Friday, August 26, 2022

الإتفاق النووي والقرار الصعب لتغيير السلوك الأمريكي .. هل يفعلها بايدن ؟ - م. ميشيل كلاغاصي


لأنها ترفض إنهيار "مجدها" وهيمنتها وسيطرتها على عالمها الأحادي , وترفض الواقع والعصر الجديد والتعددية القطبية , ودفعت بـ نانسي بيلوسي نحو تايوان في زيارةٍ هيستيرية غير محسوبة النتائج , همّها إقلاق راحة الصين , ودفعت بتايوان نحو مصيرٍ مشابه لأوكرانيا , بعدما جيشت الناتو والإتحاد الأوروبي والعصابات والمتطرفين , وجميع الرؤوس الحامية لقتال روسيا وحصارها وتدمير إقتصادها ومعاقبتها , ووضعت مصير ومستقبل أوروبا بيد المتطرفين والإرهابيين الأوكران وغيرهم , ودفعت بكافة الأزمات لتنهش كافة دول العالم , من أزمة الطاقة والغاز إلى الأزمة الغذائية , وأزمات الصحة والمواد الطبية وغيرها , وحرضت ربيبتها "إسرائيل" على إرتكاب المزيد من الجرائم بحق الفلسطينيين في غزة ، وإلى استمرار إعتداءاتها الإستفزازية المتكررة على الأراضي السورية , , ولعرقلة المفاوضات النووية مع إيران , ومضاعفة التوتر والتصعيد في المنطقة , وحشدت بعض العرب لحشرهم في خنادق القتال والمواجهة مع إيران ...

ومع ذلك ، وبفضل الصبر والحكمة الإيرانية , لا تزال فرصة العودة إلى خطة العمل الشاملة المشتركة , والتوصل إلى إتفاقٍ جديد قائمة , لكنها قد تكون الفرصة الأخيرة للإتفاق وللسلام في المنطقة والعالم.

وفي ظل التصريحات الإيجابية من كافة الأطراف المعنية بالتفاوض , تبدو الفرصة متاحة للتوصل للإتفاق , خصوصاً بعدما تقدم مسؤول السياسة الخارجية في الإتحاد الاوروبي جوزيب بوريل بمقترحات جديدة , على أن تتم دراستها من قبل طهران وواشنطن , وتقديم ردودهما عليها , وبالفعل تقدم الجانب الإيراني برده , الذي رأى فيه كلاً من ليانوف وبوريل أنه رد "معقول", في حين تأخر الرد الأمريكي , ما دفع طهران لإتهام واشنطن "بالمماطلة".

ووفقاً لما صدر عن كافة الأطراف المعنية بالإتفاق , وما تناولته وسائل الإعلام من تسريبات , يتأكد أن الإتفاق – الصفقة , بات واضح المعالم , لجهة خطوطه العريضة ومدده الزمنية , التي تسمح بإمكانية التحقق من تنفيذ الإلتزامات , ويمنح فترة 60 يوماً لإقرار الإتفاق , تليها 60 يوماً أخرى لرفع العقوبات عن 17 مصرفاً و150 مؤسسة إقتصادية إيرانية , بالتوازي مع الإفراج عن 7 مليار دولار من الأموال الإيرانية المجمدة في كوريا الجنوبية , ومنح إيران فرصة تصدير 50 مليون برميل من النفط خلال الـ 120 يوماً الأولى.

كذلك , وافقت الولايات المتحدة على بقاء أجهزة الطرد المركزي في إيران , في مستودعاتٍ تحت الأرض , بإشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية , دون أن تقدم طهران للوكالة أية أجوبة عن نشاطاتها , على أن يتم تسليم كميات اليورانيوم عالي التخصيب إلى روسيا , بإعتبارها إحدى الدول الضامنة للإتفاق النووي.

وقد لوحظ تضارب للأنباء التي تحدثت عن رفض واشنطن رفع الحرس الثوري عن لائحة الإرهاب الأمريكية , أو عن تأجيله إلى مفاوضات لاحقة , لكنها طالبت بضمانات تتعلق بنشاطات الحرس الثوري (الإرهابية) , والإمتناع عن "الإنتقام" لجريمة إغتيال الشهيد قاسم سليماني , وسط تأكيد المتحدث بإسم الوفد الإيراني المفاوض محمد مرندي لقناة الميادين أن "حذف حرس الثورة من لوائح الإرهاب الأميركية لم يكن شرطاً في مباحثات فيينا"... في وقتٍ تتجاهل فيه واشنطن مكانة أنشطة الحرس الثوري الإقتصادية والعلمية , ناهيك عن دوره الدستوري في الدفاع عن تراب وسيادة ومصالح جمهورية إيران الإسلامية , بالإضافة إلى الإصرار والدعم الحاسم الذي يبديه الرئيس إبراهيم رئيسي لموقف الوفد الإيراني , في ظل حكمة ودعم المرشد الإيراني الأعلى , صاحب الوعد بالإنتقام لدماء الشهيد والبطل القومي قاسم سليماني , ومكانته القومية والروحية في قلوب ملايين الشعب الإيراني.

ويبقى من المهم أن تبحث إيران عن الضمانات الحقيقية لعدم تراجع أوإنسحاب أي رئيسٍ أمريكي قادم من الإتفاق , وهذا ما لن تستطيع إدارة بايدن تقديمه , بإعتبار أن الإتفاق سياسي , وليس وثيقةً قانونية يمكن أن تخضع للقانون الدولي , ويبقى السؤال هل تكفي الغرامات والتعويضات والعقوبات في حالة حصول ذلك مجدداً؟ .

تبدو الكرة الاّ ن في الملعب الأمريكي , التي تبحث إدارتها الديمقراطية الحالية والرئيس جو بايدن , عن إنتصار من أي نوع , مع اقتراب الإنتخابات النصفية , وسط الهزائم الأمريكية المتتالية , وفشل حملة "شيطنة إيران" وأقله في منطقة الخليج , مع انطلاقة جديدة للعلاقات الطبيعية والجيدة مع السعودية والإمارات , فضلاً عن علاقاتها الجيدة أصلاً مع باقي الدول , الأمر الذي يعري ويعزل حكومة الكيان الإسرائيلي المؤقت بإعتراف وزير دفاعها بأننا: " بقينا وحدنا في المعركة ضد إيران" , وقد عبرت الحكومة الإسرائيلية عن إستيائها من الإتفاق , ووصفته بالـ "سيئ" , ورفضه رئيس الوزراء الإسرائيلي  يائير لابيد وأعلن "معارضته وعدم التقيد به" , وسط زيارة مرتقبة لمسؤول الأمن القومي الإسرائيلي إيال حولاتا إلى واشنطن , ووسط الإشاعات والتصريحات الطائشة والتهديدات الإسرائيلية , قبيل تقديم واشنطن لردها على مسودة الوثيقة النووية.

على الرئيس بايدن إدراك أن عدم حماسة بلاده لتوقيع الإتفاق , وتأخير ردها على مقترحات بوريل أو رفضه , سيجعله يدفع الثمن في انتخابات الكونغرس القادمة في نوفمبر/ تشرين الثاني , وسيتحمل مسؤولية حصول إيران على كافة مطالبها في الإتفاق حتى إن لم يوقعه , وسيمنح خصمه اللدود المتربص للعودة دونالد ترامب فرصة ذهبية , وهو الذي مزق الإتفاق وانسحب منه.

وسط إعلان المفوضية الأوروبية عن احتمالية عقد اللقاء الإسبوع القادم في فيينا , هل يفعلها الرئيس بايدن , ويتخذ القرار الصعب لتغيير السلوك الأمريكي , ويوقع الإتفاق النووي الجديد , ويضع نقطة البداية لعلاقاتٍ أمريكية – إيرانية يكون عنوانها السلام والتعاون على حل القضايا الشائكة في المنطقة والعالم , والإتكاء على دور إيران وحلفائها في القضاء على تنظيم "داعش" الإرهابي , ومنح الرئيس بايدن الفرصة التي حلم بها سلفه ترامب بإعلان الإنتصار على التنظيم الإرهابي , وبدفع الحلول السياسية في سوريا والعراق , ومعالجة الملف الروسي – الأوكراني – الأوروبي وتداعياته في عهده , وينهي حياته السياسية الطويلة كرجل سلام , على أمل أن يتجاوز العالم الشرور التي شارك بالتخطيط لها وبتنفيذها على مدى عقود.

المهندس: ميشيل كلاغاصي

24/8/2022

 

Saturday, August 20, 2022

إردوغان يختبر مكره .. وواشنطن لا تزال تعرقل الحل السياسي في سوريا - م. ميشيل كلاغاصي


بدا من اللافت مؤخراً , تزايد تسليط بعض وسائل الإعلام الغربية الضوء على حقيقة الأفعال التي يقوم بها جيش الإحتلال الأمريكي في سوريا , من سرقة لثروات الشعب السوري , وإخراج منتظم لأرتال صهاريج النفط المسروق بشكلٍ شبه يومي , وحرمان الشعب السوري من حقه في ثرواته , وسط أزمة الطاقة العالمية , والأزمات التي تفرعت عنها , كالأزمات الغذائية , وتداعيات ونتائج الحصار والعقوبات أحادية الجانب , المفروضة بشكل لا قانوني ولا أخلاقي على الشعب السوري.

وعلى خلفية نقص الطاقة المتزايد في الغرب ، تستمر قوات الإحتلال الأمريكي والميليشيات الإنفصالية التي تعمل بإمرتها بسرقة ما يصل إلى 66 ألف برميل نفط يومياً من حقول إنتاجها , التي استولت وسيطرت عليها شرق البلاد , بما يعادل 83% من الإنتاج اليومي في سوريا , وسط توثيقٍ دائم لوكالة الأنباء السورية "سانا" , التي استطاعت المساهمة بفعالية كبيرة بفضح الممارسات الأمريكية على الأراضي السورية.

لم تكتف واشنطن بأفعالها الشنيعة , بل قدمت كل ما تستطيعه من معلومات استخبارية – استطلاعية , ومن خطط عسكرية شجعت من خلالها استمرار الإعتداءات الإسرائيلية المتكررة على الأراضي السورية , الأمر الذي تفاقم وأصبح بحد ذاته سبباً إضافياً لإندلاع مواجهة جديدة بين سوريا والعدو الإسرائيلي، وإلى زيادة التوترات في المنطقة ، وقد طالبت القيادة السورية عبر وزارة خارجيتها مراراً وتكراراً مجلس الأمن الدولي بالضغط على إسرائيل وأكدت حق سوريا بإستخدام "جميع الوسائل المشروعة" للرد على الإنتهاكات والإعتداءات الإسرائيلية على أراضيها.

من جهةٍ أخرى , لا يزال احتمال أن تقوم قوات الإحتلال التركي بعملية عسكرية جديدة مطروحاً على الطاولة وفقًا لوسائل الإعلام التركية ، لإنشاء منطقة عازلة – اّمنة , على طول الحدود مع سوريا ، حيث تسعى تركيا إلى تكثيف إدعائاتها وإجرائاتها الأمنية لإستهداف وحدات الحماية الكردية (YPG) ، وفصائل حزب العمال الكردستاني (PKK) ، التي تصنفها أنقرة بالإرهابية .

في وقتٍ تسعى فيه أنقرة لإدارة الصراع والخلافات , التي بدأت تخرج عن سيطرتها , نتيجة حالة الفوضى والفلتان التي ساهمت تركيا بخلقها , نتيجة دعمها لكافة أشكال التنظيمات والجماعات الإرهابية , ومن تدعوها أنقرة بفصائل المعارضة المسلحة , التي انقسمت بدورها بفعل الدعم والولاء الخارجي , ما بين الموالين للنظام التركي , والموالين للتنظيمات الجهادية التكفيرية بزعامة أبو محمد الجولاني.

وفي ظل هذه الظروف , تبقى مشكلة اللاجئين السوريين داخل تركيا , ومن يقعون تحت سيطرة التنظيمات الإرهابية داخل سوريا , في محافظة إدلب , وفي عشرات القرى والمناطق الممتدة من شمال سوريا الغربي في عفرين , وصولاً إلى أقصى الشمال الشرقي للبلاد , بالإضافة إلى أولئك الذين تسيطر "قسد" على مناطقهم.

حالة من التعقيد الشديد فرضتها الولايات المتحدة وتركيا , انعكست على فرص الحل السياسي , الأمر الذي استغلته تركيا والرئيس إردوغان , ليعلن تقارباً غامض المعالم مع دمشق , أكد من خلاله رغبة أنقرة بالتعاون مع الدولة السورية بمكافحة الإرهاب , دون تحديد وتسمية واضحة للتنظيمات والفصائل الإرهابية المقصودة تركياً , وذهابه إلى أبعد من ذلك بقوله :"لا نريد الفوز على الرئيس الأسد , بل مكافحة الإرهاب , علينا اتخاذ مزيد من الخطوات المتقدمة مع سوريا , يمكننا من خلالها إفساد العديد من المخططات في هذه المنطقة".

لا يمكن الحكم مسبقاً على جدية الطروحات والمواقف التركية الجديدة , مع غيابٍ كلي لثقة القيادة والشعب السوري بالرئيس التركي , المحاط بمعارضةٍ تركية داخلية قوية وهو على أعتاب الإنتخابات الرئاسية , وبالنتائج السلبية لسياسته الخارجية , وسياساته الإقتصادية والمالية , وسط تردي الأوضاع المعيشية للشعب التركي , والتضخم , والفساد , وغياب الحريات , وإمتلاء السجون التركية بالصحفيين والمعارضين وضباط وجنود في الجيش التركي تحت مزاعم ولائهم ومشاركتهم في إنقلاب 2016.

يبدو أن لقاء القمة الثلاثي في طهران , والثنائي في سوتشي , أحرجا إردوغان , وباتت الإشاعات والأخبار غير المؤكدة , تصدر بشكل مكثف عبر وسائل الإعلام التركي , عن لقاءات رفيعة المستوى , ومحادثات هاتفية محتملة , بين الجانبين التركي والسوري , وإشاراتٍ لوساطة موسكو وبعض الدول العربية ودول الخليج.

ويذكر أن الدول الغربية ، أعربت عن قلقها بشأن التقارب بين روسيا وتركيا , وتحدثت صحيفتي الفايننشال تايمز ونيويورك تايمز عن تزايد "الغضب الغربي" جراء التعاون التركي الناجح مع روسيا , والسعي الأمريكي لمنع هذا التقارب , ولعرقلة المساعي الروسية بين تركيا وسوريا ، عبر حملة تضليل إعلامية تتهم روسيا بنقل إمداداتها العسكرية إلى أوكرانيا على متن السفن التجارية ، عبر مضيقي البوسفور والدردنيل بإشرافٍ تركي , ناهيك عن موافقة مجلس النواب الأمريكي تعديل مشروع الميزانية العسكرية للسنة المالية 2023, وحظر بيع طائرات الـ F- 16 إلى تركيا , بما يشكل صفعةً انتقامية من تركيا.

أخيراً .. لا يمكن التعويل على مواقف إردوغان الجديدة , ولا يمكن تجاهلها , في حين تبدو أقرب إلى الهرطقة السياسية , فالرئيس إردوغان لا يملك قرار بلاده الداخلي 100% , فهل يعقل أن يملكه خارجها , ويتخذ مواقف تطيح بإمكانية إستمرار وجود القوات الأمريكية على الأراضي السورية , أم أنه يسعى لدفع دمشق بإتجاه حسم ملف شرق سوريا بالقوة العسكرية , على حساب الحوار مع "قسد" ونسف أي نتائج إيجابية محتملة بينهما , والإصطدام مع القوات الأمريكية...

يبدو أن إردوغان يحاول إختبار مكره وذكائه في البحث عن تبرير العملية العسكرية المزعومة على الأراضي السورية , ويحاول إقناع واشنطن وموسكو وإيران بها , من خلال الصخب الجديد الذي ابتدعه وما يسمى بـ "الإنعطافة التركية", في وقتٍ لا تبدو الأجواء العالمية والإقليمية مهيأة لفتح أقنية السلام بشكلٍ حقيقي , ولا تزال رحى الحروب والتوترات السياسية والعسكرية تدور هنا وهناك , وقد تشهد الأيام القادمة مزيداً من المواقف الأمريكية والإسرائيلية والتركية , الساعية لمنع الحل السياسي في سوريا وإنهاء الحرب , وسط غياب أية مؤشرات لإنعطافةٍ أمريكية مشابهة لإنعطافة إردوغان.

المهندس: ميشيل كلاغاصي

19/8/2022

 

تركيا وإسرائيل .. استعادة العلاقات وإحياء المشاريع وما خفي أعظم - م. ميشال كلاغاصي


في ظل مشهدٍ دولي وإقليمي, يتأرجح ما بين العداء والتحالف والشراكة مع الدولة التركية, والمنافسة على كسب ودها وعدائها, وسط تقاطعٍ شامل ومستمر لمواجهة سياساتها الخارجية الصهيو - أطلسية المصبوغة بوشاح المشروع العثماني البائد, وإحتمالات صدامها العسكري المباشر مع عدد من الدول في محيطها الجغرافي أصالةً ووكالةً , وما هو أبعد من حدودها البرية ومياهها الإقليمية.

وما بين دهاليز أحمد داوود أوغلو و"صفر مشاكل", ومعزوفة "الأمن القومي التركي", وأحلام "المشروع الطوراني", تمددت نحو سوريا والعراق وقبرص وأرمينيا وليبيا والصومال والسودان وأفغانستان وأوكرانيا .. بما يدفع للسؤال, هل هي قوية بما يكفي للدفاع عن نفسها وطموحاتها وأطماعها, وإلى مدى يساندها الناتو, ولماذا تعاني من عدم الإستقرار الداخلي, والتضخم ينخر جسدها, تحت سيف إنهيارإقتصادها وعملتها, وهي الحليف التجاري والإستراتيجي للولايات المتحدة , ولماذا تتمسك بعلاقاتها مع موسكو ألد أعداء واشنطن؟.

على الرغم من سقوط كافة الأقنعة التركية , وفشل محاولاتها لقيادة العالم الإسلامي , ودعمها الإرهاب الراديكالي الإسلاموي المتطرف, وسط إدعائها بحمل الهمّ الفلسطيني , وبدموعها المسكوبة أمام المجازر الإسرائيلية المتكررة والمستمرة بحق الفلسطينيين, وهي التي لم ثٌبت استعدادها لمواجهة الإحتلال الإسرائيلي, الذي تلتقي معه في ظل علاقاتٍ يمكن رصد عواملها المشتركة من حيث الطبيعة العدوانية والتوسعية, وما أكدته سنوات العقد الماضي , بأنها و"إسرائيل" تشكلان معاً ثنائية العدوان على الأمة العربية وسورية والعراق ولبنان بشكلٍ خاص.

منذ الإعلان عن قيام الكيان "الإسرائيلي" عام 1948, والإعتراف التركي به عام 1949, أصبحت تركيا أهم شركائه في الشرق الأوسط, وأقامت معه علاقات دبلوماسية رسمية, ومع ذلك, تميزت العلاقات التركية – الإسرائيلية, خلال العقود الماضية بفترات من التقارب والتباعد المؤقت, على الرغم من موجة المشاعر المعادية لإسرائيل في المجتمع التركي, خصوصاً بعد الغارة الإسرائيلية على قافلة “سفن الحرية” التي حاولت اختراق الحصار الإسرائيلي لقطاع غزة عام 2010... لكن جوهر التباعد يعود لما بعد عام 1973عندما نأت أنقرة بنفسها عن الكيان الإسرائيلي أمام الحظر النفطي العربي, ومع ذلك سعت تركيا للتقارب مع "إسرائيل" مرة أخرى بعد اتفاق أوسلو 1993, على أمل أن يساهم تحالفهما بتغيير توازن القوى الإستراتيجي, والوضع الجيوسياسي في الشرق الأوسط الغني بالنفط, وبما يشكل فرصةً لخروج "إسرائيل" من العزلة السياسية والاقتصادية, ويسمح لها بالتقارب والتطبيع لاحقاً مع بعض الدول العربية الإسلامية عبر تركيا .. لقد كان واضحاً إهتمام تركيا بعلاقاتها الإستراتيجية والشراكة العسكرية مع “إسرائيل” بما يفوق تلك التي تربطها بالعالم العربي والإسلامي.

ومع وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة, وبروز أردوغان على رأس الحزب, بدأت العلاقات العلنية بالتراجع العلني نسبياً, بعدما أعلن سياسته وتبنى خطاباً إسلامياً , يمهد لإعادة إحياء عهد الإمبراطورية العثمانية, يكون فيه هو الزعيم والقائد الإسلامي وربما الخليفة.

استمر التباعد وتراجع العلاقات بينهما, في ضوء تعارض مواقفهما بشكل متزايد حيال بعض الملفات الإقليمية, ووجه إردوغان إنتقاداته القاسية ووصل حد إتهام سياسة سلطات الكيان بـ”إرهاب الدولة المنظم”, لكن عام 2015 حمل توقيع الإتفاقٍ الثنائي بينهما بوساطة أمريكية, التزمت أنقرة بموجبه بحظر أي نشاط فلسطيني على أراضيها يسعى أو يخطط للهجوم على "الدولة" اليهودية.

وفي الآونة الأخيرة نما الصدع بين إسرائيل وتركيا، بعدما طبقت إسرائيل ضغوطاً كبيرة, مستغلة نفوذها في واشنطن لمنع تلك الأخيرة من إشراك أنقرة في مشروع تصنيع طائرات الـ F-35 , بعد أن حصلت تركيا على صواريخ أرض – جو الروسية S-400 ، بهدف الحفاظ على تفوقها العسكري الإسرائيلي في الشرق الأوسط, في حين كان الدعم الإسرائيلي للإنفصاليين الأكراد في سوريا, عاملاً تسبب بشكل أو باّخر بتبرير فتور العلاقات بين إسرائيل وتركيا في السنوات القليلة الماضية…

وحتى اليوم, ومن حين لاّخر ترتفع وتيرة الإنتقاد والصراخ بينهما، ومع هذا تبقى وتستمر العلاقات السياسية والأمنية والإقتصادية بينهما, ويستمر معها الإستثمار الإعلامي واللعب على المشاعر الدينية , كالتنديد التركي بصفقة القرن, دون أن يؤثر ذلك على جوهر وحقيقة العلاقات بينهما.

يكفي أن نشير إلى التعاون الوثيق بينهما منذ بداية الحرب على سوريا , وعملهما المشترك والمتبادل في دعم وحماية التنظيمات الإرهابية التكفيرية والإنفصالية , بهدف عرقلة ومنع تقدم الجيش العربي السوري, الأمر الذي يؤكد الإرتباط الوثيق والشراكة الإستراتيجية بين العدوين التركي والإسرائيلي على مرأى ومسمع كافة دول العالم.

إن تناوب العدوين الإسرائيلي والتركي بشن العدوان العسكري المتكرر على الأراضي السورية , يؤكد وحدة الأهداف والأطماع المشتركة لكليهما , في سياق المشروع الصهيو – أمريكي على سوريا , والذي شهد الإسبوع الماضي في أحدث نسخه , عدواناً تركياً عبر طائرة مسيرة استهدفت موقعاً عسكرياً للجيش العربي السوري غرب عين العرب في سياق العدوان لإقامة "المنطقة الاّمنة" المزعومة.

ويبقى من اللافت , إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي، أن قرار استئناف العلاقات الدبلوماسية مع تركيا بشكل كامل بعد زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ إلى أنقرة , فيه أهمية كبرى بالنسبة "لإستقرار المنطقة وللإقتصاد الإسرائيلي".

هل تبدو استعادة العلاقات صفحةً جديدة للتقارب , أم نوع من المكافئة الإسرائيلية لتركيا, في أعقاب العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة وعدم مشاركة حركة حماس بصده ومواجهته, ولكبح ما سمي بـ الإنعطافة التركية" تجاه سوريا, في ظل غياب الضوء الأخضر الدولي المرتجى تركياً لإقامة "المنطقة الاّمنة" وإطلاق العملية العسكرية المزعومة, كذلك وسط إطلاق التهديدات الإسرائيلية بفتح جبهة الجولان السوري المحتل إن اندلعت الحرب مع حزب الله, والإعلان عن مشاريع الطاقة والغاز الإسرائيلية – التركية المشتركة, وإحياء مشروع شحن الغاز الإسرائيلي إلى أوروبا عبر تركيا .. ناهيك عن تصريحات وزير الخارجية التركي بأن :"استئناف العلاقات لن يدفع تركيا إلى التخلي عن القضية الفلسطينية" , يا لها من إزدواجية ونفاق , واستغلال تركي قذر للقضية الفلسطينية والمقدسات. 

لا يمكن الإعتماد على تقارب وتباعد الجانبين التركي والإسرائيلي كميزان لعلاقتهما كحليفين إستراتيجيين, كذلك لا يمكن الفصل بين تقاطع مصالحهما الجيوسياسية , وأطماعهما التاريخية , عن طبيعتهما العدوانية الإجرامية التوسعية , ومكانتها على رقعة المشاريع الصهيو – أمريكية الكبرى في المنطقة والعالم , وعليه قد يحمل قرار استعادة العلاقات ما هو أبعد من الإقتصاد وإحياء مشاريع أمن الطاقة والغاز, على قاعدة ما خفي أعظم بالنسبة إلى فلسطين ولبنان والعراق وإيران وروسيا , وسوريا على وجه الخصوص.

م. ميشال كلاغاصي

19/8/2022  

 

بكين وتايبيه ما بين الحل السياسي والعسكري - م. ميشيل كلاغاصي


لطالما اتبعت الصين سياسةً بعيدة الأمد ومتوازنة فيما يتعلق بقضية تايوان , لكن إنتخابات عام 2016 وإنتصار المعارضة كان مفاجئاً للقيادة الصينية , ووضع خط النهاية لسياسة التكامل الإقتصادي للجزيرة التايوانية في حسابات الإقتصاد الصيني , وخلق نوعاً من التهديد بدأ يحسب الحساب لتحول تايوان إلى أمة منفصلة تماماً حتى بلغتها الخاصة , وتحت أعين القيادة الصينية تمت مراقبة تصاعد ما يسمى "القومية التايوانية" , بما يحمل ذلك من مخاطر ذات تأثير إيديولوجي كبير على العديد من المجموعات العرقية في جنوب الصين ، مع وجود ما يقارب الـ 500 مليون مواطن , تختلف وتتنوع لهجاتهم الخاصة ( الكانتونية , الهاكاو , ... ) , لكن العامل الإقتصادي كان يوحدهم دائماً , على الرغم من توزع الشركات الكبيرة في المناطق المرتبطة بتلك اللهجات , وهذا بدوره تكفل بإستمرار رفض الحزب الشيوعي الصيني والسلطات الصينية لوجود مثل هذه المناطق , والتي تؤثر بطبيعة الحال على سيطرة الإقتصاد الصيني في مناطق جنوب وشرق اّسيا والمحيط الهادئ , بما يحصر مناطق الإقتصاد الصيني بالمناطق الداخلية , ومناطق التنوع التايواني بالمناطق "الساحلية" , وعليه تبدو عملية دعم "ديمقراطية" تايوان , وإنفصالها واستقلالها , "حرباً مقنّعة" على الدولة الصينية.  

لفترة طويلة , كانت السياسة السابقة لجمهورية الصين الشعبية تستند إلى الإعتقاد بخضوع تايوان اّجلاً أم عاجلاً للسيطرة الصينية على أساس النجاح الاقتصادي وارتفاع المؤشرات المالية ، الأمر الذي كان يضع عملياً الخلافات السياسية جانباً , لكن هذا لم يكن ليرضي الإنفصاليين , بالإضافة لمراقبتهم  تراجع دور هونغ كونغ كمركز مالي , أمام منافسة المؤسسات المالية الصينية الرسمية .. أمورٌ وضعتها تايوان ومن خلفها الولايات المتحدة بحسبانها ما قبل موعد الإنتخابات عام 2016 . 

من ناحية أخرى ، لعبت ما تسمى "قومية الأقاليم" دوراً سلبياً في التأثير على التطلعات الخفية للخروج عن المركزية السياسية ، وسعت لتعزيز اللهجات المحلية والثقافات المحلية ، والعلاقات المالية المعقدة بين المناطق وقلب النظام الصيني في بكين.

منذ نجاح المعارضة التايوانية في انتخابات 2016 , اتجهت مشاعر الكثيرين نحو توقع تفاقم الخلافات ما بين الدولة الصينية وتايوان وهونغ كونغ وجنوب الصين , وتحولها إلى أزمة واحدة أو عدة أزمات , في الوقت الذي ركزت استراتيجية الرئيس شي جين بينغ وقيادة الحزب الشيوعي على موضوع الجنسية , والتركيز على التطبيق الكامل لسياسة الحزب الوطنية الجامعة لكافة مكونات المجتمعات والشعوب الصينية وتعزيزها.

على الرغم من تمتع تايوان بحكم ٍ ذاتي , إلاّ أن الدعم الأمريكي على مدى السنوات الماضية , ساهم بتنامي مؤيدي إنفصال تايوان على أنها أمة مستقلة كباقي الأمم , وليست إحدى المقاطعات الصينية , وسط إدراكهم أهمية المراهنة على الدعم الأمريكي , أمام خطورة غضب بكين , واحتمالية لجوئها إلى عملية عسكرية لإخضاع الإنفصاليين واستئصالهم , وبات من المهم لمتابعي الحراك الدولي والأزمة الدولية - الصينية – التايوانية , مراعاة المخطط الأمريكي على اللسان التايواني الرسمي , على غرار ما يتفوه به الرئيس الأوكراني وحكومته.

يبدو أن تحقيق أي اختراق سياسي أو دبلوماسي في قضية تايوان بات أمراَ ضرورياً بالنسبة للرئيس شي جين بينغ ، حيث تمتلك بكين قدرة الحسم العسكري , لكنها ستقع فريسة الراي العام الدولي , والإعلام الأمريكي ومن يدور في فلكه , لإتهامها بـ "الغزو الصيني" , وبأنها معادية للديمقراطية وحرية الشعوب , وبأنها تعالج أخطائها السياسية وفشلها في احتواء الملف التايواني بالقوة العسكرية , وستقع من دون شك تحت سيف العقوبات الأمريكية والغربية , وسيف الشيطنة وإنتهاك القوانين الدولية. 

من المهم للصين أن تبحث عن إعادة توحيد الجزيرة التايوانية مع الجسد الصيني الكبير , بعيداً عن القوة العسكرية , والتركيز على التعاون الإقتصادي , والتبادل الثقافي , وتنشيط حملات التوعية على الجانبين الصيني والتايواني , لمخاطر التقسيم , وعدم الحاجة لإراقة الدماء وتدمير المرافئ والمصانع والبنى التحتية , من أجل التأكيد على ضرورة وأهمية مبدأ الصين الواحدة.

وتبقى تقديرات القيادة الصينية , ومعلوماتها الإستخبارية , وما استكشفته من خفايا المخطط الأمريكي , هي الأساس لبناء القرار الصيني سلماً أو حرباً , وعليها الإستفادة من تشابه الحرب الأمريكية على روسيا من البوابة الأوكرانية , لشن الحرب على الصين من البوابة التايوانية.   

المهندس: ميشيل كلاغاصي

15/8/2022