Wednesday, October 5, 2022

هل تتحالف فرنسا وبريطانيا مجدداً ضد ألمانيا ؟ - م. ميشيل كلاغاصي


اقترحت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين , وضع أسقف على أسعار الطاقة المتجددة والطاقة الكهرومائية والنووية , وفرض ضرائب جديدة باعتبارها مشاريع منتجة للطاقة بتكاليف منخفضة ، بالمقارنة مع تكاليف محطات توليد الطاقة بالفحم والغاز، "بما يساعد الدول الأعضاء على شراء الغاز لإنتاج الكهرباء"... ويعكس اقتراحها مصلحة ألمانيا على حساب فرنسا واّخرين , وأثار غضبهم.

لم تعبّر العلاقات الفرنسية البريطانية عبر التاريخ عن علاقاتٍ جيدة وحسن جوار , على الرغم من التاريخ الطويل الذي جمعهما معاً أو وجهاً لوجه , واتسمت علاقاتهما بالتعقيد والتوترات والخلافات , وخاضا بسببها عدة حروب ومواجهات على امتداد سنوات العصور الوسطى ، كدولتين عدوتين , كحرب المائة عام ، وحروب الثورة الفرنسية ، وحرب السنوات السبع , والحروب "النابليونية".

ومع ذلك فقد السلام حل بينهما مع توقيعهما ما عرف بإلاتفاق الودي عام 1904، وتحالفا ضد ألمانيا في الحربين العالميتين الأولى والثانية ، وساهمت الجيوش البريطانية ، في تحرير فرنسا من النازيين , ووقفتا خلال الحرب الباردة ، في وجه الإتحاد السوفييتي ، وكانتا من بين الأعضاء المؤسسين لحلف الناتو بقيادة الولايات المتحدة , لكن هذا لم يمنع استمرار الإختلاف حول عديد القضايا البينية والأوروبية والعالمية , وغالباً ما يُشار إليهما على أنهما "الخصمين التاريخيين".

وفي العصر الحديث استمرت الخلافات في فترة حكم رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل ، والرئيس الفرنسي شارل ديغول ، على  الرغم من انتصارهما على النازية , نتيجة سعي كلٌ منهما إلى قيادة أوروبا ، ولكن التوجهات والمسارات المختلفة والمتضادة بينهما لتحقيق ذلك حدد تشكل العلاقة بين قادة البلدين إلى يومنا هذا.

وتأثرت علاقات البلدين بشكلٍ كبير مع خروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي , خصوصاً مع إعتبار باريس أن لندن لم تلتزم بالإتفاق المنصوص عليه بعد البريكست ، والذي يقضي بالسماح للصيادين الأوروبيين بمواصلة العمل في جزء من المياه التابعة لبريطانيا , الأمر الذي تطور لاحقاً وأدى إلى لنشوب نزاعٍ حاد بينهما , خصوصاً أن المياه في محيط جزيرة جيرسي البريطانية والقريبة من السواحل الفرنسية باّنٍ واحد غنية بالأسماك , ناهيك عن الأزمة الدبلوماسية الحادة بينهما على خلفية إتفاق "أوكوس" الذي أبرمته بريطانيا مع استراليا والولايات المتحدة ، والذي تم بموجبه إلغاء استراليا صفقة الغواصات المبرمة مسبقاً مع فرنسا , الأمر الذي أغضب فرنسا وألحق بها الضرر الكبير.

ولم تتوقف العدائية بين البلدين , وانتهى لقاء بوريس جونسون بالرئيس ماكرون في 24 تشرين الثاني / نوفمبر عام 2021, حول قضية غرق 27 مهاجراً أثناء محاولتهم عبور بحر المانش ، بدون أي إتفاق , وعلى إثر هذا اللقاء وصف الرئيس ماكرون جاره الإنكليزي بوريس جونسون بـ"المهرج" ... أمورٌ بمجملها تؤكد أن فرنسا وبريطانيا , جارين وحليفين استراتيجيين ، لكنهما يقفان على طرفي نقيض. 

ومع إعلان تشارلز الملك البريطاني الجديد , أن زيارته الأولى ستكون إلى فرنسا , يطرح السؤال نفسه , هل تعود بريطانيا وفرنسا إلى "الود" ثانيةً ، وهل يحمل لقاء ماكرون – تروس , على هامش لقاءات الجمعية العمومية للأمم المتحدة , دلالة ما ؟, بالتوازي مع تطلعات العديد من الفرنسيين نحو علاقاتٍ وثيقة مع بريطانيا ، تؤدي من النتيجة إلى الإبتعاد التدريجي عن ألمانيا , بفضل بهمسٍ فرنسي تحول إلى بوحٍ علني , أطلقته مارين لوبان عام 2021 , بـ "إبعاد الفرنسيين عن ألمانيا لصالح علاقات وثيقة مع بريطانيا" , نتيجة إعتقادها بالتأثير الألماني السلبي على الإقتصاد الفرنسي.

الأمر الذي يعززه السلوك الألماني خلال أزمة الطاقة الحالية , بعدما كشف تقرير لمركز الأبحاث الأوروبي ، إتجاه ألمانيا منذ أكثر من 20 عام نحو مشاريع الطاقة البديلة على حساب الطاقة النووية , السياسة التي صدقها ودعمها ماكرون وسار بها , وأغلق 17 محطة نووية خلال فترة حكمه الأولى , واليوم تدفع فرنسا ثمن هذا الخطأ , في وقتٍ لا يزال ماكرون يصر على مشاريع الطاقة الخضراء , وابتهج مغرداً قبل أيام على موقعه على تويتر , ومتباهياً بتدشين مشروع صغير للمراوح الهوائية لتشغيل توربينات إنتاج الكهرباء ويقول أنها "ستعين الفرنسيين في هذا الشتاء" !, وهو يعلم تماماً أن المشروع لا يمكنه تعويض الغاز الروسي , وقد نال نصيبه من السخرية والتعليقات القاسية من المتابعين .

بالإضافة للمقترح الغريب الذي أطلقته رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين , بوضع أسقف على أسعار الطاقة المتجددة والطاقة الكهرومائية والنووية ، وبفرض ضرائب جديدة , بإعتبارها مشاريع منتجة للطاقة بتكاليف منخفضة , بالمقارنة مع تكاليف محطات توليد الطاقة بالفحم والغاز , "بما يساعد الدول الأعضاء التي يتعين عليها شراء الغاز لإنتاج الكهرباء مثل ألمانيا" , بالتأكيد يعكس اقتراحها مصلحةً ألمانيا على حساب فرنسا وغيرها.

في وقتٍ يرى بعض الفرنسيين , أنه على ألمانيا تحمل مسؤولية ونتائج قراراتها الخاطئة على مدى 20 عام وليس على حساب الاّخرين , خصوصاً , وأن هذه الإستراتيجية الألمانية تم فضحها في كتاب نُشر حديثاً , للنائب الفرنسي ورئيس الجمعية الوطنية الفرنسية السابق , برنارد أكوير, تحت عنوان "محاولة لإفشال الصناعة النووية الفرنسية", تحدث فيه عن تاّمر ميركل بدعم من الإتحاد الأوروبي وحزب الخضر الفرنسي على فرنسا , عن طريق فرض تشريعات أوروبية تساعد منتجي الطاقة والكهرباء عبر المحطات النووية على الإنتاج بأسعارٍ منخفضة , كذلك النصحية التي قدمها الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي للمستشارة ميركل عام 2007 , بعدم تخلي ألمانيا عن الطاقة النووية , لرغبته بأن يكون لفرنسا وألمانيا طموحات موحدة حيال الطاقة , لكن ميركل رفضت الإنصات لنصائحه , وتقدمت بعد أربع سنوات نحو الإلغاء التدريجي لجميع المفاعلات النووية الألمانية السبعة عشر ، وأطلقت في الوقت نفسه حملة للضغط على فرنسا لتحذو حذوها.

ويرى البعض أن الفرنسيين لم يتمكنوا من كف يد ألمانيا عن محاولات أذيتهم , بسبب ضعف من تعاقبوا على حكم فرنسا ( فرانسوا هولاند وإيمانويل ماكرون )، الذين ساروا وفق استراتيجية الطاقة الألمانية التي تخدم مصالح برلين , ولكنها تضرب مصالح فرنسا , لدرجة إعلان الرئيس ماكرون عن إعجابه بمقترح رئيسة المفوضية الأوروبية , واتفق مع شولتز على أن ترسل فرنسا 5% من احتياطياتها من الغاز إلى ألمانيا مع بداية الشهر المقبل ، وستحصل فرنسا بالمقابل على الكهرباء من ألمانيا.

لقد كشفت الحرب في أوكرانيا عن تصدعات وشروخ في العلاقات الفرنسية الألمانية , وبحسب مارين لوبان واّخرين , يبدو أنه "اّن الأوان كي تبحث فرنسا عن شركاء أوروبيين آخرين" , وقد تكون بريطانيا وجهتهم القادمة.

ميشال كلاغاصي

5/10/2022

 

بوتين وعملية كسر الهيمنة الغربية وإنهاء القطبية الأحادية - م. ميشيل كلاغاصي


بالأمس شهد الكرملين حدثاً تاريخياً , تم خلاله توقيع الرئيس فلاديمير بوتين ورؤساء دونباس ومنطقة خيرسون وزابوروجيا اتفاقيات إعادة توحيد الأراضي الروسية التاريخية مع روسيا , وسط تأكيد الرئيس بوتين أن الناس الذين يعيشون في هذه الأراضي باتوا مواطنين روس إلى الأبد , وسط جدية العملية الصعبة لتفكيك النظام العالمي أحادي القطب , والتي تتقدم "بلا هوادة" .

ومن داخل إحدى أهم قاعات الإمبراطورية الروسية في الكرملين , قاعة جورجيفسكي التاريخية الأثرية الرائعة , لخص الرئيس بوتين نتائج الإستفتاءات التي انتهت مؤخراً , بقوله "اتخذ الناس خيارهم بشكلٍ واضح" , حيث جاءت موافقة الغالبية العظمى من المواطنين , لصالح أن تصبح هذه الأراضي جزءاً من روسيا , وبالعيش في كنف وطنهم.

وفي كلمةٍ مهيبة , أكد الرئيس بوتين , أن الشعب الروسي مارس "حقه" بما يتوافق مع المبادئ الأساسية لميثاق الأمم المتحدة , وعلى "الوحدة التاريخية للأرض والشعب الروسي" ، وعلى "استعادة العدالة التاريخية , لمن خلقوا ودافعوا عن روسيا لقرون , وأصبحوا يعتبرون أنفسهم جزءاً من روسيا بحكم ثقافتهم وإيمانهم وتقاليدهم ولغتهم" ، وأشار إلى أن روسيا لا تسعى إلى استعادة الإتحاد السوفيتي ، لكنها تعيد وحدة الشعب التي تم تدميرها عام 1991 , وبأنها "لن تخون خيار الشعب" , ودعا نظام كييف إلى وقفٍ فوري للحرب التي بدأها عام 2014 والعودة إلى طاولة المفاوضات , في الوقت الذي تعتبر دعوةً لأصحاب المشرع الحقيقيين في واشنطن ولندن وبروكسل .

دائماً هو المعسكر الانجلوسكسوني الذي سعى ما بعد إنهيار الإتحاد السوفيتي , إلى إضعاف روسيا وتدميرها وإقتصادها , ولم يتوانوا قبل أيام من عن اللجوء استراتيجية التخريب وتفجير خطوط أنابيب الغاز الدولية في نورد ستريم 1و2 , في تاكيد جديد على حقيقة الحرب الهجينة التي توحد الغرب وراء شنها على روسيا , على الرغم من حاجتهم إلى إمدادات الطاقة الروسية عبر تلك الخطوط , وما تسببت به سياسة وقف استجرار الطاقة من روسيا , وسط دوامة وأكذوبة البحث عن البدائل المكافئة كماً ونوعاً وكلفةً , وإنتقال المجتمعات الأوروبية الغربية نحو المزيد من الفقر والعوز والجوع , وتردي الأوضاع الصحية , وكلها أثمان تدفعها "دول القطيع الغربي" لدعم الشراكة المتوحشة للهيمنة على العالم تحت قيادة الولايات المتحدة الأمريكية , ولمنع ظهور العالم متعدد الأقطاب , "الأكثر عدالة وديمقراطية" بحسب وصف الرئيس بوتين , وتأكيده بإن "انهيار الهيمنة الغربية عملية صعبة , لكنها تتقدم ولا رجوع عنها".

لا تبدو روسيا وحيدة في توجهها وإصرارها نحو تفكيك النظام القطبي الأحادي المهيمن , وهناك عشرات الدول التي تقف إلى جانبها وتؤيد إنهاء مرحلة القطبية الأحادية , وكسر مشروع الهيمنة على العالم , بحثاً عن عالمٍ أكثر امناً واستقراراً , وعدلاً وديمقراطية , ومع تزايد أعداد الدول التي تنضم إلى هذا التوجه , وتكثيف علاقات التعاون البيني , وظهور التحالفات الثنائية والثلاثية , والتوافق وراء دعم النظام العالمي متعدد القطبية الجديد , يبدو أن ملامح محورٍ عالمي كبير بدأت تظهر في العلن , سيكون قادراً على فرض إرادته حرباً أو سلماً , وهذا يعود إلى خفايا محركات السياسة والمخططات الصهيو – أمريكية , وما تبيته من نوايا خبيثة , فولادة الهيمنة الأحادية جاءت على أنقاض الحروب العالمية , والويلات ودماء الأبرياء , ولا نعتقد أن نهايتها تشي بغير ذلك مع احتلال المتطرفين والمتغطرسين مقاعد القرار الخفي أو المعلن في عواصم الشر بدءاً من البيت الأبيض في واشنطن وليس انتهاءاً في بروكسل ولندن وباريس وبرلين وتل أبيب.

المهندس: ميشيل كلاغاصي

1/10/2022

 

هل يكون مصير المملكة المتحدة ثانيةً على المذبح الصهيوني ؟ - م. ميشيل كلاغاصي

في نهاية القرن العشرين قبل الميلاد ومع هزيمة النظام الإقطاعي والإنتقال من مرحلة المملكة إلى مرحلة الإمبراطورية , وصولاً إلى ما بعد السبي البابلي 722 ق.م , تفرق اليهود حول العالم , وحملوا معهم أموالهم وفكرة الإنتقام من النظام الإقطاعي , الذي لم يحمي رؤوسهم ووجودهم على أرض مصر, وخططوا ونجحوا مع مرور الزمن بالإعتماد ثروتهم وعلى الربا كفريضة دينية , بمضاعفة أموالهم وبتسخيرها لإعادة إحياء مكانتهم المالية ونفوذهم في دول غرب أوروبا , واستطاعوا جني الكثير من الأموال في بريطانيا من جمع الضرائب لحساب الملكة إليزابيث الأولى , واستفادت منهم المملكة البريطانية في استعادة صيغة الملكية الدستورية التي أبتكرها اليهود , والتي قامت على سلطة المصارف وتسخير الدولة لخدمة رأس المال , وبذلك استطاع الإنكليز أن يسبقوا كافة دول قارتهم بشوط كبير.

وفي الوقت الذي لم يسمح الموقع الجغرافي للمملكة بحروبٍ برية , ركزت إنفاقها العسكري على بناء وتطوير الأساطيل القوية ما جعل منها قوة ضاربة , وقامت بتأسيس بنك لندن بالإعتماد على الميزانية العسكرية , ودخل الدولة وقروض المصارف , وتضاعفت أموال المملكة أكثر من 40 مرة خلال قرن , وتضاعف معه عدد الجنود والآلة العسكرية وارتفع عدد سفن الأسطول البريطاني , وبذلك تمت ولادة "الدولة العظمة" , ورغم مشاعر الكراهية لليهود بفضل طريقة جنيهم للمال والأعمال والمهن التي مارسوها , تنافست الدول الغربية لمنحهم الجنسية لإبقاء أموالهم فيها , لكن اهتمامهم اتجه نحو القارة الأمريكية العذراء بثرواتها وخيراتها , فوضعوا "مشروعهم" وحلمهم بأرض فلسطين جانباً وبشكل مؤقت وانطلقوا إلى نيويورك وأنشأوا المصارف التي تبنت زيادة الإنتاج على نطاق لم يسبق له مثيل , وبذلك تضاعف رأس مال نظامهم المصرفي الحر بصورة خيالية , وأصبح لليهود "دولة" مصارف اجتاحت عبره أسواق دول العالم .

ومن خلال وعد بلفور عادت القصة إلى الشرق الأوسط وتحديداً إلى أرض فلسطين , بدعمٍ بريطاني وأمريكي فرنسي والماني , وتمت زراعة الكيان الإسرائيلي وسط إقطاعيات المنطقة العربية , وكان إحتلال فلسطين والعدوان الثلاثي على مصر وعدوان 1967 , واستمرت جولات العدوان , وقد لا يكون اّخرها حرب "الربيع العربي" المزور , وهذا كله حدث بفضل الدعم الغربي والبريطاني خصوصاً... وعلى الرغم من ذلك , ومع موت الملكة إليزابيث الثانية , رصد الإعلام العربي الحدث منذ اللحظات الأولى للإعلان عن وفاتها وخلال 10 أيام حتى لحظة موارتها الثرى , وتسابقت الشاشات العربية خلالها للحديث عن بريطانيا العظمى وتاريخها العظيم , وكل ما تناقله الإعلام العربي ببغائية غريبة عن إعلام الدول الغربية , وكانوا بريطانيون أكثر من البريطانيين أنفسهم .

بحلول عام 1914 ، كان للإمبراطورية البريطانية "التي لا تغرب فيها الشمس أبدًا" , كل الأسباب لتُسمى قوة عظمى عالمية , ومع ذلك ، ساهمت مؤامرات لندن بإندلاع الحرب العالمية الأولى وفق المخطط الصهيوني ، والتي تكبدت خلالها بريطانيا العظمى "المنتصرة" خسائر بشرية ومالية فادحة ، وفقدت جزءاً كبيراً من وضعها كقوة عالمية , وتعمد الأمريكيون لاحقاً مطالبتها بإنهاء الإستعمار البريطاني القديم ، الأمر الذي شجع العديد من دول مستعمراتها على المطالبة بالإستقلال.

منذ الخمسينيات من القرن الماضي ، أتقنت لندن لعب دور "الشريك الأصغر لواشنطن" ، للظفر بدور ومكانةٍ في الناتو تفوق أخواتها من العواصم الغربية , وتبنت المواقف السياسية لواشنطن والناتو , وبررت تحركاتهم العسكرية الإحتلالية التوسعية , واستمرت بحبك المؤامرات الجيوسياسية , وراء الستار الامريكي , واستعملت فيها صنائعها من بقايا الإحتلال العثماني وإيديولوجيته القاتلة , والتنظيمات الجهادية والإخوانية الإرهابية وأدواتها وعملائها في المنطقة , وليس اّخرها دورها السيئ في سورية والقتال العنيد الذي مارسه الإرهابيون وكل من دعمته المملكة , ناهيك عن شراسة مندوبيها في القاعات الأممية لتشويه القيادة والدولة السورية وانتزاع قراراتٍ أممية تساهم بتمرير المشروع الصهيو امريكي لتقسيم وتدمير سورية , وبقيادة بوريس جونسن استمر الوجه القبيح للملكة يرخي بظلاله ألماً وظلماً على الشعب السوري , وهاهي ليز تروس تسير على ذات الطريق وبمباركة من الملكة الراحلة التي عينتها قبل وفاتها رئيساً لوزراء بريطانيا.

 كذلك الامر حول ما يتعلق بحرب واشنطن والناتو والإتحاد الاوروبي والمتطرفين الأوكران على روسيا , فقد كانت ليز تروس كوزيرة للخارجية البريطانية , أول من أطلق المواقف العدائية ضد روسيا , بقولها في 26 شباط /فبراير " “لن تهدأ بريطانيا حتى تدمر الإقتصاد الروسي، وتتم استعادة سيادة ووحدة أراضي أوكرانيا” , ولم تكلف نفسها عناء النظر في أسباب الحرب ، أو التفكير في مصالح بلادها , وهي الشهيرة بضعف ثقافتها وغياب حنكتها السياسية.

وتبدو بريطانيا بعد نهاية مرحلة الملكة إليزابيث تقبع في أيادي غير أمينة ومتهورة وتابعة , ومع تصاعد الأصوات الداخلية المطالبة بنهاية الملكية الدستورية , يبدو ان بريطانيا مرشحة للتحول من المملكة التي لا تغيب فيها الشمس إلى مملكة على طريق الأفول , ولن تستطيع المتابعة تحت عنوان المملكة العظمى , بما تملكه حالياً من عناصر القوة , سوى انها دولة دائمة العضوية في مجلس الامن , وبترسانة نووية صغيرة وأسطول غواصات نووية ، وبعدد من دول "الكومنولث البريطاني" غير معروف النوايا في المرحلة المقبلة , ولن تكون بريطانيا التي خاضت الحرب الباردة بالأمس هي بنفس القوة اليوم , مع الصراعات والحروب الساخنة المفتوحة على مساحة العالم , ولن يساعدها وضعها الإقتصادي الغامض الذي يعتمد بشكل كبير على قطاعها المالي التقليدي كالخدمات المصرفية والسمسرة والتأمين والاستشارات ... إلخ , في ظل الازمات المالية والإقتصادية والحروب العسكرية التي أقحمت نفسها فيها , وتواجه الإحتجاجات الداخلية بسببها , وتشارك اقرانها الغربيين بدفع الفواتير الباهظة جراء انقيادها وراء السياسة الخارجية الامريكية .

 ولا تزال لندن تحاول لعب الدور الاكبر بالمقارنة مع نظيراتها في باريس وروما ومدريد وبرلين , وترفض الإعتراف بمساواتها بباقي القوى الغربية , وتحاول الإستحواذ على المشهد السياسيي والإعلامي في الملف الاوكراني , وما يترتب عليها من دفع حصتها من الفواتير اليومية لضمان استمرار الحرب على روسيا.

ومع تراجع الحالة الإقتصادية في بريطانيا , وارتفاع أسعار الطاقة والأغذية , تفقد بريطانيا أهم عاملٍ ساهم عبر التاريخ في جعلها مملكةً عظمى قادرة على ضمان تدفق المال وجلب العسكر وخوض الحروب , وبات على الملك الجديد ورئيسة الحكومة ليز تروس التخلي عن حنينهما إلى الماضي , فبريطانيا ما بعد الملكة إليزابيث لن يكون مثلما كمان قبلها , وسيكون من الصعب على تروس إقناع البريطانيين بالجوع والربد والبطالة , وبإستمرار القتال في أوكرانيا من أجل انكلترا والإمبراطورية معاً .

تبدو بريطانيا وقد وجدت نفسها من جديد على المذبح الصهيوني , وقرار الحفاظ على الملكية الدستورية و"الإمبراطورية" كان وسيبقى قرار صهيوني بإمتياز , وبهدف استمالة اليهود ثانيةً , اعلنت رئيسة الوزراء البريطانية ليز تراس إنها "تدرس بصورة جدية نقل سفارة المملكة المتحدة من تل أبيب إلى القدس" , في خطوةٍ خطيرة من شأنها منح الإسرائيليين فرصة السيطرة الكاملة على مدينة القدس , وطرد العرب منها , وتأكيد "محبة" الملك تشارلز للمسلمين , عبر تسليم مدينتهم ومقدساتهم لأعدائهم.

قد يضطر الشعب البريطاني لقول كلمته والإختيارما بين مليارات الجنيهات الإسترلينية التي تتكبدها المملكة للحفاظ على "الإمبراطورية وطقوسها وعرشها "العظيم" , دون أن يكون للإعلام العربي رأي مسموع ولا حتى تصويت لصالح التاريخ البريطاني "العظيم".

المهندس: ميشيل كلاغاصي

23/9/2022

 

دموع بيلوسي .. عرضٌ مسرحي فاشل لخداع أرمينيا - م. ميشيل كلاغاصي


منذ عقود وتحتل نانسي بيلوسي مكانة دبلوماسية رفيعة في الولايات المتحدة , ومع ذلك لم يسبق لها أن زارت أرمينيا كصديقٍ حميم , ولم ير أحدٌ دموعها الساخنة تنهمر كالمطر حزناً وألماً على شهداء وضحايا أرمينيا , كما حصل في زيارتها مؤخراً , وسط استقبال حكومي لافت وحاشد , ومن المثير لرئيسة مجلس النواب الأمريكي أن تذرف الدموع لتساعد مضيفيها الدولة والشعب , على الإختيار بين السلم والحرب.

لم تكن نانسي بيلوسي الضيف الأمريكي الوحيد الذي يطأ أرض أرمينيا , إذ سبقتها إلى يرفان سفارة أمريكية ضخمة , وأموالٌ طائلة ملئت خزائن العديد من المقرات والمنظمات غير الحكومية العاملة هناك , استطاعت جذب البعض حولها , وأصبح لأمريكا "الجميلة" الكثير من المعجبين هناك , كما ساهم اعتراف الكونغرس الأمريكي بالإبادة الجماعية للأرمن عام 2019 , بتزيين الخديعة الأمريكية , وبفتح باب الهدف الأمريكي الحقيقي عبر الإستغلال السياسي والتأثير على قرار القيادة والحكومة الأرمينية بما يخدم مخططات الإختراق الأمريكي لمنطقة الفضاء الروسي – الأوراسي مريكيأمريكيةأ , وليس من باب الإعتراف الإنساني بالحقوق وبعدالة القضية الأرمينية التي تؤيدها عديد الدول المنصفة حول العالم , ناهيك عن أن الإعتراف لن يؤثر بطبيعة الحال على تعقيد الأوضاع والعلاقات المعقدة أصلاً مع تركيا , وقد يشكل غطاءاَ للتحرك التركي على خط الهدف الأمريكي , يستغله الرئيس التركي للتمدد العثماني , ونشر أفكار القومية التركية وفق مشروع "طوران العظيم" , ومع ذلك حول قرار الإعتراف  الرئيس دونالد ترامب إلى بطل والسيدة بيلوسي إلى اسطورة ورمز للشجاعة والإقدام.

مهما يكن من أمر الصراع الأرميني مع أذربيجان , لكن لا يمكن تجاهل مصلحة واشنطن بإشتعاله بين الحين والحين دون التوصل إلى حل نهائي , خصوصاً وسط الهواجس الأرمينية لعلاقة موسكو وأنقرة من جهة , وعلاقة موسكو بإذربيجان من جهةٍ أخرى , وبثانية تركيا – أذربيجان التي تشكل مع كيان العدو الإسرائيلي حلقة عدوانية توسعية مشتركة , في الوقت الذي لا يمكن فيه للحكومة الأرمينية تجاوز دماء ضحاياها الذين تجاوزا الـ 130 ضحية في الجولة التي نتمنى أن تكون الأخيرة بينهما , بالإضافة إلى أهمية ناغورنو كاراباخ بالنسبة للدولة والشعب الأرميني .

لا يمكن لأرمينيا الوثوق بتركيا وبالرئيس إردوغان على الرغم من محاولاته مؤخراً , بهدف تعزيز تطبيع العلاقات مع أرمينيا، وتعيين مبعوثين خاصين لكلا الدولتين ، واطلاق  الرحلات الجوية المتبادلة بينهما، وأُعلان تركيا عن خطّة لتحويل مقاطعة "فان" التركية منطقةً سياحية للأرمن ، وهي التي يعتبرونها عاصمة أرارات التي تتوسط المملكة الأرمينية ، ومركزاً للثقافة الأرمنية منذ القرن الثامن قبل الميلاد، إلى أن دمّرها الأتراك إبان الإبادة الجماعية في العام 1915.

بعيداً عن دموع نانسي بيلوسي , تبدو واشنطن  مهتمةً بإستخدام تركيا – الأطلسية  لمواجهة روسيا , وهميةدول منظمة معاهدة الأمن الجماعي ( روسيا وبيلاروسيا وأرمينيا ، طاجيكستان وقيرغيزستان وكازاخستان ) , والتي أكدت مراراً على التزامها بمواجهة الأزمات وتصاعد التحديات والتهديدات الأمنية , وبمحاربة الإرهاب والتطرف الدولي , وبعزمها دراسة إنشاء هيكل عسكري سياسي كامل لدول المنظمة , في الوقت الذي أكد فيه الوزير سيرغي لافروف في النسخة ما قبل الأخيرة لإجتماع دول المنظمة , على ضرورة قيامها بدور "الضامن للتوازن في المنطقة الأوروبية الأطلسية" وعدم تجزئة الأمن .

كذلك في نسختها الأخير , ومن خلال الإجتماع في 16 أيار/ مايو في موسكو، أشار خلاله الرئيس الروسي إلى أن منظمة معاهدة الأمن الجماعي "تؤدي دوراً مهماً للغاية في تحقيق الإستقرار في الإتحاد السوفياتي السابق"، الأمر الَّذي يشجع دولاً أخرى على "التفكير في الإنضمام إلى منظمة معاهدة الأمن الجماعي التي تتمتع بقدرات كافية للرد على التحديات المتمثلة بتوسيع حلف شمال الأطلسي".

ومن خلال أهداف المنظمة المعلنة , يبدو واضحاً , أن واشنطن تسعى إلى إختراق منظمة الأمن الجماعي , ونسف طبيعة وجوهر نشؤوها , وانتشال بعض دولها , وسحبها من منظمة الأمن الجماعي، لإضعاف الإتحاد الأوراسي عسكرياً واقتصادياً , بما يشكله من ظهير عسكري وإقتصادي قادر على دعم روسيا في حرب الناتو والإتحاد الأوروبي عليها عبر البوابة الأوكرانية , حتى لو كان الأمر يصب في صالح أنقرة , فلن تمانع واشنطن بمنحها بعض المكافئات لتخفيف إنزياحها أرجحتها بإتجاه موسكو , والشيء ذاته تفعله حكومة الكيان الإسرائيلي وبدعم أذربيجان عسكرياً , للضغط على موسكو , وتخفيف التوتر الخطير في العلاقات الروسية – الإسرائيلية , والذي انعكس بوضوح على مصير الوكالة اليهودية في روسيا.   

يبدو أن رئيس الحكومة نيكول باشينيان مهتماً بإسكات الأصوات الداخلية التي بدأت تعلو في وجه بقائه على سدة السلطة , ولم ذكياً بلجوئه السريع نحو منظمة الأمن الجماعي , الذي بدا كمحاولة لإحراج المنظمة , وسط احتمالية انتقال الصراع إلى حرب شاملة مع أذربيجان وتركيا.. وساعد بتفاقم مشاعر الغضب في الشارع الأرميني الحريص على دماء أبنائه ومواقف يرفان من الصراع حول ناغورنو كاراباخ , وعلى الإستفادة من عضوية وتوقيع بلادهم معاهدة منظمة الأمن الجماعي , التي تصرفت بعقلانية وأرسلت لجنة خاصة , في محاولة لإيجاد تسوية دبلوماسية عاجلة , لكن نانسي بيلوسي سارعت للإعلان بأن :"روسيا فشلت في حماية أرمينيا" , لإطلاق الشرخ واتساعه ما بين أرمينيا وروسيا ودول منظمة الأمن الجماعي , الذي انعكس مباشرةً بظهور بضعة أصوات أرمينية تطالب بذلك , على الرغم من إدراكهم نفاق بيلوسي وإدارتها , وبأنها لن ترسل جيوشها وأسلحتها وأموالها للدفاع عن أرمينيا والشعب الأرميني , وبأنها تكتفي بإثارة المزيد من المشاكل والأزمات والنزاعات , من خلال استهدافها لقوة ومكانة ومصداقية الدولة الروسية , وقدرتها على حل النزاعات وبتقديم المساعدة لدول المنظمة , لإقناع الدول بمغادرة مواقعها الجيوسياسية , وتحالفها العسكري مع روسيا , والإنجرار نحو واشنطن والغرب والناتو على غرار أوكرانيا , وقبول العرض الأمريكي للحرب على حساب الغياب التام لعروضها للسلام كدولة تدعي قيادة العالم , وحفظ الأمن والسلام حول العالم.

المهندس: ميشيل كلاغاصي

20/9/2022