Friday, June 9, 2023

السودان ما بين حرب الجنرالات وأجندات الصراعات الدولية - م. ميشيل كلاغاصي

يا له من مشهدٍ سوداني مأساوي , لا يمكن الفصل فيه بين المشهدين الداخلي والخارجي , ولا يمكن تقزيم خطورة وفداحة ما يجري على الأرض , واختزاله بصراع الجنرالين عبد الفتاح البرهان ومحمد حمدان دقلو (حميدتي ) , والتعامل معه على أنه مجرد إنقلابٍ جديد يضاف إلى سلسلة الإنقلابات التي شهدها السودان منذ استقلاله عام 1956حتى اليوم , في محيطٍ عربي – أفريقي - دولي , يغلي بصراعات النفوذ العسكرية والإقتصادية والتجارية , وسط الأطماع الدولية , والثروات والموارد السودانية والأفريقية الهائلة.

فمنذ استقلال السودان عام  1956, شهد ما يقارب 23 إنقلاباً عسكرياً , افتتحها الفريق إبراهيم عبود عام 1958 , وصولاً إلى عام 2021 بإنقلاب الفريق عبد الفتاح البرهان , رئيس "مجلس السيادة", ومعه والجنرال ومحمد حمدان دقلو (حميدتي ), قائد ما تسمى قوات التدخل السريع , وقد لقي هذا الإنقلاب العسكري إدانات دولية واسعة ، ومطالبات بعودة الحكم المدني.

من المهم قراءة العدد الكبير لمحاولات الإنقلاب العسكرية التي حدثت في السودان منذ استقلاله , سواء كانت ناجحة أم فاشلة , والإشارة الواضحة إلى احتدام الصراع داخل السودان وفي محيطه الإقليمي والدولي على مدى خمسة وسبعون عاماً , في وقتٍ لا يمكن فيه تبرئة أياً من الأطراف الخارجية بتحويل السودان إلى بقعة توتر, حُرم فيها السودان الأمن والإستقرار, وسفكت فيه الدماء , ونهبت ثروات البلاد , وتحولت حياة السودانيين إلى جحيمٍ حقيقي , ضرب فيه الجوع والفقر أصقاع السودان الغني والقادر بمفرده على ضمان استقرار الأمن الغذائي لعشرات الدول المحيطة به لأكثر من خمسين عاماً .

أعوام طويلة عاشها السودان في ظل الحكم العسكري لقادة الإنقلابات , على حساب الحكم المدني الديمقراطي , وبات واضحاً إصرار الأطراف الخارجية الفاعلة والمؤثرة في الصراع الداخلي خلال العقود المنصرمة , للإبقاء والحفاظ على حكم العسكر, وحاملي السلاح لضمان نفوذها وسيطرتها ومصالحها بشكلٍ دائم.

وعلى الرغم من نجاح الإنقلاب العسكري والإطاحة بنظام عمر البشير في  نيسان 2019 ، وتولى الفريق عبد الفتاح البرهان مقاليد الحكم تحت مسمى "مجلس السيادة – الإنتقالي" , الذي ضم مدنيين وعسكريين , ومع وصول حكومة انتقالية برئاسة عبد الله حمدوك , للتحضير لإنتخاباتٍ برلمانية عام 2023 ، وجد رئيس الوزراء عبد الله حمدوك ووزرائه أنفسهم تحت قبضة الجيش ، وأصبح الفريق البرهان الحاكم الوحيد للسودان , ونصّب الجنرال حميدتي نفسه طرفاً لإجبار البرهان على التخلي عن السلطة , وبذلك وقف الجنرالان وجهاً لوجه , معتبرين أنهما يخوضان معركة البقاء والمصير التي لا مفر منها...

ومع فشل النداءات والدعوات الإعلامية الإقليمية والدولية لوقف القتال بين قوات الجنرالين , ومع الفشل المتكرر للهدن التي استغلتها الولايات المتحدة وغالبية الدول , في عمليات إجلاء رعاياها , أصبحت الساحة السودانية ساحة حربٍ مفتوحة بين الجنرالين , اللذين تحولا من حلفاء الأمس إلى أعداء اليوم , وأصبح المشهد مثالياً لمن يبحث عن الفوضى والحروب في الشرق الأوسط وأفريقيا واّسيا , وفرصة كبيرة لنقل الصراع والمواجهة من أوروبا إلى أفريقيا , وتحديداً إلى السودان , كمرحلة أولى , وسط قلق كافة عدد كبير من الدول , وخصوصاً دول الجوار السوداني السبعة , من إنتقال الفوضى , وأقله من تداعياتها الخطيرة على أمنها الوطني , بكافة أبعاده.

للأسف , تستمر حتى اللحظة المواجهات والأعمال القتالية , ومحاولات السيطرة على القصر الرئاسي والمطارات , واتساع رقعة المواجهات في العاصمة , وتعرض مبنى التلفزيون وعدد من المباني الرسمية والوزارات للقصف والنيران.

ومع استمرارغياب الأمم المتحدة وعجزها عن القيام بواجباتها , خرجت عشرات الدعوات لوقف القتال , من جامعة الدول العربية ، ومجلس التعاون الخليجي ، ومنظمة التعاون الإسلامي ، ومصر ، والمملكة العربية السعودية ، والإمارات العربية المتحدة ، والأمم المتحدة ، والاتحاد الأوروبي ، والولايات المتحدة ، وروسيا , والصين , كذلك لم تثمر بعد محاولات الاتحاد الأفريقي بالتواصل مع طرفي الصراع , وكذلك لصعوبة وصول وفود السلام من كينيا وجنوب السودان وحيبوتي إلى مطار الخرطوم.

في الوقت الذي تتحدث فيه بعض وسائل الإعلام عن الإمكانيات العسكرية للجيش السوداني بقيادة البرهان , يتحدث اّخرون عن قوات الدعم السريع وقائدها حميدتي , الذي يطالب بدمج قوته في الجيش السوداني خلال عشرة أعوام , يبدو أن كلا الجنرالين لا يملكان من أمرهما شيئاً , سوى القتال والسيطرة على المواقع الإستراتيجية , وهما يريان المواطنين السودانيين يهربون من منازلهم للنجاة من كثافة النيران , ويحاصرون دون طعام وأية إمدادات طبية , وسط انقطاع الكهرباء والمياه في عدة مناطق , وعجز المشافي عن تقديم خدماتها للجرحى والمصابين , مع تتالي الأخبار عن ارتفاع عدد القتلى إلى 500 سوداني , ناهيك عن أعمال السرقة والنهب والتخريب , في بلدٍ يعاني فيه أكثر من سبعة ملايين طفل , وستة عشر مليون مواطن من الجوع والفقر والعوز, والرعاية الصحية.

ويبقى السؤال عن طريقة كلا الجنرالين لإعادة الديمقراطية والسلام والأمن والإستقرار, وتسليمها لسلطةٍ مدنية , لن يكون فيها دور لكليهما حتماً , فالإنتصار العسكري لأحدهما سيكون صعب المنال , ومن المبكر الحديث عن حلٍ سياسي , في ظل معارك لم تكشف فيها الدول الحقيقية التي تقف وراء الصراع عن نفسها , وعن مخططاتها , وكيفية ربط واستغلال الصراع السوداني الداخلي بصراعات المنطقة والصراعات الدولية للقوى العظمى والكبرى حول العالم.

يبدو من الصعب على الدول العربية مجتمعةً , الإتحاد وراء تأييد حكم العسكر , أو السلطات المدنية في السودان , فالمؤامرة الغربية استطاعت تفخيخ المجتمع السوداني وتحويله إلى بيئة إخوانية متطرفة , وهذا بدوره انعكس على نواة الجيش السوداني , وجعله أكثرعرضةً لمحاولات التفكيك , في حين تبدو محاولات إيجاد سلطةٍ مدنية ديمقراطية , سودانية خالصة , تخلو من العناصر المرتبطة بدولٍ عربية أ غربية , وكذلك بإثيوبيا وبـ "إسرائيل" , سيكون أمراً صعباً للغاية في الوقت الحالي .

وعليه يبدو أن الحرب في السودان تشكل بيئة مناسبة لتحقيق مصالح جيو سياسية لأطرافٍ خارجية , كالسيطرة على منطقة القرن الأفريقي ، بموانئه وسواحله , وكل ما يضمن لها السيطرة على طرق التجارة والملاحة الدولية , ومن المتوقع ظهور وتزايد بعض النشاط الدولي الغربي , لدولٍ تحاول تثبت أقدامها ومصالحها ونفوذها في القارة الأفريقية , وأخرى تجد نفسها تُطرد منها , وسط إعلان السلطات الألمانية استعدادها لإرسال 1600 جندي ألماني بتفويض وزارتي الخارجية والدفاع الألمانيتين , بحسب صحيفة دير شبيجل .

ومن خلال ما بات معروفاً عن استراتيجية الدول الكبرى وسياساتها الخارجية , لن يكون من الصعب توقع الدول التي ستدعم وقف الحرب , ودعم استقرار السودان , والإنتقال إلى الحكم المدني , وتلك التي ستدعم استمرار حكم العسكر, واستمرار سياسة الإنقلابات , وتبقى الخشية الحقيقية من إطالة أمد الحرب وتطورها , ودفعها بإتجاه دعم تحالف الإخوان المسلمين وتنظيم "داعش" الإرهابي , ونقل الإرهابيين من غير ساحات إلى الساحة السودانية , بما سيشكل بوابة التدخل العسكري الغربي – الدولي , تحت ذريعة تشكيل تحالفٍ دولي لمحاربة الإرهاب في السودان , بما يعد بالمزيد من النتائج الكارثية والتداعيات الخطيرة , سيكون الخاسر الوحيد فيها هو الشعب السوداني.

ويبقى من المهم حالياً , ترقب ما يمكن أن تسفر عنه المبادرة السعودية – الأمريكية , وجمع الجنرالين المتقاتلين في جدة , على الرغم من مشاركة واشنطن فيها بفعالية وقوة , ومن المهم التعويل على دور المملكة العربية السعودية , وسعيها إلى حقن الدماء السودانية , ووقف المواجهات العسكرية في السودان , وبقدرتها على لعب دورٍ عربي وإقليمي ودولي , في ظل تزايد استقلال القرار السياسي السعودي , على أمل نجاحها بإنتاج توافق أطراف الصراع الدولي , المتمثل بواشنطن وحلفائها الغربيين من جهة , وكلٍ من بكين وموسكو من جهةٍ أخرى , بما يُخرج السودان من أجندات الصراع الدولي المتنقل من أوروبا واّسيا وصولاً إلى أفريقيا من بوابة الصراع السوداني الداخلي , وبخلق بيئةٍ مناسبة لإيجاد خارطة الحل السياسي , بما يستبق دور الأمم المتحدة ومجلس الأمن "المتأخرين" , ويمهد الطريق لعقد جلسة مجلس الأمن القادمة , والمخصصة لبحث الصراع في السودان.  

ميشيل كلاغاصي

6/5/2023

 

دا سيلفا صديق وضيف بكين الكبير, ماذا عن ماكرون ؟ - ميشال كلاغاصي


قبل مئتي عام , وتحديداً في 2 كانون الثاني/ديسمبر 1823 , أعلنت الولايات المتحدة ما دعي بـ "مبدأ مونرو" , والذي صاغت من خلاله خيوطها العنكبوتية للتفرد بسيطرتها على دول القارة اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي , تحت عنوان ضمان عدم تدخل الإستعمار الأوروبي في دول الأمريكتين , وحماية استقلالها من التدخل الأوروبي , ومنع النفوذ الأوروبي من التوسع والتمدد في حدودها.

وبذلك أصبحت دول أمريكا اللاتينية والمنطقة الكاريبية , تُعرف باسم الحديقة الخلفية للولايات المتحدة , نتيجة سيطرتها على اقتصادات تلك الدول كافة , وفي العام 1944 ومع إعلان 44 دولة حليفة للولايات المتحدة , ارتباط قيمة عملاتها بقيمة الدولار الأمريكي كبديل عن قيمة الذهب , أظهر الدولار الأمريكي وجهه كعملة وسندات مهيمنة على الإقتصاد العالمي , وعلى كافة التعاملات التجارية والمصرفية , والأهم من ذلك ، استخدامه من قبلها كسلاح ضد أعداء سياستها الخارجية وهيمنتها العسكرية والإقتصادية والمالية , ولفرض وزارة خزانتها العقوبات على الدول والبنوك والشركات وحتى الأفراد , وكل من لا يستجيب لإرادتها , وكل من رفضوا استخدام رالدولار كبديل عن عملاتهم الوطنية , وشملت عقوباتها عشرات الدول مثل كوبا وإيران وكوريا الشمالية وسوريا وفنزويلا ونيكاراغوا ومؤخراً الصين وروسيا.

تعددت أشكال مقاومة الهيمنة الأمريكية , وأظهرت عديد الدول رفضها الإنصياع للعصا الأمريكية , وعلى الرغم من محاولاتها لصبغ غالبية دول العالم باليمين المتطرف ومنها دول القارة اللاتينية , إلاّ أن استمرار نضال شعوبها بفقرائها وعمالها ونقاباتها وبروحية قادتها التاريخيين , نجحت بإسقاط غالبية الحكومات اليمينية , وعادت الحكومات التقدمية والإشتراكية للظهور ثانيةً , كعودة لولا دا سيلفا رئيساً  للبرازيل على حساب سقوط منافسه المتطرف اليميني جايير بولسونارو.

لقد استعاد لولا داسيلفا حريته , وهو صاحب الـ 77 عاماً من النضال والإنجازات , والرؤى الواضحة , والمعروف بمقاومته ورفضه الدور الهدام الذي تلعبه الولايات المتحدة تجاه بلاده والمنطقتين اللاتينية والكاريبية , وحول العالم , وفي تشرين الأول/اكتوبر فاز في الانتخابات البرازيلية متقدماً على خصمه بولسونارو.

وانهالت عليه من غالبية قادة العالم برقيات التهنئة المرحبة بعودته إلى سدة الرئاسة البرازيلية , تصدرتها تهنئة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ، الذي بشر بفتح "صفحة جديدة'' في تاريخ البرازيل , وأقحم نفسه صديقاً وشريكاً في الإنتصار والفرح , مؤكداً من طرفه أنه والرئيس دا سيلفا: "معاً ، سوف نوحد جهودنا لمواجهة العديد من التحديات المشتركة وتجديد روابط الصداقة بين بلدينا".

لكن زيارة الرئيس دا سيلفا إلى الصين أتت لتؤكد أن أصدقائه وشركائه ليسوا في الغرب ولا في قصر الإليزيه , وقد لقي في الصين ترحيباً كبيراً وحاراً وتقديراً خاصاً من الرئيس شي جين بينغ , الذي جالسه بإحترامٍ وبودٍ كبيرين , بعيداً عن "طاولة" ماكرون المستديرة , ووصفه بـ "الصديق القديم والحميم" , وكما يُقال بأن -المكتوب من عنوانه- , فقد شكلت زيارة الرئيس داسيلفا إلى الصين بحد ذاتها صفعةً أولى للرئيس ماكرون الذي لا يزال يغرد متباهياً بصور لقائه بالصحفيين في بكين , على عكس الصور الواردة من مدينة سيليستات بمنطقة الألزاس الفرنسية اليوم , في أول زيارة له بعد إصلاح نظام التقاعد , ناهيك عن تأكيد الرئيس داسيلفا بأن الهدف من الزيارة هو "لتعزيز العلاقات الثنائية" بين البلدين , و"لرفع مستوى الشراكة الاستراتيجية ، وتوسيع التدفقات التجارية" ، والعمل مع الصين على "تحقيق التوازن في الجغرافيا السياسية العالمية". 

زيارة مميزة , توجهها الزعيمان داسيلفا وشي حين بينغ , بتوقيع عشرات الإتفاقيات , بما تتجاوز قيمتها عشرة مليار دولار, وبنظرتهما التفاؤلية المشتركة لإنطلاقة نظامٍ عالمي جديد , وسط تبشير الرئيس دا سيلفا وربما وعيده , بإزوف اللحظة التي يتعين فيها على دول البريكس (البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا ) الإتفاق على التعامل بعملةٍ جديدة في الصفقات التجارية , لتكون بديلاً عن الدولار, ومن خلال هذه التصريحات صاغ الرئيس البرازيلي المناضل صفعته الثانية للولايات المتحدة وأدواتها الغربية , كذلك أجرى إتصالاً هاتفياً عبر شبكة هاواوي للإتصالات التي تفرض عليها الولايات المتحدة أشد العقوبات , وأكد أنه : "لا يمكن لأحد منع البرازيل من تحسين علاقاتها مع الصين".

كما انتقد دا سيلفا الولايات المتحدة الأمريكية على "تشجيعها الحرب" في أوكرانيا ، كذلك انتقد الدول الأوروبية , التي :"لا تقوم ما يكفي للتوصل إلى حل سلمي للصراع" , في حين نالت تصريحاته تقدير وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف الذي وصل إلى البرازيل الإسبوع الماضي من خلال جولة يقوم بها في أمريكا اللاتينية , مؤكداً امتنان موسكو "لأصدقائها البرازيليين ولفهمهم الواضح لبناء موقفهم". 

في حين رفض البيت الأبيض اتهامات دا سيلفا حول "الترويج الأمريكي للحرب" , ووصف موقفه بالـ "مضلل" , في حين اعتبر جون كيربي ، المتحدث بإسم مجلس الأمن القومي الأمريكي ، أن تصريحات الرئيس البرازيلي "ترويج للدعاية الروسية والصينية".

يمكن قراءة وتفهم الإستياء والقلق الأمريكيان من عودة الرئيس لولا دا سيلفا إلى سدة الحكم في البرازيل , بعد مقارنته بسلفه بولسونارو , الذي راهن على أن يكون صديقاً الغرب , وعدواً للصين , والذي تعمد إزعاج بكين بزيارته إلى تايوان , وبوقاحة تحذيره من أن استراتيجية الصين "لا تشتري في البرازيل بل تشتري البرازيل" , ناهيك عن إعجابه بالرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب , وتبنيه مهاجمته للصين والترويج لروايات ترامب الإعلامية "الكورونا الصيني" , "العدو الصيني" , متجاهلاً كون الصين كانت تشكل أهم شريك تجاري للبرازيل منذ عام 2009، كذلك مشاركته في حصار ترامب لفنزويلا , وتهجمه على الرئيس الأرجنتيني ألبرت فرنانديز بعد فوزه بالإنتخابات ، من خلال محاولاته الدؤوبة لإرضاء واشنطن , التي تراقب هزيمتها واليمين في القارة اللاتينية.

في ظل التحديات والمتغيرات الدولية , الحقائق الجيوسياسية الحالية ، وخصوصاً الصراع الصيني- الأميركي، والحرب الأمريكية الغربية على روسيا في أوكرانيا ، من المهم للبرازيل أن يعود الرئيس دا سيلفا لقيادتها , وهو الحكيم والخبير والمخضرم على صعيد القارة اللاتينية , والذي لا زال يُثبت أنه القادر على المشاركة في التصدي للهيمنة الأمريكية , وجعل العالم أكثر إستقراراً وأمناً , وبتثبت وتعزيز مكانة بلاده الاقتصادية والسياسية والثقافية مع دول الجوار , وأهمية الدور البرازيلي السلمي والإقتصادي على الساحة الدولية. 

ميشال كلاغاصي

20/4/2023

 

السلام أو استمرار الحرب خيارات واشنطن ما بين الأعداء وتمرد الحلفاء - م. ميشيل كلاغاصي

 

تعتبر العلاقات الروسية الصينية واحدة من أهم الشراكات الدولية وأكثرها تعقيداً في عصرنا الحالي , خصوصاً وأن كلا البلدين يمتلكان القوة والقدرة على مقاومة النهج والسلوك الغربي , الذي اعتمد على عدم التوازن في العلاقات والشراكات وضعف أساساتها وبنيانها , المبني أساساً على الهيمنة الغربية , وضرورة إخضاع الدول التابعة والأدوات , رغم تسميتهم بالشركاء والحلفاء , ناهيك عن غياب المساواة والثقة والتقييم الصحيح للشركاء والشراكة وطبيعة العلاقات وتاريخيتها السياسية والإجتماعية , في وقتٍ تُعتبر المساواة والثقة والإحترام المتبادل أساس العلاقات الروسية الصينية , والتي تبدو في زماننا هذا من الغرائب والأمور التي لا تصدق , وسط شيوع فوضى الأخلاق والقيم والمبادئ , والإهتراء السياسي , الذي فرضه الأمريكيون والغرب عموماً على طبيعة العلاقات الدولية والعالم.

لا يمكن الحديث عن تعزيز وتطويرالشراكة الروسية الصينية , دون التنويه إلى أهدافها السلمية , وسعيها لمد جسور التعاون , والعمل على تحسين الأوضاع الإقتصادية للدول والشعوب , بما يشمل أيضاً تلك التي تشكل البيئة المحيطة بهما ، على الرغم من الأجواء السياسة والرياح العاصفة التي نفخها الغرب منذ بداية القرن الحالي.

لقد أظهرت القمة الروسية – الصينية الأخيرة التي عقدت في موسكو مؤخراً , وحدة وجهات النظر بين قائديّ هاتين القوتين العالميتين حول أهم مشاكل العصر, من خلال المحادثات والنقاشات التي جرت في أجواء اتسمت بالصراحة والثقة والوضوح , والتي تشكل بمجملها عوامل تفتقدها السياسة والساسة الأمريكيين والغربيين عموماً , الأمر الذي يعكس قوة الزعيمين على كبح جماح العواصف التي أثارتها الولايات المتحدة , وتأثيراتها السلبية على العلاقات والمحادثات بين الدول.

من خلال الفهم العميق لمدى تعقيد الأوضاع الدولية , التي تواجه الشراكة الإستراتيجية بين البلدين , كان من المهم للزعيمين مناقشة طرق تعزيز العلاقات الثنائية والسياسية العليا لكلا البلدين , ليس فقط عبر توحيد وجهات النظر, بل عبر مقاربة الفروق والإختلافات الدقيقة في مقاربات الجانبين أيضاً , فالصين بحسب الرئيس شي جين بينغ تواجه "الإستبداد" الدولي , فيما يؤكد الرئيس بوتين أنه وبلاده يواجهان "الهيمنة والنفاق والمراوغة الغربية" , ويبقى من المهم لهما وقف وإنهاء التفرد الأمريكي الذي يمثل "الديكتاتورية" الدولية.

إذ يدرك الشريكان الحليفان أن الأمريكيين لا يريدون التخلي عن مكانة ومزايا هيمنتهم العالمية , ولا يؤمنون بالوسائل السلمية للحفاظ عليها ، ويحاولون دائماً الإستفادة من الحروب طالما تتمتع نخبهم الحاكمة بالقدرة على التحكم في سياسة الولايات المتحدة وحلفائها وقيادتها وتوجيهها , وهذا ما قد يعتقده البعض على أنه يشكل "الإستراتيجية العسكرية" الولايات المتحدة , في حين أنها تخوض حروبها بهدف تدمير أعدائها وإلحاق بهم الأذى والهزيمة , دون الإعتبار بنتائج حروبها السابقة سواء تكللت بالنصر أو بالهزيمة , وتكون خسائرها على حساب حلفائها وأدواتها , فيما تحتفظ لنفسها بمكاسب إنتصاراتها.

وبالقياس , ومن خلال سلوكها بتسعير الحرب في أوكرانيا , رغم قرائتها النصر الروسي فيها , إلاّ أنها ماضية في الرهان على الحرب وإطالة أمدها , وتعقيد ملفاتها , ونقل مستويات المواجهات فيها إلى أبعد من حدود كل من أوكرانيا وروسيا , وبما يهدد العالم بحرب نووية , وتحاول وضع الرئيس بوتين أمام خيارين , سلاماً لا يضمن أمن روسيا ، أو حرباً لا نهاية لها , وسط تجاهلها مصالح حلفائها , وعدم إكتراثها بتدمير دولهم , أو بعدد الضحايا ومن سيقضون في مواجهة روسيا والصين.

من المستغرب أن تراهن الولايات على إضعاف روسيا والصين معاً ، وبأنها قادرة على اختيار اللحظة للدخول إلى ساحة المعركة بكامل قوتها , لإملاء شروطها على الجميع في عالم ما بعد الحرب , ولا بد من تحرك الشارع الأمريكي , والنخب العاقلة , لإعادة صانعي القرار الأمريكي إلى رشدهم , وإجبارهم على التخلي عن الإستراتيجية الحالية , والتفكير الجدي في الحوار والسلام إنطلاقاً من الحرب الأوكرانية – الغربية على موسكو , وقد تكون الصين طرفاً موازياً وجيداً ومفيداً .

في الوقت الذي يبدو فيه الحوار الروسي الأمريكي المباشر معطلاً , وانتقاد الوزيرسيرغي لافروف ، لرفض نظيره الأمريكي أنتوني بلينكين الهدنة الفورية في أوكرانيا , وإعتباره  أنها "ستصب في مصلحة روسيا" , واصفاً كلام بلينكن "بالتحليل السطحي" , مؤكداً في الوقت ذاته أن "الغرب لا يريد وقف هذه الحرب ويرى فيها مصالحه الجيوسياسية", في حين لا تزال فيه بكين قادرة على الحوار مع الغرب قبل حدوث الصدام المتوقع , خصوصاً بعدما أثبتت نفسها ونهجها ونجاحها , بمساعدة إيران والسعودية بالتوصل إلى الاتفاق السلمي الواعد بالمزيد من الهدوء والإستقرار الإقليميين والدوليين.

لا بد من متابعة ثمار الجهود الروسية والصينية بهدف الوفاء للعلاقات الثنائية النموذجية بينهما , على الرغم من العقوبات والتهديدات الغربية , وأثر ذلك على الإقتصاد الروسي وبدفع مراكبه نحو الصين واّسيا , في ذات الوقت الذي تتعرض فيه روسيا لضغوط غربية هائلة , الأمر الذي يكشف الطابع الفريد للعلاقات الصينية الروسية.

أخيراً ... لا يزال حديث الوداع بين الزعيمين مع نهاية الزيارة - القمة , يثير قلق واشنطن , ويشجع حلفائها الأوروبيين على التفكير بمصالح بلادهم بعيداً عن الهيمنة الأمريكية , وسيطرة الدولار , على غرار "التمرد الجزئي" الذي أظهره الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون خلال زيارته الصين برفقة رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين , وانتهزها فرصةً للظهور والحديث نيابةً عن الأوروبيين , وكزعيم غير مفوض للإتحاد الأوروبي , ودعا أوروبا لإنتهاج سياسة مستقلة عن الولايات المتحدة , وللحد من اعتمادها على واشنطن , وعلى ضرورة ألاّ تكون أوروبا "تابعة" للولايات المتحدة أو للصين حيال ما يجري في تايوان , كذلك تبعته في 14/4/2023 وزيرة الخارجية الألمانية بزيارة الصين , وطالبت بكين بالتأثير على موسكو لوقف الحرب في أوكرانيا , وبإيجاد حلٍ سلمي للنزاع , ولحين تبلور ووضوح الموقف والرد الأمريكي , تبقى الإدارة الأمريكية أمام خيارات إنهاء الصراع في أوكرانيا , والبحث عن حلٍ سلمي , أو استمرار الحرب بلا نهاية , وسط صلابة وقوة أعدائها الروس والصينيون , وتمرد حلفائها الأوروبيين.  

م. ميشيل كلاغاصي

17/4/2023

بكين لن تخطئ في الحساب وعليها حسم المعارك لمصلحتها - ميشال كلاغاصي

 

دائماً هي الصين النموذج للحضارة وعراقة الماضي , ودولة الحداثة والتطور في العصر الحديث ، وهي التي برعت بمزاوجة تطورها واندماجها مع العالم الخارجي , وحافظت على أصالة نظامها السياسي والإجتماعي , ومع ذلك تراها تواجه بعض الأزمات الداخلية والخارجية , بما يهددها كيانها كدولة , وحكومتها كقيادة ونهج وإنجازات , ولم يعد نهجها السلمي كافياً لتجنبيها خوض الصراعات والحروب العسكرية والإقتصادية المحلية والدولية , التي تحاول الولايات المتحدة فرضها عليها , كما فرضتها على روسيا وأوروبا عموماً , وعشرات الدول حول العالم.

وبالنظر إلى مراقبتها الحثيثة لما يحدث حول العالم منذ عقود , ولطبيعة النهج الغربي العدواني , تبدو الصين حاضرة لمواجهة ما يحاك لها وللعالم من حولها , وخفايا الأجندات والمخططات الغربية لزجها في الصراع الدولي , سواء كان عبر بوابة الإستفزاز وتهديد سيادتها الوطنية عبر الملف التايواني , أو عبر الإتهامات بمساعدة روسيا عسكرياً عبر ملف الحرب في أوكرانيا , وعديد الملفات والمخططات الغربية التي لا تقل خطورة وسوءاً , بما يسهم بتشويه سمعة الصين , وبتخريب علاقاتها مع الدول الغربية , وتبرير ونسف الإتفاقات السياسية الأمريكية التي تعترف بمبدأ الصين الواحدة , والتزويد الأمريكي لتايوان بالأسلحة.

لطالما كانت نظرة الصين إلى الولايات المتحدة لا تختلف كثيراً عن نظرتها للدول الأوروبية الغربية , لكنها خلال السنوات القليلة الماضية , بدأت تراهن على تمايز وتباين جزئي , وعلى اتجاه الأوروبيين أكثر فأكثر نحو سياسةٍ أكثر استقلالاً عن السياسة والقبضة الأمريكية , وبأن زيادة حجم التبادل التجاري معهم سياعدهم على الخروج الجزئي عن الصورة النمطية للعيش تحت العباءة الأمريكية.

في حين أنها لا تملك أية أوهام بحتمية صراعها مع الولايات المتحدة , التي لم تنوان عن وضع القيود والعراقيل أمام سرعة تطورها وصعودها السياسي والعسكري والإقتصادي والتكنولوجي ، وتحاول هزّ استقرار النظام السياسي , عبر الضغط العسكري المباشر عبر تايوان , وتبشريها علانية "بمعارك جوية وبحرية , وبنتائج غير متوقعة" , في حال قررت الصين استعادة السيطرة على الجزيرة التايوانية.

وعلى غرار الإستفزازات الأمريكية السابقة للصين والتي حرصت منذ نحو عامٍ تقريباً على تكثيفها بشكلٍ علني عبر البوابة التايوانية , دعت الولايات المتحدة رئيسة الإدارة الذاتية تساي إنغ وين , لزيارة واشنطن , التقت من خلالها رئيس مجلس النواب الأمريكي كيفن مكارثي في ​​خطوة تهدف إلى تقويض سيادة الصين عمداً , وتشكل إعترافاً سياسياً بالإنفصاليين الصينيين.. في حين أطلقت بكين مناورات عسكرية ضخمة رداً على الإجتماع , وتعهدت بـ "رد حاسم" , وأحاطت بسفنها البحرية الجزيرة التايوانية بكاملها.

يبدو أن تساي إنغ وين اهتمت بتنفيذ أمر الزيارة الأمريكي , ولم تقرأ توقيتها وسبب المغريات التي وعدت بها سلفاً , ولم تدرك أنها وقعت في سوق التنافس والسباق الديمقراطي – الجمهوري الأمريكي لإظهار العداء للصين , من خلال تعاملٍ أمريكي مزدوج المعايير, لا ينسجم مع اعتراف وزارة الخارجية الأمريكية وإلتزامها "بسياسة الصين الواحدة" , وبأن تايوان هي جزءٌ منها , توافقاً مع البيانات الأمريكية – الصينية المشتركة التي صدرت قبيل الانسحاب الأمريكي من تايوان عام 1979, والإتصالات الرسمية بينهما , وإتفاقيات الإعتراف الأمريكي بسيادة جمهورية الصين الشعبية على كل الصين بما في ذلك تايوان.

وفي ظل النهج الأمريكي المخادع والخبيث , والتزامه لعقود بمبدأ الصين الواحدة لفترة طويلة , لكنه لم يمنع واشنطن اليوم من دفع الصين وتايوان نحو الصراع والصدام العسكري , بعدما ساهمت بدعم وبتعزيز القدرات الدفاعية التايوانية بأطنان الأسلحة , من خلال ما يسمى "قانون العلاقات مع تايوان" الأحادي والذي أقره الكونغرس بعيداً عن موافقة بكين , وبأنه سمح للولايات المتحدة بدعم إدارة تايبيه سياسياً وعسكرياً ، وبتقويض السيادة الصينية , يبدو أن تساي إنغ وين لا تعرف أن واشنطن ستراهن على قتال الصين حتى اّخر تايواني , ولو أدى ذلك إلى تدمير تايوان بكاملها , كما تفعل اليوم مع أوكرانيا ونازييها وإنفصالييها , وتقود الصراع وحرب الوكالة العسكرية الاقتصادية الأوروبية على روسيا , وبأن سيناريوهات الحرب الأمريكية على الصين لن تكون مختلفة عن المشهد الأوكراني.

تدرك القيادة الصينية الحكيمة الماّرب والأهداف الأمريكية , وترى خطورة الجنون الأمريكي الذي لم يعد يحتمل المزيد من الهزائم , وميله الدائم نحو العنف والحروب البعيدة اّلاف الأميال عن حدوده , ولا تستبعد أن يجر العالم نحو الحروب النووية , لذلك أبدى الرئيس شي جين بينغ حرصه على رفع القدرات القتالية للجيش الصيني , للدفاع عن ما دعاه بـ "السيادة الإقليمية والمصالح البحرية لبكين" , وحماية "الإستقرار الشامل" في المنطقة.

وأصدر في مطلع نيسان/أبريل الحالي توجيهاته بالإستعداد "لقتالٍ حقيقي" , نفذت من خلالها القوات الصينية تدريبات عسكرية مكثفة حول تايوان , حرصت التدريبات فيها على محاكات ضرباتٍ موجهة , وحصار للجزيرة التايوانية التي تعتبرها جزءاً منها.

إن التحليلات السياسية أو التوقعات التي تسوقها وسائل الإعلام الأمريكية , عن سعى الصين "لغزو تايوان" بحلول عام 2025 , يفضح المخاوف الأمريكية من اتساع الفجوة بين الولايات المتحدة والصين عسكرياً واقتصادياً , في وقتٍ سيمنح فيه تأخير اندلاع الصراع في تايوان , الدولة الصينية فرصة حسم التفوق الصيني على أمريكا لسنوات وربما لعقود طويلة.  

في الوقت الذي تظهر فيه الصين والرئيس شي جين بينغ المزيد من الهدوء والصبر الإستراتيجي , حيال العداء الأمريكي , والإستفزازات المختلفة , والإتهامات الكاذبة حيال تزويد روسيا بالأسلحة الصينية , لكنهم بكين امتلكت الشجاعة والواقعية للرد عليها , ولخصها مؤخراً تصريحٌ ساخن للمتحدث بإسم وزارة الخارجية الصينية ، وانغ وينبين , بقوله: "لن نتسامح أبداً مع توجيه الولايات المتحدة أصابع الاتهام ، أو حتى الإكراه والضغط على علاقتنا مع روسيا".

لا يمكن تخيل حجم الكارثة , إن أخطأت الصين الحسابات , ولم تحسن مواجهة التحديات وحسم المعارك الداخلية والخارجية لصالحها , خصوصاً وأنها تعج بالقوميات والإثنيات والإيديولوجيات المختلفة , ناهيك عن أعداد من سيتمسكون بالسيادة الوطنية , ومن سيسقطون أمام مختلف أنواع الخدع والأضاليل والإغراءات الأمريكية , بالإضافة إلى السيناريوهات المتوقعة من الغرب وتحديداً الولايات المتحدة الأمريكية , وهي التي تنتظر فرصة الإنقضاض على من أطلقت عليه "العدو الصيني".  

المهندس: ميشال كلاغاصي

15/4/2023