Sunday, June 4, 2023

أوكرانيا والصيف الساخن , هل يخطئ بايدن بين باب السلام وباب جهنم - م. ميشيل كلاغاصي


على الرغم من إدراك الولايات المتحدة والناتو وحلفائها الأوروبيين , بإستحالة إنتصار أوكرانيا , على مدى العام الأول للمواجهة , ووسط المشاهد اليومية لتقهقر القوات الأوكرانية وتراجعها , وخسارتها الموقع تلو الموقع , لا يزال فريق الحرب على روسيا يعلن وبشكلٍ شبه منتظم عن تزويد كييف بالمزيد من الدبابات وقطع المدفعية وأنظمة الدفاع الجوي ومختلف أنواع الأسلحة ، بما في ذلك الطائرات الحربية , وطائرات الهليكوبتر القتالية , على الرغم من إدراكهم بأن تزويدها بدبابات الـ "ليوبارد" أو بطائرات الـ F-16 ، سيحول المواجهة إلى شكلٍ مختلف , و"سيكون الرد الروسي سريعاً وقاسياً " – بحسب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.  

إن تزويد أوكرانيا بمئات الدبابات وآلاف المعدات السوفيتية القديمة المتوفرة لديهم خلال عام 2022 , سمح للقوات الأوكرانية بالصمود لمدة عام كامل ، في وقتٍ أظهر فيه فريق الدعم الأمريكي والغربي بعض التحفظ لإرسال الأسلحة الغربية ، لعدم توفرها أصلاً في مستودعاتهم بالكميات الكافية , ولصعوبة إنتاجها خلال وقتٍ قياسي , ناهيك عن مخاوفهم من رؤيتها وهي تنصهر وتتدمر أمام ضربات الجيش الروسي القوي , الأمر الذي سيطيح بمبيعاتهم العسكرية وبسمعة مصانعهم ومنتجاتهم الحربية. 

لقد تسببوا بإحراج القوات الأوكرانية , وبتعرضيها لخسائر ميدانية في عديد المواقع , ناهيك عن خسائرها البشرية , وهذا بدوره دفع إلى طرح الأسئلة الجدية , حول موعد إنهيار الجبهات الأوكرانية بكاملها , وعليه يبدو تردد الغرب واضحاً , حيال التزويد النوعي بالأسلحة الغربية , ويريد التأكد من قدرة القوات الأوكرانية على الإستمرار في القتال ، وإمكانياتها لتحقيق التوازن والإستقرار وأقله على جبهات التماس.

على الرغم من مصالح الولايات المتحدة بإطالة أمد الحرب على روسيا , لكنها في الوقت ذاته , قد تعيد حساباتها وتضبط مساعداتها المالية إن تأكدت من هزيمة أدواتها , ومع ذلك يمكن ملاحظة استمرار الدعم الأمريكي وزيادة تزويد كييف بالسلاح مع نهاية العام الماضي , وهذا يطرح السؤال , هل يعدون العدة لمواجهات الصيف القادم , كما يروج له بعض الساسة الغربيين , ووسائلهم الإعلامية ؟.

ولحين بلوغ ساعة الصفر الصيفية , تبدو القوات الأوكرانية مطالبة بالصمود وبتحقيق الإستقرار على الجبهات , من خلال الإمدادات المخطط لها للفترة الحالية , وتبدو الحاجة ماسة للعمل على كيفية الحد من التقدم الروسي , ولأجل ذلك , تستعد الولايات المتحدة لسيناريوهين محتملين: ستحاول إثارة صدام عسكري بين روسيا وبولندا , وفي حال رفض هذه الأخيرة المواجهة المفتوحة مع روسيا , قد تتخلى الولايات المتحدة عن أوكرانيا , وتتركها لمصيرها , وتنتقل إلى صراع دبلوماسي إعلامي ضد روسيا ، وقد تلجأ إلى استفزاز روسيا عسكرياً عبر مهاجمة أحد حلفائها.

أخيراً ... تبدو الولايات المتحدة بطبيعتها العدوانية , ومحاولاتها التمسك بمقعدها القيادي وبعالمها الخاص الأحادي القطب , أكثر خطورة وجنوناً مما يعتقده البعض , فالسيناريوهات التي يمكن أو لا يمكن توقعها , قد تدفعها لفعل ما لا يحمد عقباه , خصوصاً وأن سيد البيت الأبيض في وضعٍ صحي وذهني صعب , وقد يوافق على ما يخطط له الأشرار في الناتو والإتحاد الأوروبي وفي دولته العميقة , ويخطىء اختيار باب السلام , ويقرع باب "جهنم" النووي.

م. ميشيل كلاغاصي

4/3/2023

 

مؤتمر ميونخ ما بين أضاليل الأمن واستمرار المواجهة - م. ميشال كلاغاصي


لم يُثبت مؤتمر ميونيخ للأمن في دورته التاسعة والخمسين ، خلال الفترة من 17 – 19 فبراير/شباط الماضي ، وبحضور ممثلين عن ما يقارب 100 دولة من جميع أنحاء العالم , إدعاءاته التأسيسية , وبأن أهم أهدافه تشجيع الحوار حتى بين الخصوم, وبدا مؤتمراً أحادي اللون , وظهر على حقيقته بعدما فقد أدنى درجات المصداقية والحياد السياسي , وفقد معهما هويته كملتقى أمني دولي جامع , بغياب روسيا التي لم تدع أصلاً إلى المؤتمر, ومع ذلك كانت فعلياً أبرز الحاضرين الغائبين , وربما كان غيابها أو استبعادها , بحد ذاته هو "الإنجاز" الأبرز لهذا المؤتمر المسبق التعليب.

لقد وجد غالبية المشاركين الغربيين في المؤتمر, الفرصة لإظهار إصرارهم على الإستمرار في الحرب على روسيا لأطول فترة ممكنة , وبإستمرار دعمهم لكييف وتزويدها بالأسلحة , بهدف منع روسيا من تحقيق الإنتصار, وحاولوا إظهار إيمانهم بحتمية إنتصار أوكرانيا , وبأن مفاوضات السلام لم يحن أوانها بعد , مع تأكيد ألمانيا "استعداد الجميع لحربٍ طويلة" , والوعود الفرنسية بتقديم "المزيد من الأسلحة" , مواقف سرعان ما تبخرت ونسفتها نصائح ماكرون وشولتز, في اليوم التالي , بدفع المهرج الأوكراني للتفاوض مع موسكو !.

ومن خلال المؤتمر, لم تظهر أوروبا أياً من علامات أو دلائل الحياد أو النأي بنفسها عن الولايات المتحدة, أو أياً من إشارات التراجع عن الدعم العسكري لأوكرانيا , بل جاءت "الرسالة" الأوروبية لتؤكد وقوفها واصطفافها الحازم داخل مربع الحرب الأمريكية على روسيا , وسط التظاهرات والإحتجاجات أمام مقر انعقاد المؤتمر, ومطالبة المتظاهرين بإنهاء الصراع في أوكرانيا , وبدء محادثات السلام , معربين عن استيائهم من المؤتمر, وواصفين المشاركين فيه بـ " دعاة الحرب" , وفي خلاصة القول , لم يبدو ميونخ مؤتمراً للأمن , بقدر ما بدا مؤتمراً لإشاعة الفوضى وتسعير الحروب وتدمير الأمن والسلام الدوليين.

بات واضحاً أن الولايات المتحدة استخدمت المؤتمر لتشكيل تحالف موسع مناهض لروسيا ، ولحشد ما أمكنها من حلفاء حلفائها ومن يقعون في مصيدتها ، للرد على التصريحات الروسية التي لم تنفك تؤكد إنتصار موسكو والرئيس فلاديمير بوتين , فعين واشنطن والناتو والإتحاد الأوروبي, تتطلع إلى الإنتصار بمعنى عزل روسيا سياسياً وإقتصادياً ومالياً , وتحويلها إلى دولة يرفضها العالم وينبذها , ويحتاج إلى الإقتراب من حدودها عسكرياً , وفرض قواعده الأمنية عليها, وتفتيش منشآتها النووية , وكل ذلك بهدف إخضاعها , وفي هذا الصدد أكد الرئيس بوتين عشية توقيعه على تعليق معاهدة ستارت – 3 , بالقول: "يريدون تفتيش منشآتنا الدفاعية, وتسلق منشآتنا النووية".

وعلى الرغم من فشل الولايات المتحدة في عديد النسخ المشابهة للمخطط والاّلية التي تتعامل فيها مع موسكو, والتي سبق وإعتمدتها في إخضاع كوريا الشمالية ويوغوسلافيا والعراق وليبيا وإيران وأفغانستان وتركيا وسورية , إلاّ أنها لا تزال تصر على استخدامها, لرخص تكاليفها , ولتوفر أرخص المفتشين والعشرات من شهود الزور, وكاتبي وصائغي التقارير الأممية المزيفة والمضللة , تحت الرعاية الأمريكية بشكلٍ دائم.  

الأمر ذاته بالنسبة للصين , فعلى الرغم من التصريحات الأمريكية بعد بدء المؤتمر, وبأنها تراقب "السلوك الصيني" , وعن المساعدات المؤثرة والحاسمة التي قدمتها لموسكو , بما يخالف "تقاليد الدبلوماسية الصينية" , في إشارة واضحة إلى أن بكين تكذب حيال حيادها ومقترحاتها لتسوية الصراع الأوكراني , وبأنها ستقف إلى جانب روسيا , وستمدها بالأسلحة , وعليه لا يقل سعي وإهتمام واشنطن بحصار بكين سياسياً , عن إمداد تايوان بالأسلحة , وبالتنكر لمبدأ الصين الواحدة , ناهيك عن محاولاتها المستمرة للضغط على الدول للإبتعاد على تعاونها التجاري معها , وبإنضمامهما إلى فريق العقوبات عليها.

لم يحقق مؤتمر ميونخ ما كانت تحتاجه الولايات المتحدة , ولم تنجح بإضافة أي وافدٍ جديد إلى تحالفها الغربي ضد روسيا , وأقله للإبتعاد عن الصين , سواء كان وافداً سياسياً أو عسكرياً أو تجارياً , كالبرازيل وجاراتها اللاتينية , والأمر ذاته بالنسبة إلى كازاخستان وأوزبكستان اللتين طالبهما بلينكن لاحقاً بالإنضمام إلى فريق العقوبات على روسيا , وتعويضهما بالمال لتعويض الخسائر التي ستنجم عن قطع تبادلهما التجاري معها , كذلك حثهما على الحد من التعاون مع الصين , التي أعلنت صراحةً عزمها على دعم روسيا بشكل أكبر, وساهمت برفع وتعزيز الهواجس الأمريكية من تشكيل كتلةٍ روسية صينية إيرانية , تقوم على أساس مقاومة الهيمنة الأمريكية والتحالف الغربي.

بات على واشنطن الإقتناع بمكونات تحالفها الحالي , وهشاشة قدراته العسكرية , بعدما تأكد لها وبعد عام من المواجهة الشاملة مع روسيا , أنه غير متجانس ومتاّكل من داخله , وغير قادر على تزويد أوكرانيا بالأسلحة والإمدادات , وبالأموال الكافية , وببدائل الطاقة الروسية الرخيصة , لمواصلة تحمل نتائج وتداعيات الحصار والعقوبات والحروب العسكرية والإقتصادية والمالية على روسيا بمفردها , فكيف الحال بهزيمة روسيا والصين مجتمعتين.

م. ميشال كلاغاصي

2/3/2023

 

منع إنهيار النظام الأحادي .. مهمة أمريكية مستحيلة - م. ميشيل كلاغاصي


قبيل انتهاء عام 2022 , تحدث ميخائيل أوليانوف ، الممثل الدائم للاتحاد الروسي لدى المنظمات الدولية في فيينا , عن إنشاء مثلث جديد في الدبلوماسية الدولية , باتت تشكله كل من الصين وإيران وروسيا ، وأن بعثاتهم الدائمة أجرت مشاوراتٍ ثلاثية مثمرة حول القضايا ذات الإهتمام المشترك , وأشار إلى إمكانية توسع هذه الصيغة في ظل وجود عديد الدول المؤيدة لعالمٍ متعدد الأطراف , في وقتٍ أكد فيه وزير الخارجية الصيني وانغ يي لنظيره سيرغي لافروف على هامش قمة مجموعة العشرين في إندونيسيا مؤخراً , استعداد بكين للعمل مع روسيا وغير دول لتعزيز تعددية الأقطاب في العالم "بشكلٍ حاسم".

تبدو عملية التوحيد هذه مبدئية ومنطقية ولا رجعة عنها , على خلفية حاجة العالم للإبتعاد عن هيمنة وإملاءات الولايات المتحدة , ومحاولاتها المستمرة لفرض "قواعدها" ، التي تشكل أساس النظام الأحادي , بالإضافة إلى العلاقات الوثيقة التي ربطت دول المثلث الجديد عبر السنوات والعقود , واجتماعها على معارضة الهيمنة الأمريكية في العالم , ومقاومة عقوباتها غير القانونية ضد الدول المستقلة أو الراغبة بالخروج عن "العباءة" الأمريكية.

يبدو توافق بكين وموسكو وطهران , وأتجاههم نحو الإتحاد من أجل التنمية , يعتمد إلى حد كبير على الوضع في أوراسيا والقارة الاّسيوية بشكلٍ عام , وتؤكد المشاريع الكبرى التي نفذتها تلك الدول في السنوات الأخيرة مدى صحة وأهمية "الإهتمام المشترك" الذي تحدث عنه أوليانوف , بدءاً من خطوط طريق الحرير، وإنشاء ممرات النقل بين الغرب والشرق والشمال والجنوب ، وتوسيع البنى التحتية الأساسية لنقل البضائع براً , خصوصاً بعدما حاول الغرب قطع وإبعاد طرق التجارة الغربية عن روسيا وإيران.

وباتت الحاجة ماسة للإعتماد على طريقٍ تجاري أوراسي جديد , بعيداً عن قبضة الناتو , الأمر الذي منح ممرات اّسيا الوسطى أهمية مضاعفة , بهدف إستمرار إتصالها بأنظمة وطرق التجارة العالمية.

كانت إيران ، التي تعرضت للعقوبات "الدولية" على مدى أربعة عقود , من أوائل من أدركوا أن أوراسيا ستحتاج عاجلاً أو آجلاً إلى طريق نقل بري , في ظل التهديد الذي تتعرض له الملاحة البحرية , من قبل واشنطن وحلفائها وأدواتها , كذلك هو الحال بالنسبة للصين , والتي باتت تتعرض للعقوبات الأمريكية والغربية , ناهيك عن التهديدات العسكرية المباشرة من البوابة التايوانية , في حين تبقى روسيا غنيةً عن التعريف وهي التي باتت تحتل المرتبة الأولى في لوائح العقوبات الأمريكية والغربية من البوابة الأوكرانية.

وعليه يبدو تطوير طرق النقل الأوراسية – الاّسيوية , بمثابة الرد المباشر لكل من روسيا وإيران والصين على السياسة العدوانية للولايات المتحدة والغرب وتهديداتهما الدائمة , والتي تترجمها بالعدوان الخارجي والداخلي على إيران والصين , وبالحرب الأطلسية على روسيا.

لكن وعلى العكس من ذلك , يبدو أن الضغوط والحصار والعقوبات الأمريكية والغربية , ساهمت في تعزيز العلاقات الثلاثية وبناء التعاون متبادل المنفعة , كذلك أدت من حيث النتيجة إلى إبطال مفاعيل العقوبات الغربية على دولهم , وبدفعهم نحو المزيد من التكامل التجاري والإقتصادي والسياسي وحتى العسكري ، كما أنه ساعدها بشكل فاعل على الإنضمام إلى الجهود الدولية الساعية لتوطيد السلام في المناطق الساخنة في أوراسيا , والشرق الأوسط , والخليج والمنطقة العربية.

وصب هذا التعاون جهوده على رفض واستئصال الإرهاب الدولي المنظم , وبمساعدة الدول التي تتعرض للإرهاب , لمحاربته والتخلص منه كسورية , بالإضافة إلى جهوده في منع نشوب الصراعات في القوقاز وأفغانستان وباكستان وآسيا الوسطى , ومساعدة دول وشعوب المثلث الأوراسي – الاّسيوي على النهوض الإقتصادي والمشاركة فيه. 

وفي هذا الصدد , تبذل الصين وروسيا وإيران ، الجهود الضرورية لتسريع عملية التعاون العالمي ، الذي سيشكل عنواناً رئيسياً لعالمٍ جديد متعدد الأقطاب , والذي لا بد وأن تتطلع إليه الدول الأوروبية أيضاً , لكنها لا تزال غارقة في ورطتها القديمة – الجديدة , وتبعيتها " للسيد " الأمريكي.

أخيراً ... تعكس سياسة الإدارة الأمريكية مؤخراً تخبطها الواضح , ولم تعد تستطيع إخفاء هزائمها السياسية والإقتصادية والعسكرية , ولن يكون بمقدورها الإستمرار بإمساك حلفائها وعديد الدول من رقابها كما فعلت على مدى أكثر من ثلث قرن , ولم تعد تستطيع إخفاء ضعف مقاومتها لإنهيار النظام الأحادي , وتبدو مهمتها أشبه بالمستحيل , كما أن ملامح النظام العالمي متعدد الأقطاب بدأ بترسيخ أقدامه , مع تنامي التعاون بين إيران وروسيا والصين , وهذا ما بدا جلياً من خلال تكثيف العلاقات والإتصالات والإتفاقات بين تلك الدول , بالإضافة إلى تكثيف الزيارات المتبادلة , ولن تكون اّخرها زيارة الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي إلى الصين والقمة التي جمعته بالرئيس شي جين بينغ.

المهندس: ميشيل كلاغاصي

25/2/2023

 

من الحروب إلى التفاوض .. واشنطن توثق هزائمها من فيتنام إلى سورية - م. ميشيل كلاغاصي


منذ تأسيس الدولة الأمريكية , تُظهر القراءة في تاريخها السياسي والعسكري , وفي ممارساتها وأدائها وأدوارها الدولية التي لعبتها عبر عشرات العقود ومن خلال النظم العالمية المتعاقبة , والأحداث التي عصفت بهذا العالم , تبدو وأنها دولة محاربة على الدوام , ودولة عدوانٍ دائم على الدول والشعوب , حتى عندما تُهزم في معاركها العسكرية والسياسية والإقتصادية , وفي صلب روايتها الإعلامية التي تضعها عنواناً مبرراً للإعتداء , تسعى إلى تغيير جلدها , ومعاودة الهجوم والعدوان , على الرغم من لجوئها أحياناً إلى التفاوض أو إعلان المهادنة وحتى إعلان قبولها السلام , أمورٌ بمجملها تؤكد اتباعها سياسة النفاق والتضليل والخداع والإحتيال , من باب التكتيك , لكنها في الوقت ذاته تتمسك بإستراتيجية شن الحروب , التي تتوافق مع ذهنية ومصالح ساستها ومفكريها ونخبها الحزبية وأغنياؤها , وكذلك تحظى بإهتمام شبانها وشاباتها من الطبقات المتوسطة والفقيرة , الذين عادةً ما يبدأون حياتهم بجني الأموال , من خلال التحاقهم في صفوف ووحدات الجيش الأمريكي المحارب دائماً.

فعلى سبيل المثال , وبالعودة إلى العاصمة الفرنسية وما حصل فيها قبل نحو خمسون عاماً , يمكن تسجيل لجوء الولايات المتحدة إلى التفاوض وتوثيق هزيمتها العسكرية رسمياً ... حيث تم توقيع الإتفاق التاريخي الذي أنهى الحرب الأمريكية على فيتنام ، والتي ورطت نفسها فيها , واستجلبت لنفسها العار ووثقته هزيمةً على سجلاتها العسكرية والسياسية والإقتصادية والإنسانية , وعلى صفحات التاريخ.

على الرغم من الوحشية المفرطة , والأسلحة المحرمة دولياً وإنسانياً التي استخدمتها هناك , لم تستطع قوات الغزو الأمريكي إخضاع فيتنام , وبإعتراف الرئيس نيكسون في خطابه عام 1973: "انتهت الحرب بتكلفة 58 ألف أمريكي وحوالي 140 مليار دولار" ، ومع ذلك اعتبر أنه على الأمريكيين أن يفخروا بهذه الحرب على أنها "من أكثر المشاريع إيثاراً في تاريخ الأمم".

لا يزال العالم يستغرب الطبيعة والذهنية الأمريكية التي فاخرت بالحرب على فيتنام , وبعد أكثر من خمسين عاماً على نهايتها ، لا يزال إرثها القاتل بألغامها غير المتفجرة , وقنابلها والمواد الكيماوية القاتلة التي نشرتها على السهول والحقول والأراضي الزراعية , تحصد الأرواح حتى يومنا هذا.

لم تتعظ الولايات المتحدة , ولم تتعلم من دروس فيتنام , ومضت عبر طريق شن الحروب وقتل البشر, فمن الحرب الكورية إلى الحرب على العراق , وأفغانستان ويوغوسلافيا وليبيا وسورية , وبقي القاسم المشترك لعناوين عدوانها هي تلك "الرواية الأمريكية" التي تدعي جلب الحرية والديمقراطية والقيم الأمريكية إلى شعوب هذه الدول , لكنها في حقيقتها كانت تبحث عن السيطرة على مقدرات تلك الدول , وإسقاط أنظمتها السياسية , وتغير خرائطها الجغرافية والجيوسياسية , لكنها تعثرت في أهدافها , وعانت وتذوقت طعم الهزائم السياسية والعسكرية , وتكبدت الخسائر المادية والبشرية , وباتت تبحث عن التفاوض الذي يوثق هزائمها.

وإذا كان لا يمكن الفصل بين أهداف وجوهر العدوان الأمريكي على العديد من الدول حول العالم , كذلك لا يمكن الفصل بين أسباب وجوهر هزائمها , وما أصبح اليوم معروفاً , بأن أمريكا ليست قدراً للدول والشعوب , وبأن هزيمتها هدفٌ يمكن تحقيقه , ولم يأت من فراغ , لا بل سطرت لأجله عديد الدول والشعوب ملاحم البطولة والتضحية , وجعلت الصبر والثبات ومقاومة الغزو الأمريكي , أدوات وأسلحة  مضمونة النتائج لهزيمته.  

إن تسليط الضوء على هزائم الولايات المتحدة في كوريا وفيتنام وأفغانستان وليبيا والعراق وسورية , يسمح بإضافة هزيمة أمريكية جديدة باتت معالمها واضحة في أوكرانيا أيضاً , على الرغم من محاولاتها لإستخدام العقوبات الغربية وأسلحة الناتو في مواجهة روسيا ، ومن خلال ميدانيات ويوميات الحرب الغربية على روسيا , وبعد مضي عامٍ كامل على المواجهة , باتت ملامح الفشل الأمريكي في إخضاع روسيا واضحةً , وقد يساهم ذلك في تسريع البحث عن التفاوض مع روسيا أيضاً لتوثيق الهزيمة الأمريكية – الغربية , حتى لو أظهرت بعض الرغبة لإطالة أمد الحرب على روسيا , إلاّ أنها تراهن على استنزاف وسرقة حلفائها ومن يقاتلون لأجلها , وتبدو سعيدة بإنتقال الأموال من أوروبا إلى الخزائن الأمريكية , بما يتخطى رهانها على هزيمة روسيا.

كذلك يبدو من المؤكد بأنها ستعود إلى التفاوض النووي الإيراني , اّجلاً أم عاجلاً , وستوقع "صكوك" هزيمتها , في الوقت الذي يبدو فيه إعلان هزيمتها الحتمية في سورية قد اّن أوانه , فلا يمكن تصور أن تكون واشنطن بعيدة عن المواقف التركية التي قرعت أبواب دمشق , لإنهاء عشرية النار سلماً وحلولاً وتوافقاً على ضرورات محاربة الإرهاب , وضمان الأمن والإستقرار على طرفي الحدود , ويرى البعض أن تركيا حصلت على تفويض الولايات المتحدة لإنهاء الحرب على سورية , شأنها شأن كل من يحاولون مغازلة سورية وخطب ودها سراً أو علناً , وأعتقد أنه من المنطقي لنتائج الصمود والإنتصار السوري , أن يتم في نهاية المطاف الحصول على التوقيع والتوثيق الأمريكي على هزيمة الولايات المتحدة في سورية , وخروجها إلى حيث لا عودة.

بالإضافة إلى أثبتته تداعيات الزلزال المدمر الذي ضرب سورية وتركيا , والذي أظهر بما لا يدع مجالاً للشك , بأن الولايات المتحدة بدأت تفقد السيطرة والإمساك بقانون قيصر, بعدما تم نسفه تحت العنوان الأخلاقي والإنساني من قبل عشرات الدول الشقيقة والصديقة , وعشرات والشعوب والأحزاب والهيئات والمنظمات الإنسانية , ومع ذلك لا زالت بعد مضي ما يقارب إسبوعين على الكارثة , تحاول بأقصى نفوذها وهيمنتها , حرمان ومنع الدولة والشعب السوري من الحصول على المساعدات الإغاثية , في أصعب الظروف التي فرضتها على السوريين منذ 13 عاماً للعدوان الأمريكي والإسرائيلي والدولي والإرهابي , والحصار والعقوبات , وغيرها من الإجراءات القسرية الظالمة , بعيداً عن القانون الدولي والأخلاقي والإنساني.

إن التمسك بالحرب على سورية الرغم من الظروف القاهرة التي تمر بها , عزل الإدارة الأمريكية , وأظهر وحشيتها ونفاقها , ودفعها لإعادة حرب المعابر الإنسانية التي خسرتها إلى الواجهة.. وسعت لإستعادة كسبها كمعابر لتسليح الإرهابيين تحت ذريعة إدخال المساعدات الإنسانية , حتى لو كلفها ذلك استخدام مجلس الأمن وفصله السابع – بحسب إدعائاتها - , بالإضافة إلى ما تقوم به من أجل التعمية وتجاهل كل ما قامت به الدولة السورية من فتح المعابر حتى الإضافية منها , ونقل المساعدات إلى كافة المناطق السورية بما فيها تلك الواقعة تحت سيطرة المجاميع الإرهابية بقيادةٍ ودعمٍ أمريكي , ومع ذلك تبدو نتيجة إفلاس مشروعها في سورية , قريبةً جداً من إعلان وتوثيق هزيمتها متعددة الأركان والجوانب , وقد تجد طريقةً لتوثيقها عبر تفاوضٍ مباشر مع القيادة والحكومة السورية.

تبدو الولايات المتحدة التي ترفض التعلم من أخطاء الماضي , وتستمر حتى اليوم في العبث وإشاعة الحروب والفوضى حول العالم , كمن تستعجل سقوط إمبراطوريتها , وفي مثل ذلك قالت العرب "جنت على نفسها براقش".

م. ميشيل كلاغاصي

27/2/2023