Wednesday, October 27, 2021

إردوغان .. طرد السفراء بعضُ الصراخ والكثير من الندم - م. ميشيل كلاغاصي


من دون مقدمات وجدت تركيا نفسها على حافة صراع حاد مع الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا وعدة دول غربية أخرى , بعدما تجاهل الرئيس التركي نصيحة وزارة خارجيته , وطالب بطرد سفراء هذه الدول من البلاد ... ويبقى السؤال , هل ستحول أنقرة أقوالها إلى الأفعال ، أم هي مهزلة جديدة للزعيم التركي , وأرجحةً إضافية ما بين غزل تلك الدول واستفزازها ؟

إن قرار الرئيس التركي بطرد سفراء عشر دول غربية من البلاد (ألمانيا والسويد والولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وفنلندا والدنمارك والنرويج وهولندا وكندا ونيوزيلندا) , أتى على خلفية مطالبة البعثات الدبلوماسية لهذه الدول في 18 أكتوبر/ تشرين الأول السلطات التركية الإفراج الفوري عن الناشط السياسي عثمان كافالا المتهم بالمشاركة في محاولة انقلاب عام 2016 ,  فبعد مرور أربع سنوات على اعتقاله , وبعد أن تمت تبرئته , عادت المحكمة المعنية في تركيا بإصدار مذكرة توقيف جديدة بحقه.

ومما عرف عن عثمان كافالا دعمه للأقليات الدينية والعرقية ، ودعواته إلى إيجاد حل سلمي للقضية الكردية وللمصالحة مع أرمينيا أيضاً ... وقد وصفت البعثات الدبلوماسية للدول الغربية المحاكمة الجديدة بأنها "وصمة عار على الديمقراطية وسيادة القانون وشفافية النظام القضائي التركي".

لقد أثارت تلك المطالبة غضب الرئيس التركي , ودفعته – كعادته - لإستعراض عضلات حباله الصوتية وعنجهيته , وكلماته العشوائية القاسية أمام جمهور حاشد السبت الماضي في مدينة أسكيشهير التركية :" عشر سفراء يأتون من أجله إلى وزارة الخارجية، يا لها من وقاحة! ماذا تعتقدون هذا المكان ؟ هذه تركيا المجيدة" , "لا يمكنم المجيء إلى هنا وإعطاء تعليمات لوزارة الخارجية، لقد أعطيت تعليماتي لوزير خارجيتي وسيتعامل معكم كشخصيات غير مرغوب فيها , وفي اليوم الذي لا تفهمون فيه ذلك، ستغادرون"... وعلى الرغم من أوامره بطردهم إلا أن الخارجية التركية استدعت السفراء المعنيين وذكّرتهم بضرورة مراعاة اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية , دون أن تدلي بتعليقاتٍ أخرى. 

في الوقت الذي أكدت وزارة الخارجية الألمانية إنها تجري مشاوراتها بهذا الشأن مع تسع دول أخرى , تحدثت الخارجية الأمريكية بإنها تتوقع توضيحاً من وزارة الخارجية التركية , وحتى اللحظة لم تُصدر الدول العشر موقفاً أو بياناً حول الموضوع .. في الوقت الذي تتحدث فيه أوساط إعلامية عن الجهود التي بذلتها الخارجية التركية لثني الرئيس التركي عن إعلان السفراء أشخاصاً غير مرغوب بهم , وحتى اليوم - بعد مضي أربعة أيام - لم يتلق السفراء إخطارات ترحيل من السلطات التركية.

من المؤكد أنه في حال طردت الخارجية التركية هؤلاء الدبلوماسيين بما فيهم سفراء الولايات المتحدة وألمانيا ، فمن المرجح أن يؤدي ذلك إلى أزمة دبلوماسية غير مسبوقة بين أنقرة وتلك العواصم  التي لن يكون بمقدورها تقبلها بدون ردود أفعال قد تحمل في حدها الأدنى إجراءاتٍ انتقامية مماثلة تفضي إلى طرد الدبلوماسيين الأتراك من تلك الدول , وإن لم يتم إحتواء الأمر فقد يأخذ شكل الصراع  ويصل إلى القطيعة السياسية بين تركيا والعالم الغربي وعلى الأرجح ستنتقل إلى المستوى الاقتصادي , وتلجأ الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي إلى العقوبات لإعادة أردوغان إلى رشده وحجمه .. ويُخشى أن يكون إردوغان قد دق مسماراً جديداً في نعش رحيله كمطلبٍ داخلي وخارجي . 

من خلال تاريخ واسلوب الرئيس التركي في الأزمات , أنه لا يملك حرجاً في التراجع والإنصياع أمام الدول الكبرى , وسبق له أن تراجع أمام الأمريكيين والروس مراراً , خصوصاً أنه يتكئ على إقتصاد هش , وليرة تركية تنهار في لحظات , كما انهارت أمام تغريدة للرئيس الأمريكي الأسبق دونالد ترامب .. كذلك لا يملك حرجاً في تقبل إهانات بايدن الذي رفض استقباله لأشهر بعد فوزه ودخوله البيت الأبيض , كذلك في إهانته وانتظاره على باب الرئيس بوتين , ولا يستغرب المراقبون فيما لو خرج بتصريح ينسف فيه نفسه وأوامره بطرد السفراء , فقد اعتاد العالم على تصريحاته القاسية والتي تبقى في خانة الأقوال دون أن تتحول إلى أفعال.  

كم سيبدو إردوغان غبياً فيما لو أطاح بعلاقات تركيا الوثيقة مع الغرب , وبكونها الدولة الهامة في حلف شمال الأطلسي , والجزء الرئيسي من اّلته الحربية , ناهيك عن إرتباطها السياسي والاقتصادي والتجاري والعسكري مع الغرب... بالتأكيد لن يضحي بكل هذا مقابل تصاريح دبلوماسية لا تقدم ولا تؤخر , وأقصى ما يمكنه تسجيله في هذا الملف بعضٌ من الصراخ وقليلٌ من المغازلة وكثيراً من الندم لاحقاً .

لا يمكن أن تكون أسباب الصراع الدبلوماسي بين أردوغان والغرب سياسة خارجية فحسب ، بل اقتصادية أيضاً , يعكسها حال التضخم وارتفاع الأسعار والمزيد من إنهيار قيمة الليرة التركية أمام الدولار بشكل غير مسبوق وانخفاض الناتج المحلي , وهي أمورٌ بمجملها ستؤدي إلى عزلة الإقتصاد التركي , الذي لطالما اعتبر الرئيس إردوغان  أن النمو الإقتصادي من أهم إنجازاته .. وعليه تبدو أزمة طرد السفراء فصل جديد من فصول تحويل انتباه الناخب التركي عبر شد العصبية القومية والدينية , نحو المشاكل الخارجية.

لا يمكن تصوير أزمة طرد السفراء سوى على أنها مسرحية هزلية , بطلها ومخرجها والمهزوم فيها هو الرئيس التركي , الذي أبى وأن تنتهي المسرحية بشكلٍ دراماتيكي , وأرادها نهاية سعيدة , وأعلن تراجعه عن قرار طرد السفراء , بحسب صحيفة  نيويورك تايمز الأمريكية ، بعد تأكيدهم عدم التدخل في شؤون تركيا مجدداً.

المهندس: ميشيل كلاغاصي

25/20/2021


 

Sunday, October 24, 2021

المزيج الإيديولوجي العثماني في خدمة تحالفات ومشاريع تركيا الجديدة - م. ميشيل كلاغاصي


كشفت السنوات الطويلة لوجود رجب طيب إردوغان في مواقع السلطة المختلفة , أنه الرجل النموذج للسلطان التائه وربما الطائش والمغامر الذي لطالما اعتمد على سياسة متهورة لم تستطع زرع بذور الثقة مع جميع الدول التي تعامل معها سواء على جبهات الخصام والعداء أو على مستوى الصداقة والتعاون طويل الأمد وصولاً إلى العلاقات الإستراتيجية , كما راهن على تعقل الخصوم وربما على دقة حسابات الاّخرين أكثر مما راهن على سياسة تركية متزنة مستقرة تجلب الإزدهار والإستقرار لبلاده وما حولها , وتستحق إحترام الاّخرين وتحوز على ثقتهم , فكانت سياسة الأرجحة والغدر والتراجع عن الإلتزامات لعبته المفضلة والتي دعاها سياسةً خارجية , وقد مارس من خلالها أسوأ الأدوار التي أوكلته بها تحالفاته الأطلسية والإسرائيلية والمافيوية الإرهابية.

ولطالما كانت أعمدة سياساته الخشنة تعتمد على روايتين أساسيتين , الأولى تنطلق من رحم التاريخ البائد لأسلافه السلاطين , وفي صلبها الإعتماد على مزيج إيدولوجي جمع الرواية الدينية والعرقية والإثنية والثقافية واللغوية , وما إعتبره العنصر التركي عموماً على أنها حقوق وصكوك ملكية تتجاوز الحدود الحالية وتتحرك وفق حدود الإمبراطورية العثمانية , أما الثانية فتتمثل بروايات الأمن القومي التركي المضخمة والتي يستغلها لإرسال جنوده إلى أميال وأميال بحثاً عن تحالفات قديمة – جديدة , تؤمن له النفوذ اللازم لتحقيق الأهداف الخيالية بالنسبة لحجم تركيا ودورها في المنطقة والعالم .

فكانت الخلافات والتوتر والتصعيد والتحركات العسكرية عناوين دائمة للسياسة التركية – الإردوغانية , والتي قادته يوماً إلى إعلان تصفير المشاكل , لكن سرعان ما عاد ليضع نفسه شريكاً للفوضى والإرهاب , وأداةً مناسبة في خدمة سوق النخاسة الأمريكي ,وشوكةً في خاصرة دول المحيط الجغرافي والحيوي للدولة التركية .

لم يتوقف بحثه عن التحالفات الجديدة , في ظل إنكشاف حقيقة الولايات المتحدة الأمريكية التي لا تؤمن بالحلفاء أو الشركاء وتبحث عن الأدوات والعبيد فقط , بالتوازي مع فشل السياسة الأمريكية وانهيار مصداقيتها وتراجع دور الإتحاد الأوروبي وضعفه وتبعيته المطلقة للولايات المتحدة ، سارع الرئيس التركي إردوغان إلى البحث عن بناء تحالف عريض من القوات الموالية لتركيا في آسيا الوسطى والبحر الأبيض المتوسط وأفريقيا وغيرها.

لقد تطلب منه البحث عن تعزيز النفوذ التركي في آسيا الوسطى ، إحياءاً وترويجاً للمزيج الإيديولوجي العثماني – الإردوغاني , في إطار الحضارة التركية , مستهدفاً الأيديولوجية التي سادت دول اّسيا الوسطى لعقود وقرون , ولعبت فيها المواجهة بين الأديان وكافة الرموز والقيم الثقافية دوراً كبيراً في الصراعات والتحولات التي شهدتها تلك الدول , وفي هذا الإطار لم يوفر إردوغان تصريحاً وموقفاً إعلامياً يعزز ترويجه الإعلامي للمزيج الإيديولوجي , واقتبس بتاريخ 22/10/2021 في رسالته إلى الندوة التي ينظمها مركز الأبحاث الإجتماعية والإقتصادية في جامعة حجي بيرم ولي في إسطنبول , عن رئيس الوزراء الأسبق نجم الدين أربكان مقولته الشهيرة : "مسلمون لا يهتمون بالسياسة ، سيُحكمون من قبل سياسيين لا يهتمون بالمسلمين".

وعليه .. بدا واضحاً تركيز السياسة التركية ونشاطها لإخضاع دول العالم التركي والإمبراطورية العثمانية السابقة لسيطرتها من خلال "القوة الناعمة" ونوعية التعليم في الجامعات التركية في تركيا وخارجها , وإظهاره إهتماماً كبيراً بالذكرى الثلاثين لإستقلال ما سمي بـ دول العالم التركي والمجلس التركي : أوزبكستان وقيرغيزستان وكازاخستان وأذربيجان وحتى تركمانستان ، كذلك في رومانيا وهنغاريا , حيث تمت مناقشة الوضع في أفغانستان في إطار محاولات تركيا للعب دورٍ حاسم هناك , وقال وزير الخارجية التركي : "هناك ملايين من الأتراك يعيشون في أفغانستان التي تهمنا بشكل مباشر". كما أكد أن الإجتماع يشهد على تنامي سلطة المجلس التركي على الساحة الدولية , كذلك ومن خلال الإستراتيجية ذاتها , أكد قبل أيام وزير الدفاع التركي لـ موقع RT: "أن محافظة إدلب مهمة لنا". 

لا شك أن الوضع في أفغانستان يشكل عامل إهتمام عديد الدول وليس تركيا فقط , لكن الغموض يحيط بنوايا تركيا وعلاقتها بـ "المجلس التركي" , ومدى إهتمامها بالحصول من خلاله على احتياطيات المعادن النادرة في أفغانستان , كذلك الذهب والنحاس وخام الحديد وحتى النفط , ناهيك عن طموحات الرئيس التركي بتمديد نفوذه في البلقان , وأفريقيا ، والشرق الأوسط ، وما وراء القوقاز ، وآسيا الوسطى .. لذلك يعول على استغلال المجلس التركي ، لإعادة نموذج التوزان الذي كان سائداً أيام الإمبراطورية , عبر ترويج عمل المجلس التركي كمشروع ثقافي وتاريخي , وتحويله إلى "منظمة دولية" – بحسب الرئيس التركي , على غرار الإتحاد الأوروبي.

المهندس : ميشيل كلاغاصي

24/10/2021 


 



 

Friday, September 24, 2021

إردوغان وموعد مع الهزيمة بمواجهة القوات السورية والروسية - م. ميشيل كلاغاصي


على مدى التاريخ الطويل بينهما سجلت العلاقات التركية - الروسية خطوطاً بيانية صاخبة لم تعرف ديمومة الإستقرار أو الثبات , وتنوعت ما بين العداء والصدام والحروب والنزاعات والتوترات , إلى الهدوء وحسن الجوار والتعاون السياسي والعسكري والإقتصادي , لكن الثابت الوحيد لجوهر تلك العلاقات هو الصراع على النفوذ ، المبني أساساً على صراعاتٍ جيو– سياسية , تاريخية , ثقافية , دينية ... وضعت كل منهما على طرفي نقيض , من حلف الناتو إلى حلف وارسو , وتعددت القضايا الخلافية بينهما من القضايا الثنائية إلى الإقليمية والدولية... لكن ذلك لم يحرم العلاقات بينهما من بعض الهدوء والإستقرار المؤقتين تحت عناوين التقاء وتقاطع المصالح , الذي ساهم بتأسيس علاقاتٍ استراتيجية قادتهما نحو تقارب سياسي أسس بدوره لعلاقات إقتصادية وشراكة تجارية مميزة , احتل فيها قطاع الطاقة وأنابيب نقلها مركز الصدارة لكليهما , إن كان على مستوى التقارب أو الخلاف حولها والتباعد.

وإذا كان البعض يرى أن علاقات الجانبين اليوم , تمر بمرحلة صعبة ودقيقة , نتيجة إحتدام الصراع الدولي , وصعوبة التنبؤ بملامحه القادمة , في وقت تخشى فيه موسكو وأنقرة كغالبية دول العالم , من فواتير الحسابات الخاطئة , الأمر الذي يكسب تحركات وتصرفات الجميع بالحدة والحذر الممزوج بالرغبة بتفادي الهزيمة , في مناخٍ دولي يتجه نحو الصدام والتصعيد أكثر مما يتجه نحو إنتاج الحلول والسلام .

ومن خلال تشعب وتعقد الملفات ما بين موسكو وأنقرة وسط الصراع الدولي الملتهب , بات السعي لتسجيل النقاط وتجميعها لا يخضع لحدود ساحات الإشتباك فقط , وبدا كل منهما مهتماً بتوزيع إنتصاراته بحسب ترتيب قضاياه وأولوياته , واستعمال باقي الملفات للضغط والمناورة والمقايضة.

وعليه .. تستمر العلاقات الروسية – التركية بصخبها وتأرجحها على حبال التوتر والإحتكاك الخشن والمنافسة , ويواصل الرئيس التركي التصرف بحدة وتحدي تجاه روسيا والمصالح الروسية , وبالأمس من خلال كلمة تركيا في الدورة السادسة والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة ، اعتبر إردوغان أنه من الضروري تكرار الإشارة إلى أن تركيا لا تعترف بـ "الضم غير القانوني لشبه جزيرة القرم" , في الوقت الذي يدرك فيه أن روسيا لا تعترف بسيادة تركيا على شمال قبرص.

مما لا شك فيه أن الإنتصارات التي حققتها الدولة السورية وحلفائها الروس والإيرانيون وحزب الله واّخرون , أجبر أنقرة على التخلي عن أولوية حلم الفوز بتقسيم سوريا والفوز بسرقة وقضم مساحات واسعة من أراضيها , في الوقت الذي أظهرت فيه موسكو ثباتاً في أولوية دعم الدولة السورية بمحاربة الإرهاب وبالحفاظ على وحدة أراضيها , وبإنهاء الحرب وبإعادة إعمارها , واستعادة استقرارها وأمنها ودورها في المنطقة. 

لكن المواجهات الروسية – التركية الأهم تبدو في سورية , مع إصرار دمشق لتحرير كامل أراضيها وطرد قوات الإحتلال التركي وتنظيماته الإرهابية من إدلب وكافة مناطق الشمال السوري , بالإضافة إلى إصرار موسكو على تنفيذ بنود الإتفاقات الموقعة مع الجانب التركي والتي لم يلتزم بها منذ العام 2018 ... وبحسب وسائل الإعلام فإن تركيا تنقل أربعة آلاف جندي تركي وثلاثمائة وحدة من المعدات العسكرية إلى محافظة إدلب السورية , في تحدٍ مباشر لدمشق وموسكو , وبما يؤكد تمسكه بإحتلاله وإرهابييه وبإستمرار زعزعة الإستقرار في سورية. 

من المؤكد أن الرئيس التركي يراهن على الدعم الأمريكي والأطلسي والإعتماد على المرتزقة والإرهابيين , في الوقت الذي تملك فيه دمشق من الإصرار والعزيمة والقوة والمقدرة ما يكفي لإلحاق هزيمةٍ تاريخية بقوات الإحتلال التركي ومرتزقته على الأراضي السورية , وبأن محافظة إدلب ستعود عاجلاً أم اّجلاً إلى كنف الدولة , كذلك موسكو التي ضاقت ذرعاً بأكاذيب إردوغان ومرواغته في سوريا , وسط استعداد الجيش العربي السوري وبدعم ومشاركة القوات الجوية الروسية للدخول إلى إدلب , وبإستعادة السيطرة على الطريق الدولي المعروف بـ M4.

لا يمكن لإردوغان تحمّل المواجهة العسكرية المباشرة مع دمشق وموسكو , ولا تعدو تعزيزاته العسكرية سوى مناورات للتهويل ولرفع فرص الحوار مع موسكو والحصول على فرص ومكاسب إضافية , إذ لا يمكن لإردوغان تجاهل الهزائم التركية التاريخية أمام القوات الروسية , في حين لا تزال دمشق ترفض الحوار مع دولة الإحتلال التركي رغم كل ما يسوقه الإعلام المضلل , وتصر على خروجه من الأراضي السورية , في الوقت الذي تبدو مراهناته على الحلف الأطلسي مثيرة للشفقة , وسط اللحظات الصعبة التي يعيشها التحالف وإحتمالية تحول شروخه الداخلية إلى صدمات حقيقية تطيح بعقده , ناهيك عن المادة الخامسة من ميثاقه والتي تنص على صد العدوان عن دول التحالف , وليس بدعم الجيش التركي المعتدي على الأراضي السورية.

المهندس: ميشيل كلاغاصي

24/9/2021  

Wednesday, September 22, 2021

فرنسا تكون أو لا تكون .. اختبارُ الحكمةِ والقوة - م. ميشيل كلاغاصي

"طعنة في الظهر" .. يالها من صرخة أطلقتها الدولة الفرنسية في عصر إيمانويل ماكرون , هل تاهت فرنسا وفقدت أنيابها وأصبح من السهولة بمكان القفز على "سياجها" , أم هو ضعف الرئيس ماكرون داخل وخارج الحدود , أين أصدقائها وجيرانها , هل تحول حلفائها إلى أعدائها , ماذا عن سيد الأطلسي ولماذا أراد لها أن "تغوص" وتكون أول ضحايا التحالف الأمريكي الجديد.

فبشكل مفاجئ قررت استراليا إنهاء العقد الفرنسي للغواصات والمبرم منذ عام 2016 ,  والتحقت وبريطانيا والولايات المتحدة بما سمي "التحالف الأمني بين الهند والمحيط الهادئ - أوكوس" , الذي أعلن إنشائه الرئيس الأمريكي جو بايدن بعد محادثات ثلاثية الأطراف... كذلك تبعتها سويسرا بقرار شراء طائرات F35 الأمريكية بدلاً عن طائرات الرفال الفرنسية.

ومن المفترض أن يسمح هذا التحالف العسكري للدول المشاركة بتوسيع إمكاناتها العسكرية المشتركة ، وبتبنّي ظهور ما لا يقل عن ثماني غواصات نووية في المياه الاسترالية...وسط اّمال أمريكية بربط الهند واليابان بالتحالف الجديد إلى جانب كوريا الجنوبية , من خلال هدفٍ معلن هو "الدفاع عن المصالح المشتركة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ"... لكنه أخفى هدف التحالف في منع الصين من تحقيق مصالحها خصوصاً التجارية في المنطقة , وإمتلاك قدرة قطع الطرق البحرية التي تربط الصين ببقية العالم , بعد رفض الصين تقييد نموها والخضوع للهيمنة الأمريكية , فكانت فرنسا أولى ضحايا التحالف الجديد.

بات من الواضح أن احتدام العلاقات بين بكين وواشنطن وصل إلى مستوى جديد , شكلت لأجله الولايات المتحدة تحالفاً عسكرياً لمحاربة وخنق المنافس الصيني , بمساعدة حلفائها الأنجلو ساكسونيين لدرجة أنهم اضطروا إلى الخلاف مع فرنسا من أجل ذلك , ولتوجيه رسالة تحذير وتهديد إلى موسكو أيضاً وهي الحليف الإستراتيجي الأكبر للصين.

وكالعادة أعلن الأمريكيون رواية حربهم الجديدة على لسان بايدن , وتحت عنوان "ضمان السلام والاستقرار على المدى الطويل في منطقة المحيطين الهندي والهادئ" وتحويلها إلى منطقة حرة ومفتوحة , في إشارة واضحة إلى القواعد الصينية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ ، وخصوصاً في تلك الجزر "المتنازع عليها" في بحر الصين الجنوبي ، في ميانمار وباكستان وبعض الدول الأخرى ...

وعليه , أطلق بايدن البروباغاندا الأمريكية الجديدة , لتبرير نشوء التحالف وشراء استراليا لغواصاتٍ مزودة بمفاعلات نووية ومجهزة بأسلحة تقليدية لا نووية , "إلتزاماً بمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية" – بحسب بايدن-.  

في حين اعترف رئيس الوزراء البريطاني بأن المشروع الرئيسي لإنشاء أسطول الغواصات النووية الأسترالي في إطار تحالف أوكوس "سيصبح واحداً من أكثر التقنيات تعقيداً في العالم وسيتطلب استخدام أحدث التقنيات... الأمر الذي يؤكد تطلعات بريطانيا لتقديم "خدماتها" التكنولوجية للتحالف وبرامجها المتطورة للغواصات النووية.

أما رئيس الوزراء الأسترالي , فلم يخفِ أن هذه الإجراءات تستهدف الصين , لكنها ستنعكس إيجاباً على أمن منطقة المحيطين الهندي والهادئ , وستجعلها بفضل التحالف "أكثر أمانًا واستقرارًا" .. وكشف أن  بناء الغواصات الثمانية في أحواض استراليا سيمنحها قدرات عسكرية غير مسبوقة , وحصولها على صواريخ أمريكية الصنع ، بما في ذلك صواريخ توماهوك كروز ، لتجهيز المدمرات الأسترالية... وأن هذا سيساعد في الحديث المستقبلي مع الصين من موقع القوة. 

على المقلب الصيني ... أثار ظهور الكتلة المناهضة للصين رد فعل عنيف من السلطات الصينية , ودعت كانبيرا ولندن وواشنطن إلى الابتعاد عن "التفكير في زمن الحرب والتحيز الأيديولوجي" وإنشاء "تكتلات استثنائية تستهدف مصالح أطراف ثالثة أو إلحاق الضرر بها".

في الوقت نفسه ، شنت الصين حملة قوية لإدانة السلوك الأمريكي في العالم , على لسان المتحدث باسم الخارجية الصينية , الذي أكد استخدام الولايات المتحدة لمعلومات استخبارية مزيفة  بهدف إثارة الحروب ، وإبادة المدنيين بلا حسيب ولا رقيب بإسم محاربة الإرهاب ، وباستخدام الفوضى والعقوبات الأحادية وبالجرائم التي تنتهك حقوق الإنسان , وأكد أن الأمريكيين يقومون بالعدوان العسكري ويلوحون بهراوة العقوبات , تحت راية "الدفاع عن حقوق الإنسان" ، وتسائل عن ماهية حقوق الإنسان التي يدافعون عنها ؟

أما فرنسا , وبالرغم من تحالفها ومسيرتها الطويلة خلف السياسات الخارجية للولايات المتحدة , إلاّ أنها لا تزال تعتقد بأنها "دولة عظمى" , وتحاول الخروج عن دورها وحجمها وطاعتها للسيد الأمريكي , ومن المثير للشفقة أن تعتقد أنها الرقم الصعب الذي يحتاجه الأمريكيون , في الوقت الذي يشعر فيه الأمريكيون بالإمتعاض وبعدم الثقة بالسياسة الفرنسية وبتعزيز شكوكها حيال حرص فرنسا على خوض المعركة إلى جانبها ضد الصين , الأمر الذي يفسر إقصاء فرنسا عن التحالف الجديد وإبعاد غواصاتها عن المعركة.

بالتأكيد شكل القرار الاسترالي صدمة عنيفة لفرنسا , وتحدث وزير خارجيتها عن نية فرنسا اللجوء إلى "الحزم الكبير", والذي تُرجم بإستدعاء السفراء , وبإلغاء مشاركتها في إحتفالية عسكرية , وببعض العبارات الفارغة سياسياً على قناة فرنسا الثانية تجاه أمريكا واستراليا , وبوصف بريطانيا بأنها "العجلة الخامسة في العربة" ... هل يمكن لماكرون أن يثأر لنفسه وبلاده , وينجح في اختبار الحكمة والقوة , ويتجه نحو الإنسحاب من الناتو , بعدما أثبت أنه أشد منتقديه , وبأن مهمته الرئيسية هي الدفاع عن أوروبا وليس بحل مشاكل الولايات المتحدة , وبالتحالف معها ضد الصين وروسيا.

أخيراً.... إن السعي الأمريكي لتكثيف منافستها الحادة لبعض القوى الكبرى ، سيؤدي إلى المزيد من التوترات الإقليمية والدولية , وسيفتح باب امتلاك الغواصات النووية على مصراعيه , ولن تكون فرنسا الضحية الوحيدة لولادة هذا التحالف الجديد , وسيلتحق بمصيرها اّخرون ممن ستجبرهم واشنطن على الإنضمام إلى التحالف المناهض للصين التي يقف على حدود مجالها القومي والحيوي والإقتصادي البركان الأفغاني , الذي لم يبح بكل "حممه" حتى الاّن ... وبإعتقاد الكثيرين أنه كان على الحكومة الاسترالية التي لا تنافس الصين ولا تصدم معها جيو سياسياً , أن تفكر في عواقب تحولها إلى غواصة نووية لخدمة المصالح الأمريكية , كذلك بعواقب استهدافها للصين ومواجهتها مباشرة , فقد تجد نفسها في ليلةٍ وضحاها تتحدث عن الطعنة الأمريكية في الظهر على غرار فرنسا وتركيا والسعودية واّخرون , إن التحايل الأمريكي على "معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية" يشكل تهديداً للبشرية جمعاء , خصوصاً إذا ما استعملت واشنطن سلاح "الغواصات النووية" في عصرٍ جديد للهجمات الإرهابية النووية.

المهندس: ميشيل كلاغاصي

22/9/2021

 

Friday, September 17, 2021

واشنطن ما بين تقارب موسكو والرياض - م. ميشيل كلاغاصي


مع رحيل دونالد ترامب ووصول جو بايدن إلى البيت الأبيض ، تغير مناخ العلاقات السعودية الأمريكية , على خلفية العناوين التي أعلنتها الإدارة الجديدة , وبدا السعوديون غير راضين عن إعلان الرئيس بايدن نيته العودة إلى خطة العمل الشاملة المشتركة الدولية مع إيران ، وبتكرار الحديث عن الإنتهاكات السعودية لحقوق الإنسان , بالإضافة إلى الصعوبات التي تواجهها المملكة لإقناع العالم بحربها على اليمن , وبإستمرار إبرام الصفقات لشراء السلاح الأمريكي لمواصلة الحرب الظالمة على اليمن إلى ما لا نهاية.

ومع إعلان الولايات المتحدة - الحليف الإستراتيجي للمملكة في مواجهة إيران - , عن سحب أنظمة الـ "باتريوت" و"ثاد" للدفاع الجوي والدفاع الصاروخي من منطقة الشرق الأوسط ، بما في ذلك سحبها من الأراضي السعودية ، باتت المملكة في وضع لا تحسد عليه , خصوصاً مع معاناتها وحلفائها الميدانية , بمواجهة القدرات الصاروخية للمقاومة والقوات المسلحة اليمنية.

لم يقتنع السعوديون بمبررات البنتاغون لسحب أنظمة مضادات الطائرات , وبأن "عددها المحدود" , والحاجة لإستخدامها في مناطق أخرى ضد الصين وكوريا الشمالية استدعى سحبها ...  ومع ذلك ، لا يستبعد الخبراء السعوديون أن يكون أحد الأسباب الحقيقية لهذه الخطوة هو عدم قدرة أنظمة الـ "باتريوت" الواضحة على مواجهة الطائرات المسيرة بدون طيار, وهذا بدوره يصيب سمعة الصناعات الحربية الأمريكية بشكل عام , وأنظمة الدفاع الصاروخي بشكل خاص , لكن السعوديون ينظرون للأمر من زاوية أخرى , عبر عنها الأمير تركي الفيصل, بأنه على واشنطن التوقف عن سحب أنظمة الباتريوت من المملكة "لإثبات صداقتها" مع المملكة.

في ظل هذه الظروف ، وبوجود صعوبات أخرى بين واشنطن والرياض , من بينها الحديث عن رَفعِ السرية عن ملف اتهام ولي العهد السعودي بقتل الـ خاشقجي , وهزائمها في اليمن ولبنان , تجد المملكة نفسها بحاجة ماسة للتفكير في تنويع علاقاتها , ومصادر مشترياتها العسكرية , ولن يكون مستغرباً أن تتحول أنظارها نحو روسيا ، بأسلحتها المتفوقة والتي أثبتت فعاليتها في عديد الجبهات الساخنة .

بات معروفاً أنه منذ بداية عام 2020 , بدأت المملكة بالتفكير الجدي بكسر إعتمادها الكلي على أنظمة الأسلحة الأمريكية ، واتجهت للتفاوض مع موسكو للحصول على أنظمة الدفاع الجوي الروسية S-400 , خصوصاً بعد تعرضها لهجمات طالت أهدافاً حيوية في الداخل السعودي , بالإضافة إلى انكشاف حقيقة أن الولايات المتحدة ليست مستعدة للدفاع عمن يعتقدون بصداقتها وبالتحالف معها , وبأن الذاكرة السعودية التي لم تنس ما قاله الرئيس ترامب للملك السعودي "ادفعوا لنحميكم" . 

لكن ماذا عن المصدر الروسي "البديل" ؟ .. إذ لم تكن تحظى العلاقات الروسية - السعودية يوماً بالدفء والثقة المتبادلة , لكنها أيضاً لم تكن لتتسم بالعداء , واستطاع الطرفان النجاح بالإقتراب خطوة  نحو بعضهما البعض , وبإعادة تقييم المصالح المشتركة...

إذ لا يخفي السعوديون امتعاضهم من العلاقات الإستراتيجية بين موسكو وطهران , التي لطالما تعتبر هذه الأخيرة تشكل مصدراً لتهديد المملكة ومصالحها وجيرانها في المنطقة , ناهيك عن علاقاتها بقطر, والبون الساشع بمواقف موسكو والرياض من عديد القضايا حول العالم , وأقله في الشرق الأوسط  , ومع ذلك اتجهت المملكة للتعاون مع روسيا.. وأوضح وزير الثقافة والإعلام في المملكة  تسعى من خلال التقارب مع موسكو إلى "تنويع سياستها الخارجية وعلاقاتها الاقتصادية الخارجية ، بما يقتضيه تنفيذ برنامج التنمية الاستراتيجية رؤية المملكة العربية السعودية 2030"..  كما ساهمت الزيارات المتبادلة الأخيرة التي قام بها الرئيس بوتين إلى الرياض , وأمراء وملك السعودية إلى موسكو ، بتعزيز الإتصالات التجارية والتعاون العسكري بين البلدين.

وإذا كانت هناك عديد المسائل الخلافية بين موسكو والرياض , إلاّ أنه وبالمقابل , تتطابق وجهات نظر البلدين في العديد من القضايا , كقيام دولة فلسطين داخل حدود عام 1967 ,  كذلك بمناهضة واعتبار ضد تنظيم الإخوان المسلمين على انه "إرهابي" , بالإضافة إلى العلاقات النفطية , واهتمام الطرفين برفع أسعار النفط العالمي .

لكن ماذا عن الموقف الأمريكي لهذا التقارب ؟ ... ففي ظل تعقيد العلاقات السعودية – الأمريكية وتجذرها لعقود طويلة , أظهرت واشنطن استياءاً تمثل بدعوة الرياض وحلفائها إلى تجنب الصفقات الدفاعية المهمة مع روسيا ، كما قام وزير الدفاع الأمريكي لويد أوستن بتأجيل زيارته المقررة في اّب المنصرم إلى المملكة تحت مزاعم "مشاكل الجدول الزمني".

وعلى الرغم من القلق الأمريكي من التقارب السعودي مع روسيا والصين , إلاّ أن الولايات المتحدة لا تزال تتمسك بمصالحها الإستراتيجية في المنطقة من خلال علاقاتها مع الرياض , كذلك على المقلب السعودي , لا يمكن للرياض أن تدير ظهرها للولايات المتحدة , ويبقى من الهام البحث في جوهر قرار واشنطن بسحب أنظمتها الصاروخية الدفاعية من المملكة , والذي يبدو لا يتعلق بالعلاقات المباشرة والطبيعية بينهما , وقد تكون واشنطن تبحث عن سبل تعزيز توجيه المملكة نحو التطبيع والعلاقات مع تل أبيب , لإيجاد المبرر تحت عنوان الأمن القومي للمملكة , في ظل استمرار الحرب على اليمن , ولحين تبلور ملامح جديدة في المنطقة العربية وإنضمام دول خليجية أخرى إلى توقيع معاهدات السلام , بما يمنح الكيان الإسرائيلي الطمأنينة حيال وجوده وبقائه , وبما يخدم مصلحة الولايات المتحدة بالإنسحاب من العراق وسورية بعد إنسحابها من أفغانستان .

المهندس: ميشيل كلاغاصي

17/9/2021 

Saturday, September 11, 2021

معادلات الإنسحاب الأمريكي من العراق - م. ميشيل كلاغاصي


تحت عناوين جاءت في حملة المرشح جو بايدن الإنتخابية , تحركت الإدارة الأمريكية نحو تغيير مسارها أو تصحيحه بحسب توجهاتها وأهدافها في مرحلة الرئيس بايدن , تحت عنوان إعلامي بحت ألا وهو نسف مرحلة ترامب ومساره , على الرغم من سيرها على نهجه في الكثير من الملفات الداخلية والخارجية ... ولوحظ في الاّونة الأخيرة بأنها بدأت بتكثيف نشاطها بإعادة توزيع قوتها المالية والعسكرية بدءاً من الشرق الأوسط وصولاً  إلى آسيا والمحيط الهادي، وتحركت بإتجاه إعادة تركيز قوتها وقواها ضد الصين , التي ترى فيها العدو والمنافس الرئيسي في الصراع المستقبلي على قيادة العالم , بالتزامن مع تصاعد عمليات المقاومة والإحتجاجات المتزايدة لوجودها العسكري في الشرق الأوسط وتحديداً في العراق وسورية , ونتيجة لمجمل تلك الأمور , اضطرت واشنطن إلى الانسحاب بالكامل من أفغانستان في نهاية اّب .. وسط توقعات وتحليلات ومؤشرات تؤكد أن محطتها التالية للإنسحاب هي من العراق تليها محطة الإنسحاب من سورية.

إذ سبق وأعلنت واشنطن عن انسحاب القوات الأمريكية من العراق , بعد لقاء الرئيس جو بايدن برئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي في 26 تموز2021 , كما وعدت بتاريخ 31 كانون الأول ، بإنهاء جميع عملياتها العسكرية في العراق , بعد عقود من غزوها وتدخلها العسكري هناك ، وهو الأمر ذاته الذي حصل في أفغانستان , مع فارق حديثها عن استمرار "تعاونها" العسكري في العراق , الأمر الذي يرفضه العراقيون ومقاومتهم الباسلة , التي لا تنفك وبطريقتها لتأكيد عدم حاجتها لأي وجود أجنبي على أراضيها.

لا يمكن الحديث عن إنسحابٍ أمريكي نهائي حتى لو تم , وستبقى الأراضي العراقية تحت أنظارها عبر قواعدها العسكرية في دول الخليج العربي , ناهيك عن محاولاتها الإبقاء على بعض قواتها تحت عناوين تقديم المشورة والتدريب وتبادل المعلومات الاستخبارية , ولا تزال تحاول تكرار عناوين أخرى كمحاربة الإرهاب , ليصار إلى قبول تواجدها وممثليها, لكن ذرائعها وإبتكاراتها لن يكون مقبولاً بها عراقياً من جهات رسمية عديدة في البلاد وعلى رأسها قيادة المقاومة في الحشد الشعبي التي يقف ورائها ملايين العراقيين والمقاومين في المنطقة , والتي لن تمهلها يوماً لإضافياً لبقائها على الأراضي العراقية.

وللمرة الثانية , كرر الرئيس بايدن كلامه عن قرار سحب قواته العسكرية من العراق , في اللقاء الذي جمعه مع رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي في واشنطن بتاريخ 23 آب.

وأثناء زيارة وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين إلى موسكو أواخر آب ، كرر تأكيد بلاده واستعدادها للإنسحاب الأمريكي , وأن العراق يملك حالياً كل القوى والوسائل والمعلومات والمهارات اللازمة لمكافحة الإرهاب على أراضيه وبشكل فعال ... لا شك بأن تلك المواقف الوطنية ستحرم واشنطن الإستفادة من تجربة أو مخطط إنسحابها من أفغانستان في العراق.

بالتوازي مع البدء الفعلي لإنسحاب القوات الأجنبية من العراق , يجري الحديث عن احتمالية استبدال القوات الأمريكية وحلفائها بقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة , بهدف دعم الأمن على الأراضي العراقية , بعدما لوحظ نشاط إرهابي - تخريبي لبعض خلايا تنظيم "داعش" النائمة , ترافقت مع مرحلة المفاوضات الخاصة بالإنسحاب الأمريكي من البلاد , واستهدفت القوافل العسكرية والإنسانية والبنى التحتية والإقتصادية والحيوية العراقية , وتفجير أبراج الكهرباء ونظام الطاقة بشكل عام , الأمر الذي تسبب بموجة غضبٍ شعبي , وبإستقالة وزير الكهرباء مجيد مهدي حنتوش.

لم تكن تلك الهجمات الإرهابية لتمر من دون حساب وعقاب , فقد وقفت وحدات الجيش العراقي والقوى الأمنية وأبطال الحشد الشعبي لهم بالمرصاد , وانبرت هذه الأخيرة لمطاردة فلول التنظيم الإرهابي في عدة مناطق , ولقنتها درساً قاسياً في الأنبار, وتقدمت بعملية "ثأر الأبطال" وفاءاً وإنتقاماً لشهداء الحدود , كما تحركت القوى الأمنية في نينوى وغير مكان لتقتص من تلك الخلايا وتضعها في السجون وحيث يجب أن تكون.

لقد أصبح الحديث عن انسحاب القوات الأمريكية من العراق يحتل المرتبة الثانية في وسائل الإعلام العالمية , وبدأ بعضها يرفع منسوب الحديث – بشكل تدريجي - عن الإنسحاب التالي من سورية.

يستحق العراق العظيم وشعبه ومقاومته أن يحقق الإنتصار الكبير وإجبار الأمريكيين على الإنسحاب بدون ذرائع مع نهاية العام الحالي , بما يمنح المزيد من الأمل والتفاؤل والثقة للدولة السورية وشعبها بأن الإنسحاب التالي هو من سورية... وإذا كان الإنسحاب الأمريكي حتميٌ في العراق , فلا بد من التذكير بأن القصة الغربية - الأمريكية لم تبدأ عام 2003 , وبأنها ارتبطت أساساً بالنفط والثروات العراقية منذ نهاية الحرب العالمية الأولى والإحتلال البريطاني واستمرت حتى يومنا هذا , واستحوذت على صفحات لا تعد ولا تحصى من العدوان على العراق وشعبه وثرواته , وما تخللته من أكاذيب حيال الجمرة الخبيثة , وأسلحة الدمار الشامل , وغيرها من الصفحات الغربية السوداء , التي دفع الشعب العراقي ثمنها غالياً من دماء أبنائه ودموع أمهاته , ومن نهبٍ رهيب لثرواته التي كانت كفيلة بتربعه على عرش الإقتصاد في المنطقة والإقليم , بما يضاف إلى تربعه على سلم الحضارات التاريخية.

المهندس: ميشيل كلاغاصي

10/9/2021 

فروا من أفغانستان .. متى يفرون من سورية ؟ - م.ميشيل كلاغاصي


على الرغم من التكاليف والأثمان السياسية والعسكرية والمالية الباهظة التي تكبَّدتها الولايات المتحدة الأميركية في فيتنام ولبنان والعراق وأفغانستان وسوريا، شهد العالم الأسبوع الماضي انسحاباً أميركياً وأطلسياً فوضوياً غير مسؤول، كانت إحدى نتائجه مقتل 13 جندياً أميركياً وبعض البريطانيين وعشرات المدنيين الأفغان، الأمر الَّذي يؤكّد أنَّ الغرب لم يتعلّم من دروس الماضي الأليمة.

ومن المثير للسّخرية أن يوجّه كلّ من الرئيس الأميركي جو بايدن ورئيس الناتو ينس ستولتنبرغ أصابع الاتهام إلى القادة الأفغان الَّذين فروا منذ اللحظات الأولى، لتقدم "طالبان" نحو السيطرة على غالبية عواصم الأقاليم قبل وصولهم إلى كابول، فالناتو والولايات المتحدة لا يشعرون بالحرج وهم يطلقون الأكاذيب ويروجون إلى أنهم منقذو العالم، وجالبو الديمقراطية والازدهار والسلام، والمدافعون عن حقوق الأطفال والمرأة والإنسان في تلك البلاد التي احتلوها ودمروها ونهبوا خيراتها. يا لها من سياسة خارجية قامت ولعقود على استراتيجيةٍ تنضوي على أيدولوجيا غربية متوحشة ومريضة، تبدأ بتدمير الدول، ثم بإعادة إعمارها، سبيلاً لتحقيق المكاسب وتكريس الهيمنة!

كانت غالبية دول العالم تعتبر "طالبان" إرهابية، ولا يعني تمددها اليوم وسيطرتها على البلاد أنها شرعية، ولم يسبق لأيِّ دولة أن اعترفت بها، بدليل تصنيفها الإرهابي في لوائح عدد من الدول. واليوم، وبعد الانسحاب الأميركي والأطلسي، بات معيار الكثيرين للاعتراف بـ"طالبان"، ومنهم الولايات المتحدة ودول الناتو، مرهونٌ "بسلوكها وأفعالها" الحالية والمستقبلية، وليس تاريخها والجرائم التي ارتكبتها، وبحقيقة مشروعها والأيديولوجيا التكفيرية المتطرفة التي تتحكم في عقول قادتها وبعض داعميهم، في الوقت الذي يذهب الوزير أنتوني بلينكن إلى أبعد من ذلك، ويختزل كل ما تريده واشنطن من "طالبان" بـ"محاربة الإرهاب"، فيما يرى الكثيرون اليوم أن الاعتراف بالحركة بات بحكم الأمر الواقع، وهذا يؤكد نجاح واشنطن بتحويل "طالبان" من حركة إرهابية إلى طرف شرعي ومعترف به في المعادلة الأفغانية، وسيكون حتماً في مواجهة أطراف متوقعة وأخرى قد تتضح معالمها قريباً.

هذا الأمر يقودنا إلى السؤال: هل تحاول واشنطن وعواصم الناتو تطبيق الأمر ذاته في سوريا، من خلال تمسكها بوجودها كقوة احتلال سافر في الأراضي السورية، وبمحاولاتها لتلميع صورة المدعو أبو محمد الجولاني، زعيم تنظيم جبهة "النصرة – القاعدة"، في محافظة إدلب ومحيطها، بما يملكه من إمرةٍ على عدد كبير من الإرهابيين المحليين والغرباء، تحت عنوان أنه بات لا يشكل خطراً على الأمن القومي الأميركي، وأنه زعيم سياسي لمعارضة مسلحة لحماية المدنيين السوريين من دولتهم وحكومتهم وجيشهم الوطني؟ هل تسعى واشنطن وأدواتها في دول الشر لتحويل "النصرة" إلى أمر واقع على غرار "طالبان" في أفغانستان وفق المعايير ذاتها، وعلى أساس منحه شهادة حسن سلوك أميركية - أطلسية، وعلى أساس أفعاله وتنظيمه الإرهابي المستقبلية، وليس بحسب تاريخهم الإرهابي والإجرامي في سوريا، من دون الاكتراث إلى تصنيفهم الإرهابي الأميركي والأممي والدولي؟

ماذا ستكون التداعيات على سوريا بعد حربٍ تجاوزت 10 سنوات؟ ومتى ستتوقف؟ هل سيحاول "منقذو العالم" الاستمرار بتعطيل الحل السياسي في سوريا، واستمرار محاولات تقسيمها ونهب ثرواتها وحصارها وشعبها وحرمانه من خيرات بلاده، ومن أدنى متطلبات الحياة من نفط وغاز ومحاصيل زراعية وغذاء ودواء في زمن جائحة كورونا، ودفع أبنائه نحو الهجرة؟

وبما أن "دوام الحال من المحال"، فلن يطول زمن حصاد جهود الدولة السورية الرسمية والشعبية، فقرار تحرير "كل شبر" متخذٌ، وبشكل رسمي ومعلن، منذ اللحظات الأولى للغزو الأميركي والتركي والانفصالي والإرهابي، كذلك قرار الشعب السوري ومقاومته الاحتلال هو من صلب جيناته اليوم وعبر التاريخ، وسيتم من دون أدنى شك اختراق المخطط الخبيث في ما تبقى من بؤر احتلال وتواجد إرهابي في الأراضي السورية، وستجد الولايات المتحدة الأميركية نفسها في وضع لا تحسد عليه، ولن يكون أمامها سوى الفرار السريع والهزيمة الكبرى ووصمة العار الإضافية لـ"جيش" احتلال "الدولة العظمى" وعصابة حلف الناتو.

يدرك العالم أن واشنطن لن تستفيد من المشهد الأفغاني في سوريا، فالحالتان مختلفتان تماماً، لكنهما قد تشتركان في مشهد فرار الولايات المتحدة والناتو. وعليه، يبقى السؤال: متى يفرون من سوريا؟ ومتى ستقودهم الحكمة إلى قرار تقليص خسائرهم في الشرق الأوسط، ويمدون يدهم إلى سوريا المنتصرة؟ ومتى سيعودون والأوروبيين والأتراك والعرب إلى التطبيع مع سوريا، وإنهاء العقوبات، وسحب القوات الأميركية وغيرها من الأراضي السورية، واحترام سيادتها الوطنية ووحدة أراضيها، والكفّ عن التدخل في شؤونها الداخلية؟

آن الأوان لتعميم بعض الأصوات الداخلية في مراكز صنع القرار الأميركي، والاتحاد خلف صوت عضو مجلس الشيوخ عن ولاية فرجينيا المتقاعد ريتشارد بلاك في مقابلته مع صحيفة "سوريا تايمز" الإلكترونية، والذي تساءل: "ألم تساعدنا سوريا على محاربة أكبر جيشٍ من إرهابيي القاعدة على وجه الأرض في إدلب؟ وبما أنّ "عدو عدوي هو صديقي"، فقد حان الوقت لنسأل أنفسنا: من هو صديقنا؟ سوريا أم "القاعدة"؟".

لا بد لعقلاء الولايات المتحدة والقارة العجوز من قراءة المرحلة بدقّة وواقعيّة، وأنّها ماضيةٌ نحو أفول "الإمبراطورية الأميركية" التي لا بدّ لها من أن تُسقط أوروبا معها، لأنها جزء منها، فالعالم الجديد متعدّد الأقطاب، ويتقاسم النفوذ الذي يحمي المصالح الاقتصادية بالدرجة الأولى، ولا يتحكّم في حياة البشر، وفي تغيير الأنظمة السياسية بالقوة، وفرض العقوبات، وتعميم النسخ الخاصة والمزيفة للديمقراطية.

المهندس: ميشيل كلاغاصي

6/9/2021