Wednesday, January 27, 2021

الإعلام "العربي" في خدمة الأكاذيب والعدوان الإسرائيلي على سوريا - م. ميشيل كلاغاصي


                                                                                                                                
                                                                                                      الإعلام "العربي" في خدمة الأكاذيب والعدوان الإسرائيلي على سوريا                                    

" إكذب إكذب فأنا أصدقك "

المهندس: ميشيل كلاغاصي

23/1/2021

لا يحتاج الإعلام إلى تزكية جديدة, ولتأكيدات إضافية على دوره الكبير في أزمنة السلم والحرب, حتى دوره السلبي والتضليلي أصبح معروفاً على الرغم من حجم ما يمكن أن يحمله من أكاذيب وإشاعات قد تكون مكشوفة كليةً أو بشكل جزئي, وفي جميع الأحوال وقبل أن يقع الإعلام في مصيدة التسييس المفضوح , كان هناك هامش ضئيل للحقيقة يستخدمها الإعلام المعادي أو المحرض والتضليلي في تأليف ونشر الأخبار الكاذبة , على عكس ما نراه اليوم فقد اختفى هذا الهامش تماماً, وللأسف كانت دائماً ولا تزال مثل هذه الأخبار والإشاعات تجد طريقها نحو ملايين البشر عموماً وفي عالمنا العربي والمنطقة خصوصاً, إما بسبب الجهل أو بمنطق التخلف والتعصب ضد جهاتٍ ما وسياساتٍ ما لحكوماتٍ ودول بعينها, كذلك ضد قضايا محقة وعادلة, ومنهم من يعتقد أنه يخدم الحقيقة أو يدعم أحقاده أو غرائزه أو معتقداته أو تطرفه, والأخطر أن يتم شحن وتجييش هكذا جمهور ومتلقين لقبول كل ما يضخه الإعلام الكاذب على الرغم من إنكشاف وسائله وأساليبه, ولسان حالهم يقول إكذب إكذب فأنا أصدقك.

وإذا كنا في العالم العربي قد خبرنا مثل هذا الإعلام وجمهوره فيما سمي بـ "الربيع العربي", والذي واستهدف كلاً من العراق وسوريا وليبيا واليمن ولبنان وغيرهم, فيما لم تستهدف أنظمة بعض الدول العربية نتيجة إستسلامها الكامل إما منذ عقود مضت أو مؤخراً تحت عناوين مختلفة, ويبقى العنوان الأبرز هو التطبيع المجاني مع سلطات الكيان الإسرائيلي الغاصب, والتحالفات المعلنة وأو تلك القادمة إلى العلن قريباً ومستقبلاً.

كذلك لا يحتاج الأمر لتكرار الحديث عن طبيعة الإحتلال الإسرائيلي العنصرية والعدوانية التوسعية, ولا عن مخططاته وأساليبه الوحشية وأدواته وإعلامه وعملائه في العالم العربي, فالإنقسام العربي أصبح أكبر من يختبئ وراء ستار أو إصبع حتى, ولم يعد مهماً أن تفضح عرشاً أو مشيخة أو حكومةً عربية أو من يأكل من يدهم ويشرب من سمهم حتى لو نظف نفسه تحت مسمى "إعلامي" أو "معارضات" سياسية أو مسلحة , ونخشى أن الإصطفاف العلني أصبح بين من هو مع العدو الإسرائيلي ومن ضده, ومن هو مع إيران ومن هو ضدها, بعدما تم استبدالها كعدو مفترض عوضاً عن العدو الإسرائيلي.  

وفي هذا السياق يجري العمل حثيثاً لتصفية القضية الفلسطينية , ولتدمير الدولة السورية بقيادتها وجيشها وشعبها المقاوم , ولإستمرار التاّمر على العراق وخطف قراره السيادي والسياسي وسحق أبطاله ومقاوميه, والعبث في ليبيا لإنتاج حكومة دمى, ولإخضاع اليمن بعد تدميره وشيطنة مقاوميه وإلغائهم, والضغط على لبنان لنزع أسباب قوته وسلاح مقاومته .

بات من دواعي السخرية تذرّع بعض الأنظمة العربية بالوجود الإيراني في سوريا , وكفاحهم المستميت لإخراجها منها , وتراهم يلهثون وراء تبرير العدوان الإسرائيلي الجوي والصاروخي المستمر على سوريا ووفق الدعاية والأكاذيب الإسرائيلية , التي تدعي قصف قوافل أو أماكن عسكرية وحيوية ومستودعات ذخيرة وصواريخ تابعة لإيران أو لحزب الله اللبناني والعراقي والحشد الشعبي والعصائب وغيرها ...

عجباً يريدون إخراج إيران وكل المقاومين وكل من يدافع عن قلعة المقاومة في سوريا لأجل سوريا وقضايا الأمة العربية وفلسطين الحبيبة ..! أم يدعمون مخططات وجرائم الإحتلال الإسرائيلي في سوريا .. ويحهم هل يحاولون إقناع السوريين بمحبتهم وإهتمامهم بوقف الحرب التدمير الممنهج والحصار ودعم إعادة الإعمار عبر الصواريخ الإسرائيلية والجرائم التركية والنهب الأمريكي وجرائم التنظيمات الإرهابية والإنفصالية ..!

وكيف للمقاومين أن ينزعوا تأصل العمالة الإسرائيلية من رؤوس غالبية الحكام العرب ومن يسير في ركبهم, وكيف لهم أن يستعيدوا الضالين العرب من براثن الصهيونية .. تبدو مقاومة الإحتلال وتحرير الأرض واستعادة الحقوق أقرب إلى التحقيق في زماننا هذا من ثني بعض العروش العربية عن العمالة والخيانة.

ولم نعد نستغرب دعم الأنظمة العربية لمشاريع ومخططات العدو الإسرائيلي والصهيو- أمريكي في سوريا, في وقت لا يدعمون فيه الدولة والجيش والشعب السوري في كفاحه ودفاعه المقدس عن سوريا, وعدم اصطفافهم وراء مطالبة عربية واحدة لخروج قوات الإحتلال الأمريكي والتركي, ولدعم الموقف السوري في الأمم المتحدة ومجلس الأمن لوقف الإعتداءت الإسرائيلية المتكررة على سوريا, ومحاسبة قادته على جرائم الحرب التي يقترفونها بتدمير سوريا وبإستهداف المدنيين والشعب الاّمن, ولكم في العدوان يوم أمس الأول على مدينة حماه خير شاهد, وما روجه ورواه بعض الإعلام "العربي" لتبرير هذا العدوان..!

فكيف للأنظمة العربية أن تطالب بخروج إيران, فيما هم مندفعون لإقحام أنفسهم ويقاتلون من أجل زرع عبيدهم وممثليهم في الحل السوري الداخلي تحت مسمى "المعارضة", بعد فشلهم الميداني عبر تنظيماتهم الإرهابية, أي معارضةٍ تلك التي تمثل السعودية وقطر وتركيا وأمريكا وإسرائيل والتنظيمات الإرهابية .!

وللأسف , لا زال إعلاميو هذه العروش والمشيخات وبعض الحكومات, يهللون للعدوان الإسرائيلي على سوريا , ويسعون بكل إمكاناتهم لترويج الأكاذيب الإسرائيلية, والتي لن يكون اّخرها الترويج إلى لقاءاتٍ سورية – إسرائيلية برعاية روسية في قاعدة حميميم وبأن التطبيع قد يكون أول الثمار المعلنة ...

يا لها من وقاحة , ويالها من أكاذيب , ويا لغبائهم ... إذ لا تحتاج سوريا وقيادتها وجيشها وشعبها لمن يدحض هذه الأكاذيب والتفاهات, فتاريخها ونضالها ومواقفها العربية والقومية والوطنية يعرفها العدو قبل الصديق, وصمودها الإسطوري لأكثر من عشر سنوات, وإنتصاراتها التي حققتها بفضل شجاعة قائدها وبسالة قواتها المسلحة وصمود شعبها, وتلك التضحيات وشلالات دماء شهدائها التي روت أرضها لتطهيرها من دنس الإرهاب والغزاة, تؤكد زيف الإعلام الإسرائيلي و"العربي", وتكشف عورة التخاذل والتاّمر العربي والدولي, ولا بد للجميع من فهم واستيعاب أن ما قاتلت سوريا من أجله وربحته في الميدان لن تقدمه هديةً سياسية لعدو أو لشقيق مزيف, فقد قاتلت لأجل العرب وعنهم , ولأجل القضية الفلسطينية, ولأجل أرضها وشعبها وحقوقها وعزتها, ولن يثنيها عن أهدافها وطموحاتها إعلامٌ مأجور وحاقد, أفضل إنجازاته إنتاج كتائب الذباب المرئي والمسموع والمكتوب والإلكتروني.

المهندس: ميشيل كلاغاصي

23/1/2021 

Friday, January 22, 2021

أمريكا – بايدن لإيران " إن عدتم إلى الإتفاق عدنا " - م. ميشيل كلاغاصي


منذ نجاح الثورة الإسلامية الإيرانية أصبحت العلاقة بين طهران والعالم الغربي صعبةً ومعقدة للغاية , ولم تكن لتخلو من الأيام الصعبة التي عاشها الإيرانيون نتيجة الحصار والتاّمر وحروب الأصالة والوكالة , واعتقد كثيرون أنها ما بعد توقيع الإتفاق النووي ستسير نحو الأفضل , خصوصاً مع إلتزام طهران صراحةً ببرنامجها النووي السلمي ووفق الشروط والمعايير الدولية ... إتفاقٌ وعد بالكثير من الفائدة لجميع الأطراف ( الأمريكيين , الإيرانيين , الأوروبيين ) من حيث التبادل التكنولوجي والتجاري والاستثمارات الأجنبية ، على الرغم من العقوبات الاقتصادية الجديدة التي كانت أمريكا - أوباما قد فرضتها بالفعل في أعقاب التوقيع... ومع ذلك ، بدا للكثيرين بأن الإتفاق يعتبر الطريقة الصحيحة والوحيدة لتطبيع العلاقات بين جمهورية إيران الإسلامية والولايات المتحدة وأوروبا... لكن , الإنسحاب أحادي الجانب من المعاهدة الذي قام به الرئيس دونالد ترامب أدى إلى تدمير الحلم بخطة العمل الشاملة المشتركة تماماً.

مع الانسحاب الأمريكي من المعاهدة وانتهاء سريان حظر الأسلحة الدولي ، قررت إيران مواجهة تحدي حصار القرار الإيراني وأن يكون لها مطلق الحرية في تقرير مستقبلها ، لكن مسلسل الإستفزازات الأمريكية واستهداف الدولة الإيرانية في الداخل الإيراني عبر "المعارضة, ومن تدعونهم واشنطن معارضين وحلفائها , وبتهديد واستهداف مصالحها خارج حدودها وفي المنطقة والعالم لم يتوقف , ناهيك عن الحصار متعدد الأشكال والأدوات والوسائل , ولجوئها إلى تشكيل الأحلاف السياسية والعسكرية , واستخدام البروباغاندا الإعلامية لتشويه وشيطنة الدولة الإيرانية وقيادتها وشعبها , ولم تتوان بالعودة إلى سياسة الإغتيالات , وتمكنت من إغتيال الشهيد اللواء قاسم سليماني , وأتبعته بإغتيال العالم النووي البارز محسن فخري زاده .

لم يولِ العالم اهتماماً كبيراً بما اقترفته الأيدي الأمريكية , ولم نر موقفاً دولياً جامعاً يدين مرتكبي هذه الجرائم والخارجين على القانون الدولي لإيقافهم ومحاسبتهم , وكف يدهم عن إعتبار الكرة الأرضية مكاناً مستباحاً "لشرورهم".

لم يترك الأمريكيون للدولة والقيادة والشعب الإيراني أي خيار سوى المواجهة وتحدي الحصار والإستهداف المباشر , خصوصاً أن الإستسلام والتنازل عن الحقوق أمرٌ غير وارد في القاموس الإيراني , إذ لم يعد الحوار مجدياً مع واشنطن وإدارة ترمب المتوحشة , بالتوازي مع تخاذل ونفاق الدول الأوروبية الموقعة على الإتفاق , على الرغم من تضرر مصالحها الخاصة جراء الإنسحاب الأمريكي أحادي الجانب... ولم يعد الإنخراط في أي حوار أو تفاوض ممكناً للعودة إلى الإتفاق والخطة المشتركة , وبات على الأمريكيون التفكير الجدي بوقف جميع الإستهدافات والعدوان , ورفع جميع العقوبات , وتعويض الدولة الإيرانية ما تضررت به نتيجة الإنسحاب والتعطيل الأمريكي للإتفاق , وبات عليهم دفع ثمن جرائمهم وتسليم الجناة المسؤولين عن إغتيال اللواء سليماني والحاج أبو مهدي المهندس , وبتقديم ضمانات قانونية وتنفيذية قوية وواضحة ليعود الإتفاق والخطة الشاملة إلى ما تم الإتفاق عليه في العام 2015 , في الوقت الذي لن تقبل إيران أي نقاش في طبيعة ترسانتها الصاروخية الدفاعية بحسب الشروط الأمريكية في ظاهرها والإسرائيلية في باطنها وعمقها...

وإذ يعتبر البعض أنه لم يكن من الصواب لإيران أن تثق بالغرب , لكن هذا بحد ذاته يعتبر دليلاً على إفتقار الأمريكيين للصدق حتى في إتفاقاتهم وسلوكهم , وتذبذب ونفاق وضعف الأوروبيين .

انتهت سنوات الفوضى مع إنتهاء ولاية الرئيس ترمب بالفشل , واستطاعت الدولة الإيرانية الحفاظ على عناصرها وأدواتها الرادعة وفقًا للأعراف والمعايير الدولية , على الرغم من العقوبات القاسية والظالمة ، ولم تكن إدارة ترمب تملك من الجرأة والإمكانية لشن عدوانٍ جديد على إيران خصوصاً في الأشهر الأخيرة لولاية ترمب .. وعليه كان لا بد من رحيله ذليلاً وخائباً , وترك العبرة لخلفه جو بايدن , خصوصاً مع إعلان نيته شطب جميع أخطاء إدارة ترمب والعودة إلى التحالفات والإتفاقات السابقة ولخصها بعبارة "ستكون بداية جديدة" , وقد تطايرت تصاريح أمريكية من هنا وهناك في صخب يوم تنصيب بايدن رئيساً , أهم ما قيل فيه ومن البيت الأبيض أنه يمكن لأمريكا أن تعود إلى الإتفاق إن عادت إيران ... سننتظر ونرى.

المهندس: ميشيل كلاغاصي

21/1/2019 

Wednesday, January 20, 2021

فوز وهزيمة "الرئيس" ...الشرخ الأمريكي الكبير - م. ميشيل كلاغاصي

 

غدت الإنتخابات الأمريكية الحالية الأشهر والأكثر جدلاً وصخباً وخطورةً في تاريخ الولايات المتحدة , ويطرح السؤال نفسه, هل فاز بايدن وهُزم ترمب, هل كانت انتخابات مزورة, أم هو مجرد إدعاء وإكذوبة من أكاذيب الرئيس ترمب... مالذي دفعه لإستنهاض همم مناصريه وتحريضهم على إقتحام مبنى الكونغرس, وعن أي حقٍ تحدثوا وتظاهروا واستخدموا العنف لأجله ؟

هل حقاً اعتقد الديمقراطيون أن جو بايدن هو الرجل الأقوى ورأس حربتهم وممثلهم نحو الفوز بالرئاسة, وكيف لترمب أن يُهزم أمام من كان يصفه بـ " Sleepy Joe / جو سليبي", من الذي ايقظه ونفخ عضلاته ليصبح الـ "سوبر- بايدن".!

ويتساءل البعض هل هي المنافسة بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري, هل للدولة العميقة والمتحكمين دورٌ ما, ماذا عن النخب, والمهاجرين, ماذا عن العنصرية المتفشية والسياسة الداخلية, ماذا عن الكورونا والإقتصاد والبطالة والصحة, ماذا عن اليمينيين المتطرفين وعن البيض القوميين, وعن الشرطة الأمريكية, والإعلام الأمريكي, ماذا عن الحروب والسياسة الخارجية ومن يديرها أهو البيت الأبيض أم البنتاغون.؟

الإعلام الأمريكي وتغطية اقتحام مبنى الكونغرس ... تابعنا عبر الشاشات كيف وصف الإعلام الأمريكي المقتحمين  بـ "المتظاهرين" ,"الفوضويين" ,"العصابة" و "المؤيدين لترمب" ...إلخ , فيما وصفهم بعض الساسة بـ الرعاع والإرهابيين ... هؤلاء الذين اقتحموا المبنى وعطلوا جلسة دستورية , وسرقوا حواسيب وأوراق هامة , واعتدوا على الشرطة , ورغم ذلك لم يصفهم الإعلام الأمريكي بالوصف الحقيقي الذي يجاهرون به بأنفسهم , ووضعوا شعاراتهم علناً على قمصانهم وستراتهم , فمنهم من كتب عبارة " المحرقة اليهودية " و "الحرب الأهلية" , ومنهم من حمل رموز وشعارات العنصرية البيضاء , ومنهم من حمل لافتات كُتب عليها " قتلوا ستة ملايين يهودي وسنقتل ستة ملايين أسود" , وظهرت الأعلام الإسرائيلية , وأعلام بعض التنظيمات المتطرفة الإرهابية كـ "أنتيفا".

والسؤال لماذا لم يصفهم الإعلام الأمريكي بـ "النازيين" و " العنصريين" و "الفاشيين" و"القوميين البيض" و"المتطرفين اليمينيين" .. ولماذا عبّر المراسلين الصحفيين لأهم القنوات الأمريكية عن دهشتهم لهول مشهد الإقتحام, فمنهم من قال: "يبدو وكأننا في كابول أو في العراق" ومنهم قال: "وكأننا في إحدى دول العالم الثالث أو في جمهوريات الموز" , ألا يعرفون أنهم في أمريكا وفي واشنطن تحديداً ؟

إلى أي دركٍ وصل النفاق الإعلامي الأمريكي عندما وصف حدثاً بغير أوصافه ونسبه إلى غير مكانه , هل أرادوا جعل المشهد مفاجئاً وأنه لا يمكن للهمجية والعنف أن يحدثا سوى في دول العالم الثالث وأفريقيا ودول أمريكا اللاتينية ..!

لماذا لم يعترف الإعلام الأمريكي بحقيقة الأخطاء والخلل في بنية الدولة الأمريكية والعنصرية المتفشية فيها, وبالإمتيازات والحقوق التي يشعر البيض بإمتلاكها دون سواهم من السود وغيرهم , وبإزدواجية تعامل الشرطة مع البيض والسود ... يبدو أن مواجهة الحقيقة مؤلمة وصعبة للغاية خصوصاً وأن الجسد الإعلامي الأمريكي وبغالبيته يسيطر عليه البيض, وهذا بحد ذاته يعتبر دليلاً على أن ما يجري في أمريكا ليس إنقساماً حزبياً أو حتى على مستوى النخب  بل هو انقسام اجتماعي عرقي وايدولوجي حادّ جداً بين البيض ومن يتحالف معهم من الأقليات وبين المهاجرين واليساريين البيض.

إنقسامٌ خطير يعكس الشرخ الكبير الذي أصاب جسد الدولة الأمريكية والذي يمكن إعتباره مقدمة لما هو أعظم, ولا نبالغ بالقول بأنه يمهد لخطرِ كبير وللإنهيار القادم, وقد تكون حياة ترمب على المحك وتعادل صاعق قنبلة على الرغم من عدم مسؤوليته عن العنصرية المتفشية, لكنه أحسن استغلالها للوصول إلى سدة الحكم , وحاول استغلالها حتى الرمق الأخير للبقاء في الحكم... ويخطئ من يعتبره "الشخص" الذي يمثل المتطرفين البيض، لكنه يمثل "الفكرة" القائمة على إعتبار أمريكا هي الدولة التي بناها وحوّلها البيض القادمون من أوروبا إلى امبراطورية تحكم العالم.

هؤلاء البيض-المحافظين يشعرون بالخطر والإستياء  وهم يرون حُكم البلاد يفلت من أيديهم ولن يتساهلوا بوصوله إلى المهاجرين ( أمثال كامالا هاريس وإلهان عمر ...) وإلى البيض اليساريين , وبالتالي يرون أن ترمب هو المُخلّص، والقضية بالنسبة إليهم هي حرب وليست مجرد انتخابات , وما نراه من توترٍ شديد قبيل حفل تنصيب بايدن رئيساً, مع حشد عسكري وشرطي كبير وصل حد استخدام الطائرات بدون طيار والمروحيات العسكرية وما يقارب الـ /30/ ألف جندي, واستخدام الأسوار والأسلاك الشائكة والمدرعات, وهذا قد يدعم وصفنا بأنها حرب بإمتياز.

من المؤكد أن ما يحدث اليوم ليس وليد اللحظة, ويذهب إلى أبعد من فوز بايدن وهزيمة ترمب في الإنتخابات, ولا بد من التأكيد على عشرات الأسباب والأخطاء التي ارتكبتها الدولة الأمريكية المحكومة بذهنية الغطرسة والقوة الغاشمة والعنصرية, وسياسة سحق الدول والحكومات وإشاعة الفوضى حول العالم, وفرض الهيمنة على الدول والشعوب والتحكم بحياتهم ومصائرهم , بالتوازي مع إنهيار البروباغاندا الإعلامية والشعارات الكاذبة حيال الحرية والديمقراطية والعدالة والمساواة وحقوق الإنسان , وبات الأمريكيون يرون زيف هذه الإدعاءات, وبدأت تتصاعد أصوات المؤيدين للحق الفلسطيني ليس من الفلسطينيين والعرب في أمريكا فقط بل من مواطنين من أصولِ قومياتٍ وعرقياتٍ أخرى, وبتنا نرى الكثيرين من غير السود يتظاهرون معهم ويؤيدون مطالبهم, وبدأت تتصاعد قوة حركة المقاطعة الإسرائيلية, وبدأ عديد الأمريكيون يستاؤون من تحول الإدارات الأمريكية المتعاقبة إلى "اّلات" هدفها الدفاع عن المصالح الإسرائيلية وخوض الحروب نيابةً عنها ...

تبدو أمريكا اليوم على مفترق طرقِ خطير يفرض عليها إما إصلاحاً فورياً وجدياً, أو مواجهة التفتت والإنقسام وصولاً إلى إنهيار هذه الإمبراطورية , إنقسامٌ يُخشى أن تطال جبهاته وتداعياته إلى حيث امتد وانتشر اليمين المتطرف حول العالم.

المهندس : ميشيل كلاغاصي


19/1/2021

Saturday, September 26, 2020

الوحدة الكردية .. جيفري لن يصنع "المعجزة" - م. ميشيل كلاغاصي

 


لم يطرأ تبدل كبيرعلى الخرائط الميدانية في سوريا منذ أشهر، وتوقفت إحتمالات إحراز أي تقدم عسكري للقوات الأمريكية وأدواتها الإرهابية سواء كانت إنفصالية أم داعشية ، وبقي الإحتمال الوحيد والأكيد هو تحرك وحدات الجيش العربي السوري وفق أجندته الخاصة  نحو استكمال تحرير ما تبقى من أراضٍ تقع تحت السيطرة القوات والعصابات الأمريكية والتركية والكردية ، وبات بحسب الرؤية الروسية والوزير لافروف بأن: "المواجهة العسكرية بين الحكومة السورية والمعارضة انتهت وهناك نقطتين ساخنتين فقط وهما إدلب وشرق الفرات" .

وباتت واشنطن تعول على هيبتها والتهديد بسياساتها العدوانية - الإجرامية ، وأخرجت للعلن مخططها الوقح حول إغتيال الرئيس بشار الأسد ، في محاولة منها لمنع أية تحركات كبرى للجيش العربي السوري وتحديدا ً بإتجاه مناطق شمال وشرق الفرات ، وباتت تتوجس صلابة الرئيس الأسد وكلامه عن المقاومة الشعبية السورية ، التي تتصاعد تحركاتها وتظاهراتها يوما ً بعد يوم ضد وجودها اللاشرعي وضد ميليشياتها الإنفصالية – المجرمة.

وعليه ، أصبح تمسكها بالحصار والضغوط الإقتصادية أولوية على حساب فعاليتها العسكرية ، بالتوازي مع الوجود العسكري الروسي من مناطق وجودها وعلى محاور تحركاتها ، مع ارتفاع احتمالات الصدام العسكري المباشر بين الجنود الروس والأمريكيين ، كما حدث في 24 اّب المنصرم ، وباتت واشنطن تبحث عن بدائل سياسية تساعدها على استمرار وجودها على الأرض السورية وضمان استمرار الدور الكردي ، دون أن تتخلى عن أهدافها في تقسيم سورية .

أرادت خداع الروس والسوريين عبر إعلانها توحيد الصف الكردي - بعدما كانت ترفض هذه الفكرة الروسية بالأساس - ليكون طرفا ًسياسيا ًوأساسيا ًفي مسار الحل السياسي ومن خلال المعارضة الكردية الواحدة ، وعبر مشاركتها في اللجنة الدستورية ، وبالفعل قامت بجمع كافة الأحزاب والأطراف الكردية وبمساعدة فرنسية ، وأعلنت عن نجاح عملية التوحيد , لكنها بالغت بتفاؤلها وبإعلانها هذا ، فالخلافات الجذرية واختلاف الولاءات للأحزاب الكردية أكبر من أن تنتهي في لقاء أو بممارسة الضغوط ، أو بتسميتهم "شركائنا على الأرض" .. لا زال أمامها الكثير لتتعلمه عن تاريخهم وصعوبة دمجهم وصهرهم في بوتقة واحدة ومشروع سياسي واحد ، و الوثوق بموافقتهم العلنية.

وفي الوقت ذاته ، وعلى الرغم من تكرار "الطعنات" الأمريكية في الظهر التي تحدث عنها الأكراد أنفسهم ، لا يزالون يسيرون في ركبها ، وهم يرون إنهيار إكذوبة تمثيل "قسد" ومسد" لكافة مكونات الشعب السوري ، واقتصار دورها على تنفيذ الأوامر الأمريكية بالسيطرة على حقول واّبار النفط  السورية وسرقتها وحرق المحاصيل حرمان الشعب السوري من ثروات وخيرات بلاده وسلته الغذائية ، وبالتكريد وممارسات القمع والعنف والقتل ، وبهدفها المعلن بالحفاظ على إدارة التوحش - "الإدارة الذاتية" ، على الرغم من تصاعد مشاعر الكراهية تجاههم وخروج الأهالي في مناطق سيطرتهم للتظاهر ضدهم ومطالبتهم بالخروج من مناطقهم , وتأكيد إنتمائهم للدولة السورية ورغبتهم بدخول الجيش العربي السوري لحمايتهم ، بالتوازي مع تضاعف عمليات المقاومة ضد هذه الميليشيات ، وانكشاف حقيقة عمالتها وإجرامها ومشاريعها الإنفصالية .

ففي20 أيلول ، زار المبعوث الأمريكي الخاص لسوريا جيمس جيفري شمال شرق سوريا وعقد إجتماعا ً ضم وفودا ً من "المجلس الوطني الكردي" و"حزب الاتحاد الديمقراطي"  وبعض الأحزاب الكردية المؤيدة لفكرة توحيد الصفوف.

وعلى ما يبدو ، أتت زيارة جيفري بعد موافقة حزب الاتحاد الديمقراطي على اقتراح ٍ أمريكي بتقاسم متساو ٍ للسلطة في هيئة سياسية كردية مشتركة تُعد لشمال شرق سوريا... إن أي إعلان لإنجاز الوحدة الكردية سيكون متسرعا ً، في ظل ضغوط العمليات العسكرية التركية ، والإعلان الأمريكي عن الإنسحاب الجزئي للولايات المتحدة من المناطق الحدودية في شمال سوريا ، بالإضافة إلى التوافق الروسي – الإيراني حول الإستمرار بدعم الدولة السورية والحفاظ على وحدة واستقلال الأراضي السورية ، والتي أقرها القرار الأممي 2254...

إن مغادرة جيمس جيفري الأراضي السورية واتجاهه نحو أربيل ، يؤكد أن مرجعية القرار الكردي ليست في  سورية ، وأن المشروع هو الأمريكي يسعى لإكمال ما بدأه على أرض العراق ويسعى لتمديده داخل الأراضي السورية ، كجزء من المشروع الصهيوني في سوريا الساعي إلى تقسيمها ، واستغلال أكرادها كبيادق على رقعة الشطرنج الصهيونية.

بات من السخرية بمكان أن يتفاقم الصراع السياسي الكردي – الكردي على السلطة في شمال شرق سوريا ، وسط تعدد وتضارب الولاءات والرؤى بين الأحزاب والهيئات ، في وقت ٍ تتالى فيه تصريحات المدعو مظلوم عبدي حول التمسك بـ"الإدارة الذاتية" ، وتصريحات بعض المسؤولين العسكريين حول مقايضة الدولة السورية بالنفط والثروات مقابل الإعتراف بهذه الإدارة ...

بات من المؤكد أن العمى السياسي قد استفحل في عقولهم وأصبحوا عاجزين عن قراءة معادلات الرفض السوري الرسمي والشعبي ، لأي محاولات لتقسيم أو فدرلة سورية ، متناسين الخيارين الذين طرحهما الرئيس بشار الأسد ( الحوار أو القوة ) ، وأن سوريا ستعاقب "كل من تسول نفسه التاّمر على وحدة الأراضي السورية" ، كما أصبحوا عاجزين عن متابعة التطورات والمستجدات الدولية والإقليمية ، وأن الإدارة الأمريكية تبحث عن عقد الصفقات على غرار صفقات التطبيع الخليجي مع العدو الإسرائيلي ، ولا يمكن استبعاد عودتها إلى طاولة المفاوضات الدولية مع حلفائها وأدواتها وخصومها وألد أعدائها ، قبل أن تصفعها هزائمها وينهار إقتصادها على وقع عدم استقرارها الداخلي ، وإنتخاباتها الرئاسية المبشرة بحرب أهلية أمريكية – أمريكية ... حينئذ ٍ لن يجد الكرد من يدعم كفرهم الوطني ومن يهتم بأوهامهم ، وعلى العكس تماما ًسيجدون من سيحاسبهم ، وسيحتاجون من يسامحهم ويعفو عنهم.

المهندس : ميشيل كلاغاصي

26/9/2020

Friday, September 18, 2020

"قسد" في أرجوحة الشيطان - ميشيل كلاغاصي

 

"قسد" في أرجوحة الشيطان



بات من الواضح أن حقيقة التكليف الأمريكي لما تسمى بقوات سوريا الديمقراطية يتخطى حدود مناطق سيطرتها، وحدود الدولة السورية ، والمربع الحيوي للدول الأربعة ( إيران , العراق , تركيا ، سورية )، ويتعداها ليكون جزءا ًرئيسيا ً لحدود الصراع الجيو- سياسي في سورية والإقليم .. ومع استراتيجية الفوضى الأمريكية العارمة وربط الصراعات المحلية بالإقليمية والدولية .. اختارت الولايات المتحدة سياسة الأرجحة ما بين الفعل ونقيضه، فإنسحبت من بعض الإتفاقات والمعاهدات الدولية والثنائية، وعرضت شروطها الجديدة للتفاوض مع ذات الجهات، بعد تطبيق الضغوط والحصار والترهيب والقوة العسكرية عليها، كذلك كإعلانها إنسحاب قواتها من سورية وتعزيز أدوات بقائها فيها , حتى في كلام ترامب "أنا أكره الكرد"، " أنا أحب الكرد فهم شجعان"، وحديثه عن "حماية اّبار وحقول النفط في سورية" من تنظيم "داعش" إلى تسليمها للأكراد، ولاحقا ً إعلانه "استحواذ قواته وسيطرتها على النفط السوري" و"استعداده للقتال" من أجلها ...

يبدو أن واشنطن قد وجدت في أرجحتها تعويضا ً لهزائمها العسكرية والسياسية في سورية، وأقله أوقفت مدّ خصومها وأعدائها وتقدم الدولة السورية نحو كسب المعركة وإنهائها .. فعممت سياسة الأرجحة على كافة أدواتها من تنظيمات إرهابية وميليشيات إنفصالية – إرهابية، وعلى الدول التابعة المنخرطة في مشروعها كتركيا والأنظمة الخليجية.

ماذا عن أرجحة "قسد" ... منذ أن سلّمت "قسد" نفسها للأمريكيين وهي تنفذ ما يطلب منها، وذهبت بعيدا ًبتبنيها المشروع الأمريكي وباتت تغطي أجندته التقسيمية بجسدها وبأحلامها وأوهامها، واندفعت تحت التعميم والقيادة الأمريكية للأرجحة على ثلاثة "حبال" ومحاور، بما يكفل إخفاء نواياها ويبرر سلوكها وتصرفاتها:

المحور الأول ... وهو محور إعلامي لفظي يروج لنفي الغايات والممارسات الإنفصالية, والإدعاء بالحفاظ على وحدة الأراضي السورية, ومحاربة الإرهاب, وإعتماد الحل السياسي الداخلي ولغة الحوار مع الدولة السورية.

المحور الثاني ... وهو محور إنفصالي تقسيمي بإمتياز، قامت من خلاله بسلسلة من الإجراءات والمواقف، أولها رفض عودة سيطرة الدولة ومؤسساتها في شمال وشرق البلاد حتى بعد كسر شوكة تنظيم "داعش" الإرهابي، ولجأت إلى التمرد المطلق، ونسفت النظام السياسي والإداري في مناطقها، وأعلنت تأسيس "الإدارة الذاتية"، وأنشأت مجلسي "قسد و مسد" ، ولم تتوان عن تهميش غالبية شخصيات ومكونات التركيبة الديموغرافية والسياسية للمنطقة، واعتمدت السلب والنهب وحرق المحاصيل الزراعية والسطو على الثروات النفطية وتحكمت بمصادر مياه الشرب ، وحرمت الشعب السوري من سلته الغذائية والنفطية، وكانت جزءا ً رئيسيا ًمن قانون قيصر لحصار الشعب السوري، وساقت بالعنف أولاد تلك المناطق نحو السجون والمعتقلات أو نحو الإنضمام لصفوف ميليشياتها، واعتمدت سياسة التكريد وإحتلال المدارس، وسعت لإقصاء الحضور الرسمي للدولة ومؤسساتها المختلفة بالقوة المسلحة واستولت على عديد المباني الرسمية وحولتها إلى مقار حزبية أو إلى مستودعات ذخيرة أونقاط تمركز لميليشياتها...أما مجلسها السياسي فجاب العالم بحثا ًعن حصد تأييدٍ دولي لمشروع تقسيم سورية عبر سلسلة من الأكاذيب والأوهام التاريخية من خلال إدعائها حقوقا ًتبرر تصرفاتها.

المحور الثالث ... تمثل بالهرولة نحو دمشق عند كل إعلان أمريكي للإنسحاب من سورية، وإظهرت - بعد رفض ٍ-  اهتمامها بالإنخراط في صفوف المعارضة وبالمشاركة الفعالة في اللجنة الدستورية بشروط .

لم تخرج "قسد" عن الطاعة الأمريكية منذ نشؤها الأول على اليد الأمريكية – الصهيونية، واستعملت حبالها الثلاث في تحركاتها السياسية والعسكرية، ولم تتخل عن حقيقة نواياها وأهدافها رغم ما دعته مرارا ً بـ "الطعنة الأمريكية في الظهر"، ولا زالت تكرر مواقفها، ووقعت مؤخرا ًعلى مذكرة التفاهم المشتركة مع حزب الإرادة الشعبية المعارض.

حيث ورد في بيان المذكرة كلاما ًإعلاميا ًحول وحدة سورية أرضا ًوشعبا ً، ما لبث أن تم نسفه بالمطالبة بالتعدد الهوياتي لمكونات الشعب على حساب الهوية السورية الواحدة، وعلى أسس قومية وعرقية صريحة للأقليات والمكونات ، وأيُّ حقٍ لتقرير مصير ملايين الشعب السوري ذاك الذي يكون على قياس الأقليات !.

كما أتى فيه تأكيد الطرفين دعمهما وسعيهما لتنفيذ القرار 2254 كاملا ً بما في ذلك تنفيذ بيان جنيف البائد وبضم كافة منصات المعارضة بما يعني تسليم السلطة لمعارضات كانت ولا تزال تشكل جزءا ً من الحرب على سورية، وبما يشير أيضا ً إلى ضم "قسد" وإشاركها بالعملية السياسية واللجنة الدستورية، تنفيذا ًمنها لأجندة واشنطن في تعطيل عمل هذه اللجنة وتفخيخها من داخلها.

كما نسف البيان النظام الإداري والسياسي المركزي للدولة السورية، عبر المطالبة بنظام لامركزي، وبالمحافظة على ما تسمى "الإدارة الذاتية" بما يعني شرعنة التمرد الكردي وغيره, والإعتداء على السيادة الوطنية للدولة والشعب السوري، والإعتراف بنواة التقسيم والفدرلة... ولم يفت البيان أن قدم دعمه لبروباغاندا المظلومية والحقوق القومية والعرقية للأكراد والأقليات في أكبر عملية تزييف للواقع الحياة السياسية والإجتماعية في سورية.

ويبقى من أهم ما جاء في البيان الحديث عن منع الجيش من ممارسة دوره السياسي، بما يعني عزل الجيش ومنع رئيس الجمهورية من قيادته، والمطالبة بخروج كافة القوات الأجنبية في تجاهل تام للإتفاقيات العسكرية التي وقعتها الدولة السورية مع حلفائها، ومساواة القوات الشرعية بـ اللاشرعية، بالإضافة إلى ضم "قسد" إلى صفوف الجيش السوري بشروط ووفق إتفاقٍ ثنائي، بما يعني تغييرا ًجذريا ًفي عقيدة الجيش السوري ومبادئه، وقبوله إنضمام العصابات والميليشيات المأجورة في صفوفه، وجعل شمال شرق سورية مرتعا ً للإستخبارات الأمريكية والموساد الإسرائيلي.

لن تحظى المذكرة بقبول الدولة والشعب السوري، بل على العكس تماما ً، وستبقى مذكرة عارٍ وإدانة على جبين موقعيها، ودليلا ً قاطعا ًعلى حقيقتهم وولائهم الخارجي لأعداء سورية أرضا ً وشعبا ً، وستكون عاملا ً إضافيا ً للغضب الشعبي بما سيضاعف أعداد السوريين المقاومين المتطوعين للدفاع عن وحدة وسيادة وكرامة وعنفوان وطنهم إلى جانب الجيش العربي السوري، وعليهم يعلق السوريون اّمالهم بالإنتصار، وليس على من باعوا أنفسهم وتأرجحوا في أرجوحة الشيطان.

إن ركوب "قسد" أرجوحة الشيطان الأمريكي, رفع منسوب هواجس القيادة الروسية، التي تبدو حتى اللحظة عاجزة عن احتوائها واستمالتها لقبول الحل السياسي ولتنقية نفسها من "الشوائب" الإرهابية الغريبة التي سخرت نفسها لخدمة المشروع الصهيوني في سورية والمنطقة... وباتت موسكو تتوجس الصدام المباشر بين "قسد" والقبائل العربية أو المقاومة الشعبية والجيش العربي السوري.

كما باتت موسكو تعاني أرقا ًإضافيا ًحيال الأرجحة التركية، ومستقبل الوجود العسكري التركي اللاشرعي في سورية ، واستمرارها بقيادة للمجاميع والتنظيمات الإرهابية، وعدم إلتزامها بالإتفاق مع موسكو بسحب الأسلحة الثقيلة من محافظة إدلب وخروج الإرهابيين الأجانب، وفتح طريق  M4... وباتت موسكو تؤمن أكثر فأكثر مدى الإرتباط والتعقيد ما بين ملفات شرقي الفرات وغربه ، حيث يشكل التواجد التركي والأمريكي والروسي عاملا ً مشتركا ًفي بقعة ٍجغرافية ضيقة ، ما يرفع إحتمالية أن تتسبب شرارة صغيرة بإندلاع حريق كبير، خصوصا ً بين القوات الأمريكية والروسية على غرار ما حدث في 24 اّب الماضي.   

ومع إهتمام إدارة ترامب بالإنتخابات الرئاسية، تسعى إلى تجميد الأوضاع في سورية، خشية تعرضها لهزيمة مفاجئة سياسية أو عسكرية تصيب النفوذ الأمريكي وتصب في صالح النفوذ الروسي والإيراني، وتطيح بطموحات الرئيس ترامب الرئاسية القادمة وسط غياب إنجازاته، وعليه يزداد تمسكه بأدواته الكردية والتركية والإرهابية، وبإطالة أمد الحرب ومنع دمشق من تحقيق نصرٍ عسكري، وبالإستمرار بسياسة حصار الإقتصاد السوري والعقوبات، وبالحفاظ على حياة  الجنود الأمريكيين المتواجدين بصورة لا شرعية في سورية .

المهندس: ميشيل كلاغاصي

18/9/2020


Wednesday, August 26, 2020

ألمانيا ما بين الحليف التركي والوساطة مع قبرص واليونان - م.ميشيل كلاغاصي

ألمانيا ما بين الحليف التركي والوساطة مع قبرص واليونان

ميشيل كلاغاصي



لطالما كانت النزعة القومية الألمانية قوية وواضحة ولا تخلو من التطرف والتعصب والعنصرية ، حالها كحال معظم الدول الأوروبية ، وبغض النظر عن المصالح المشتركة والعلاقات السياسية والأحلاف العسكرية والتاريخ الطويل الذي يربط تركيا وألمانيا ، تبقى نظرة الأمة الألمانية تجاه العنصر البشري التركي سيئة للغاية ولا تخلو من الكراهية.

وعلى الرغم من ذلك فقد استمر التحالف الألماني التركي حتى بعد الحرب العالمية الأولى مع الجمهورية التركية عام 1923 التي حلت محل الإمبراطورية العثمانية ، ووقع الطرفان "معاهدة الصداقة" عام 1941 ، وكان من نتائجها  هجرة ملايين الأتراك إلى ألمانيا الغربية لملء الفراغ وتعويض نقص اليد العاملة ، الأمر الذي منحهم قدرة التأثيرعلى السياسة الألمانية والرأي العام.

إن عنصرية الألمان ومشاعر الكراهية قديمة وتعود بجذورها إلى أرنودي جوبينو 1816-1882 الدبلوماسي و مؤلف كتاب "بحث في عدم التساوي بين الأجناس البشرية " ، وكان أهم تلاميذه هيوستن شامبرلين الذي عاش في ألمانيا وكتب بالألمانية وُاعتبر فكره ومعلمه الأرضية الأساسية التي قامت عليها "النظرية العنصرية للفكر النازي" ، التي كانت وراء مشاعر الكراهية ودفع الأتراك نحو الأعمال التي يأنفون منها مثل عمال المناجم وشق الطرقات والأعمال الخطرة ، ويطبقون شعارهم الشهير "اخرجوا أيها الأتراك", ناهيك عن الشتائم والألفاظ التي كانوا ينعتونهم بها عبر وسائل إعلامهم .

إن تعداد السكان الكبير في كلا البلدين ، يدفعهما بإتجاه البحث الدائم عن تأمين الطاقة ، خصوصا ً مع شح مواردهما الوطنية ، وإعتمادهما على المصادر الخارجية لتلبية احتياجاتهما منها ، وقد شكل هذا عاملا ً مشتركا ًوسببا ًرئيسيا ًلتحالفهما القوي منذ مئات السنين.

وفي القرن التاسع عشر ومع النهضة الصناعية الأوروبية ، لم يكن بإستطاعة الألمان منافسة البريطانيين والفرنسيين بفضل إمتلاكهم عديد المستعمرات والتي تعتبر كخزانات لموادهم الأولية ، الأمر الذي شجع الألمان على الإقتراب أكثر فأكثر من الإمبراطورية العثمانية الممتدة على مساحة كادت تشمل العالم القديم كله ، وقدرتها على تأمين المواد الأولية الرخيصة من البلقان إلى الشرق الأوسط وأفريقيا ، بعيدا ًعن النفوذ الروسي والبريطاني والفرنسي ، لكنهم سارعوا لقطع الطريق الألمانية عبر مساعدة اليونان ولاحقا ً بلغاريا بالإستقلال عن الإمبراطورية العثمانية ، لتكون بمثابة حواجز تعيق الأهداف الألمانية والتركية المشتركة.

وحتى يومنا هذا لم تتغير نظرة الأوروبيين تجاه تركيا ، على الرغم من تغير خارطة المصالح والعلاقات التركية مع غالبية دول الإتحاد الأوروبي وتحديدا ًمع ألمانيا ، التي تواصل دعمها العلني والسري وتأييدها للمواقف التركية ، حتى في مسألة العدوان التركي على اليونان وقبرص – العضوين في الإتحاد الأوروبي - ، ولا تزال في مسيرة بحثها عن الطاقة تحلم بنجاح مشروعها بأن تصبح المركز الرئيسي لخط الأنابيب الذي يربط أكبر إحتياطيات الغاز في العالم من شمال روسيا إلى المستهلكين في أوروبا ، على الرغم من معارضة واشنطن وتهديدها بفرض العقوبات على ألمانيا.

يبدو أن ذهنية القوة والإستعمار العسكري لا تزال تحكم السياسات الخارجية للدولة الألمانية وأخواتها ، عبر ما يسمى الإستعمار الإقتصادي ، الذي يحقق نفس الغايات ولكن عبر الضغط والحصار الإقتصادي والتحكم بدفة توجيه الصراعات.

لا يمكن تجاهل سياسة المعايير المزدوجة التي باتت سمة تميز سياسات الدول الأوروبية ، والإتحاد الأوروبي ، حتى داخل أوروبا ، ويمكن ملاحظة سرعة تحرك الإتحاد الأوروبي في إدانة إعادة إنتخاب ألكسندر لوكاشينكو وبإعداد حزمة عقوبات ضد بيلاروسيا ، في الوقت الذي تستمر فيه محاباة تركيا رغم سياساتها وممارساتها العدائية ضد قبرص والإنتهاك المستمر لمجال البحري ، والتصعيد العسكري والحرب المحتملة ضد اليونان .

وفي هذا السياق ، أتى الفيتو الألماني مؤخرا ًليقف حائلا ًأمام إدانة العدوان التركي على كل من اليونان وقبرص ، ويُظهر مصلحتها بتأجيج الصراع بما يكفل إنهاء مشروع خط أنابيب "إست ميد" بين "إسرائيل" وقبرص واليونان المدعوم أمريكيا ً، للحفاظ على حلم المشروع الألماني  كمركزٍ وحيدٍ للطاقة في أوروبا.

 بالنسبة للأتراك ، ومن خلال معاناتهم نقص الطاقة ، فإن استفزازاتهم ضد اليونان وقبرص تصب في خانة التهديد بالنزاع العسكري ، أو بإجبار اليونانيين والقبارصة على التنازل عن بعض حقوقهم في الجرف القاري في بحر إيجة وشرق البحر الأبيض المتوسط... وفي هذا السياق يأتي استرضاء ألمانيا لتركيا مفيدا ًللطرفين حيال أهدافهما بتأمين مصالحهما في مجال الطاقة ، ويأتي الحديث التركي عن إكتشاف كميات كبيرة من الغاز ليبعد الشبهة والدوافع عن الأطماع التركية التي تخوض الصراع وربما الحرب لأجلها .

ويبقى من اللافت عدم تدخل واشنطن على خط التهدئة ونزع فتيل الحرب , يبدو أن فكرة النزاع بحد ذاتها تضعف خصومها وتلبي مصالحها ، في وقتٍ عرضت موسكو وساطتها بين أثينا وأنقرة إذا قبل الطرفان , وبقي العرض من دون جواب أو قوبل برفض غير معلن ؟، الأمر الذي دفع ألمانيا للخروج عن صمتها ودخولها على خط الوساطة عبر إرسال  وزير خارجيتها إلى تركيا التي تعول على الموقف الألماني الداعم لها خصوصا ًمع ترأسها للإتحاد الأوروبي ... وعليه أعلنت تركيا تأجيل مناواراتها العسكرية لإفساح المجال أمام الوسيط الألماني ، مع احتفاظ وزير خارجيتها بمواقف بلاده "لن نتنازل عن حقنا في التنقيب" ، "على اليونان وقف مناوراتها واستفزازاتها " ، وأكد استعداد تركيا للجلوس على طاولة الحوار "دون شروط مسبقة ".. فيما أتى الرد اليوناني عبر وزارة دفاعها وبالإعلان عن تدريبات عسكرية مشتركة بين اليونان وقبرص وإيطاليا وفرنسا في شرق المتوسط ، والتي ستجرى بين 26 و28 آب الجاري , وعن إتفاق هذه الدول على نشر وجود مشترك في شرق المتوسط في إطار مبادرة التعاون الرباعية.

كان من الواضح تأييد الوزير الألماني للموقف التركي بدعوته كلا الطرفين بوقف الأعمال "الإستفزازية " حيث ساوى بين المعتدي والمعتدى عليه ، ويبقى كلامه بوقوف ألمانيا والإتحاد الأوروبي إلى جانب اليونان استعراضيا ًبعيدا ًعن الذكاء والدبلوماسية الرفيعة ، ولا يغير من حقيقة إهتمام ألمانيا بمصالحها الخاصة على حساب مصالح الإتحاد الأوروبي مجتمعا ً ، وهذا بالطبع هو حال الإتحاد الأوروبي بشكل عام ، الذي يغيب فيه التضامن الحقيقي وتسوده المصالح الفردية وإزدواجية المعايير.

المهندس: ميشيل كلاغاصي

26/8/2020 

Saturday, August 22, 2020

النفوذ التركي في أفريقيا يثير القلق الجيوسياسي الدولي – م.ميشيل كلاغاصي

 


النفوذ التركي في أفريقيا يثير القلق الجيوسياسي الدولي

المهندس: ميشيل كلاغاصي

22/8/2020

منذ وصول رجب طيب أردوغان إلى السلطة في تركيا عام 2002، تغيرت نظرة الدولة التركية نحو القارة الإفريقية، وازداد إهتمامها بالتواجد في ساحاتها السمراء المزدحمة بالدول الأوروبية، وبالتواجد الأمريكي والإسرائيلي، وأقحمت نفسها في كل الأزمات والمشاكل الدولية إنطلاقا ًمن حدودها وبإتجاهات مختلفة سواء كانت برية أو بحرية، ووصلت عبر خط سيرها البحري المتوسطي إلى ليبيا وإلى عديد الدول الأفريقية الواقعة على ساحل البحر الأبيض المتوسط، في تركيزٍ واضح لوصولها إلى وسط وقلب القارة الأفريقية.

سلوكٌ غريب لدولةٍ تعاني من مشاكل سياسية وإقتصادية ومالية داخلية، ومشاكل عنيفة تضرب عمق بيت الحزب الحاكم "العدالة والتنمية"، ناهيك عن المشاكل والأزمات الخارجية وتوتر العلاقات التركية مع عددٍ لا يستهان به من الدول في المنطقة والعالم، ويأتي التدخل التركي السافر في الشؤون الداخلية لغالبية الدول المحيطة والقريبة والبعيدة عن حدودها، إما بالتدخل العسكري المباشر أو بدعم التنظيمات الإرهابية، أو حتى ببيع الكلام المعادي للصهيونية ودعم القضية الفلسطينية، ورفع لواء الإسلام, تحت عباءة العثمنة وإستعادة "أمجاد" الأجداد ... أيُّ أدوار مغامراتٍ خطيرة تقوم بها الدولة التركية القوية – الضعيفة، التي لم تصمد عملتها وإقتصادها لساعات أمام تغريدة واحدة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب..!

لا يمكن لعاقل تصور أنها تفعل ما تفعل من تلقائها، وبالإعتماد على قدراتها وأنها تسير وفق أجنداتها ورؤاها، ولا يمكن القبول بفكرة نجاح سياستها الخارجية أو ترسانتها العسكرية أو أطلسيتها، في ليّ أذرع بعض الدول، ووقوفها في وجه البعض الاّخر، وسلوكها الأرعن وعنجهية أردوغانها...ويبقى السؤال عن جحم تكليفها الأمريكي والصهيوني، ومدى تأثير أرجحتها بين كافة الأطراف الدولية الكبرى والفاعلة.

إن تركيز السياسة الخارجية لحزب العدالة والتنمية على إفريقيا بدا واضحا ًمع تزايد تمثيلها السياسي والدبلوماسي وتضاعفه ثلاث مرات عمّا كان عليه عام 2009, وباتت تملك أكثر من أربعين قنصلية وسفارة, ولا زالت شهيتها مفتوحة للمزيد, ولازال ساستها يرددون بأن تركيا "شريكٌ استراتيجي للإتحاد الأفريقي", وكانوا ينوون عقد قمة تركية - أفريقية في اسطنبول بمشاركة أكثر من ستين دولة أفريقية, لكن إنتشار جائحة الكورونا دفعت بإتجاه تأجيلها.

إن زيادة عدد البعثات الدبلوماسية والزيارات الرسمية للمسؤولين الأتراك وللرئيس أردوغان تخطى الثلاثون دولة أفريقية خلال السنوات العشر الماضية، بما يؤكد سعيها إلى مدّ وتوسيع نفوذها السياسي في القارة الأفريقية، بالتوازي مع سعيها للحصول على دعم الدول الأفريقية في الأمم المتحدة، وسط مطالباتٍ متكررة للرئيس بأن تكون الدول الأفريقية ضمن "مجموعة العشرين السياسية " - التي ينادي بها أردوغان - ، في ظل عدم وجودها بين الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن.  

ولا يغيب البعد الإقتصادي عن جوهر الإهتمام التركي بالقارة السمراء، إذ تتجه التطلعات التركية نحو زيادة نفوذها الإقتصادي وحجم التبادل التجاري مع الدول الأفريقية، نظرا ً لإنخفاض متوسط الرواتب والأجور، بما يرفع منسوب جاذبية الشركات التركية لنقل مصانعها إلى هناك خاصة ً تلك السلع التي لا يتطلب إنتاجها مهارة ًعالية .. وقد تم رصد إرتفاعا ً لمنسوب التبادل التجاري ( مجموع التبادل الثنائي مع عدة دول أفريقية ) ليتجاوز الـ /30/ مليار دولار، وتجاوزت الصادرات التركية عتبة الـ /17/ مليار دولار، والتي تشمل سلع الصناعات المعدنية والسيارات والمعدات الميكانيكية والكهربائية والطبية وقطع الغيار والمنتجات الكيماوية والغذائية، النسيج والملابس والتبغ والورق ، مقابل حصولها على المنتجات الزراعية والغذائية والمنسوجات والجلود والمعادن والمواد الخام من القارة السمراء.

كما دخلت الدولة التركية على خط الإستثمار في اقتصاديات الدول الأفريقية، ونفذت وكالة التعاون والتنسيق التركية ما يقارب /2000/ مشروع ونشاط  في /150/ دولة أفريقية خلال العام الماضي، وافتتحت جمعية للصناعيين ولرجال الأعمال في السودان، بالإضافة إلى ربط شركة الخطوط الجوية التركية ووصولها إلى أكثر من خمسين مدينة في الدول الأفريقية.

ويبقى من المهم الإشارة إلى إهتمام حزب العدالة والتنمية ببناء نفوذٍ ديني وبنشر إيديولوجيته القومية الإسلامية "العثمانية الجديدة"، إذ لا يغيب عن أذهانهم أنه من أسباب أفول وهزيمة الإمبراطورية العثمانية ضعف نفوذها في أفريقيا.

وفي المجال العسكري .. لم تخف تركيا إهتمامها بتعزيز وجودها في أفريقيا، حيث أنشأت أولى قواعدها العسكرية في الصومال، وارسلت بعضا ًمن جنودها وعمدت إلى تدريب أكثر من عشرة اّلاف جندي صومالي، ودخلت على خط المزاحمة والتواجد العسكري للولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا واليابان ... دون أن ننسى قاعدتها العسكرية الثانية في قطر إلى جانب القاعدة البريطانية في البحرين والفرنسية في الإمارات، ناهيك عن تواجدها العسكري الكبير في ليبيا بما يعكر المزاج الجيو- سياسي للعديد من دول المنطقة والعالم الغربي أيضا ً.

إن مجمل السلوك التركي أثار قلق السعودية والإمارات ومصر, خصوصا ًالقاعدة العسكرية في جزيرة سوان السودانية التي تمنحه نفوذا ًتركيا ًفي البحر الأحمر وطريق التجارة البحرية وقناة السويس، ناهيك قواعده الدائمة المحتملة بقوة في ليبيا، ومسرحيات التنقيب في المتوسط والتي تكاد تشعل حربا ًعالمية، ويبدو أنه من حسن حظ أردوغان أنه وجد طريقة ً للتراجع والإنكفاء تحت ذريعة "البشارة" وإكتشاف /320/ م مكعب من الغاز في البحر الأسود، وكلامه بما يشبه إعلان التوبة "سنواصل السير نحو أهدافنا دون أن نطمع في حقوق الآخرين"، في حين أن حقيقة تراجعه قد تكون تحت الضغط الأوروبي - الفرنسي والتهديد المصري، ودعوات التهدئة الدولية، وكي يحافظ على مكاسب وصوله إلى ليبيا.