطقة وخارجها , من خلال ترسانته الكبيرة من الأسلحة المتطورة , وبحسب التقارير الإعلامية التي تتحدث عن المساعدات الخارجية , تبدو سلطات الكيان الغاصب أكبر متلقي للمساعدات الخارجية الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية حتى اليوم , وبما يفوق ما تتلقاه أوكرانيا حالياً من واشنطن وبروكسل والناتو , وبشكل مباشر من عدة دول أوروبية , وتركيا , و"إسرائيل".

لا يقتصر الحديث على التهديد الإسرائيلي نتيجة إمتلاكه الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل الأخرى فقط ، بل يتعداه إلى الكيفية التي يتخلص عبرها من نفاياته النووية والمشعة في أراضي الضفة الغربية المحتلة , وعلى مدى السنوات الأخيرة , نشرت الصحف الفلسطينية والعربية العديد من التقارير, التي تتحدث عن القلق البالغ والمتزايد , نتيجة ارتفاع معدلات إصابة فلسطينيّ الضفة الغربية , بمختلف أنواع الأمراض السرطانية والتشوهات الخلقية , بعدما حولت السلطات الإسرائيلية البلدات والقرى الفلسطينية إلى مكباتٍ لنفاياتها النووية والمشعة , وقيام رئيس الوزراء الفلسطيني محمد اشتية عام 2021 بإتهام العدو الإسرائيلي بإلقاء نفايات نووية خطرة ، كالنفط المحروق ، والنفايات الكيماوية والإلكترونية ، وغيرها في الأراضي الفلسطينية , وأكد بالإضافة إلى تضرر عناصر البيئة الفلسطينية , إصابة 6251 مريضاً بالسرطان , مؤكداً حقيقة استخدام سلطات العدو الأراضي المحتلة كمكب للنفايات النووية.

وتجدر الإشارة إلى ما تتحدث به وسائل الإعلام , وبحسب الخبراء , أن "إسرائيل" تمتلك عدداً لا يستهان به من الرؤوس النووية , وقد رفضت مراراً تفتيش منشاّتها النووية العسكرية , ناهيك عن رفضها التوقيع على معاهدة حظر الانتشار النووي , ومع ذلك تحظى برعايةٍ وحمايةٍ أمريكية , تضمن من خلالها استمرار عربدتها وقفزها على القوانين الدولية .  

من الواضح أن شيئاً ما قد تغير في السياسات الدولية لغالبية دول العالم , بعدما خاضت مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية وتأسيس الأمم المتحدة , وصولاً إلى إنهيار الإتحاد السوفيتي السابق , ومرحلة التفرد الأمريكي بالهيمنة على العالم , الأمر الذي دفع غالبية الدول للسير في الفلك الأمريكي , وأقله وراء السياسة الخارجية للولايات المتحدة .

 ومع ما يحصل اليوم في أوكرانيا , وانكشاف حقيقة الوجه الأمريكي - الصهيوني , والهزائم المتتالية لمشروعه الخبيث في روسيا وسورية وإيران وكوريا الشمالية والصين وفنزويلا وغالبية دول "حديقتها الخلفية" كالبرازيل وعديد الدول اللاتينية , يفسر عدد الكبير الدول التي صوتت لصالح قرار الجمعية العمومية ضد سلطات الكيان الغاصب , والذي يشكل في حقيقته تصويتاً ضد الولايات المتحدة.

وبات واضحاً ميل تلك الدول العمل وفق مصالحها الوطنية , والإبتعاد أكثر فأكثر عن إملاءات الولايات المتحدة وهيمنتها وتهديداتها , فالمشروع الدولي المتعدد الأقطاب بدأ يهز ركائز النظام الأحادي , وقد أعلن عن أهدافه صراحةً , بكسر الهيمنة الأمريكية , وبتصحيح مسار الأمم المتحدة , لتعود بحسب ما أنيط بها من مهام وواجبات وأدوار استدعت نشوؤها وتأسيسها , وبشكلٍ رئيسي الحفاظ على السلم والأمن والإستقرار الدوليين , وضرورة إمتثال الدول الأعضاء بكافة مواثيق وقواعد وقوانين الأمم المتحدة.

على الرغم من صعوبة الرهان في الوقت الحالي , على نقل نتائج التصويت غير الملزمة , من الجمعية العمومية إلى مجلس الأمن , إلاّ أنه يمكن الرهان على الشرخ الكبير داخل المجتمع الأمريكي , وكذلك داخل مجتمع الإستيطان الإسرائيلي المؤقت , بالإضافة إلى سقوط الروايتين الأمريكية والإسرائيلية حول العالم , واللتان تعتبران من أهم الأساسات التي قامت عليها الإمبراطورية الأمريكية والدولة المزعومة للكيان الإسرائيلي الغاصب , ولم تعد الولايات المتحدة قادرة على إقناع أحداً بـ "الديمقراطية والقيم الأمريكية" المزيفتان , كذلك لم يعد الكيان الغاصب قادراً على تجييش العالم ضد "الرهاب الفلسطيني" , وبات واضحاً أن العلم الفلسطيني يُرفع على كامل مساحة العالم , وفي كل المحافل والمناسبات الدولية , ناهيك عن مشاركة الملايين حول العالم , ومن كافة الدول والجنسيات , في التظاهرات المنددة بالإحتلال والممارسات الإسرائيلية الوحشية بحق الفلسطينين والأراضي العربية المحتلة , وبالقفز الإسرائيلي على القوانين الدولية , ومحاولات الإفلات الدائم من العقاب.

وبات الإصرار على إنهاء عصر الهيمنة الصهيو - أمريكية , والقطبية الأحادية , مطلباً جدياً لغالبية دول العالم , وتُخاض لأجله الصراعات والحروب في عدة ساحات , وعلى رأسها الصراع الدائر في أوكرانيا , والذي تقوده روسيا الإتحادية , بدعمٍ كلي من الصين والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا وإيران وسورية وفنزويلا وعشرات الدول حول العالم.

المهندس: ميشيل كلاغاصي

19/11/2022