Thursday, November 18, 2021

العبث والتوسع الأمريكي التركي في اّسيا الوسطى - م. ميشيل كلاغاصي

بعد الانسحاب الأمريكي الفاشل من أفغانستان ووصول طالبان إلى السلطة في كابول ، دخل النظام الأمني الإقليمي في آسيا الوسطى مرحلة جديدة وسريعة لإعادة تشكيله وفق المستجدات والتداعيات الخطيرة لهذا الإنسحاب , وعليه يكثف اللاعبون الأمريكيون والأتراك والصينيون جهودهم في مناطق نفوذ الإتحاد السوفيتي السابق.

ومع النشاط المكثف للحليفين الأطلسيين , الولايات المتحدة وتركيا ، لم يعد بالإمكان تجاهل خطورة أهدافهما التوسعية في اّسيا الوسطى , خصوصاً مع لجوء تركيا لإستخدام ماضيها العثماني الإستعماري كسياسة فعالة لتقوية علاقاتها مع دول المنطقة من خلال الترويج لفكرة "طوران الكبرى" , التي تسعى لتوحيد كافة الشعوب الناطقة بالتركية في إمبراطورية واحدة تمتد من الأناضول إلى آسيا الوسطى , فيما لا تزال الولايات المتحدة تأمل في البقاء في المنطقة من خلال قواعدها العسكرية في بعض دول آسيا الوسطى.

في الوقت الذي لم ترصد فيه جهود روسية واضحة للحد من نفوذ وتغلغل الولايات المتحدة وتركيا في آسيا الوسطى ، تبذل واشنطن وأنقرة جهوداً حثيثة لمراقبة التحركات الصينية , وللحد من قدراتها , حتى لوكان ذلك على حساب المساس بها بشكل علني ومباشر, والإستفادة من ماكيناتها الإعلامية الضخمة والمنتشرة حول العالم , لتشويه السياسات الإقليمية للصين والترويج لخطرها على عموم المنطقة.

فقد قامت بعض وسائل الإعلام الأمريكية بنشر معلومات حول مزاعم بقيام الصين بإنشاء عدد من القواعد العسكرية في طاجيكستان , استكمالاً لما بدأته عام 2017 بإقامة قاعدة صينية سرية في منطقة مورغوب -غورنو باداخشان , والتي تتمتع بالحكم الذاتي في طاجيكستان على الحدود الأفغانية , بالإعتماد على جنود صينيين من إيغور- شينجيانغ.

ورغم ترويجها تلك المزاعم , فشلت الولايات المتحدة في إثارة الخلافات بين روسيا والصين ، نتيجة العلاقات الصينية – الروسية المتينة , والتفهم الروسي للموقف الصيني الذي يسعى للسيطرة على "النشاط" المحتمل لمسلحي الأيغور الأفغان , وكذلك من خلال معرفة الروس والطاجيك والأفغان حجم المنشأة الصينية الصغير , والأعمال اللوجستية فقط التي تقوم بها الصين عبرها. 

ومن خلال السلوك الأمريكي في أفغانستان , بات واضحاً أن غالبية دول اّسيا الوسطى لا ترغب بوجود وتمركز القوات الأمريكية في المنطقة , الأمر الذي دفع الولايات المتحدة إلى شن حملة دعائية ومزاعم بناء الصين لقواعد عسكرية جديدة .

ومع ذلك ، سرعان ما تم رصد المزاعم الأمريكية , من خلال الإعلان الرسمي للسلطات الطاجيكية ، بأن الصين ستبني بالفعل قاعدة في منطقة غورنو باداخشان ، على الحدود مع الصين وأفغانستان , لكنها ستكون في إطار وحدات الرد السريع لإدارة مكافحة الجريمة المنظمة التابعة لوزارة الشؤون الداخلية في طاجيكستان , وسيتم بنائها كجزء من اتفاقية بين وزارة الداخلية الطاجيكية ووزارة أمن الدولة الصينية.

لا شك بأن قرار الصين ببناء هذه القاعدة يعود لسعيها بالدرجة الأولى , إلى تحقيق مصالحها الأمنية ومنع المقاتلين الأيغور في حركة تركستان الشرقية الإسلامية من دخول الصين والقيام بأعمال تخريبية , كذلك لحماية حدودها من هجمات الجماعات المسلحة في أفغانستان... بالإضافة إلى محاولة الحد من التحركات التوسعية التركية , ولضمان الدعم اللوجستي لحركة نقل البضائع على الطريق بين اّسيا وأوروبا.

يبدو أن النوايا والأهداف التوسعية الأمريكية - التركية , تصطدم بوعي دول وشعوب اّسيا الوسطى , وأنه لن يكون من السهولة بمكان بالنسبة لهما , توجيه ضرباتٍ "تحت الحزام" للتنين الصيني , الذي يستطيع وشريكه الروسي , محاصرة العبث الأمريكي – التركي , لحصد النفوذ والتوسع في منطقة اّسيا الوسطى.

المهندس : ميشيل كلاغاصي

15/11/2021

 

Friday, November 12, 2021

رحيل إردوغان .. صراعٌ داخلي أم هدفٌ داخلي وخارجي - م. ميشيل كلاغاصي


 سنوات طويلة أمضاها رجب طيب إردوغان في المعترك السياسي التركي الداخلي والخارجي , وتنوعت أشكال أدائه السياسي ما بين الغطرسة والعنجهية والتهديد والوعيد , وقوة التصاريح وارتفاع اللهجة والنبرة , وصولاً إلى الصمت حيناً والرد بالمثل حيناً اّخر, وتقبّل الإهانة أمام الكبار, ناهيك عن النفاق والكذب .. وحَصَدَ عبر السنوات ألقاباً وأوصافاً عديدة كـ السلطان الواهم , راعي الإرهاب , الممثل الهابط , اللص , الأزعر السياسي , البلطجي , الديكتاتور , الأحمق , المستبد , الطاغية ....إلخ... ولم يبق له سوى كتابة السطر الأخير في سيرته التي أرهقت الداخل التركي ودول الجوار والعالم القريب والبعيد , وسط تزايد مؤشرات رحيله.

وعلى مسافة عامين من الإنتخابات التركية , لا يبدو الحراك السياسي الداخلي يصب في صالح الرئيس إردوغان وحزب العدالة والتنمية , مع الإنضمام اليومي لعديد القوى والأحزاب التركية إلى جبهة المعارضة المناهضة لحكمه , والتي لا يمكن تصور نضالها بعيداً عن اللاعبين الدوليين والقوى الفاعلة في الإقليم والعالم , حتى داخل التكتلات والأحلاف التي تشارك فيها تركيا - إردوغان.

قد لا يؤيد البعض نضوج وتبلور فكرة إبعاد الرئيس التركي وفريقه الحاكم عن الساحة السياسية , لكن يبدو من المهم تصور نتائج الإخفاقات الإقتصادية والمالية لسياسته الداخلية , وتدهور الحريات وإمتلاء السجون بالمعارضين السياسيين والصحفيين وأصحاب الرأي ورجال الشرطة والضباط والعسكريين تحت ذرائع حقيقية أو مختلقة , وسط تحميل المعارضة والشارع التركي عموماً الرئيس وحكومته مسؤولية تدهور الحالة الإقتصادية والمالية وتبعات السياسات الداخلية والخارجية الخطرة والخاطئة , التي ستنعكس حكماً على مستقبل الدولة التركية بأكملها.

وبات من الواضح تضعضع النظام التركي وتصاعد موجة الإنتقادات الداخلية ، ما دفعه لإطلاق مخالبه لتطال المواطنين الأتراك العاديين أيضاً واتباع سياسة كم الأفواه وعقوبات السجن , على الرغم من أنهم يسمعون ويرون بأم العين تدهور الحالة الصحية للرئيس إردوغان وكفاحه للنطق ولتحريك ساقيه , ناهيك عن الشكوك حول صحته العقلية والشائعات التي تتحدث عن إصابته بسرطان الكبد , وبنوباتٍ صرعية , وصعوبات في التنفس وتشويش ذهني , والعقاقير الطبية التي يستخدمها لتخيف الرجفان , والاّثار الجانبية لها , بما يشمل مزاجية الإكتثاب وموجات الغضب والعصبية ... 

ونتيجة للأوضاع الداخلية , وانخفاض شعبية الحزب الحاكم ورئيسه , والحملات الحكومية الطائشة ، تحركت بعض مراكز الإستطلاع المؤيدة والمعارضة للنظام التركي الحالي ( شركة أوبتيمار, شركة عادل غور للأبحاث ، وشركات كوندا وسونار وغيرها ).. كما خلُصت في اّب المنصرم استطلاعات مؤسسة "ميتروبول" المستقلة والأكثر شهرة في البلاد , إلى إعتقاد 53.7% من الناخبين الأتراك بأن حزب العدالة والتنمية سيفقد نفوذه كحزب حاكم في انتخابات 2023 ,  مقابل  37.8% ممن يعتقدون بقدرة الحزب على الإحتفاظ بالسلطة.

كما جاء وفقاً لاستطلاع أجرته لجنة السياسة التركية في مركز "يونيليم" للأبحاث في أيلول الماضي ، أن 53% من المواطنين الأتراك فقدوا الثقة في النظام الرئاسي , وسط تراجع مؤيدي الائتلاف الحاكم المكون من حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية ، إلى 47% , فيما عبر 33% فقط عن ثقتهم بالرئيس إردوغان... وعلى مستوى الحراك الحزبي الداخلي , عقدت أحزاب (الشعب الجمهوري ، الخير ، السعادة ، المستقبل , الديمقراطي ، وحزب الديمقراطية والتقدم )، اجتماعاً في تشرين الأول تمت فيه مناقشة استعادة النظام البرلماني في تركيا.

قد لا يختلف حال النخب التركية الداخلية عن حال غالبية النخب الغربية , التي استطاعت تقييم السلوك الشخصي والسياسي للرئيس التركي وحزب العدالة والتنمية , والخطاب المليء بالشتائم , والدور السيئ وسياسة المرواغة والنفاق والعداء والعدوان العسكري والتماهي التام مع الإرهاب والإرهابيين , وبات من الصعوبة بمكان العثور على نعوت وأوصاف جيدة للرئيس إردوغان في الصحافة الأمريكية والأوروبية , خصوصاً ما بعد الإنقلاب الفاشل عام 2016. 

ولا بد من الإشارة إلى دور الصحافة الأمريكية حول التدهور الكبير في صحة إردوغان , وما نشرته الـ "فورين بوليسي" بقلم المعلق السياسي ستيفن كوك ومقاطع الفيديو , التي تظهر إردوغان وهو ينام بشكل مفاجئ , والصعوبات التي يواجهها في المشي والنطق , وعن المسكنات التي يحتاجها قبل إدلائه بالتصريحات العلنية ... كذلك ما نشرته "لو بوان" الفرنسية , في مقال تحت عنوان "صحة إردوغان موضع تساؤل" , حيث تناولت خطواته البطيئة وصعوبة نزوله الدرج واتكاؤه على ذراع زوجته .. ناهيك عن تقرير صحيفة "إستيا" اليونانية في منتصف تشرين الأول بأن: "أيام إردوغان باتت معدودة".. بالإضافة إلى هاشتاغ "إنه ميت" الذي نشر في 3 تشرين الثاني على وسائل التواصل الإجتماعي التركي , وسارعت قوى الأمن للقبض على 30 مشتبهاً بهم لإتهامهم ومقاضاتهم.

وفي عصرٍ لا يمكن معه إبعاد الكثير من وسائل الإعلام عن التسييس , بالإضافة إلى تلك المعروفة بالترويج والدعم خصوصاً في الولايات المتحدة والدول الغربية الكبرى , يمكن استخلاص أن التركيز على تدهور الحالة الصحية للرئيس التركي وما يرافقها من إشاعات , يفتح مناقشة ملف رحيله على مصراعيها , والتي يمكنها أن تلعب دوراً حاسماً في الإنتخابات التركية المقبلة , وتساهم في تحقيق ما يصبو إليه أعداء إردوغان ومعارضيه داخل تركيا وخارجها.

المهندس: ميشيل كلاغاصي

12/11/2021

Friday, November 5, 2021

إردوغان ما بين الغرق والغطرسة والعدوان التركي المستمر على سوريا - م. ميشيل كلاغاصي


أكثر من عقدٍ ولا زال السلطان المريض يكابر لاهثاً وراء أوهامه وأحلامه العثمانية البائدة , دون أن يأبه لحجم الماّسي التي ارتكبها بحق جيرانه وخصوصاً في سوريا , ولا زال يشعر بالحيوية الإجرامية , بما يكفي لإعادة نشر قوات إحتلاله ومئات الجنود والمعدات العسكرية على الحدود السورية – التركية , وتلك الأرتال الإضافية من الدبابات وقاذفات الصواريخ وأنظمة الدفاع الجوي , التي استجلبها مؤخراً نحو الداخل السوري من خلال استمراره بالتعدي وبخرق كافة الأعراف والقوانين الدولية ...

ولازال يتبع سياسة خارجية مارقة إستعمارية يقودها جيش الدولة التركية , واّلاف المرتزقة والإنكشاريين تحت عناوين ثورجية جوهرها شبق القتل والشهوات والمال , حملاتُ وحشود وعمليات عسكرية دأب على استخدامها على غرار العمليات العسكرية السابقة التي نفذتها أنقرة خلال الأعوام الثلاثة الماضية... وذلك بعد أن حصل على دعمٍ جديد من البرلمان التركي لإستمرار العدوان على سوريا والعراق مدة عامين , استهلها في 29 /10/2021 بقصفٍ مدفعي لبعض القرى التي تسيطر عليها "قسد" في الشمال السوري , وفي محيط ريف الحسكة الشمالي الغربي .. وسط الغضب وتزايد المشاعر المعادية لتركيا , وخروج السوريين في العديد من المدن والبلدات للتظاهر, ودعماً وتأييداً للقيادة والدولة السورية وللجيش العربي السوري.  

وعلى عكس ما يُظهره الرئيس التركي , أصبح الوضع الإقتصادي في تركيا الآن أكثر تفاقماً وحرجاً عن الفترات السابقة , وبات الحديث عن عملية عسكرية جديدة وتكاليفها , يثير التساؤلات في الداخل التركي , حول السياسة الخارجية والإقتصادية لحكومة حزب العدالة والتنمية الحالية , وسط تصاعد مواقف المعارضة الداخلية وتحميلها المسؤولية المباشرة لتردي الأوضاع الداخلية والعلاقات الخارجية للرئيس "السلطان" وحاشيته (حزب العدالة والتنمية) , حيث أكد زعيم المعارضة كمال كيليتشدار أوغلو، أن البيانات الرسمية المعلنة "لا تتوافق الواقع الذي يعيشه الشارع التركي".  

في وقتٍ لا يمتلك رئيس حملة العدوان العثماني رؤية استراتيجية واضحة لشن العملية العسكرية الرابعة في سوريا , ويتحدث عن عدة محاور محتملة لعدوانه , لا يمكن رصد أي مؤشرات لدعم مخططاته وإمكانية نجاحه في مبتغاه ... في حين أنه ماضٍ بتكرار إسطوانة رغبة بلاده بـ "تحييد التهديد الكردي" , محاولاً إخفاء حقيقة بحثه عن موطئ قدم قوي في شمالي سوريا , وحماية المجاميع الإرهابية التركية في قتالها البيني مع غير جماعات في إدلب , وكذلك تحسباً لدخول الجيش العربي السوري الذي يتهيأ لتحرير المحافظة .

لا يمكن استبعاد لجوء الرئيس التركي للتصعيد العسكري في سوريا , وبأنها من بين أفكاره لمعالجة تراجع سياساته على مستوى الداخل التركي وعلاقاته مع واشنطن وموسكو , وتحضيراً للقاءات التي عقدها لاحقاً مع الرئيس الروسي والرئيس الأمريكي , واستخدامها للتنازلات التي يعلم أنه بصدد تقديمها لكلا القطبين , في قمة مجموعة العشرين ومؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ في روما .

ومن خلال المؤتمر الصحفي للرئيس إردوغان الذي عقده في 31 تشرين الأول على خلفية قمة مجموعة العشرين في روما ، أكد أنه نقل إلى الرئيس بايدن "استيائه" من إمداد الولايات المتحدة لوحدات الحماية الأكراد في سوريا بالسلاح ، وأمله في "ألا تستمر هذه العملية على هذا النحو في المستقبل" ، في الوقت الي أشارت فيه وكالة الأناضول إلى اتفاق الطرفين على إنشاء آلية مشتركة لتعزيز وتطوير العلاقات الثنائية بشكل أكبر , الأمر الذي يعكس فشلاً أمريكياً – تركيا للتوصل إلى إتفاقٍ مرضٍ لكلا الطرفين في سوريا , وعليه لم يعط إردوغان الضوء الأمريكي الأخضر لعمليته العسكرية المزعومة , وبأن واشنطن لازالت تعول على الأعمال العدوانية الإسرائيلية لتحقيق أهدافها في سوريا , بشكل أكبر من تعويلها على الدور التركي .. في الوقت الذي تؤكد التحركات العسكرية الروسية في شمال البلاد وتحديداً في مدينة القامشلي ومطارها , عن رفض روسي لأي عملية عسكرية تركية قد يقدم عليها الرئيس التركي.

إن إرتباط العدوان الإسرائيلي المتكرر على سوريا , بالمصالح الأمريكية , يجعلها تستفيد من بروباغاندا الفوبيا الإسرائيلية – الأمريكية للوجود العسكري الإيراني في سوريا , ويمنحها ذرائع إضافية لإطالة أمد الحرب على سوريا وبإستمرار وجودها اللا قانوني هناك ... ويأتي الحديث التركي عن اجتياح مناطق "الإرهابيين الأكراد " ليصب بعكس مصلحة واشنطن , ويفتح الباب على إحتمالية الصدام العسكري الأمريكي – التركي في سوريا , في حال تعنت إردوغان وأقحم نفسه فيما لا طاقة له على تحمله , والذي سيتسبب بإنهيار تام للعلاقات الثنائية مع إدارة بايدن , ناهيك عن صعوبة الموقف الأمريكي في سوريا , مع تنامي مشاعر الكراهية الشعبية وتصاعد المقاومة السورية , نتيجة إستمرار وجود الإحتلال الأمريكي على الأراضي السورية , وإنضمام المزيد والعديد من زعماء العشائر والعشائر العربية في شرق سوريا إلى الاحتجاجات المناهضة لأمريكا ، ودعماً وتأييداً لقيادة وحكومة الجمهورية العربية السورية الشرعية في دمشق.

المهندس: ميشيل كلاغاصي

5/11/2021 



Wednesday, November 3, 2021

المحادثات الإيرانية – السعودية .. لن تُفتح السفارات قريباً - م. ميشيل كلاغاصي // خاص



 


في السنوات الأخيرة ، لم تتوقف طهران عن مد يدها للحوار مع الرياض وباقي الدول الخليجية , ولم تتوقف عن تأكيد سلمية برنامجها النووي , وعلى الرغم من كافة الظروف الإقليمية والدولية , فقد كثفت المملكة العربية السعودية وإيران محادثاتهما الثنائية لحل الخلافات القائمة من أجل استقرار الوضع الإقليمي , بما فيها القضايا الخطيرة كالأوضاع في اليمن -بحسب وزارة الخارجية الإيرانية -, وعلى الرغم من تباين الأطراف التي تدعمها كلاً من طهران والرياض , وصف وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان المحادثات الثنائية المباشرة أنها تسير بينهما "بشكل إيجابي" و أن الدولتين هما الآن "على المسار الصحيح".

في الوقت الذي تُقيّم فيه المملكة إتصالاتها الحالية مع إيران على أنها "تجريبية", وبأن الرياض تبحث على الأرض وتستكشف الفرص لتحسين العلاقات , في وقتٍ تدرك فيه المملكة بوضوح أن ميزان القوى في المنطقة قد تغير، ولا يمكن تجاهل المصالح الإيرانية , وبأن التنافس الإقليمي السلبي يشكل حجر عثرة في استقرار العلاقات والإتصالات التجارية بين دول المنطقة , والتي يمكن التعويل عليها لتكون عاملاً إضافياً ومساعداً لضمان الأمن والتنمية المشتركة.

وعلى الرغم من التقارب النشط للمملكة مع إيران ، انتقد وأدان بيان وزير الطاقة السعودي 20في أيلول/سبتمبر خلال المؤتمر السنوي العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية , "رغبة" إيران في الإستحواذ قنبلة نووية , وأكد إهتمام المملكة بإبقاء منطقة الشرق الأوسط خالية من أسلحة الدمار الشامل , وأعرب عن دعوات المملكة للقضاء على التهديد النووي الإسرائيلي وإخلاء الشرق الأوسط من الأسلحة النووية , وفي 12 ت1/أكتوبر, أكد مجلس الوزراء السعودي تلك الدعوات - كما جاء على لسان وزير الإعلام السعودي بالنيابة -.

وسبق للرياض قبل عامين , أن قدمت للمجتمع الدولي أسباباً تشير إلى إحتمالية إتجاهها نحوتصنيع قنبلة نووية – إذا أرادت ذلك -, وأوضحت علناً بأنها تحتفظ بحقها في تخصيب اليورانيوم على أراضيها في ظل تطورات البرنامج النووي الإيراني , على الرغم من توقيعها إتفاقية حظر الأسلحة النووية...  وأشارت وسائل الإعلام الإسرائيلية -وقتها- , إلى أن إدارة ترامب تبذل جهوداً لتسريع نقل التكنولوجيا النووية المهمة إلى المملكة , فيما أدان الوزير ظريف بشدة ما وصفه بـ "نفاق" الولايات المتحدة لبيع المخطط للتكنولوجيا النووية للنظام السعودي .

ومع إحتمالية أن تكون مواقف المملكة إعلامية أو سياسية وتحت عنوان الردع , إلاّ أنه لا يمكن الوثوق بالإدارات الأمريكية المتعاقبة , التي قد تفكر جدياً بمشاركة المملكة بالتكنولوجيا النووية على الرغم من معارضة قادة الكيان الإسرائيلي لذلك , بما قد يؤدي إلى سباق تسلح نووي في الشرق الأوسط .

وفي ظل تصريحات الرياض ورفضها إمتلاك إيران لبرنامج نووي عسكري ، وإعتمادها موقفاً "تجريبياً" لإختبار الأرضية الدولية ، ولإزالة أي غموض في هذا الملف , أكد بالأمس المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، سعيد خطيب زاده ، أن "المحادثات بين إيران والسعودية "ثنائية وإقليمية" وهي مستمرة بشكل جدي، ونجاحها مرهون بجدية الجانب الآخر"، مشيراً إلى أن الرياض تعلم بأن "سياسة الضغط على الدول الأخرى فقدت تأثيرها لبعض الوقت ومن الطبيعي أن تقف إيران إلى جانب شعبي اليمن ولبنان"... وأن بلاده لن تتساهل في الدفاع عن أمنها القومي وأن الكيان الصهيوني يدرك جيداً القدرات العسكرية الإيرانية ، لافتاً إلى أن إعادة فتح السفارات بين الرياض وطهران ليس قريباً , وبأن علاقة منظمة الطاقة الذرية الإيرانية والمنظمة الدولية للطاقة الذرية فنية - مهنية "منتظمة ودقيقة".

المهندس: ميشيل كلاغاصي

2/11/2021


Wednesday, October 27, 2021

إردوغان .. طرد السفراء بعضُ الصراخ والكثير من الندم - م. ميشيل كلاغاصي


من دون مقدمات وجدت تركيا نفسها على حافة صراع حاد مع الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا وعدة دول غربية أخرى , بعدما تجاهل الرئيس التركي نصيحة وزارة خارجيته , وطالب بطرد سفراء هذه الدول من البلاد ... ويبقى السؤال , هل ستحول أنقرة أقوالها إلى الأفعال ، أم هي مهزلة جديدة للزعيم التركي , وأرجحةً إضافية ما بين غزل تلك الدول واستفزازها ؟

إن قرار الرئيس التركي بطرد سفراء عشر دول غربية من البلاد (ألمانيا والسويد والولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وفنلندا والدنمارك والنرويج وهولندا وكندا ونيوزيلندا) , أتى على خلفية مطالبة البعثات الدبلوماسية لهذه الدول في 18 أكتوبر/ تشرين الأول السلطات التركية الإفراج الفوري عن الناشط السياسي عثمان كافالا المتهم بالمشاركة في محاولة انقلاب عام 2016 ,  فبعد مرور أربع سنوات على اعتقاله , وبعد أن تمت تبرئته , عادت المحكمة المعنية في تركيا بإصدار مذكرة توقيف جديدة بحقه.

ومما عرف عن عثمان كافالا دعمه للأقليات الدينية والعرقية ، ودعواته إلى إيجاد حل سلمي للقضية الكردية وللمصالحة مع أرمينيا أيضاً ... وقد وصفت البعثات الدبلوماسية للدول الغربية المحاكمة الجديدة بأنها "وصمة عار على الديمقراطية وسيادة القانون وشفافية النظام القضائي التركي".

لقد أثارت تلك المطالبة غضب الرئيس التركي , ودفعته – كعادته - لإستعراض عضلات حباله الصوتية وعنجهيته , وكلماته العشوائية القاسية أمام جمهور حاشد السبت الماضي في مدينة أسكيشهير التركية :" عشر سفراء يأتون من أجله إلى وزارة الخارجية، يا لها من وقاحة! ماذا تعتقدون هذا المكان ؟ هذه تركيا المجيدة" , "لا يمكنم المجيء إلى هنا وإعطاء تعليمات لوزارة الخارجية، لقد أعطيت تعليماتي لوزير خارجيتي وسيتعامل معكم كشخصيات غير مرغوب فيها , وفي اليوم الذي لا تفهمون فيه ذلك، ستغادرون"... وعلى الرغم من أوامره بطردهم إلا أن الخارجية التركية استدعت السفراء المعنيين وذكّرتهم بضرورة مراعاة اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية , دون أن تدلي بتعليقاتٍ أخرى. 

في الوقت الذي أكدت وزارة الخارجية الألمانية إنها تجري مشاوراتها بهذا الشأن مع تسع دول أخرى , تحدثت الخارجية الأمريكية بإنها تتوقع توضيحاً من وزارة الخارجية التركية , وحتى اللحظة لم تُصدر الدول العشر موقفاً أو بياناً حول الموضوع .. في الوقت الذي تتحدث فيه أوساط إعلامية عن الجهود التي بذلتها الخارجية التركية لثني الرئيس التركي عن إعلان السفراء أشخاصاً غير مرغوب بهم , وحتى اليوم - بعد مضي أربعة أيام - لم يتلق السفراء إخطارات ترحيل من السلطات التركية.

من المؤكد أنه في حال طردت الخارجية التركية هؤلاء الدبلوماسيين بما فيهم سفراء الولايات المتحدة وألمانيا ، فمن المرجح أن يؤدي ذلك إلى أزمة دبلوماسية غير مسبوقة بين أنقرة وتلك العواصم  التي لن يكون بمقدورها تقبلها بدون ردود أفعال قد تحمل في حدها الأدنى إجراءاتٍ انتقامية مماثلة تفضي إلى طرد الدبلوماسيين الأتراك من تلك الدول , وإن لم يتم إحتواء الأمر فقد يأخذ شكل الصراع  ويصل إلى القطيعة السياسية بين تركيا والعالم الغربي وعلى الأرجح ستنتقل إلى المستوى الاقتصادي , وتلجأ الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي إلى العقوبات لإعادة أردوغان إلى رشده وحجمه .. ويُخشى أن يكون إردوغان قد دق مسماراً جديداً في نعش رحيله كمطلبٍ داخلي وخارجي . 

من خلال تاريخ واسلوب الرئيس التركي في الأزمات , أنه لا يملك حرجاً في التراجع والإنصياع أمام الدول الكبرى , وسبق له أن تراجع أمام الأمريكيين والروس مراراً , خصوصاً أنه يتكئ على إقتصاد هش , وليرة تركية تنهار في لحظات , كما انهارت أمام تغريدة للرئيس الأمريكي الأسبق دونالد ترامب .. كذلك لا يملك حرجاً في تقبل إهانات بايدن الذي رفض استقباله لأشهر بعد فوزه ودخوله البيت الأبيض , كذلك في إهانته وانتظاره على باب الرئيس بوتين , ولا يستغرب المراقبون فيما لو خرج بتصريح ينسف فيه نفسه وأوامره بطرد السفراء , فقد اعتاد العالم على تصريحاته القاسية والتي تبقى في خانة الأقوال دون أن تتحول إلى أفعال.  

كم سيبدو إردوغان غبياً فيما لو أطاح بعلاقات تركيا الوثيقة مع الغرب , وبكونها الدولة الهامة في حلف شمال الأطلسي , والجزء الرئيسي من اّلته الحربية , ناهيك عن إرتباطها السياسي والاقتصادي والتجاري والعسكري مع الغرب... بالتأكيد لن يضحي بكل هذا مقابل تصاريح دبلوماسية لا تقدم ولا تؤخر , وأقصى ما يمكنه تسجيله في هذا الملف بعضٌ من الصراخ وقليلٌ من المغازلة وكثيراً من الندم لاحقاً .

لا يمكن أن تكون أسباب الصراع الدبلوماسي بين أردوغان والغرب سياسة خارجية فحسب ، بل اقتصادية أيضاً , يعكسها حال التضخم وارتفاع الأسعار والمزيد من إنهيار قيمة الليرة التركية أمام الدولار بشكل غير مسبوق وانخفاض الناتج المحلي , وهي أمورٌ بمجملها ستؤدي إلى عزلة الإقتصاد التركي , الذي لطالما اعتبر الرئيس إردوغان  أن النمو الإقتصادي من أهم إنجازاته .. وعليه تبدو أزمة طرد السفراء فصل جديد من فصول تحويل انتباه الناخب التركي عبر شد العصبية القومية والدينية , نحو المشاكل الخارجية.

لا يمكن تصوير أزمة طرد السفراء سوى على أنها مسرحية هزلية , بطلها ومخرجها والمهزوم فيها هو الرئيس التركي , الذي أبى وأن تنتهي المسرحية بشكلٍ دراماتيكي , وأرادها نهاية سعيدة , وأعلن تراجعه عن قرار طرد السفراء , بحسب صحيفة  نيويورك تايمز الأمريكية ، بعد تأكيدهم عدم التدخل في شؤون تركيا مجدداً.

المهندس: ميشيل كلاغاصي

25/20/2021


 

Sunday, October 24, 2021

المزيج الإيديولوجي العثماني في خدمة تحالفات ومشاريع تركيا الجديدة - م. ميشيل كلاغاصي


كشفت السنوات الطويلة لوجود رجب طيب إردوغان في مواقع السلطة المختلفة , أنه الرجل النموذج للسلطان التائه وربما الطائش والمغامر الذي لطالما اعتمد على سياسة متهورة لم تستطع زرع بذور الثقة مع جميع الدول التي تعامل معها سواء على جبهات الخصام والعداء أو على مستوى الصداقة والتعاون طويل الأمد وصولاً إلى العلاقات الإستراتيجية , كما راهن على تعقل الخصوم وربما على دقة حسابات الاّخرين أكثر مما راهن على سياسة تركية متزنة مستقرة تجلب الإزدهار والإستقرار لبلاده وما حولها , وتستحق إحترام الاّخرين وتحوز على ثقتهم , فكانت سياسة الأرجحة والغدر والتراجع عن الإلتزامات لعبته المفضلة والتي دعاها سياسةً خارجية , وقد مارس من خلالها أسوأ الأدوار التي أوكلته بها تحالفاته الأطلسية والإسرائيلية والمافيوية الإرهابية.

ولطالما كانت أعمدة سياساته الخشنة تعتمد على روايتين أساسيتين , الأولى تنطلق من رحم التاريخ البائد لأسلافه السلاطين , وفي صلبها الإعتماد على مزيج إيدولوجي جمع الرواية الدينية والعرقية والإثنية والثقافية واللغوية , وما إعتبره العنصر التركي عموماً على أنها حقوق وصكوك ملكية تتجاوز الحدود الحالية وتتحرك وفق حدود الإمبراطورية العثمانية , أما الثانية فتتمثل بروايات الأمن القومي التركي المضخمة والتي يستغلها لإرسال جنوده إلى أميال وأميال بحثاً عن تحالفات قديمة – جديدة , تؤمن له النفوذ اللازم لتحقيق الأهداف الخيالية بالنسبة لحجم تركيا ودورها في المنطقة والعالم .

فكانت الخلافات والتوتر والتصعيد والتحركات العسكرية عناوين دائمة للسياسة التركية – الإردوغانية , والتي قادته يوماً إلى إعلان تصفير المشاكل , لكن سرعان ما عاد ليضع نفسه شريكاً للفوضى والإرهاب , وأداةً مناسبة في خدمة سوق النخاسة الأمريكي ,وشوكةً في خاصرة دول المحيط الجغرافي والحيوي للدولة التركية .

لم يتوقف بحثه عن التحالفات الجديدة , في ظل إنكشاف حقيقة الولايات المتحدة الأمريكية التي لا تؤمن بالحلفاء أو الشركاء وتبحث عن الأدوات والعبيد فقط , بالتوازي مع فشل السياسة الأمريكية وانهيار مصداقيتها وتراجع دور الإتحاد الأوروبي وضعفه وتبعيته المطلقة للولايات المتحدة ، سارع الرئيس التركي إردوغان إلى البحث عن بناء تحالف عريض من القوات الموالية لتركيا في آسيا الوسطى والبحر الأبيض المتوسط وأفريقيا وغيرها.

لقد تطلب منه البحث عن تعزيز النفوذ التركي في آسيا الوسطى ، إحياءاً وترويجاً للمزيج الإيديولوجي العثماني – الإردوغاني , في إطار الحضارة التركية , مستهدفاً الأيديولوجية التي سادت دول اّسيا الوسطى لعقود وقرون , ولعبت فيها المواجهة بين الأديان وكافة الرموز والقيم الثقافية دوراً كبيراً في الصراعات والتحولات التي شهدتها تلك الدول , وفي هذا الإطار لم يوفر إردوغان تصريحاً وموقفاً إعلامياً يعزز ترويجه الإعلامي للمزيج الإيديولوجي , واقتبس بتاريخ 22/10/2021 في رسالته إلى الندوة التي ينظمها مركز الأبحاث الإجتماعية والإقتصادية في جامعة حجي بيرم ولي في إسطنبول , عن رئيس الوزراء الأسبق نجم الدين أربكان مقولته الشهيرة : "مسلمون لا يهتمون بالسياسة ، سيُحكمون من قبل سياسيين لا يهتمون بالمسلمين".

وعليه .. بدا واضحاً تركيز السياسة التركية ونشاطها لإخضاع دول العالم التركي والإمبراطورية العثمانية السابقة لسيطرتها من خلال "القوة الناعمة" ونوعية التعليم في الجامعات التركية في تركيا وخارجها , وإظهاره إهتماماً كبيراً بالذكرى الثلاثين لإستقلال ما سمي بـ دول العالم التركي والمجلس التركي : أوزبكستان وقيرغيزستان وكازاخستان وأذربيجان وحتى تركمانستان ، كذلك في رومانيا وهنغاريا , حيث تمت مناقشة الوضع في أفغانستان في إطار محاولات تركيا للعب دورٍ حاسم هناك , وقال وزير الخارجية التركي : "هناك ملايين من الأتراك يعيشون في أفغانستان التي تهمنا بشكل مباشر". كما أكد أن الإجتماع يشهد على تنامي سلطة المجلس التركي على الساحة الدولية , كذلك ومن خلال الإستراتيجية ذاتها , أكد قبل أيام وزير الدفاع التركي لـ موقع RT: "أن محافظة إدلب مهمة لنا". 

لا شك أن الوضع في أفغانستان يشكل عامل إهتمام عديد الدول وليس تركيا فقط , لكن الغموض يحيط بنوايا تركيا وعلاقتها بـ "المجلس التركي" , ومدى إهتمامها بالحصول من خلاله على احتياطيات المعادن النادرة في أفغانستان , كذلك الذهب والنحاس وخام الحديد وحتى النفط , ناهيك عن طموحات الرئيس التركي بتمديد نفوذه في البلقان , وأفريقيا ، والشرق الأوسط ، وما وراء القوقاز ، وآسيا الوسطى .. لذلك يعول على استغلال المجلس التركي ، لإعادة نموذج التوزان الذي كان سائداً أيام الإمبراطورية , عبر ترويج عمل المجلس التركي كمشروع ثقافي وتاريخي , وتحويله إلى "منظمة دولية" – بحسب الرئيس التركي , على غرار الإتحاد الأوروبي.

المهندس : ميشيل كلاغاصي

24/10/2021 


 



 

Friday, September 24, 2021

إردوغان وموعد مع الهزيمة بمواجهة القوات السورية والروسية - م. ميشيل كلاغاصي


على مدى التاريخ الطويل بينهما سجلت العلاقات التركية - الروسية خطوطاً بيانية صاخبة لم تعرف ديمومة الإستقرار أو الثبات , وتنوعت ما بين العداء والصدام والحروب والنزاعات والتوترات , إلى الهدوء وحسن الجوار والتعاون السياسي والعسكري والإقتصادي , لكن الثابت الوحيد لجوهر تلك العلاقات هو الصراع على النفوذ ، المبني أساساً على صراعاتٍ جيو– سياسية , تاريخية , ثقافية , دينية ... وضعت كل منهما على طرفي نقيض , من حلف الناتو إلى حلف وارسو , وتعددت القضايا الخلافية بينهما من القضايا الثنائية إلى الإقليمية والدولية... لكن ذلك لم يحرم العلاقات بينهما من بعض الهدوء والإستقرار المؤقتين تحت عناوين التقاء وتقاطع المصالح , الذي ساهم بتأسيس علاقاتٍ استراتيجية قادتهما نحو تقارب سياسي أسس بدوره لعلاقات إقتصادية وشراكة تجارية مميزة , احتل فيها قطاع الطاقة وأنابيب نقلها مركز الصدارة لكليهما , إن كان على مستوى التقارب أو الخلاف حولها والتباعد.

وإذا كان البعض يرى أن علاقات الجانبين اليوم , تمر بمرحلة صعبة ودقيقة , نتيجة إحتدام الصراع الدولي , وصعوبة التنبؤ بملامحه القادمة , في وقت تخشى فيه موسكو وأنقرة كغالبية دول العالم , من فواتير الحسابات الخاطئة , الأمر الذي يكسب تحركات وتصرفات الجميع بالحدة والحذر الممزوج بالرغبة بتفادي الهزيمة , في مناخٍ دولي يتجه نحو الصدام والتصعيد أكثر مما يتجه نحو إنتاج الحلول والسلام .

ومن خلال تشعب وتعقد الملفات ما بين موسكو وأنقرة وسط الصراع الدولي الملتهب , بات السعي لتسجيل النقاط وتجميعها لا يخضع لحدود ساحات الإشتباك فقط , وبدا كل منهما مهتماً بتوزيع إنتصاراته بحسب ترتيب قضاياه وأولوياته , واستعمال باقي الملفات للضغط والمناورة والمقايضة.

وعليه .. تستمر العلاقات الروسية – التركية بصخبها وتأرجحها على حبال التوتر والإحتكاك الخشن والمنافسة , ويواصل الرئيس التركي التصرف بحدة وتحدي تجاه روسيا والمصالح الروسية , وبالأمس من خلال كلمة تركيا في الدورة السادسة والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة ، اعتبر إردوغان أنه من الضروري تكرار الإشارة إلى أن تركيا لا تعترف بـ "الضم غير القانوني لشبه جزيرة القرم" , في الوقت الذي يدرك فيه أن روسيا لا تعترف بسيادة تركيا على شمال قبرص.

مما لا شك فيه أن الإنتصارات التي حققتها الدولة السورية وحلفائها الروس والإيرانيون وحزب الله واّخرون , أجبر أنقرة على التخلي عن أولوية حلم الفوز بتقسيم سوريا والفوز بسرقة وقضم مساحات واسعة من أراضيها , في الوقت الذي أظهرت فيه موسكو ثباتاً في أولوية دعم الدولة السورية بمحاربة الإرهاب وبالحفاظ على وحدة أراضيها , وبإنهاء الحرب وبإعادة إعمارها , واستعادة استقرارها وأمنها ودورها في المنطقة. 

لكن المواجهات الروسية – التركية الأهم تبدو في سورية , مع إصرار دمشق لتحرير كامل أراضيها وطرد قوات الإحتلال التركي وتنظيماته الإرهابية من إدلب وكافة مناطق الشمال السوري , بالإضافة إلى إصرار موسكو على تنفيذ بنود الإتفاقات الموقعة مع الجانب التركي والتي لم يلتزم بها منذ العام 2018 ... وبحسب وسائل الإعلام فإن تركيا تنقل أربعة آلاف جندي تركي وثلاثمائة وحدة من المعدات العسكرية إلى محافظة إدلب السورية , في تحدٍ مباشر لدمشق وموسكو , وبما يؤكد تمسكه بإحتلاله وإرهابييه وبإستمرار زعزعة الإستقرار في سورية. 

من المؤكد أن الرئيس التركي يراهن على الدعم الأمريكي والأطلسي والإعتماد على المرتزقة والإرهابيين , في الوقت الذي تملك فيه دمشق من الإصرار والعزيمة والقوة والمقدرة ما يكفي لإلحاق هزيمةٍ تاريخية بقوات الإحتلال التركي ومرتزقته على الأراضي السورية , وبأن محافظة إدلب ستعود عاجلاً أم اّجلاً إلى كنف الدولة , كذلك موسكو التي ضاقت ذرعاً بأكاذيب إردوغان ومرواغته في سوريا , وسط استعداد الجيش العربي السوري وبدعم ومشاركة القوات الجوية الروسية للدخول إلى إدلب , وبإستعادة السيطرة على الطريق الدولي المعروف بـ M4.

لا يمكن لإردوغان تحمّل المواجهة العسكرية المباشرة مع دمشق وموسكو , ولا تعدو تعزيزاته العسكرية سوى مناورات للتهويل ولرفع فرص الحوار مع موسكو والحصول على فرص ومكاسب إضافية , إذ لا يمكن لإردوغان تجاهل الهزائم التركية التاريخية أمام القوات الروسية , في حين لا تزال دمشق ترفض الحوار مع دولة الإحتلال التركي رغم كل ما يسوقه الإعلام المضلل , وتصر على خروجه من الأراضي السورية , في الوقت الذي تبدو مراهناته على الحلف الأطلسي مثيرة للشفقة , وسط اللحظات الصعبة التي يعيشها التحالف وإحتمالية تحول شروخه الداخلية إلى صدمات حقيقية تطيح بعقده , ناهيك عن المادة الخامسة من ميثاقه والتي تنص على صد العدوان عن دول التحالف , وليس بدعم الجيش التركي المعتدي على الأراضي السورية.

المهندس: ميشيل كلاغاصي

24/9/2021