Monday, December 19, 2022

ألمانيا وفرنسا تتصدران مشهد إنشاء محكمة دولية لمحاسبة ومقاضاة روسيا- م. ميشيل كلاغاصي


مع نهاية شهر تشرين الثاني المنصرم , تحدثت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين ، عن نية الإتحاد الأوروبي "إنشاء محكمة دولية خاصة مدعومة من الأمم المتحدة" ، بهدف التحقيق في "جرائم الحرب المحتملة التي ارتكبتها روسيا في أوكرانيا ومقاضاة مرتكبيها", وأكدت: بأننا "على استعداد لبدء العمل مع المجتمع الدولي للحصول على أوسع دعم دولي ممكن لهذه المحكمة", ولم تلبث أن تبعها الرئيس الفرنسي وخارجيته ونظام كييف , بترديد وتكرار تصريحاتها.

ومما يثير الإستغراب اندفاع رئيسة المفوضية وهي السياسية الألمانية , للإعلان عن الحزمة التاسعة من العقوبات على روسيا , بالتوازي مع إطلاق الحديث عن إنشاء هذه المحكمة لمقاضاة ومحاسبة روسيا , في وقتٍ لم تطرح فيه فكرة إنشاء محكمة خاصة لمحاسبة بلادها أولاً , وهي التي شاركت بجريمة إغتصاب لواء الإسكندرون السوري , وبتسهيل تسليمه لقوات الاحتلال التركي , ومشاركتها بالحرب على لبنان والعراق وأفغانستان وعشرات الحروب الأخرى , ناهيك عن مشاركتها العسكرية في الحرب على سورية , وبزياراتٍ متبادلة لوفود برلمانية وسياسية حزبية ألمانية وممثلي ما يسمى "مجلس الإدارة الذاتية الإنفصالي" , بالإضافة إلى مشاركتها القوية بتسليح وتمويل وتقديم كافة أشكال الدعم السياسي والإقتصادي والعسكري لحكومة النازيين الأوكران ... مالذي يدفع السيدة فون لاين لإظهار حماسها لإنشاء محكمة دولية خاصة ضد روسيا , وتتجاهل الجرائم التي ارتكبتها ألمانيا ضد الإنسانية , وأقله على مدى القرن الماضي , ولا زالت ترتكبها منذ عام 2014 ، كتفاً إلى كتف ودعماً للنازيين في أوكرانيا.

تبدو حماسة فون لاين , أشبه بحماسة كومبارس مبتدئ يصعد على المسرح للمرة الأولى , في عمل مسرحي خيالي وسخيف , من شأنه فقط الإستخفاف بعقول "المشاهدين" الأوروبيين تحديداً , وتعويلها على عدم إدراكهم حقيقة أن مجلس الأمن وحده المسؤول عن دعم الموافقة على إنشاء هكذا محكمة , وبأنه لا يملك فرصة تمرير هكذا قرار بوجود روسيا والصين على منصة الدول الخمسة دائمة العضوية , وسيكون حق الفيتو الروسي حاضراً , وربما الفيتو الروسي - الصيني المزدوج.

وفي حال إعتماد السيدة فون لاين على تصويت ودعم الجمعية العامة للأمم المتحدة ، فستفشل محاولتها قبل أن تبدا , لأن ميثاق الأمم المتحدة لم يمنح تصويت الجمعية العمومية القوة القانونية , ويعتبر بمثابة حبر على ورق , وإن حاولت حصد تأييد ما يسمى "المجتمع الدولي" عبر تأييد عددٍ كبير من الدول فعليها كالعادة اللجوء إلى استخدام الهيمنة والرشوة والتهديد , لإجبار الدول التي يسيطرون على قرارها , وإنتزاع تأييدهم.

من جهةٍ أخرى , لا يمكن لمجلس الأمن أن يقدم سوى "خدماته" العسكرية والإقتصادية , وبموجب فصله السابع ضد الدول التي تنتهك القانون الدولي , ولا يستطيع تقديم خدمات قضائية , إلاّ بتجاوز ميثاق ونظام وصلاحيات الأمم المتحدة , كما فعل عشية إنشاء المحكمتين الخاصتين بيوغوسلافيا ورواندا.

منذ أوائل التسعينيات وحتى اليوم , لم تتغير ذهنية وأهداف الأمريكيين , وهم أصحاب فكرة إنشاء المحاكم الدولية الخاصة ، معتمدين على الروايات والعناوين التي ابتدعوها لمحاسبة وملاحقة والتخلص من خصومهم وأعدائهم كـ "الكرامة" و"حقوق الإنسان" و "الإبادة الجماعية" و "الديمقراطية" , وتقوم بإستخدامها كسلاح دعائي إعلامي , لتشويه سمعة المستهدفين وشيطنتهم , هذا من جهة , ولحتمية قبلها من قبل الناس على أنها محاكم عادلة ومنصفة للدول والشعوب , في الوقت الذي لا ينظرون ويرون "النخر" في داخلها , وبأنها ما خُلقت إلاّ لتكون أداةً لتحقيق الأهداف السياسية للولايات المتحدة الأمريكية..

ومن باب الإنصاف لا بد من توجيه الإتهام بدعم فكرة إنشاء المحاكم الدولية , للدولة الألمانية أيضاً , وهي التي تشارك الولايات المتحدة بهذه الذهنية والسلوكية , وبإستخدامها طريقةً لتسريع تفكيك دول الأعداء , ناهيك عن تشويه سمعة قادتها , ولدعم تفكيكها السياسي والإقتصادي , على غرار ما فعلته ألمانيا ضد يوغوسلافيا , وتشكيل المحكمة الخاصة بها , بالإضافة إلى إنخراطها بكامل العدائية تجاه الدولة السورية , وبدعم الإنفصاليين وبتأييدهم سياسياً لإقامة "إدارةٍ ذاتية" في شرق البلاد , ناهيك عما تفعله اليوم ضد روسيا والإنخراط في مشروع تدمير إقتصادها وتفكيكها وتقسيمها. 

من الواضح أن السيدة فون لاين القابعة على رأس المفوضية الأوروبية , تسعى إلى جرّ دول الإتحاد الأوروبي وبريطانيا وكندا , على حساب دولهم ومصالحهم شعوبهم , للسير وراء مصالح وأهداف الولايات المتحدة السياسية , وبإستهداف الرئيس فلاديمير بوتين شخصياً , وتبدو من خلال إقتراحها وترويجها لإنشاء محكمةٍ دولية خاصة بروسيا , بدون دعمٍ قانوني - وأقله حتى اليوم - , كمن ينوب عن الإتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي والولايات المتحدة , لإرساء قواعد الهيمنة العالمية والعالم الفاشي الجديد , من خلال محاكم تستخدم تلفيق لوائح الاتهام ، وإجراء محاكمات صورية ، والحرب الدعاية على روسيا وقيادتها وشعبها ، وبالمقابل التستر على جرائم دولتها الأم ألمانيا , وتبرير عدوانها وشركائها في القطيع الأوروبي , لخدمة المشروع الأمريكي ضد روسيا حالياً , ولاحقاً ضد الصين وسورية وإيران وفنزويلا واليمن وغير دول.

يالها من ذهنية واستراتيجية خبيثة لا أخلاقية مكشوفة , تستخدمها واشنطن وبروكسل والناتو , تحاول تشويه سمعة الرئيس بوتين وتصنيفه كمجرم حرب ، ومنعه من أية إمكانية للتفاوض وحل النزاع العسكري ، سواء مع الولايات المتحدة أو الإتحاد الأوروبي ، وجعل مفاوضات السلام مع أوكرانيا والغرب الأوروبي والأمريكي مستحيلةً تماماً , من خلال تبني مزيف لموقف نظام كييف "لا مفاوضات مع مجرم حرب" , والتي هي بالأساس إملاءات وشعارات خرجت من أدراج التاّمر الغربي على روسيا.

كم من السعادة والفرح غمرا قلب الرئيس بايدن مؤخراً , عندما استضاف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون , وهو يدلي للصحفيين بعزم فرنسا على دعم فكرة إنشاء محكمةٍ دولية لمحاسبة ومقاضاة روسيا , لقد أسعد ماكرون قلب العجوز النائم "جو سليبي بايدن" , وبادله الاّخر بالمكافئة , وبحشد بعض الأمريكيين من المصفقين والمصافحين والهاتفين بحياة ماكرون , وبالصداقة العميقة , في مشهدٍ لم يحدث في فرنسا أصلاً , ولم ينل ماكرون من شعبه سوى صيحات الإستهجان ومطالبته بالرحيل , وصفعة قوية من أحد الشبان الفرنسيين.

أزعجت تصريحات الرئيس ماكرون وخارجيته الجانب الروسي , وهو الرئيس المنافق الذي حاول استمالتهم كاذباً , بالحديث عن "ضرورة مراعاة أوضاع الأمن القومي الروسي" , وأتاه الرد الروسي سريعاً , صبيحة 1 ديسمبر/كانون الأول , عبر رئيس لجنة العلاقات الدولية في مجلس الدوما الروسي ليونيد سلوتسكي بأن : "تصريحات وزارة الخارجية الفرنسية حول بدء العمل مع الأوروبيين والأوكرانيين لإنشاء محكمة خاصة للتحقيق في تصرفات روسيا في أوكرانيا ليس لها أساس قانوني , وتضمنت بعداً سياسياً" , وأشار إلى أنه وفي حال إنشاء هكذا محكمة : لا بد من "وقوف مجرمي الحرب الأوكرانيين ورعاتهم الأمريكيون في قفص الإتهام".

بات واضحاً أن روسيا وسورية وإيران والصين وعشرات الدول حول العالم , يواجهون الفاشية الأمريكية – الغربية الجديدة ووحشيتها وقبحها ، وبكونها لا تخجل من تاريخها وحاضرها , الذي استباحت ولا تزال تستبيح فيه سيادة عديد الدول والشعوب حول العالم بالعدوان والحصار وبسرقة الثروات الوطنية , وإن كان لا بد من إنشاء محاكم دولية خاصة , فلتكن لهؤلاء الأشرار , بدءأ من السيدة فون لاين وليس إنتهاءاً بقائد حلف الناتو وماكرون وشولتز والرئيس بايدن.

المهندس: ميشيل كلاغاصي

10/12/2022

 

التفاوض حول أوكرانيا لخداع روسيا أم أوروبا ؟ - م. ميشيل كلاغاصي


نجحت الولايات المتحدة الأمريكية بإجبار روسيا على مواجهة خيار الحرب العسكرية الوحيد في أوكرانيا , لكن سرعان ما فُضح ازدحام الحروب داخل أجندة المخطط الدنيء , كالحروب السياسية والإقتصادية والمالية والعقوبات .. إلخ , بالإضافة إلى الإزدحام في خندق الأعداء , بدءاً من القوات المسلحة لحكومة النازيين الأوكران ومرتزقتهم , وصولاً إلى حلف الناتو والإتحاد الأوروبي وغير أعداء , وانكبت كافة أطراف الصراع على سجلاتها اليومية لتدون كل تقدم أو تراجع , ولتقييم سير المواجهات , والإهتمام بتصويب الخطط العسكرية والجيوسياسية , والإقتصادية الإستراتيجية , فيما انهمك أباطرة الحرب في الولايات المتحدة , على احصاء المكاسب وجني الأرباح والفوائد من السياسات التي تنتهجها الإدارة الأمريكية والرئيس جو بايدن بما يخدم مصالحهم , ويبعد شعوبهم والمتربصين بهم ويلهيهم عن المعارك المالية والإقتصادية والسياسية والعرقية , داخل الولايات المتحدة الأمريكية.

لم تكتف الولايات المتحدة بوضع مخططات الحرب على روسيا , بل حرضت ودفعت بكل قواها لنشوب هذا الصراع , وأجبرت أوروبا والأوروبيين على تطبيق العقوبات الأمريكية والأوروبية على روسيا , وبالإمتناع والتوقف الفوري عن شراء الغاز الطبيعي الروسي رخيص الثمن , وفسح المجال أمام واشنطن لبيعهم كميات ضخمة من الغاز المسال بالأسعار المضاعفة لأربعة أمثال ، دون أن تحدد لها سقفاً لأسعارها , كما تحاول الاّن فرض أسعارٍ محددة على مبيعات الغاز الروسي.

من الواضح أن واشنطن استطاعت توجيه ضربةٍ قوية للغاية للإقتصاد الأوروبي بكليته , وبنقل الثروات والأموال الأوروبية الطائلة إلى الولايات المتحدة ، دون أن تتغير, خرائط هيمنتها على القارة الأوربية , أو تبعية وسياسة القطيع الأوروبي "للسيد" الأمريكي.

لا يمكن تجاهل أهمية ما حققته واشنطن لضمان سيطرتها على أوروبا , خصوصاً وأنها كانت تخشى من إنفلات قبضتها , وخروج الدول الأوروبية عن بيت الطاعة الأمريكي , فالعالم اليوم يقف على بعد أمتار من تبلور ملامح العصر الجديد , والوقت الحالي هو لزيادة النفوذ وأوراق القوة , ولن يخدم تحرر أوروبا وخروجها من القبضة الأمريكية , سوى بتأكيد وإعلان نفسها قوة قديمة – جديدة – مستمرة - مساوية للولايات المتحدة , والقوى العظمى الأخرى على الساحة الدولية , والتي قد تندفع نحو روسيا والصين والفلك الأوراسي لضمان مصالحها , وهذا سيضع بطبيعة الحال نقطة النهاية للهيمنة الأمريكية على العالم.

لا تجد الولايات المتحدة بديلاً عن سياسة فرق تسد , لمنع أوروبا من التحليق خارج الأقفاص الأمريكية , وتبحث دائماً عن إبقائها محاطة ومنشغلة بالتضخم والبطالة وبإرتفاع الأسعار والمشاركة في حروبٍ لا تعنيها, أو تلك التي تتضرر منها كالحرب على روسيا , التي تسببت فيها العقوبات المفروضة على روسيا , بإحداث شلل في قطاع الصناعة الأوروبي , وبتكبيد الشركات المنتجة مبالغ إضافية ترفع من تكاليف الإنتاج , نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة التي يحصلون عليها من الولايات المتحدة , وهكذا تنتقل الأموال الأوروبية الإضافية أيضاً إلى خزائن الولايات المتحدة.

لم تعتاد الولايات المتحدة على احترام مصالح الدول الأوروبية والإتحاد الأوروبي , ولم تنس أنه تحالفٌ لعدة دول عاشت في ظل الإحتلال العسكري والإقتصادي للولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى اليوم , وتبدو ماضية في سياسة ما يمكن وصفه بالـ "تدمير" الأمريكي لدول الإتحاد الأوروبي , عبر حرمانها من الطاقة الرخيصة , وسحقها اقتصادياً وإخضاعها سياسياً .

ومع دخول الصراع والحرب على روسيا عبر الساحة الأوكرانية شهره التاسع , ومع بداية فصل الشتاء , تقترب ساعة الحقيقة والتحدي الذي يواجهه الاتحاد الأوروبي لتلبية احتياجاته من الطاقة , وهو ينظر إلى موسكو التي تملك ما يحتاجونه , لولا العقوبات الأمريكية التي انخرطوا في تطبيقها وتفننوا في إبتداعها ... بات على الحكومات الأوروبية الإعتراف بتأثيرأخطائها على أمن الطاقة الأوروبي والعالمي , الأمر الذي يفرض عليها بذل الجهود المضاعفة للمساعدة في كبح أجندات الولايات المتحدة , وبقبول ولادة العالم الجديد متعدد الأقطاب . 

فإستمرار الحرب , سيكون سيئاً بالنسبة للأوروبيين , ومناسباً للولايات المتحدة التي تجني الأرباح , ولن يكون بمقدورهم سوى إنتظار وصول الغاز الروسي عبر تركيا.

وكي لا تتحرك أوروبا , دفعت إدارة بايدن موضوع التفاوض مع روسيا حول أوكرانيا , وسط غابةٍ من الاّراء والمقترحات والوصفات السخيفة , فمنهم من طالب بإنسحاب روسيا من الأراضي الأوكرانية قبل بدء التفاوض , ومنهم من يفكر بتقديم التنازلات , وبالإعتراف بضم المناطق الأربعة التي اختارت الإنضمام إلى روسيا بعد الاستفتاءات التي نظمتها موسكو, وهناك من يرفض ذلك ويريد عودة شبه جزيرة القرم أيضاً , ومن يقبل مبدأ التفاوض بعيداً عن التنازلات.. في وقتٍ قال فيه الوزير لافروف : بأن " روسيا لم تطالب بإجراء محادثات مع أوكرانيا".

عموماً , يبدو أن الغرب مستعد للمفاوضات من موقع القوة فقط ، والظهور بمظهر البطل الذي دافع عن استقلال أوكرانيا عن روسيا وبتأكيد إنتمائها إلى العالم الغربي , وسط مخاوف الأمين العام لحلف الناتو ينس ستولتنبرغ من أن يؤدي التفاوض إلى إعلان إنتصار الرئيس بوتين , وعليه أكد بالأمس "ضرورة مواصلة تقديم الدعم العسكري لأوكرانيا " , بمعنى أنه يفضل التفاوض تحت النار.

يبدو إعلان انتصار روسيا فكرةً صعبة للغاية , وقد رفضها الرئيس الأمريكي مؤخراً , بحضور ضيفه الرئيس الفرنسي , وأكد أنه :"لا يمكن السماح بها" , وسط أجواء اللقاء "الحميم" ووجبة الاّيس كريم التي تناولاها معاً , التي جعلتهما يعربا عن "تصميمهما لتحميل روسيا وبوتين مسؤولية الحرب على أوكرانيا" , كما ساعدت ماكرون على إقتراح إنشاء "محكمةٍ دولية" لمحاسبة روسيا .

من الواضح أن واشنطن وباريس , هما أبعد ما تكونا عن القبول بوقف الحرب والتفاوض لإحلال السلام , ومن خلال طرح التفاوض عبرالطرف الأوروبي المهزوم الذي يمثله ماكرون , والطرف الذ يمثله بايدن كـ جاني للأرباح والمستفيد الوحيد , وسط غياب الطروحات الجدية , والنوايا الحسنة , ويبدو أن الحديث عن المفاوضات حديثٌ إعلامي , طالما أنه لا يزال يقترن بإستمرار تسليح وتمويل قوات أوكرانيا النازية , وبسخافة طرح التفاوض تحت النار , وبإنشاء محكمة دولية لمقضاة ومحاسبة روسيا , ولكم أن تتخيلوا نوع المفاوضات يتحدثون عنها , بالتوازي مع بيان دول مجموعة السبع وأستراليا , الذي حدد سعر برميل النفط الروسي يـ 60 دولار , الأمر الذي رفضه الرئيس بوتين ، وأكد بشأنه نائب رئيس الوزراء ألكسندر نوفاك ، بأن :"موسكو لن تصدر النفط إلى دولٍ تضع سقفاً سعرياً , لا بـ 60 دولار للبرميل , ولا بأي تكلفة أخرى" , وبأن  بلاده ستعمل فقط مع أولئك "المستعدين للتعاون بشروط السوق".

المهندس: ميشيل كلاغاصي

3/12/2022

 

Saturday, December 17, 2022

تهديدات أردوغان تكشف مخططاته العدوانية اتجاه سورية - م. ميشيل كلاغاصي لـ”غلوبال”


خاص غلوبال – رحاب الإبراهيم

 

27 نوفمبر 2022

لا يزال رئيس النظام التركي طيب رجب إردوغان يهدد ويتوعد بعمليته البرية المزعومة بحجة حماية أمنه وحدوده، وأن كانت نواياه المكشوفة تفضح مخططاته الاستعمارية، التي وجد في تفجير إسطنبول حجة ذهبية لتنفيذها من جديد، وسط تصريحات رفض “لينة” من الجانب الروسي والأميركي كله حسب مصالحه.

“غلوبال” التقى المحلل السياسي ميشيل كلا غاصي للحديث عن تداعيات تهديدات النظام التركي وما وراء تلويح أردوغان بالعملية البرية في هذه الفترة بعد عجزه منذ أشهر طويلة على تحقيق مخططاته العدوانية، وما هو موقف سورية من هذا العدوان السافر وكيف سيتم التعاطي مع هذه القضية الخطيرة محلياً ودولياً.

وعن مجمل هذه القضايا يشدد كلاغاصي بداية أن طرفي العدوان الأمريكي والتركي اجبرا على الانتقال إلى الحلول السياسية بعد الانتصار العسكري للدولة السورية، ما دفع الأول إلى توحيد ما تسمى الأحزاب الكردية، ولإعادة إحياء تنظيم “داعش”، والثاني للبحث عن تمددٍ جغرافي واسع، وابتلاع “جبهة النصرة” لكافة الفصائل الإرهابية الأخرى، من خلال مخططٍ بدت معالمه واضحة، للجلوس على طاولة المفاوضات برأسين الأول عرقي والثاني طائفي متطرف، لينتزعا سويةً من الدولة السورية، نظامها السياسي المركزي المقاوم للمشروع الصهيو-أمريكي، ولتكريس الانفصال شرقاً لصالح كيانٍ أو كانتونٍ كردي، وقضم المزيد من الأراضي السورية شمالاً لصالح تركيا وضمها إلى ما سبق واحتلته وقضمته الإمبراطورية العثمانية البائدة.

ويضيف: فشل الأمريكيون بتوحيد الفصائل والأحزاب الكردية، كذلك لم تتمكن أنقرة من إقامة المنطقة الاّمنة، رغم عملياتها العدوانية العسكرية الأربع السابقة، فقرر أردوغان شن عملية خامسة، لطالما هدد وتوعد بها خلال الأشهر الماضية، لكنه اصطدم بالموقف السوري، وخشية مواجهة الجيش العربي السوري، ورفضٍ شعبي سوري واسع، حتى في مناطق الاحتلال والسيطرة التركية – الإرهابية، كذلك اصطدم برفضٍ روسي وإيراني، ورفضٍ أمريكي معلن وسخيف.

ومع اقتراب الانتخابات التركية، واحتمالية سقوط أردوغان، نتيجة تردي الأوضاع المعيشية والاجتماعية في عهده، كان لا بد لواشنطن وأنقرة استعجال المخطط القديم – الحديث، وإقامة المنطقة العازلة، وإضعاف تركيا لنصف “قسد” الرافض للمشروع التركي، والطامع بالانفصال وبالحماية الأمريكية.. فلجأ أردوغان ووسائل إعلامه للتركيز على أعداء تركيا، وما تتعرض له من هجمات إرهابية على يد حزب العمال الكردستاني وميليشيات وحدات الحماية الكردية، اللذان تصنفهما أنقرة بـ “الإرهابيين”، وبحث مجدداً عن الضوء الأخضر الأمريكي والروسي والسوري، فكانت الإنعطافة التركية المزعومة تجاه الدولة السورية.

ويشير المحلل السياسي كلاغاصي أن الإعلام التركي والرئيس أردوغان وبعض ساسته، بدأوا بإطلاق عشرات التصاريح والمواقف الكلامية – الإعلامية، حول انعطافةٍ تركية تجاه سورية بهمسٍ روسي، وادعوا بحصول عديد اللقاءات الأمنية مع نظرائهم السوريين، في الوقت الذي تحدث الرئيس التركي عن “إمكانية إعادة النظر في العلاقات السياسية مع سورية بعد الانتخابات” الرئاسية التركية القادمة، ووصلت الماكينات الإعلامية والسياسية التركية بث أضاليلها، وتفاؤلها بإمكانية لقاء الرئيس بشار الأسد بالرئيس التركي، وحصول “المصافحة” السياسية والشخصية.

وهنا استغل أردوغان طراوة اللسان تجاه سورية, وخشونتها وحدتها تجاه الإرهابيين ( قسد وحزب العمال الكردستاني)، لصرف الأنظار عن استعداداته للعدوان الجديد، بعد تحميل موسكو مسؤولية “عدم تنفيذ التزاماتها بإبعاد الكرد عن المناطق الحدودية بحسب اتفاق سوتشي عام 2019”, وانتظر انشغال العالم بالحدث الرياضي الدولي في المونديال، وأطلق عدوانه عشية انطلاق صافرته، متكئاً على حشد الداخل التركي بأحزابه ومواطنيه، تحت راية حماية الأمن القومي التركي, مستغلاً عملية استخباريةً مفضوحةً، وتفجيراً إرهابياً وسط إسطنبول، أودى بحياة 86 مواطناً تركياً وعدد كبير من الجرحى، مهد له الطريق لاتهام اعدائه من الكرد، وبإلقاء القبض على منفذة التفجير “أحلام البشير” الكردية – السورية، واعترافاتها المزعومة بحسب وزير الداخلية التركي، والرئيس أردوغان شخصياً، وبأنها تلقت تدريباتها في عين العرب السورية على يد أعداء تركيا الكرد في سورية، وبأنه “اّن أوان الحساب”.

ويتابع كلاغاصي حديث بتأكيده أن الطائرات الحربية والمسيرات التركية نفذت بدعمٍ من المدفعية التركية عدوانها، وادعت قصف ما يتجاوز الـ 250 موقعاً وتحصيناً ومركز قيادة ومستودعات ذخيرة، تعود إلى قوات “قسد” وحزب العمال الكردستاني على الأراضي السورية والعراقية والتي وصلت ضرباتها إلى الموصل العراقية ( الهدف التركي القديم – الحديث )، وتجنبت البيانات التركية الحديث عن قصف المناطق السكنية، والمشافي وبعض مواقع انتشار الجيش العربي السوري، واهتمت بالترويج لتصريحات وزير الدفاع التركي، بانطلاق عملية برية واسعة محتملة بالتوقيت التركي، وسط تأكيد الرئيس التركي على ضرورة إقامة المنطقة العازلة.

وأضاف: بناء على هذا الواقع انطلقت الماكينات الإعلامية والتحليلات السياسية، للحديث عن هوية الضوء الأخضر الذي حصل عليه أردوغان، وسط نفي واشنطن، مع إقرارها “بحق تركيا بالدفاع عن أمنها القومي”, وتفهمٍ روسي، قد يندرج في إطار العلاقات الروسية – التركية في إطارها الواسع والمتداخل مع ما يحصل في أوكرانيا، وضرورة حماية الأراضي التركية التي قرر الرئيس بوتين تحويلها إلى مركز دولي للغاز الروسي، والذي من شأنه ضمان وصول أنابيب الغاز الروسي إلى أوروبا.

وحول الموقف السوري الرسمي بين المحلل السياسي كلاغاصي أنه موقف سورية وواضح وصريح، وقد عبرت عنه وزارة الخارجية السورية مراراً وتكراراً، عبر وزير الخارجية السوري, والمستشارة بثينة شعبان، وعبر عديد البيانات ووسائل الإعلام السورية الرسمية، ومفاده بأن سورية لا تؤمن بالأقوال التركية وتنتظر منها الأفعال، كذلك استهجانها ورفضها لقيام دولةٍ بهدف حماية أمنها القومي بالاعتداء على أراضي وسيادة دولةٍ أخرى، في وقتٍ لا ترى فيه دمشق أية إمكانية للثقة بتصريحات وكلام الرئيس أردوغان، وترى في وجود قواته الاحتلالي، ودعمه للإرهابيين على الأراضي السورية، “ذهنية اّن لها أن تتغير”، كي يتسنى للدولتين التعاون بشكلٍ جدي لمكافحة الإرهاب على طرفي الحدود، وضمان الأمن القومي لكلا البلدين.وجديرٌ بالمهتمين بالموقف السوري، العودة إلى تصريحات الرئيس بشار الأسد، الذي وصف الاحتلال التركي ووجوده على الأراضي السورية بـ “المخفر المتقدم”، وهذا ما يعبر عن حقيقة المواقف التركية التابعة لواشنطن صاحبة المخطط وقائدة الحرب الكونية على سورية والعراق، وتأكيد إضافي، على انخراط تركيا بخدمة خرائط ومخططات سايكس بيكو وسان ريمو وإتفاقية أنقرة وغيرها من المشاريع الدنيئة، التي لم يتخل المخططون عنها منذ أكثر من قرن، مع فارق استبدال القيادة البريطانية بالقيادة الأمريكية المتصهينة.

ويرى كلاغاصي أن هذه المرحلة تبدو شديدة التعقيد بالنسبة لغالبية الأطراف، وتتطلب فيها محاولة إيجاد الحلول نوعاً من المعجزات السياسية والعسكرية، في حين أنها تبدو شديدة الوضوح بالنسبة إلى سورية والسوريين، نتيجة معرفتهم بطبيعة ذهنية أعدائها وتاريخهم ومشاريعهم الاحتلالية والانفصالية، التي قادتهم للعدوان الجماعي على سورية.في وقتٍ لم تظهر فيه قيادات ميليشيات “قسد” الحد الأدنى من النضج السياسي، ولا زالت تتحدث عن طعنات أمريكية، وسط ضياعٍ كلي للمدعو مظلوم عبدي، ولعبة التذاكي ما بين صقور وحمائم “قسد” للحوار مع دمشق, وبتوجيه العتب وواجب حماية ميليشياته على عاتق الأمريكيين، وبتحميل روسيا مسؤولية دعم تركيا و”كسبها إلى جانبها”، وكالعادة يطلق تصريحاته ومواقفه المتأخرة والسطحية، ولأنه لا يزال يسير في الطريق الخاطئة، يبدو أن في صمته اقوى موقف يستطيع اتخاذه، وكفاه هو وواشنطن وتركيا الحديث عن محاربة “داعش”, وإلاّ فسيتوجب عليه إثبات ذلك.ويمكن تلخيص وعنونة ما تقوم به تركيا اليوم، هو عدوان جديد على سورية، عقله ومخططه صهيو- أمريكي، وسيفه تركي – إرهابي، ودميته انفصاليي “قسد” حسب ما يختم المحلل السياسي ميشيل كلاغاصي.