Thursday, May 7, 2020

فواتير الأرحجة التركية .. العودة إلى الحضن الأمريكي - م.ميشيل كلاغاصي



جمعتهما أمور كثيرة , تخطت العلاقات الثنائية والأطلسية والإستراتيجية والعسكرية والتجارية والإستعمارية .. واليوم تجمعهما الهموم المشتركة , فالكورونا ضرب ضربته في تركيا كما في أمريكا , فعدد الإصابات قارب الـ /200/ ألف في الأولى , وتجاوز المليون إصابة في الثانية , أما أعداد الوفيات فهي في تصاعد مستمر بما تجاوز الـ /70/ ألف حالة وفاة في أمريكا وحدها .. ناهيك عن فوضى البلدين في مواجهة الجائحة , بالتوازي مع إنكشاف تردي أوضاع قطاعيهما الصحي , وندرة الإستعدادات المسبقة , الأمر الذي دفع تركيا إلى قرصنة بعض سفن التجهيزات والمواد الطبية والكمامات المتجهة إلى غير دول , تحت عنوان إستعارتها وإعادتها , فيما هرعت أمريكا لقرصنة عقود الشركات المصنعة , تحت عنوان إحتكارها ومضاعفة مبالغ الحصول عليها , وفتحت أبوابها لتلقي المساعدات على عكس ما كان متوقع منها كدولة "عظمى".
وعلى الرغم من تأرجح الوضع الإقتصادي في تركيا , واستعداده للإنهيار في أية لحظة , سارع التركي أردوغان إلى إرسال المساعدات الطبية , وأرفقهما برسالة إلى الرئيس الأمريكي , تعدت موضوع التضامن و المساعدات , وطرقت أبواب العلاقات الثنائية وأهمية استمرار التحالف التركي - الأمريكي , أكد فيها وبشكلٍ قاطع وقوف تركيا "كشريك  قوي وموثوق به للولايات المتحدة" ، من الواضح أن أردوغان سعى عبر الرسالة لإستعادة رضى وثقة ترامب , ولتسجيل عتبه على الكونغرس الأمريكي وأمله بإدراك أهمية تركيا , وبإستمرار التحالف معها.
مالذي يحصل ...؟ أيُّ نوايا إنسانية حسنة تدفع تركيا إلى إرسال مساعداتٍ لا تملكها أصلا ً , وشعبها بأمس الحاجة إليها ..! وأي شكر وجهه صاحب "الفضيلة" بومبيو على تبرعاتها و:"صداقتها وشراكتها ودعمها" كـ "حليف أطلسي في أوقات الأزمات" ..!
أيُّ ود وأيُّ صداقة , والخلافات بين البلدين أصبحت علنية , والتهديد بالعقوبات والمعاقبة الأمريكية أصبح خبرا ً مألوفا ً, بفضل إصرار الرئيس التركي على شراء منظومة الدفاع الصاروخي الروسية  S-400, والذي اعتبرته الولايات المتحدة أنه لا يتوافق مع خصوصية واستراتيجية حلف الناتو , في وقتٍ تجاهل فيه أردوغان كافة التهديدات الأمريكية – الأطلسية , وسارع للحصول على الصفقة , وإلى فتح مروحة العلاقات التجارية الروسية – التركية أكثر فأكثر ..!
هل أراد أردوغان أن يمنح ترامب شيئا ً من الطمأنة , ونوعا ًمن الدعم لمساعدته في مقاومة الدعوات والأصوات داخل الكونغرس , المطالبة بفرض العقوبات على تركيا ...
وأراد الإيحاء أو إبلاغ واشنطن بإمكانية إنفصاله عن روسيا عاجلا ً أم اّجلا ً , وتوجيه رسالة غضبٍ تركية حيال مواقف وسياسة موسكو في الأشهر القليلة الماضية تجاه سوريا وليبيا .. فقد كان يعول على تحرك روسي لمنع العملية العسكرية الأخيرة التي حرر من خلالها الجيش العربي السوري مساحات كبيرة تتعلق بالجغرافيا الإدلبية وبمشاركة روسية , ناهيك عن امتعاضه من الموقف الروسي في ليبيا.
لم يعد بإمكان أردوغان إخفاء فشل أهدافه الجيوسياسية في سوريا وليبيا , بالإضافة إلى الضغوط والمعارك الداخلية التي يواجهها مع المعارضة والتي تستفيد من سوء إدارته للعديد من الملفات السياسية والإقتصادية والمالية وملف الكورونا أيضا ً, وارتفاع عدد الإصابات والوفيات , بما يضاعف أزمة الإقتصاد التركي التي يحمله غالبية الأتراك مسؤوليتها ... يبدو أنه اقترب كثيرا ً من الجدار المسدود , وباتت خياراته الداخلية محدودة وربما يائسة لتجنب الرياح التي يستشعرها , فيما تبدو خيارته الخارجية محصورة بإعادة فتح العلاقات مع واشنطن , التي تبقى الأقدر على صيانة الدمى التي صنّعتها حتى على شكل دول.
من الواضح أن أردوغان يملك مخاوف داخلية حقيقية , فتراجع الليرة التركية إلى ما يقارب الـ / 7 / ليرات مقابل الدولار الأمريكي ، أجبر البنك المركزي على تقهقر احتياطيات النقد الأجنبي من العملات الأخرى , وسط إعلان المعهد التركي للإحصاء عن إنخفاض الثقة بالإقتصاد التركي وتراجعها بمقدار الـ 50% خلال شهر نيسان الماضي , الأمر الذي دفع أنقرة لإجراء محادثات مع واشنطن لتأمين خط مقايضة مع مجلس الإحتياطي الفيدرالي الأمريكي الذي لم يدرج تركيا في برنامجه  الخاص لفتح خط الإئتمان لقبول العملات الأجنبية مقابل الدولار , ويأتي هنا السؤال منطقيا ً, هل ستكون مساعدات وكمامات أردوغان قادرة على إقناع ترامب بقبول وبتوجيه المصرف بفتح خط الإئتمان التركي؟
على الرغم من إعتقاد البعض بأن لعب تركيا على الحبلين الروسي والأمريكي والوقوف على مسافةٍ واحدة منهما سيجني لها الأرباح المضاعفة دائما ً, وسيعطي أردوغان فرصة التبختر كالطاووس داخل تركيا وفي الإقليم والعالم , إلا أن الواقع يؤكد من جديد أن أردوغان لا يستطيع الخروج من تحت العباءة الأمريكية , ويؤكد تقاربه مع روسيا والرئيس بوتين لم يكن ليس سوى محاولةً غبية لإستخدام روسيا كوسيلة للضغط على ترامب , خصوصا ً فيما يتعلق بسياسة تركيا في سوريا وغير مكان , متناسيا ً أن لا صديق لأمريكا وأن روسيا إنتشلته من مستنقع الإنقلاب الأخير , وأنه غير قادر على مواجهة غضب الزعيم الروسي والرئيس الأمريكي , وعليه تسديد الفواتير الباهظة لكليهما , وستكون فواتير أستانا وشوتشي أقربها للدفع , فلن يغامر ترامب بدعم أردوغان في سوريا على حساب خروج قواته المذل منها ومن المنطقة , وقد تبقى معادلة العلاقة التي تجمع بوتين وترامب "الجيدة جدا ً" – كما سبق ووصفها ترامب -  سارية المفعول.
المهندس: ميشيل كلاغاصي
7/5/2020

Friday, May 1, 2020

ألمانيا تضع نفسها رهينة قوى الهيمنة - م. ميشيل كلاغاصي


هل قررت ألمانيا شن الحرب على ح . ال ل ه بالوكالة أم بالأصالة , ولماذا لجأت لإعتماد هذه السياسة في زمن الـ كورونا وزمن الضعف والفوضى الأوروبية وتعثر الإتحاد الأوروبي , وفشله وتخبطه السياسي الداخلي مع موجات الإحتقان الشعبي في دوله , وإنزال علمه في أكثر من عاصمة ومدينة أوروبية على خلفية تقصير حكوماته في مواجهة جائحة الـ كورونا.
مالذي يدفع الحكومة الألمانية لتنفيذ الرغبات الأمريكية وربما أوامرها , مالذي تغير في ليلة وضحاها , وجعل الأمن الألماني يغير على نوادٍ يزعم أنها تابعة لـ ح . ال ل ه , هل اختلط الأمر على الألمان وفقدوا كل تمييز بين المجتمع الصغير المؤيد للحزب في ألمانيا , وبين خاطة المجتمع العربي – الكردي ونفوذه الكبير في الداخل الألماني , هل لسوريا ولحلفائها ولمحور المقاومة علاقة بما يجري , أم هي العمالة الصرفة وحرب الوكالة بالنيابة عن العدو الإسرائيلي...
لقد وعدت ميركل قبل عام واحد فقط بالبحث عن الطريق الألمانية بعيدا ً عن الهيمنة الأمريكية , لكننا اليوم نراها تشن الحرب على حزبٍ مقاوم للإحتلال وللإرهاب التكفيري , ويساهم بأجنحته السياسية والعسكرية والإجتماعية والإنسانية بحماية لبنان وبالحفاظ على سيادته وبدعم استقراره السياسي والإقتصادي والصحي خصوصا ً في زمن الـ كورونا , فعن أي طريقٍ تحدثت المستشارة ميركل.
من يُصدق الحكومة الألمانية وهي توجه اللوم إلى حزب الله وتتهمه بإستخدام العنف وبعديد الهجمات الإرهابية – بحسب وزير الداخلية الألماني- بلا دليل , ومن يُصدق إدعاءاتها بمخاوف ألمانية تتعلق بالأمن الوطني والقومي , هل حقا ً يملك حزب الله تواجدا ًوهيكلية ًرسمية في ألمانيا ؟ هل اختلط الأمر ثانية على الحكومة الألمانية واعتقدت نفسها تمثل الحكومة الإسرائيلية , وأنها في حالة مواجهة حدودية مصيرية مباشرة معه.
هل اختلط الأمر للمرة الثالثة على الحكومة الألمانية , واعتقدت أنها بقرارها هذا تصيب التجمعات العربية – الكردية , صاحبة المال والنفوذ والتأثير في الداخل الألماني , بمجرد أنها صنفت حزب الله تنظيما ً إرهابيا ً, هل تبدو ألمانيا نادمة ًعلى دعمها لمن تحالفوا وكانوا جزءا ً من التنظيمات الإرهابية وقاتلوا ضد الدولة السورية منذ العام 2015 وغادرها بعضهم والتحق قسم كبير منهم بذويهم وأقرانهم في ألمانيا وبتسهيلاتٍ من حكومتها , وشكلوا تجمعات مغلقة خطيرة بنشاطات يصفها الإعلام الألماني بالمافيوية , وهل تخشى ملاحقتهم ومحاسبتهم على أراضيها , أم تراها تتهرب من غضب السيد الأمريكي الذي بدأ يستشعر خروج من بقي منهم في سوريا عن طاعته , وتمسكوا بالأرض والوطن , واتجهوا نحو التعاون مع دولتهم وحكومتهم السورية وجيشها الوطني وأبدوا استعدادهم لحماية مناطقهم وإفشال جوهر كافة التنظيمات والوحدات الإنفصالية , ومحاولتها للتفرد بالسيطرة على مناطق شرق الفرات وبإقامة مناطق إدارة ذاتية بنكهة إنفصالية بدعمٍ كلي من قوات الإحتلال الأمريكي.
من المؤسف أن تنحدر السياسة والصحافة الألمانية إلى هذا الدرك الرخيص , وتلجأ إلى ذرائع مزيفة واهية لإتهام حزب الله بتهريب المخدرات والسيارات المسروقة وبغسيل الاموال , في وقت تدرك فيه تماما ً من هم المسؤولين عن تلك الأفعال ,  خصوصا ً ممن رعتهم واستخدمتهم في سوريا وغير مكان , وتشعر اليوم بلسعاتهم , هل تخيلت الدولة الألمانية أن تضع عقربا ً في جيبها وتسلم من الأذى.
إن محاصرة ومضايقة بعض اللبنانيين من الطائفة الشيعية في ألمانيا , تحت ذريعة إنتمائهم إلى حزب الله , يشي بمدى إفلاس الحكومة الألمانية , وعمق إلتحاقها بركب السياسة الأمريكية اللاأخلاقية , ويؤكد سياسة التبعية والإنبطاح الألماني من خلال الندم والشعور بالذنب التاريخي المزعوم أمام الصهاينة , وجعلهم يقبلون دور التابع والأجير لمخططات كبرى تستهدف محور المقاومة مجتمعا ً, بما يبدأ بسوريا واستمرار حصارها والحرب فيها , إلى إيران وإتفاقها النووي والصاروخي , ولا ينتهي بتأمين غطاءٍ ألماني – أوروبي للإعتداءات الإسرائيلية المتكررة على سوريا , تحت ذرائع واهية تدعي فيها استهداف مواقع أو مستودعات أو مواكب أو قوافل لنقل الأسلحة الخاصة بحزب الله في سوريا .
من الواضح أن ألمانيا تحن إلى ماضيها النازي بنكهةٍ فاشية , وتضع نفسها في خدمة مشاريع الهيمنة الصهيو –أمريكية , وتحاول بالأصالة والوكالة قيادة حربٍ ومرحلة غامضة في الشرق الأوسط , لن يكون فيها لألمانيا ناقة أو جمل.
المهندس : ميشيل كلاغاصي
2/5/2020

Wednesday, April 29, 2020

لبنان.. كاد الصغار أن يوقعوا بين الكبار - م.ميشيل كلاغاصي


تحرك الغوغاء والعملاء على وقع زيارة السفيرة الأمريكية لقادتهم ...فهل تلقفوا رسالتها بشكلٍ خاطئ , وخرجوا عن التكليف المطلوب في هذه المرحلة , فالولايات المتحدة تسعى لزيادة الضغط وللمزيد من حصار ثنائية "العهد – المقاومة" إقتصاديا ً وماليا ً , من بوابة التصويب على رئيس الحكومة حسان دياب وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة .
اندفع الغوغاء والعملاء وألقوا بمرتزقتهم لقطع الشوارع والطرقات بشكل محسوب , وانطلقوا نحو التخريب وحرق المصارف والمحال , على وقع تحريض كبير وغير مسبوق لقادة تيار المستقبل و"الإشتراكي" وليد جنبلاط و"قديس" القوات اللبنانية , تناوبوا على شاشة العربية وفتحوا كافة الملفات قديمها وجديدها , وخصوصا ً ملف نزع السلاح والقرار 1559 وإتفاق الطائف .
جعجع وجنبلاط  لم يذهبا بعيدا ً في تصريحاتهم الإعلامية , وركز "الإشتراكي"على الثنائية "عون – دياب", أما تيار المستقبل وزعيمه , فكانوا واضحين , وذهبوا بعيدا ً في إطلاق كافة الملفات والأحقاد السياسية والطائفية , وأطلقوا نفير الحرب.
ونظرا ً لخطورة ما بدأ بالحصول على الأرض , والمواجهات العنيفة مع الجيش اللبناني والقوى الأمنية , لم يتأخر اللاعبون الدوليون والإقليميون والعرب , حتى جامعة الدول العربية , والأمم المتحدة , للتدخل ولوقف المهزلة الخطرة , فلم يسبق عبر التاريخ أن قاد الصغار معارك الكبار , والعبيد معارك أسيادهم , وأدخلوهم في معارك وحروب لتحقيق غاياتهم ومصالحهم الشخصية الضيقة .
فقد سارعت موسكو وعبر بيان أطلقته سفارتها في بيروت للإعلان عن حملة التشويه والتضليل وحزمة الشائعات التي طالت علاقاتها بدمشق مؤخرا ً , ودحضت كل خبثٍ جاء فيها , وأكدت على استمرارها في نهجها السياسي , وعدم إظهار ضعفها أمام الغرب وعدم منح قوى الهيمنة فرصة التقدم... رسالتها المفاجئة ومن لبنان , كانت واضحة ومباشرة وموجهة لأصحاب الرؤوس الحامية المتواجدين في الشوارع , لعزل مواقفهم عن مواقف زعماء الفوضى , ودعتهم لفهم ما يدور حولهم , وبأن سورية لم تضعف وهي قادرة على حماية المقاومة في لبنان وفي المنطقة , وأن العلاقة السورية – الروسية أقوى من أي شائعات , وعليه أرادت روسيا القول بأنه من الغباء المراهنة على حساباتٍ خاطئة , ولربما أرادت القول أنها لا تقبل المس بالمقاومة في الداخل اللبناني , ولربما تذهب إلى أبعد من ذلك خارجيا ً.
تلقف الأمريكيون الرسالة الروسية , وأرادوا فرملة الحراك الخطير وتوريطها في معارك إضافية , بالتوازي مع وجودها المهزوز في سورية , ومعارك الكورونا والمعارك التجارية وغير معارك تخوضها على عشرات الجبهات في العالم , بالإضافة إلى معاركها الإنتخابية الداخلية.
فسارعت الخارجية الأمريكية للجم الغوغاء والفوضويين , ودعت إلى التظاهر السلمي ووقف العنف وإلى ضبط النفس , فيما أطلق مساعد وزير الخارجية الأمريكي عدة مواقف بدأها بالدفاع عن رياض سلامة بقوله بأنهم يعملون منذ سنوات مع الرجل وقد ساهم هذا الأخير بإغلاق عديد المصادر المالية التي تخص المقاومة ...
أما الحاكم سلامة , فانبرى للدفاع عن نفسه , وأكد منح الحكومة الأموال , لكنه غير معني بطريقة صرفها واستخدامها , وبذلك صوب سهامه على الثنائية "عون – دياب" كما يشتهي الأمريكيون.
أما الأوروبيون , فخرجت بعض الاصوات لتعد بلقاءات وإجتماعات لمجموعات دعم لبنان في فترة ما بعد الكورونا .
في حين تحرك عرب الجامعة عبر خطاب منحول عن الموقف الأمريكي , ودعوا للتهدئة ووصفوا الموقف بالخطير والدقيق.
في الوقت الذي أتى فيه موقف الأمم المتحدة صريحا ً ومباشرا ً وخاليا ً من أي إشارة تدل على احترام الحراك ومن يقوده , وخرجت بتصريح لاذع تقول فيه :"الوقت ليس مناسبا ً لتصفية الحسابات" , من الواضح أن الأمم المتحدة لا ترى في الحراك ثورة أو حراكا ً شعبيا ً عفويا ً أو ثورة جياع ولا ثورة إصلاح , بل ترى فيه تصفية للحسابات السياسية فقط .
بئس المعارضة , وبئس الحراك , وبئس الغوغاء والعملاء ... لقد فقدوا كل بصر وبصيرة , وباتت أحقادهم ومصالحهم تقودهم نحو خراب لبنان والمنطقة والإقليم , والمس بالمعادلات الإقليمية والدولية الحساسة , لدرجة أن كاد الصغار أن يوقعوا بين الكبار.
المهندس: ميشيل كلاغاصي
29/4/2020

Sunday, April 12, 2020

النيوليبرالية والكورونا..مقدمة للحروب أم للسلام القادم - م.ميشيل كلاغاصي



لم يعد بالإمكان التعامل مع إنتشار فيروس كورونا المستجد على أنه أزمة طبية وحسب , بل لا بد من إعتباره جائحة عالمية ، بدأت ملامحها بالبروز كأزمة سياسية وإيديولوجية , دلَّ عليها عمقها وتجذرها وارتباطها بسنوات الإهمال من قبل الحكومات النيوليبرالية التي أنكرت أهمية الصحة العامة والصالح العام , واندفعت وراء تمويل المؤسسات التي تضاعف هيمنتها وقوتها العسكرية بما يعزز نفوذها داخل وخارج حدودها , بحثا ً عن الإستئثار بالسلطة وبثروات الدول والشعوب , على حساب القيم الإنسانية والأخلاقية والحرية والديمقراطية والتعليم وحماية  بيئة الأرض - البيت الكبير للبشر- , عبر مشاهد أليمة لا يمكن فصلها عن العنصرية والتعصب والقومية المتطرفة الممزوجة بالأنانية , وسط غياب شبه تام للتعاون والتعاضد وتشارك المسؤولية , لإنقاذ البشر على مساحة الأرض.
لقد بدا مشهد تسييس الأزمة وتبادل التهم وتحديد المسؤول عن ظهور وإنتاج وإنتشار الفيروس أمرا ً قاسيا َ في وقتٍ يحتاج فيه البشر إلى علاج وحماية ورعاية , لكنه سلط الضوء على الذهنية النابعة من إيدولوجية الأنظمة الكبرى المتحكمة والمؤثرة بالقرار في النظام العالمي بشكل مباشر أم غير مباشر... فلطالما تبنت النيوليبرالية مبدأ القيادة عبر المسؤولية الفردية ، وأنتجت قادة ورؤساء تبنوا سياسات من يختبؤون وراء الستار , وبرحيلهم تتغير السياسات وقد تنقلب رأسا ً على عقب ,  حتى بما يتعلق بمعالجة المشاكل أو الصعوبات الإجتماعية , في محاولة لإحتواء الرأي العام , عبر خصخصة مشاكله الإجتماعية على غرار خصخصة واحتكار الخدمات والأسواق ومنابع إدرار الثروات ، على قاعدة اغسل يديك لإحتواء الوباء ولا تتدخل في صناعة الأدوية واللقاح وأجهزة التنفس , يبدو أنهم يرون في الديمقراطية والتشاركية والتعاون والتضامن خطرا ً يهدد السوق وأرصدتهم المصرفية.
من الواضح إن تركيز النيوليبراليين على "القيم" التجارية وإيديولوجيتها الخبيثة وأنانيتها , قد ضاعف عدد المتضررين وعبث بأمنهم وحياتهم ومصيرهم , ووضعهم وسط دائرة الفوضى والحرب على البشر, والسعى للقضاء على العقد الإجتماعي الذي صاغته الطبيعة البشرية عبر القرون , وإدراجه رقما ً في لغة الأرباح والخصخصة والتبادل التجاري .
لن تتوقف الأزمة الحالية بمجرد حصرها بتقصير أو إهمال واستهتار الرأسمالية النيوليبرالية , التي تقف وراء النقص العالمي الحالي في المستشفيات ، والمستلزمات الطبية ، والأسرّة ، بل أصبحت العلاقات الاجتماعية والإنسانية برمتها خاضعة للإستغلال المالي , وبالدعوة إلى التباعد الإجتماعي كوسيلة طبية لإبطاء انتشار الفيروس ، وربما لتعزيز أشكال التعامل مع الموت وطقوسه وتقاليده.
يبدو أن الأزمة الطبية تتجه لتتحول إلى أزمة سياسية طويلة الأمد , قد تدفع - في زمن الكورونا أو بعده – الأدوات النيوليبرالية إلى مهاجمة الإقتصاد والسلطات الحكومية , وقد تتجه بلا أخلاق ومسؤولية نحو محاسبة سياسية من أجل إعادة تشغيل الإقتصاد وتتحول إلى اّلة حربٍ جديدة , تملك من الوحشية ما يستطيع تحويلها سياساتها إلى شكل من أشكال الفاشية ، الأمر الذي سيمنحها الفرصة لإضافة ملامح لا أخلاقية جديدة.
إن إنكار واستهار وإضاعة ترامب أكثر من ستة أسابيع للبدء بالتحرك لمواجهة الكورونا , بدا كمن يحاول القول أن "العلاج أسوأ من المرض" , ولا يبدو مقتنعا ً بالتباعد والعزل الإجتماعي على أنه أهم أداة لإحتواء ومحاصرة الفيروس , ويصب إهتمامه على إعادة فتح الأسواق أكثر من إهتمامه وقلقه من إزدياد عدد الإصابات والوفيات , بما يعكس قلقه على إعادة انتخابه , ومن خلال أبشع صور الإنتهازية السياسية ، ودوافعها من أجل تحقيق الأرباح واحتضان العقيدة النيوليبرالية القاسية التي يمثلها , ويحافظ على طريقة التعامل مع الجائحة على أنها معركة حزبية داخلية , ودولية خارجية من خلال إصراره على سياسات الحصار الإقتصادي الأحادي الذي تفرضه بلاده على عدد من الدول , على الرغم من تحذيرات خبراء الصحة والإقتصاديين من تحول أزمة الكورونا إلى كارثة وخطر عالمي , بما يكشف المزيد من وحشية  النهج الذي يمثله.
من الواضح أن سياسته المتهورة التي لم تبال بحياة من يموتون , ولاتبرر إستهتاره وكذبه وجهله سوى ما يؤكد ميوله لتحويل السياسات العليا إلى شكل من أشكال القسوة والوحشية , والتي تجلت في احتجاز الشحنات الطبية لغير دول , وبدفع أثمانٍ مضاعفة للظفر بها , وبتجاهل نداءات حكام بعض الولايات الأمريكية للحصول على الإمدادات الطبية مع اشتداد حاجتهم إليها.  
لا يبدو ترامب وإدارته , وحدهم من يرقصون على أنغام سياسةٍ تحتفل بالموت , على أمل تحريك الإقتصاد وإنعاشه , فهناك جوقة كبيرة من مؤيديه في العديد من الدول الأوروبية , ومن المسؤولين عن الخلل في أنظمة الرعاية والتأمين الصحي , وفي  نقص الخدمات الطبية والمعدات والأجهزة .
لقد كشفت أزمة الكورونا أن "الوباء" الحقيقي يكمن في الطبيعة المتوحشة للنيوليبرالية , التي هيمنت على الإقتصاد العالمي لعقود ، والتي تضع العالم في مواجهة مباشرة مع غير أوبئة , كالحروب النووية , والحروب التجارية , وحروب النفوذ والسيطرة على منابع الطاقات , وحروب التدمير البيئي , وحروب القضاء القيم الإنسانية والحضارية ... لفرض ثقافة متوحشة تبيح وتبرر الإستيلاء على الشحنات والقوافل الطبية , الأمر الذي يرفع منسوب الأنانية والتمسك بقوارب النجاة ، ويضع قادة كافة دول العالم في قلب الأزمة وأمام مسؤولياتهم وشعوبهم , ويدفعنا للسؤال , هل ستندلع حربا ًما تحت عنوان "أنا أحمي شعبي"؟.
يبدو أن فيروس الكورونا قد فرض نفسه لاعبا ً أساسيا ً في خارطة الصراعات السياسية , وأنه اّن الأوان للإعتراف بأن الرأسمالية والديمقراطية  مساران  مختلفان ، فمظاهر "الصحة" في النظام الرأسمالي يقابلها تاّكل لديمقراطيتها المزعومة , وتبقى لحظة إلتقائهما  بمثابة إطلاق صافرة الخطر الذي  ينتظر الشعوب على المدى المنظور والمتوسط  والبعيد .
المهندس : ميشيل كلاغاصي
12/4/2020

Wednesday, April 1, 2020

ترامب يُغرق بلاده .. والكورونا يُغلق صندوق الباندورا - م.ميشيل كلاغاصي



استهتر الأمريكيون وأضاعوا زمنا ً ثمينا ً, وتصرّف الرئيس كمن لا دراية له , أو كمن لا يهمه الأمر , ولم يطل الزمن حتى تصدرت أمريكا لائحة المصابين بفيروس كورونا المستجد , فيما كانت بعض التقديرات تشير إلى إحتمالية تخطي عدد المصابين عتبة الـ 110 مليون إصابة , ووفاة 585 ألف أمريكي, ادعى الرئيس الأمريكي بأنه لم يكن يتصور تطوّر الوضع بهذا الشكل.
اعتقد ترامب وصرح من دافوس في الإسبوع الثالث من كانون الثاني , بأن الوضع في الداخل الأمريكي "تحت السيطرة" , وكرر كلامه حتى عندما وصل عدد الإصابات في إلى ثمانية اّلاف إصابة , وفي نهاية كانون الثاني تحدث عن منع دخول المسافرين من الصين إلى أمريكا , لكن القصة بدأت بشكل فعلي بحلول الخامس من شباط , عندما بدأت الحكومة الأمريكية تشعر بالخطر القادم , ووزعت أجهزة الفحص على جميع الولايات , لكن سرعان ما إكتُشفت أعطالها وعدم دقتها , وبدأ الوضع بالتأزم وبدأ عدد الإصابات بالتضاعف.
وخلال شهر شباط  لم يتوقف ترامب عن إطلاق التغريدات والتصاريح, وبأن "الفيروس سينتهي من تلقائه كالإنفلونزا", وأنه وحكومته يقومان "بعمل رائع" – لم يراه أحد - , ومع حلول منتصف شهر اّذار, بدأ يتحدث عن ضرورة الإعتزال في المنازل , بعدما كان يغرد بأنها مؤامرة من الحزب الديمقراطي, وفي لقاءٍ إنتخابي قال أنها "خدعة - hoax", ولم يتوقف عن إرسال رسائل الطمأنة , لكن الصحف الأمريكية أخذت تتحدث عن "كارثة" قادمة لا محالة , وحذا حذوهم مركز الوقاية من الأمراض الأمريكي , وبعض الأطباء والمستشفيات , وأنه لا بد من فعل شيء.
لم تقم حكومة ترامب بإتخاذ إجراءاتٍ حاسمة , لكن تأثر البورصة , هدد رواية ترامب الوحيدة التي أوصلته إلى الحكم , كرجلٍ غني سيملئ جيوب الناس بالمال , هبوطٌ أسقط الورقة الوحيدة التي يعوّل عليها ليعبر الإنتخابات القادمة بسلام ... فيما فتح الأمريكيون عيونهم فجأةً على فظاعة المشاهد القادمة من إيطاليا , والتي تسببت بحالات الهلع والخوف , ودفعتهم نحو المتاجر وما تبعها من أعمال تكسير وسرقة ..وبدأت الشركات تطالب موظفيها بالمكوث في المنازل , كذلك المطاعم قررت الإغلاق , وإتحادات الألعاب الرياضية بإيقاف نشاطاتها , قبل أن يوقفها ترامب وحكومته ...
وتبقى الخطورة في الحديث عن 110 مليون سيصابون بالفيروس , وحوالي 7.7 مليون سيحتاجون الدخول إلى المشافي , مع العلم أن أمريكا تمتلك فقط 925 ألف سرير في جميع مشافيها , بالتأكيد هذا سيشكل كارثة وإنهيار تام للمنظومة الطبية الأمريكية بالكامل , حتى حديث ترامب عن مجانية الفحص لم ينجو من النفاق والكذب, وأنه هناك ملايين من الشعب الأمريكي لا يملكون تأمينا ًصحيا ً, وتكلفة الفحص تقارب الـ 1330 دولار , وهذا يفوق قدرة أكثر من نصف الشعب الأمريكي على الدفع , ناهيك عن وجود حوالي 40 مليون مشرد أمريكي.
وما بين العداء أو المنافسة وتحميل المسؤولية التي دأب عليها دونالد ترامب تجاه سلفه أوباما , ومع تصدر بلاده لائحة الدول وفق أعداد المصابين , أدرك ترامب أنه في مأزق كبير , داخلي بما يتعلق بمواجهة الوباء , وبضرورة إيجاد محفزات جديدة تدفع الأمريكيين إلى ملئ صناديق الإقتراع بإسمه , بعيدا ًعن  وعده الشهير "أمريكا أولا ً" , و"مزاياه" الشخصية كرجل إعتقدوه سيملئ جيوبهم بالمال ...
فيما أتى المأزق الخارجي , ليفضح ضعفها الداخلي وهشاشة نظامها الصحي , وليفاقم هزائمها , وهي ترى ضعف حلفائها في أوروبا , وتصدع علاقاتهم , وإتجاه الطليان والإسبان وغيرهم نحو طلب المساعدات الروسية والصينية , بالتأكيد هي أمورٌ لا يمكن إعتبارها عابرة , لا بل سيكون لها أثرها العميق على رسم ملامح أوروبا والعالم الجديد , الذي لم تستطع فيه أمريكا إطالة زمن بقائها على القمة , وبات عليها الركوع والخضوع لقوانين الحروب بوجهيها الفوز والخسارة .
لقد قبل ترامب المساعدات الروسية والصينية وهو صاغر أمام عنجهيته وضعفه وسوء تعاطي إدارته مع غالبية الملفات الدولية , وفي بعض أقاليم العالم , وداخل بعض الدول , وشكر الرئيسان الروسي والصيني , وعبر عن إمتنانه وشعبه , وقال: هذا لطيف ورائع" , " لقد تعلمنا الكثير".
على العالم أن يدوّن تاريخه , ويذكر أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وإدارته , استغلا زمن الكارثة "الكورونا" بإستمرار فرض العقوبات الإقتصادية الأحادية والحصار على بعض الدول وبمضاعفتها , وبالضغط على البنك الدولي, لمنع بعض الدول من مساعدة شعوبها .. يا له من سلوك بعيد كل البعد عن القانون الدولي ودساتير الأمم المتحدة , وإتفاقية فيينا , وكافة المواثيق والأعراف المعنية بحقوق الإنسان .
لكم أن تراقبوا كلام وسلوك ترامب وإدارته في زمن ما بعد الكورونا , ولكم أن تحكموا عليهم إن تغيروا وتعلموا الكثير حقا ً, والعالم  يرى طائرات المساعدات الروسية تهبط  في مطار جون كنيدي , وهل سيسعون للكشف عن الفيروس الذي أطلق عليه ترامب "الكورونا – الصيني" , وعمن يقف وراء إنتاجه , والمسؤول عن إنتشاره .؟
ويبقى السؤال , هل استطاع فيروس الـ كورونا أن يوقف الحرب الباردة التقليدية التي استمرت منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية , وهل استطاع لجمها في الثواني الأخيرة وقبل تحولها إلى حروبٍ عالمية ساخنة  , وهل يبدو من المبالغة أو التسرع  القول إن زمن الكورونا  نجح بإغلاق صندوق باندورا الكبير, ومنح العالم فرصة نادرة لرسم معالم العصر الجديد بهدوء وعقلانية , ووفق معايير جديدة أساسها العلاقات الإنسانية – الأخلاقية , وسط قبول جميع المشاركين – الرسامين – ما سيؤول إليه المشهد , وهل سيوقعون أسفل اللوحة..؟
أم سيكون للحديث تتمة أخرى , لبدايةٍ لا تختلف كثيرا ًعن زمن ما قبل الكورونا ..؟
المهندس: ميشيل كلاغاصي
2/4/2020

Saturday, March 14, 2020

قناة اسطنبول..ما بين الأطماع والدور الوظيفي التركي - م.ميشيل كلاغاصي


ما بين المرواغة والنفاق , التنصل من التعهدات والإتفاقات , البحث الدائم لإستعادة الأحلام والمطامع العثمانية .. وما بين الموقع الجغرافي والمحيط الحيوي , والأدوار الوظيفية , يجد أردوغان فرصته بممارسة لعبته المفضلة , والأرجحة ما بين أسياده الأطلسيين , وشركائه وجيرانه الطبيعيين , ومن منطقة البحر الأسود إلى المحيط الأوراسي , إلى بوابة الشرق مع العالم العربي , والبوابة الاّسيوية والشرق الأدنى , يحلم أردوغان بأن يكون "السلطان" , غير اّبهٍ بخطورة لعبته ونهاية أرجوحته.
لم يجد الرئيس التركي الوقت الكافي للحديث المستفيض عن قناة اسطنبول , في خضم المعارك السياسية والعسكرية والإرهابية التي يقودها للعدوان على دول الجوار وخصوصا ً على سورية , وسبق له أن تحدث عنها أثناء حملته الإنتخابية عام 2011 , وأعرب يومها عن نيته تفعيل كل ما يتعلق بها من مبادرات سياسية وبنى تحتية وخدمات رفيعة المستوى.


ويتضمن مشروع القناة سلسلة من المشاريع الإقتصادية , وعلى رأسها إنشاء ممر مائي جديد إلى الغرب من مضيق البوسفور , والذي سيربط البحر الأسود ببحر مرمرة , بهدف خلق بديلٍ حقيقي للمضيق , على الرغم من مخالفته القوانين الدولية التي تحكم العلاقات الدولية هناك...
وتبلغ تكلفة هذا المشروع – بحسب التقديرات – ما بين 15- 20 مليار دولار , ولا تبدو تركيا حاليا ً قادرة على تنفيذه بمفردها , نظرا ً لضعف الإقتصاد التركي, ولأجواء الحروب والتوتر الدولي في المنطقة والعالم , بالإضافة لإنشغال تركيا بالحروب السياسية والعسكرية , الأمر الذي يضع أمامها عراقيل وصعوبات جمة للحصول على التمويل اللازم , ناهيك عن تراجع الإقتصاد العالمي , والظروف الإستثنائية التي تمر بها الدول الداعمة المحتملة , جراء إنتشار وباء الكورونا , والخسائر الإقتصادية التي أصابتها ..
وقد يجد الرئيس التركي نفسه أمام خيار داخلي واللجوء لميزانية الحكومة , وبالإعتماد على  جذب الإستثمارات الداخلية , عبر الحملات الإعلامية وإقناع المستثمرين وإغرائهم  بتأمين فرص العمل وتحسين البنى التحية والسكنية والتجارية والسياحية على طول الممر المائي الجديد.
وبالعودة إلى طبيعة أردوغان وطريقة تفكيره العثمانية النابعة من عمق إنتمائه إلى ماضي الأجداد ورغبته في إعادة إحياء "أمجاد السلطنة" , فلطالما كانت أحلامه في إقامة هذه القناة تشغل تفكيره , وهي المستمدة منذ عصر "السلطان" سليمان (1520-1568), ومن تعاقبوا بعده على إمتداد الحقبة من القرن السادس عشر إلى القرن التاسع عشر , وصولا ً لعام 1994 وبإهتمام بولنت أجاويد ( رئيس وزراء تركيا لأربع مرات ) , وعلى مدى الزمن , أعاقهم إنشغالهم بعديد الظروف وبالحروب التي خاضوها.
وقد تم الإعلان عن موعد إكتمال القناة والبدء بإستخدامها بحلول العام 2023 , لكن الظروف الحالية لا تبدو مناسبة لتحقيق ذلك في الموعد المحدد , وربما سيصار إلى تأجيلها لأعوام... وبحسب وسائل الإعلام التركية , فمن المتوقع أن يتراوح طول الممر المائي 45 - 50 كم , وبعمق 25 م , وبعرض 150 م ... وبما سيسمح بمرور السفن الكبيرة وناقلاتها والغواصات ,  وتشير التقديرات إلى إمكانية عبور 150- 160 سفينة يوميا ً بما يعادل 85000 سفينة سنويا ً.
إن تحويل مسار السفن من مضيقي الدردنيل والبوسفور نحو قناة إسطنبول , سيشكل تحديا ً جديا ً لعديد الدول وعلى رأسها الولايات المتحدة وروسيا ودول الناتو , ويمنح تركيا فرصة فرض شروطها الجديدة على استخدام المجاري المائية.... وحتى الوقت الحالي ، لا تزال اتفاقية مونترو لعام 1936هي التي  تحكم مرور السفن عبر مضيق البوسفور ، وبات واضحا ً أن تركيا تخطط للسيطرة على المرور والعبور عبر قناتها بمفردها.
ومنذ توقيع إتفاقية مونترو, وجميع السفن تعبر ممرات الدردنيل والبوسفور دون تسجيل أية مشكلة  تذكر،  وتم تصنيف السفن البحرية العابرة في فئتين: تضم الأولى دول البحر الأسود ( روسيا , تركيا , رومانيا , بلغاريا , أوكرانيا , جورجيا ) , أما الثانية فتضم وتشمل باقي دول العالم.
 يمكن للسفن البحرية المرور بحرية عبر أي من المضائق طالما أنها تخطر تركيا بذلك مسبقا ً, أما عبور السفن العسكرية من دول الفثة الثانية , فيعتمد على فئتها ووزنها, ويسمح عبورها بحمولة لا تتجاوز الـ 3000 طن , وبالبقاء لمدة لا تتجاوز الـ 21 يوما ً سنويا ً.
وعليه يبدو كلام أردوغان استفزازيا ً ويستعجل الصدام مع الاّخرين , خصوصا ً عندما يتحدث عن تخفيض عدد السفن العابرة للحد الأدنى , وبما يسمح لسكان المنطقة الأتراك بممارسة الرياضات المائية , وبإقامة خطوط نقل داخلي تنقلهم من وإلى منطقة المضيق , ويعيد الحياة في إسطنبول إلى ما كانت عليه في السابق.
ويرتفع منسوب التوقعات حول لجوء أنقرة لفرض شروط جديدة على عبور السفن لقناتها , وبما يهدد إتفاقية مونترو وينسفها من أساسها ، إذ لا بد لأردوغان  من ممارسة "مواهبه" بالأرجحة ما بين مصالح بلاده وأسياده الأطلسيين وحلفائه وشركائه الروس , ولن يفوت فرصة ابتزاز الطرفين , واستخدام ورقة الضغط على المصالح الروسية وأسطولها في البحر الأسود , مقابل مكاسب ينتزعها من الجانب الأمريكي - الأوروبي – الأطلسي.
وحتى الاّن , لم يصدر عن  واشنطن  ما يوضح موقفها العلني من قناة اسطنبول ، على الرغم من اهتمامها بتعزيز مواقعها في البحر الأسود , وامتعاضها من بعض بنود اتفاقية مونترو التي تعتبر السفن الأمريكية  ضمن قائمة الفئة الثانية , لكنها قامت بعدة محاولات يائسة لكسب موطئ قدم في البحر الأسود , عن طريق حلفائها الغربيين في حلف وارسو , وعبر تطويق روسيا بالقواعد العسكرية للناتو , وعبر قناة اسطنبول مستقبلا ً, وقد تكون مرتاحة للدور الوظيفي للدولة التركية , وتعول على نجاحها في محاصرة موسكو.
لطالما بحثت واشنطن عن فرصة للإلتفاف على اتفاقية مونترو من خلال الإدعاء بأن البحر الأسود كان جزءا ً من "المياه الدولية", كذلك عبر وثيقةٍ استصدرتها ما بين عامي 2018 - 2019عبر هيمنتها على الناتو الذي اعتبر فيها أن البحر الأسود منطقة  "منافسة" , وأنه سيزيد عديد قواته ويرفع مدة بقائها لـ 120 يوما ً.
لا يزال الموقع الجغرافي للدولة التركية , ودورها الوظيفي , يمنحانها وأردوغانها , فرصة اللعب على الحبلين والأرجحة بينهما , ولا يبدو أن أردوغان بوارد التخلي عن هذه اللعبة ... وفي إنتظار التعقل والقناعة التركية واهتمامها بتجذرها الجغرافي وبمحيطها الحيوي , ترتفع إحتمالية الفوضى والصراعات والتصعيد بكافة أشكاله , بما يسهم بإنخفاض منسوب الأمن والسلم الدوليين وبإبعاد السلام.
المهندس: ميشيل كلاغاصي
14/3/2020

Saturday, March 7, 2020

الإعتداءات الإسرائيلية على سوريا..معادلات الوكيل والأصيل - م.ميشيل كلاغاصي


تسع سنواتٍ للحرب على سوريا , إنهارت معها حروب الوكيل الكاذبة , وعاد المشهد إلى مربعه الأول , في حروب الأصيل الأساسية المباشرة , بعدما سقطت كافة الأقنعة , وظهر أصحاب المشروع الصهيو - أمريكي الحقيقيين صراحةً.. فأمريكا تدعم وتُهادن و"إسرائيل" تدعم وتُهاجم وتركيا تجمع كل التناقضات وتقاتل بوجهيها الأردوغاني والإرهابي ..
إن إقتراب الدولة السورية وحلفائها من تحقيق النصر الكبير في سوريا , تسبب بتضارب المصالح الإسرائيلية والتركية ومصلحة الإدارة الأمريكية حيال استمرار وجودها العسكري في سوريا , لكنهم لا زالوا يجتمعون ويبحثون ما بين الهدن والمعارك عن استمرار استنزاف دمشق وموسكو وطهران , لمنع إنهيار أركان الحرب على سوريا , وتأخير إنتصارها.
فسلطات الكيان الإسرائيلي الغاصب , ترى وتراقب صمود سوريا وتنامي قدراتها وخبرات جيشها وحلفائه , ما يدفعها للجنون والصراخ ويرفع منسوب مخاوفها بما يتعلق بأمنها ووجودها , خصوصا ً في مرحلة ما بعد الحرب على سوريا , فيزداد تمسكها بجهود وخدمات التنظيمات والمجموعات الإرهابية وقوات الغزو التركي وببقاء القوات الأمريكية من جهة , وبعرقلة مسار الحل السياسي من جهةٍ أخرى , وتندفع في سباقٍ مع الزمن لتثبيت جديد إغتصابها وإحتلالها وقضمها للأراضي العربية , ولتكريس وترجمة إعتراف الإدارة الأمريكية بسيادتها على القدس والجولان وما تبقى من الضفة الغربية , لإستغلالها كمنجزات لا عودة عنها , وإعتمادها كثوابت في صفقة القرن.  
على الرغم من أنها تدرك أن الأسد باقٍ , وإنتصار سوريا مسألة وقتٍ ليس إلاّ , وتدرك بأن لا مصلحة لها في خوض مواجهةٍ مباشرة مع دمشق التي لم تفتح بعد جبالها ومستودعاتها , وما زالت تحتفظ بأسرارها القديمة – الجديدة , وبإمتلاكها واحدة من أقوى منظومات الدفاع الجوي الفعّالة في المنطقة .. لذلك فضلت إعتماد استراتيجية اللسع والإختباء , والظهور والإختفاء , وشن الهجمات الغادرة والإنكفاء في لحظات .
لقد دونت يوميات الحرب على سوريا , عشرات الإعتداءات والغارات الصاروخية والجوية الإسرائيلية , وبات إحصاؤها خلال تسع سنوات يتطلب الوقت والجهد , في الوقت الذي تتعدد فيه الروايات والذرائع الإسرائيلية الواهية لتبريرعدوانها المتكرر.  
وعلى المقلب الاّخر, ترى القيادة السورية أن الحرب على الإرهاب والقضاء على الأدوات والأذرع الإسرائيلية الإرهابية , لا يقل أهمية عن الرد المباشر - في هذه المرحلة - , لكنه لا يشكل قاعدة , فقد قامت وحدات الجيش العربي السوري بالرد المباشر أكثر من مرة ووفق تقديرات وحسابات القيادة السورية , وبما يؤكد قوة الردع وفق ومعادلات الإشتباك عالية السقوف التي فرضها الجيش السوري ومحور المقاومة مجتمعا ً, ناهيك عن الحكمة التي تتحلى بها القيادة السورية والتي لا تسعى لخوض معركتها الأساسية ضد الكيان الإسرائيلي بعيدا ًعن أجندتها وأولوياتها.
وعلى الرغم عشرات الإعتداءات والهجمات التي شنها العدو الإسرائيلي منذ بداية الحرب في عام 2011,  ومن خلال تقييم الإنجازات والإنتصارات التي حققها الجيش العربي السوري وحلفائه , وسحقه أفرع تنظيم القاعدة في "داعش" و"جبهة النصرة" الإرهابيين ومئات المجموعات التابعة ,  وملاحظة  المساحات الشاسعة التي حررها وطهرها من محافظات ومدن وقرى وبلدات ونقاط استراتيجية , وبات اليوم يطرق أبواب محافظة إدلب.. هي أمورٌ بمجملها تؤكد فشل العدو الإسرائيلي في تحقيق كافة أهدافه وعدوانه المتكرر , وتؤكد نجاح الجيش العربي السوري في فرض اسلوبه وعقيدته القتالية وقدرته على خوض المعارك بما يعادل ضعف مدة الحرب العالمية الثانية حتى اليوم , وإتباعه اسلوب فصل المعارك وخوضها معركة تلو الأخرى وفق أجندته وحساباته , على عكس الإسلوب والعقيدة العدوانية لجيش الإحتلال الإسرائيلي الذي يفضل الحروب السريعة , ويعجز عن الصمود ويبدأ أداؤه بالتراجع والتقهقر خلال فترة قصيرة قد لا تتجاوز الـ /10/ أيام الأولى للحرب , ولنا خير مثال في حرب تموز 2006 , حيث علا صراخ وإستغاثة قادة العدو , وسارعوا للمطالبة بوقف إطلاق النار عبر شركائهم وأصدقائهم في مجلس الأمن الدولي.
إن الخبرة والمقدرة القتالية الإسرائيلية المهزوزة , لم يعد بالإمكان مقارنتها بتلك الخبرات المتنامية التي راكمها الجيش العربي السوري وحلفائه , من خلال المعارك طويلة الأمد , متنوعة الأسلحة والأساليب وعلى مختلف التضاريس الجغرافية , ناهيك عن تلك التي خاضوها في أصعب الظروف المناخية , شتاءا ًوصيفا ًعلى الرغم من الثلوج والأمطار والبرد الشديد والضباب , وفي الحر الشديد وهبوب الرياح والعواصف الرملية , ناهيك عن حرب المدن والشوارع والأزقة , بالتأكيد باتت هذه المشاهد بحد ذاتها تشكل مصدر خوفٍ  يدب الرعب في قلوب قادة العدو وساسته قبل أن يطال جنوده ومرتزقته , وباتت تشكل أيضا ً عامل ردعٍ إضافي , ويحسب لها ألف حساب.   
إن نظرية التفوق العسكري الإسرائيلي , والأسلحة والتكنولوجيا المتطورة التي تقدمها لها أهم مصانع السلاح حول العالم , لم تعد مصدر تفوقها , فقد استطاع محور المقاومة جسر الهوة , عبر حصول سوريا والمقاومة على أهم صنوف السلاح النوعي المتطور عبر مصانع السلاح الإيراني , والروسي , ناهيك عن المدرسة السورية الصاعدة عبر خبرات العقول السورية التي قد تفاجئ العالم .
إن إعتماد العدو الإسرائيلي على ثقته بقوات سلاحه الجوي , بدأ يفقد بريقه منذ حرب تموز , وقد تواجه القوات الإسرائيلية في أي هجومٍ قادم صفعة قاسية , وصواريخا ً بالستية وصواريخ دقيقة مزودة برؤوس حربية شديدة الإنفجار , بما يكفي لزرع الرعب وخلق التوازن الدفاعي والهجومي .
ومع الوجود العسكري الروسي في سوريا , وعلى الرغم من العلاقات الروسية – الإسرائيلية , فإن مهمة قادة الكيان الإسرائيلي في الحفاظ على النمط العدواني والشبق التوسعي , تبدو مستحيلة , خصوصا ً أن موسكو لن تسمح بإنزلاق الصراع نحو حربٍ شاملة , مع حرصها على فرض الإستقرار في المنطقة , بما يفرض على قادة الكيان سلوكا ً مختلفا ً, تتوقف معه الإستفزازات الإسرائيلية  وعدوانها المتكرر, الذي لطالما لجأت إليه  لحماية التنظيمات والمجاميع الإرهابية , ولحماية قوات الغزو التركي كما حصل مؤخرا ً, واستعجالها لإكتشاف القدرات السورية , وتوقيت زجها لطائرات الـ SOU- 35 و منظومة الـ S – 300  في المعارك الحالية أو القادمة .
وعلى قادة الكيان الغاصب مراقبة البيان العسكري للقيادة العامة للجيش والقوات المسلحة السورية والذي أعلن عن إغلاق المجال الجوي السوري وتعامله مع أي هدف يتم إكتشافه وفور دخوله الأجواء السورية .. ولم يعد بمقدور ساسة الكيان تصدير مشاكلهم الداخلية , أو الإنتخابية , أو التذرع بوجود المقاومة أو القوات الإيرانية , على الأراضي السورية , فالتدخل غير المحسوب سيجعل الكيان يدفع الثمن غاليا ً.
ويبقى التواجد الروسي والإيراني على الأراضي السورية تواجد شرعي , وبطلب من الدولة السورية , لمساعدتها في محاربة الإرهاب الدولي الذي يقاتل بالوكالة لخدمة مشروع الهيمنة الأمريكية والأطماع الإسرائيلية , ولن تخرج هذه القوات جراء استفزاز أو إعتداء أو عدوانٍ إسرائيلي , لا بل على العكس , سيساهم في تعزيز قدرات سوريا , بما يجعل "إسرائيل" عاجزة أكثر فأكثر على استخدام قواتها البرية والبحرية والجوية  لشن أي عدوان مستقبلا ًعلى سوريا.
المهندس: ميشيل كلاغاصي
7/3/2020