Wednesday, October 5, 2022

دموع بيلوسي .. عرضٌ مسرحي فاشل لخداع أرمينيا - م. ميشيل كلاغاصي


منذ عقود وتحتل نانسي بيلوسي مكانة دبلوماسية رفيعة في الولايات المتحدة , ومع ذلك لم يسبق لها أن زارت أرمينيا كصديقٍ حميم , ولم ير أحدٌ دموعها الساخنة تنهمر كالمطر حزناً وألماً على شهداء وضحايا أرمينيا , كما حصل في زيارتها مؤخراً , وسط استقبال حكومي لافت وحاشد , ومن المثير لرئيسة مجلس النواب الأمريكي أن تذرف الدموع لتساعد مضيفيها الدولة والشعب , على الإختيار بين السلم والحرب.

لم تكن نانسي بيلوسي الضيف الأمريكي الوحيد الذي يطأ أرض أرمينيا , إذ سبقتها إلى يرفان سفارة أمريكية ضخمة , وأموالٌ طائلة ملئت خزائن العديد من المقرات والمنظمات غير الحكومية العاملة هناك , استطاعت جذب البعض حولها , وأصبح لأمريكا "الجميلة" الكثير من المعجبين هناك , كما ساهم اعتراف الكونغرس الأمريكي بالإبادة الجماعية للأرمن عام 2019 , بتزيين الخديعة الأمريكية , وبفتح باب الهدف الأمريكي الحقيقي عبر الإستغلال السياسي والتأثير على قرار القيادة والحكومة الأرمينية بما يخدم مخططات الإختراق الأمريكي لمنطقة الفضاء الروسي – الأوراسي مريكيأمريكيةأ , وليس من باب الإعتراف الإنساني بالحقوق وبعدالة القضية الأرمينية التي تؤيدها عديد الدول المنصفة حول العالم , ناهيك عن أن الإعتراف لن يؤثر بطبيعة الحال على تعقيد الأوضاع والعلاقات المعقدة أصلاً مع تركيا , وقد يشكل غطاءاَ للتحرك التركي على خط الهدف الأمريكي , يستغله الرئيس التركي للتمدد العثماني , ونشر أفكار القومية التركية وفق مشروع "طوران العظيم" , ومع ذلك حول قرار الإعتراف  الرئيس دونالد ترامب إلى بطل والسيدة بيلوسي إلى اسطورة ورمز للشجاعة والإقدام.

مهما يكن من أمر الصراع الأرميني مع أذربيجان , لكن لا يمكن تجاهل مصلحة واشنطن بإشتعاله بين الحين والحين دون التوصل إلى حل نهائي , خصوصاً وسط الهواجس الأرمينية لعلاقة موسكو وأنقرة من جهة , وعلاقة موسكو بإذربيجان من جهةٍ أخرى , وبثانية تركيا – أذربيجان التي تشكل مع كيان العدو الإسرائيلي حلقة عدوانية توسعية مشتركة , في الوقت الذي لا يمكن فيه للحكومة الأرمينية تجاوز دماء ضحاياها الذين تجاوزا الـ 130 ضحية في الجولة التي نتمنى أن تكون الأخيرة بينهما , بالإضافة إلى أهمية ناغورنو كاراباخ بالنسبة للدولة والشعب الأرميني .

لا يمكن لأرمينيا الوثوق بتركيا وبالرئيس إردوغان على الرغم من محاولاته مؤخراً , بهدف تعزيز تطبيع العلاقات مع أرمينيا، وتعيين مبعوثين خاصين لكلا الدولتين ، واطلاق  الرحلات الجوية المتبادلة بينهما، وأُعلان تركيا عن خطّة لتحويل مقاطعة "فان" التركية منطقةً سياحية للأرمن ، وهي التي يعتبرونها عاصمة أرارات التي تتوسط المملكة الأرمينية ، ومركزاً للثقافة الأرمنية منذ القرن الثامن قبل الميلاد، إلى أن دمّرها الأتراك إبان الإبادة الجماعية في العام 1915.

بعيداً عن دموع نانسي بيلوسي , تبدو واشنطن  مهتمةً بإستخدام تركيا – الأطلسية  لمواجهة روسيا , وهميةدول منظمة معاهدة الأمن الجماعي ( روسيا وبيلاروسيا وأرمينيا ، طاجيكستان وقيرغيزستان وكازاخستان ) , والتي أكدت مراراً على التزامها بمواجهة الأزمات وتصاعد التحديات والتهديدات الأمنية , وبمحاربة الإرهاب والتطرف الدولي , وبعزمها دراسة إنشاء هيكل عسكري سياسي كامل لدول المنظمة , في الوقت الذي أكد فيه الوزير سيرغي لافروف في النسخة ما قبل الأخيرة لإجتماع دول المنظمة , على ضرورة قيامها بدور "الضامن للتوازن في المنطقة الأوروبية الأطلسية" وعدم تجزئة الأمن .

كذلك في نسختها الأخير , ومن خلال الإجتماع في 16 أيار/ مايو في موسكو، أشار خلاله الرئيس الروسي إلى أن منظمة معاهدة الأمن الجماعي "تؤدي دوراً مهماً للغاية في تحقيق الإستقرار في الإتحاد السوفياتي السابق"، الأمر الَّذي يشجع دولاً أخرى على "التفكير في الإنضمام إلى منظمة معاهدة الأمن الجماعي التي تتمتع بقدرات كافية للرد على التحديات المتمثلة بتوسيع حلف شمال الأطلسي".

ومن خلال أهداف المنظمة المعلنة , يبدو واضحاً , أن واشنطن تسعى إلى إختراق منظمة الأمن الجماعي , ونسف طبيعة وجوهر نشؤوها , وانتشال بعض دولها , وسحبها من منظمة الأمن الجماعي، لإضعاف الإتحاد الأوراسي عسكرياً واقتصادياً , بما يشكله من ظهير عسكري وإقتصادي قادر على دعم روسيا في حرب الناتو والإتحاد الأوروبي عليها عبر البوابة الأوكرانية , حتى لو كان الأمر يصب في صالح أنقرة , فلن تمانع واشنطن بمنحها بعض المكافئات لتخفيف إنزياحها أرجحتها بإتجاه موسكو , والشيء ذاته تفعله حكومة الكيان الإسرائيلي وبدعم أذربيجان عسكرياً , للضغط على موسكو , وتخفيف التوتر الخطير في العلاقات الروسية – الإسرائيلية , والذي انعكس بوضوح على مصير الوكالة اليهودية في روسيا.   

يبدو أن رئيس الحكومة نيكول باشينيان مهتماً بإسكات الأصوات الداخلية التي بدأت تعلو في وجه بقائه على سدة السلطة , ولم ذكياً بلجوئه السريع نحو منظمة الأمن الجماعي , الذي بدا كمحاولة لإحراج المنظمة , وسط احتمالية انتقال الصراع إلى حرب شاملة مع أذربيجان وتركيا.. وساعد بتفاقم مشاعر الغضب في الشارع الأرميني الحريص على دماء أبنائه ومواقف يرفان من الصراع حول ناغورنو كاراباخ , وعلى الإستفادة من عضوية وتوقيع بلادهم معاهدة منظمة الأمن الجماعي , التي تصرفت بعقلانية وأرسلت لجنة خاصة , في محاولة لإيجاد تسوية دبلوماسية عاجلة , لكن نانسي بيلوسي سارعت للإعلان بأن :"روسيا فشلت في حماية أرمينيا" , لإطلاق الشرخ واتساعه ما بين أرمينيا وروسيا ودول منظمة الأمن الجماعي , الذي انعكس مباشرةً بظهور بضعة أصوات أرمينية تطالب بذلك , على الرغم من إدراكهم نفاق بيلوسي وإدارتها , وبأنها لن ترسل جيوشها وأسلحتها وأموالها للدفاع عن أرمينيا والشعب الأرميني , وبأنها تكتفي بإثارة المزيد من المشاكل والأزمات والنزاعات , من خلال استهدافها لقوة ومكانة ومصداقية الدولة الروسية , وقدرتها على حل النزاعات وبتقديم المساعدة لدول المنظمة , لإقناع الدول بمغادرة مواقعها الجيوسياسية , وتحالفها العسكري مع روسيا , والإنجرار نحو واشنطن والغرب والناتو على غرار أوكرانيا , وقبول العرض الأمريكي للحرب على حساب الغياب التام لعروضها للسلام كدولة تدعي قيادة العالم , وحفظ الأمن والسلام حول العالم.

المهندس: ميشيل كلاغاصي

20/9/2022

 

التحول في السياسة التركية .. إردوغان يخطف الكنز قبل أن يستيقظ التنين - م. ميشيل كلاغاصي

زيارات مكثفة قام بها الرئيس التركي رجب طيب إردوغان في الفترة من 6 إلى 8 أيلول / سبتمبر , وبحسب ما أعلنته الخارجية التركية بأن الغرض الرئيسي من رحلة الرئيس هو "ضمان السلام الإقليمي وتطوير العلاقات الإقتصادية" .. لكن يبقى وراء الأكمة ما ورائها

يبدو أن تكثيف الزيارات قبيل قمة شنغهاي , وفي خضم المعارك الدائرة في أوكرانيا , وتصاعد حدة المواجهة بين موسكو وواشنطن والناتو والإتحاد الأوروبي , وعدم استبعاد احتمالية بدء التفاوض , بالتوازي مع اتجاه أنقرة نحو تغيير سياستها الخارجية على أمل حصادها في الداخل التركي مع اقتراب الإنتخابات الرئاسية , والإنعطافات والأدوار الجديدة للرئيس التركي , أمورٌ تشي بمجملها بأن الرجل على عجلةٍ من أمره , كمن يحاول خطف الكنز قبل أن يستيقظ التنين.

لم يُخف الأتراك يوماً اهتمامهم بـ شبه الجزيرة البلقانية وبمناطق جنوب القوقاز, التي تحتل لديهم مكانةً "رفيعة" وفق الإيديولوجية الإردوغانية - العثمانية الجديدة , بالإضافة إلى مكانتها الحالية الناتجة عن تفاقم الأزمات الإقتصادية وأزمة الطاقة , بعد فشل المخطط الأمريكي – الغربي لتدمير روسيا ، ومن الواضح أن الرئيس التركي يبحث عن تحالفات واسعة مع الدول المؤيدة لتركيا , وتشكل مسرح الإهتمام والترويج التركي لمظلة مشروع "طوران العظيم" الذي خَفَتَ الحديث عنه مؤخراً , لكنه لا زال على ما يبدو يدغدغ أحلام الرئيس التركي , تحت عنوان "إن هبت رياحك فإغتنمها".

فقد ازداد اهتمام أنقرة بمنطقة البلقان مع التعنت الأوروبي ورفض دخول تركيا الإتحاد الأوروبي , وتم تقاسم النفوذ في منطقة البلقان ما بعد إنهيار الإتحاد السوفيتي والعدوان الأمريكي على يوغوسلافيا عام 1991, ما بين الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي وتركيا وعدد من الدول العربية , وأصبحت البلقان بصبغتها السلافية والمسيحية منطقة جذب للولايات المتحدة ودول الإستعمار القديم , واستخدمت فيها النفوذ الإسلامي التركي والعربي للقضاء على ما تبقى من النفوذ السوفيتي , ووجدت تركيا الفرصة لإقحام مشروعها الطوراني "علم واحد ، وشعب واحد ، ودولة واحدة", من تركيا إلى اليونان وبلغاريا والبوسنة والهرسك وصربيا.                      

ومع وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة , صبت أنقرة اهتمامها على تعزيز حضورها من خلال منظمات ومؤسسات ومراكز ذات صلة مباشرة مع المواطنين ( معهد يونس إمري ، رئاسة الأتراك في الخارج ، وكالة التعاون والتنسيق التركية ، مديرية الشؤون الدينية ) , كقنوات للتواصل مع مسلمي البلقان , وبهدف الترويج لأفكار القومية التركية , وتكريسها أفعالاً على أرض الواقع لإستمالة جميع المكونات , كترميم الكنيسة البلغارية في اسطنبول.

ومنذ بداية عام 2000 , سعت تركيا إلى تطوير علاقاتها مع جميع دول المنطقة , بما فيها صربيا وألبانيا , وأظهرت اهتماماً خاصاً بالأوضاع في البوسنة والهرسك , وحاولت أن تكون وسيطاً في لتذليل العقبات والتناقضات الناشئة بين الجاليات المسلمة وباقي المكونات الأخرى في المنطقة , وسط تركيزها على احتفاظ من اهتمت بتسميتهم  "الشتات التركي" في دول البلقان بعلاقاتهم مع أقاربهم في تركيا ، وبالمهاجرين والوافدين من تلك المناطق إلى تركيا , وحافظ الرئيس إردوغان على استمرارية زياراته إلى دول البلقان خلال الحملات الإنتخابية في تركيا.

واليوم لم تخرج رحلته إلى البلقان عن سياقها المعهود , وبدا معها تصريح الخارجية التركية طبيعياً وإعتيادياً , وبأن هدف الزيارات كان لـ "ضمان السلام الإقليمي وتطوير العلاقات الإقتصادية" , في حين أعلن الرئيس إردوغان بنفسه , أن زيارته القادمة إلى البوسنة والهرسك ستكون بهدف :"إيجاد حل للأزمة السياسية في البوسنة والهرسك" , لكن الإنتخابات التركية وبالتأكيد ستكون حاضرة بقوة في صلب زيارته.

إن اهتمام الرئيس إردوغان بتطوير الجانب السياسي لعلاقاته مع دول البلقان , لا يقل شأناً عن اهتمامه بالشأن الإقتصادي , خصوصاً وأن منطقة البلقان أصبحت سوقاً وأرضاً خصبة استطاعت في السنوات الأخيرة جذب المستثمرين الأتراك ، وانتشر رجال الأعمال الأتراك في ألبانيا ، ومقدونيا الشمالية ، وصربيا ، ناهيك عن البوسنة والهرسك وكوسوفو , بالتوازي مع أظهرته تلك البلدان من رغبةٍ لزيادة حجم التبادل مع تركيا , وعلى سبيل المثال , ومن خلال زيارة إردوغان الأخيرة إلى صربيا تم التوافق على رفع حجم التبادل التجاري بينهما إلى 2.5 مليار دولار , وعزم صربيا على البدء بشراء طائرات "بيرقدار" إعتباراً من بداية العام القادم. 

كذلك كانت تصريحات الرئيس التركي التي أطلقها من بلغراد لافتة , ومعادية للغرب , ووصف من خلالها السياسة الغربية المتعلقة بروسيا بـ "الخاطئة" و"الإستفزازية" , وبأنه "لا ينبغي الإستهانة بروسيا".

ومع التحول والمراجعة الشاملة للسياسة الخارجية التركية التي أعلنتها أنقرة مؤخراً , والإنعطافات ولعب الأدوار الدولية الإيجابية , يبقى من المهم للرئيس أردوغان أن يقتنص الفرص كعادته , ويستغل أضيق المساحات , وإنشغال الولايات المتحدة والقوى الكبرى أو حاجتها له , للإبتعاد عن قبضاتها المؤثرة , والأمريكية المتحكمة بالمفاصل الإقتصادية والسياسية التركية , والعسكرية أيضاً من خلال إحكام قبضتها على جميع دول حلف شمال الأطلسي , ويحاول تقديم بلاده على أسس طاعةٍ مختلفة عن الطاعة العمياء التي تظهرها دول القطيع السياسي الغربية وغيرها حول العالم , لكن "المغامرات التركية" غالباً ما تكون على حدود وساحات المصالح الإستراتيجية للقوى الكبرى , والولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي ، التي لن تسمح له بالتمرد الكامل , وتسعى دائماً للحد من نفوذه وقوته , نتيجة يقينها بأن روسيا تقاسمها "الكعكة التركية" , وتخشى ذهاب تركيا والرئيس إردوغان بعيداً في أرجحته للعمل ضد مصالحها والمصالح الأوروبية , وتفضل الحفاظ عليه في غرفة "الإنتظار" للإتحاد الأوروبي , عوضاً عن مهاجمته ثانيةً بشكلٍ مباشر كما حدث في إنقلاب 15 تموز عام 2016.

المهندس: ميشيل كلاغاصي

17/9/2022

 

الإتفاق النووي ما بين الضجيج الإسرائيلي وتسييس وكالة الطاقة الدولية - م. ميشيل كلاغاصي


على الرغم من تناوب أجواء التفاؤل والتشاؤم , حول اقتراب التوصل إلى توقيع الإتفاق وعودة خطة العمل الشاملة المشتركة الجديدة إلى حيز التنفيذ , لا يزال الطرفان الأمريكي والإيراني يعتقدان بإمكانية التوقيع , في حال تم تجاوز تفاصيل العثرات الأخيرة , وبوضع نقطة النهاية "للعبة" شد الحبال , والإنتقال من مرحلة التشكيك إلى الوضوح واليقين والثقة , بالتوازي مع حاجة ومصالح جميع الأطراف لتوقيع الإتفاق , والإبتعاد عن التفكير والتهديد باللجوء إلى الخيارات العسكرية , واستحضار اسطوانة "اقتراب إيران من إنتاج الأسلحة النووية" , كلما أراد الرئيس بايدن استعراض عضلاته وتأكيده "منع إيران من إمتلاك السلاح النووي" , بهدف احتواء الضغوط والمواقف الإسرائيلية الرافضة للإتفاق الإيراني – الدولي , وكل ما تقوم به حكومة "المهرج" لابيد , وجعجعة غرفة العمليات الإسرائيلية في واشنطن , والزيارات إلى ألمانيا , التي تشكل في حقيقتها تحركات ومواقف تبحث عن صداها في الداخل الإسرائيلي والإنتخابات القادمة , ولا تجد لها صدى وتأثير كبير على الإتفاق , فمصالح جميع الأطراف كبيرة وتتخطى المصلحة الإسرائيلية. 

من المهم التركيز على مشروعية المطالب الإيرانية ,  حول ضرورة توقف الوكالة الدولية للطاقة الذرية ذرائعها وتحقيقاتها بشأن ما تسمى "النشاطات السرية الإيرانية في ثلاث مواقع غير معلنة" , في الوقت الذي تتصيد وتتوقع فيه واشنطن حصولها على نتائج التحقيقات بالكيفية التي تدعم مواقفها وخبثها , كنتيجة مباشرة لإستمرار تسييس اّلية عمل الوكالة , وانحيازها نحو المصالح الأمريكية.

وفي الوقت الذي تطالب فيه إيران وبإصرار للحصول على الضمانات السياسية والإقتصادية والقانونية الموثوقة من الطرف الأمريكي , لعدم تكرار ما حدث مع مجيئ ترامب وحكومته ثانيةً , يتجه الأمريكيون نحو التشكيك بنية إيران للعودة إلى الإتفاق , على الرغم من حاجة الديمقراطيين للإتفاق لتحسين صورتهم في الداخل الأمريكي , ولتسجيل إنجازٍ تحت قيادة الرئيس بايدن , كما يلقي الوزير أنتوني بلينكن اللوم وإضاعة الوقت على الجانب الإيراني , ويعتبر أن رد إيران على مقترحات الإتحاد الأوروبي "يعد خطوة إلى الوراء ما يجعل من غير المرجح الوصل إلى إتفاق على المدى القريب" , فيما يتجه الأوروبيون نحو الضغط على إيران حيال مطالبها بوقف تحقيقات الوكالة الدولية للطاقة الذرية , ويرفضون تمسك إيران بهذا المطلب , ويبحثون عن حلٍ وسطي , وسط "توقعات" جوزيب بوريل "بعدم حصول اختراق حالي" للعقبات والعثرات الحالية , ويطرح السؤال نفسه هل يبحث الأمريكيون والأوروبيون عن تأجيل التوقيع , تحت ذريعة تحضير الرد الإيراني على أسئلة وكالة الطاقة الذرية , وخروج واشنطن من انتخاباتها , وعدم إقحام الإتفاق النووي في السجال الإنتخابي ؟

بات من الواضح تمسك إيران والولايات المتحدة والدول الأوروبية بالإتفاق , وبدعمٍ روسي وصيني , وبعدم وجود مصلحة لأي طرف من الأطراف بالتخلي عنه , وسط والإجماع الضمني على رفض الخيارات العسكرية , وحاجة الأوروبيين للغاز الإيراني , وحاجة إيران لرفع العقوبات وتحرير أموالها المجمدة وتجارتها.

ومع طول ذراع الهيمنة الأمريكية وامتدادها نحو عمق مركز صنع القرار في الوكالة الدولية للطاقة الذرية , تحاول هذه الأخيرة عبر تحقيقاتها المزعومة تعبيد طريق المصالح الأمريكية على حساب المصالح الإيرانية , بالتواطئ مع الأوروبيين والإسرائيليين , واتجاه الوكالة نحو لعب دورٍ سياسي أكثر منه فني ومهني , بهدف تحويل العقوبات على إيران من أمريكية إلى أممية ممهورة بخاتم مجلس الأمن الدولي.

وبالرغم من ذلك , أبدت جمهورية إيران الإسلامية المرونة الكافية , وتخلت عن مطالبها بشطب الحرس الثوري عن لائحة الإرهاب الأمريكية والخاضعة لعقوباتها , على الرغم من الدور الإقتصادي والعلمي والإجتماعي الذي يقوم به في إيران , ولا تزال إيران تؤكد "إلتزامها بالتوصل إلى الإتفاق , وبإمكانية تحقيقه فيما لو تحلى الأمريكيون بالواقعية" - بحسب وزير خارجيتها أمير عبد اللهيان - , وأعادوا التفكير في طرح ملف تحقيقات الوكالة الذي تم إغلاقه منذ العام 2015 , وفصل تدخلهم في الإنتخابات الإسرائيلية لصالح نتنياهو أو لابيد , عن طريق الإتفاق النووي , ومسرحية تأثرهم وخضوعهم للضغوط الإسرائيلية , في وقتٍ قدمت فيه سلطات الكيان الإسرائيلي المتعاقبة نفسها على أنها "دولة" مارقة , ليس فقط لقفزها وتخطيها القوانين الدولية , بل لرفضها في هذا السياق تحديداً , التوقيع على إتفاقية منع انتشار الاسلحة النووية.

بات من الضروري دعم النظام العالمي الجديد , بما يضمن لجم الهيمنة الأمريكية والعربدة الإسرائيلية , اللذان يقفا حائلاً أمام مصالح وطموحات الدول والشعوب في الحصول الطاقة النووية السلمية.

المهندس: ميشيل كلاغاصي

15/9/2022

 

Friday, September 16, 2022

"شتاء" النخب والحكومات تحركات واشنطن العدائية تجاه روسيا والصين – م. ميشيل كلاغاصي

تعمدت واشنطن تجاوز الخطوط الحمراء الروسية وتهديد أمنها القومي , لإجبار موسكو على خوض المعركة العسكرية , وها هي تفعل الشيء ذاته مع بكين.  

من الواضح أن الاستفزازات الأمريكية للصين عبر البوابة التايوانية , عكست نمطاً مشابهاً لتلك التي استخدمتها لإستفزاز روسيا عبر البوابة الأوكرانية , وأنها مستمرة بوتيرةٍ تصاعدية , إلى أن تتحرك الاّلة العسكرية الصينية وتطرق أبواب تايوان.  

من خلال إدراك واشنطن عدم قدرتها على مواجهة الصين بشكل مباشر, وتقييد نشاطها العسكري حول تايوان , ألزمت نفسها بإعتماد الإستفزاز استراتيجيةً أساسية لهذه المرحلة , ولم تكتف بزيارة نانسي بيلوسي إلى تايوان في مطلع اّب / اغسطس , وأتبعتها بزيارة عدد من أعضاء الكونغرس الأمريكي , لحث بكين على تسريع تنفيذ تهديداتها عبر التدخل العسكري المباشر لحماية أمنها القومي والحفاظ على وحدة الأراضي الصينية ومبدأ "الصين الواحدة", لكن القيادة الصينية لجأت لتنفيذ مناوراتٍ وتدريباتٍ عسكرية ضخمة , وكثفت من حضورها العسكري حول تايوان , أرسلت من خلالها غضبها وردها الحازم على تلك الزيارات الإستفزازية.

يبدو أن استراتيجية بكين بزيادة السيطرة العسكرية أجواء تايوان والأراضي المحيطة بها , تؤكد عدم رغبتها في احتواء واستيعاب كل ما يدور حول الجزيرة التايوانية , دون الحاجة إلى الإنجرار إلى عملية عسكرية مباشرة , فالدروس التي يستخلصها القادة الصينيون من الحرب على روسيا , قد تدفعهم نحو استراتيجية مختلفة عنوانها التفوق العسكري والإقتصادي , لكنها في الوقت نفسه , تحاول الوصول إلى ذات النتائج , وإلى تدمير عناصر القوة التي يتم تزويد الحكومة التايوانية بها , إن كانت سياسية أو إقتصادية أوعسكرية , لن تستطيع معها الإستفزازات العسكرية والسياسية الأمريكية بما فيها عبور السفن البحرية الأمريكية مضيق تايوان , منع بكين استثمار نشاطها العسكري لفرض سيطرتها بشكل متزايد على الجزيرة "المتمردة" , وإلى تطوير حالة الإستقرار السابق ونقلها إلى نموذج جديد , تكون فيه شروط بكين أكثر وضوحاً وصرامةً من ذي قبل.  

بات من الواضح أن الهمس الأمريكي , يدفع إدارة تايوان نحو إظهار إستقلالها عن الصين , من خلال توثيق العلاقات الخارجية , وإبرام الصفقات العسكرية والإقتصادية والتجارية , على هواها وكما يحلو لها , وبحرية تامة تكرس انفصالها عن الدولة الصينية , في تجاهل تام لمدى عمق إرتباط الإقتصاد التايواني بالإقتصاد الصيني , وهذا ما يمكن للإدارة الصينية أن تستغله لإفشال المخطط الأمريكي برمته , وبإخضاع الإنفصاليين دون اللجوء إلى عملية عسكرية , تبدو الصين مستعدة تماماً لمواجهة القوات المسلحة التايوانية , أو لأي تدخل غربي وأمريكي محتمل. 

ومن المستغرب أن تستفيد الصين من دروس الحرب الغربية على روسيا , ولا تستفيد منها حكومة تايوان ونخبها السياسية , وهم يرون أهداف واشنطن التي تتخطى تدمير أوكرانيا وتقسيمها , وبأنها لا تعدو أكثر من ذريعةٍ تستخدمها ضد روسيا , لقد بات من الواضح أن عملاء الإنفصال في تايوان لا يأبهون أيضاً بتدمير جزيرتهم , ويعولون على "استعداد واشنطن للدفاع" عنها وعنهم , ولا يرون أهداف واشنطن في محاصرة الصين وإلحاق الأذى بإقتصادها , ونسف خطوط شحنها التجاري البحري بإستخدام الورقة التايوانية.

إن المخطط الأمريكي - الغربي تجاه الصين , نسف العلاقات الصينية – الأمريكية , القائمة منذ أربعين عاماً , وأكد تجاوز واشنطن الخطوط الحمراء الصينية , وكشف اللثام عن جوهر سياسة "الغموض الإستراتيجي" الأمريكي , وعن أهداف الزيارات المتتالية , التي سعت لتطوير مختلف أشكال العلاقات الأمريكية مع تايوان , ودفعها نحو الإنخراط في العلاقات الدولية , على أنها دولة مستقلة , على حساب "الصين الواحدة".

وفي هذا السياق , قام وفد أمريكي ثالث بزيارة تايوان برئاسة حاكم ولاية إنديانا ، لبحث سبل التعاون الإقتصادي في إنتاج "رقائق السيليكون الإلكترونية" والتي تشكل عصب الصناعات التكنولوجية , وتكاد تنفرد بها تايوان في العالم , كذلك تم تشجيع اليابان على تطوير وتوسيع علاقاتها مع تايوان , وبالفعل استقبلت حكومة تايبيه عدة شخصيات سياسية يابانية , وبعض أعضاء البرلمان الياباني.

تبدو الإستفزازات الأمريكية وتجاوزها الخطوط الحمراء لكل من روسيا والصين , يؤكد عزم واشنطن القتال على جبهتين في اّن واحد , الأمر الذي يعكس هزائمها وعجزها في الحفاظ على "عرشها" وتفردها بقيادة عالم القطب الواحد , وتجد نفسها مجبرة على خوض المغامرات والمعارك السياسية والعسكرية والإقتصادية الخطرة , وإشاعة الفوضى القصوى , وإشعال ما أمكنها من الجبهات , ودفع أي مواجهة محتملة لأية أطراف , سواء كانوا حلفاء وشركاء أو أعداء , في محاولة لإضعاف الجميع وكسب الوقت لإستعادة مكانتها , ولجم وكبح العالم الناشئ الجديد متعدد الأقطاب بدعمٍ رئيسي من روسيا والصين.

من الواضح أن استراتيجية "الجنون الأمريكي" وقيادة اللعبة الخطرة , فصل إدارة بايدن عن الواقع , ودفعها بعيداً عن المصالح الأمريكية الحقيقية , وصم اّذانها عن سماع "الثعلب" هنري كيسنجر, وتأكيده عدم كفاية القدرات المالية والعسكرية الأمريكية الحالية , لتحدي روسيا والصين , وخوض القتال على جبهتين في اّنٍ واحد , وتقديم الدعم المالي والعسكري للنازيين الأوكران , وإنفصاليي تايوان , بالتوازي مع انخفاض احتياطي الأسلحة في المستودعات الأوروبية , وإنشغال القادة الأوروبيين ولهاثهم وراء تأمين الغاز المسال وبناء البنى التحتية لإستقباله , وملئ خزانات الغاز ومستودعات الأغذية , تفادياً لمواجهة غليان الإحتجاجات و"شتاء الحكومات" أكثر من منها لمواجهة البرد و"شتاء الشعوب".

في الوقت الذي ينهمك فيه المجمع الصناعي الحربي الأمريكي , بجني الأرباح , وبإنتاج الأسلحة الضرورية لإستمرار المعركة العسكرية في أوكرانيا , ولرفع مستوى التصعيد العسكري وإفتتاح المعركة الموازية في تايوان.

المهندس: ميشيل كلاغاصي

13/9/2022