Wednesday, November 16, 2022

تركيا , الغرب يعاقبها وبوتين يحولها إلى مركزٍ دولي للغاز الروسي - م. ميشيل كلاغاصي


من خلال ربط علاقاتها الخارجية بسياسات الولايات المتحدة الأمريكية , لم تفوت الدول الغربية الفرص لفَرضِ المزيد من العقوبات على تركيا , سواء كان ذلك يتعلق بنشاط عملياتها الإستكشافية النفطية والغازية أو أعمال الحفر في مياه شرق البحر الأبيض المتوسط ​​، أو بسبب حصولها على أنظمة صواريخ أرض - جو الروسية ، وبكل ما يتعلق بتقاربها مع روسيا , في سعي حثيث إلى تضييق الخناق على الرئيس التركي رجب طيب إردوغان , ولتضخيم حجم تأثير التيارات التركية المعارضة التي تسير في الركب الامريكي , في وقتٍ تقترب فيه الإنتخابات الرئاسية التركية أكثر فأكثر.

وقد ساهم السعي التركي للحصول على العضوية الكاملة في منظمة شنغهاي , في تأجيج الإستياء الأوروبي , وبإظهار مدى تعفن "القيم" والشعارات "الديمقراطية" التي يرفعها وينادي بها الأوروبيين , وينكرون على تركيا حقوقها بإختيار طريقها وعلاقاتها ومصيرها .  

وفي هذا الصدد , يحاول الأوروبيون المساهمة في كبح حماسة أنقرة واستقلال سياساتها عن واشنطن وبروكسل ، فقد وسّع الإتحاد الأوروبي عقوباته ضد المسؤولين ورجال الأعمال الأتراك ، ومنع بعضهم من دخول الإتحاد الأوروبي , وجمّد الأصول الأوروبية للبعض الاّخر , وسط الدعوات الألمانية لمراجعة دور أنقرة في الشؤون الأوروبية ، ولتحليل السياسة التركية في ليبيا وسوريا وشرق البحر المتوسط ​​وناغورنو كاراباخ .

وابدى الإئتلاف الحاكم في ألمانيا حماسةً خاصة , للدفاع رؤى ومصالح الولايات المتحدة في تركيا , لفرض "تدابير إقتصادية على تركيا" , على إعتبار أن تعميق أنقرة لتعاونها مع روسيا والصين عبر منظمة شنغهاي للتعاون , هو أمر "غير مقبول" به من قبل حلفاء تركيا الغربيين في الناتو , ناهيك عن المزاعم وإتهام تركيا بعرقلة جهود الناتو في مراقبة حظر الأسلحة المفروض على ليبيا ، وحفر آبار النفط والغاز في المنطقة الإقتصادية الخالصة لليونان.

كما تضمنت عقوبات الإتحاد الأوروبي الجديدة على تركيا , رفض منح تأشيرات الشنغن للمواطنين الأتراك , وتأخير بعضها الاّخر , من خلال تشديد الإجراءات وتعقيد الثبوتيات , وسط إتهام وزير الخارجية التركي الإتحاد الأوروبي والولايات المتحدة , "بتعمد تعقيد وتأخير" هذه الإجراءات.. كذلك القيود التي فرضتها الدول الغربية مؤخراً على قطاع الطيران المدني الجوي الروسي – التركي ,  بما ألحق بالسياحة التركية أضراراً جسيمة , ناهيك عن زيادة الضغوط الأمريكية – الأوروبية على البنوك التركية التي تدعم نظام الدفع "مير" الروسي , الذي ترى فيه واشنطن وسيلةً تساعد روسيا على التهرب من العقوبات المالية المفروضة عليها.

مهما تكن علاقة أنقرة بواشنطن وبروكسل , وعلاقتها المعقدة مع روسيا , يبدو أن الرئيس فلاديمير بوتين يرى ضرورة الحفاظ وتعميق علاقات بلاده بأنقرة , والتي من شأنها  تسريع تدهور وتفكك الغرب , وإعادة توجيه المجتمع الدولي نحو علاقة دولية عادلة متعددة الأقطاب , على حساب الولايات المتحدة وحلفائها , ولم يوقف سعيه لإستمالة تركيا , واقتناص الفرص لجعل أرجحتها تصب في صالح بلاده أولاً وتركيا بالدرجة الثانية.

ومع تزايد الضغوط والعقوبات الغربية على تركيا , وبهدف تدمير وتعطيل الإمدادات الروسية من الغاز, التي يقاتل الأمريكيين والإوروبيين لإيقافها والإستغناء عنها , وجد الرئيس بوتين الفرصة ليفاجئ الأتراك والأصدقاء والأعداء , بإعلانه في 12 تشرين الأول/أوكتوبر , اقتراحه لإنشاء مركزٍ دولي للغاز في تركيا , خصوصاً بعد الهجمات الإرهابية والإعتداء على أنابيب نورد ستريم 1و2 في بحر البلطيق , بعدما ثبت أن خطوط الأنابيب البحرية "ليست اّمنة" .

 من الواضح أن موسكو تنظر إلى مشروع "المركز التركي للغاز" من الناحية الأمنية , ومن خلال مقارنة نفوذها في بحر البلطيق بالبحر الأسود , والسيطرة العسكرية والإستخبارية الروسية والتركية , بالإضافة لسيطرة أنقرة المباشرة على حركة وتحركات ومرور السفن العسكرية عبر مضيقي البوسفور والدردنيل.  

حتى الاّن , يبدو أن أوروبا تعيش صدمات عديدة , لم تكن تتوقعها قبل أن تقرر مواجهة موسكو والرئيس بوتين , ورفضها الحصول على الغاز الروسي ومحاولاتها الإستغناء عنه , وقضت على نفسها بعدما قرر الرئيس بوتين اعتماد تركيا كمركز للغاز الروسي , عوضاً عن ألمانيا والنمسا , وبولندا التي لا زالت تحلم به , ولم يخطر ببالها أن تقوم روسيا وتركيا بتقسيم أوروبا إلى شطرين , وبفسح المجال أمام إيران الحليف الإستراتيجي لكلا البلدين بمساعدة روسيا على حل مشاكل منطقة القوقاز على ضخامة رقعة إتساعها وامتدادها .

لقد شكل إقتراح الرئيس الروسي مفاجئةً حقيقية لتركيا , وسارع الرئيس التركي لتوجيه حكومته بالعمل الفوري والإنتهاء من تمديد شبكة الأنابيب اللازمة , بأسرع وقتٍ ممكن , ومن المرجح وفق الإعلام التركي , أن تتم إقامة هذا المركز في مقاطعة تراقيا التركية , التي تقع في الجزء الأوروبي من تركيا , وعلى الحدود اليونانية والبلغارية , في خطوةٍ من شأنها إقناع الدول الأوروبية ، الراغبة بتخفيض اعتمادها على موسكو , بشراء الغاز من مركز الغاز الجديد في تركيا.. في وقتٍ يبدو فيه من السهولة بمكان بالنسبة لروسيا استكمال بناء الخطوط الواصلة إلى تركيا , فالبنى التحتية البرية للمشروع تم إنشاؤها منذ العام 2014 , ومن الممكن استكمال البنى التحتية البحرية الضرورية في غضون عام أو عامين.

وفي هذا الصدد , وبمجرد الإعلان عن المشروع الجديد , سارعت تركيا لكسب الوقت وجلب الإستثمارات , واستغلال "قمة إسطنبول الإقتصادية" , التي ستعقد يومي 8 و9 كانون الأول /ديسمبر, والدعوة لعقد لقاءٍ يجمع وزير الطاقة الروسي بنظيره الألماني , وبدعوة الشركات الأجنبية وبالتأكيد الشركات الروسية أيضاً , حيث يرى وزير الطاقة الروسي نيكولاي شولغينوف إن: "عقود الغاز طويلة الأجل هي أحد الحلول لجذب استثمارات في مشروعات الغاز" ،  وبأنها تمثّل "إحدى دعائم استقرار سوق الغاز العالمية".

يبدو أن الذكاء الروسي تفوق على الخبث الأمريكي الأوروبي , وتحمل بعض الإزعاج والأذى التركي المحدود لروسيا , وتعاطى مع العلاقة الجدلية مع أنقرة , وحولها إلى شراكة تتجذر موثوقيتها شيئاً فشيئاً , بالإعتماد على المصالح الإقتصادية والجيوسياسية , والتي لا بد أن يستفيد منها كلا الطرفين , وخصوصاً الجانب التركي , وهو الذي يعيش أزماته الاقتصادية , وهمومه الداخلية وتعقيداتها , ومدى تأثيرها على نتائج الإنتخابات الرئاسية لصالح الرئيس رجب طيب إردوغان , الذي يأمل بالنجاة والفوز بها , وأن يحالفه الحظ بالمزيد من تعثر واشنطن وبروكسل , للحد من العراقيل والمفاجئات والألاعيب التي قد يلجأؤون إليها لإقصائه وإسقاطه عبر الإنتخابات.

في حين تتوقع موسكو , استمرار تراجع مهاجميها والمعتدين على أمنها القومي , وخطوطها الحمراء , وتراجع إقتصادياتهم , الأمر الذي سيؤثر على ثقل وهيمنة ألمانيا على الإتحاد الأوروبي , الذي سيعاني بدوره من تراجع حجوم إعاناته  التي تمنحه القدرة على فرض إملاءاته على دول الإتحاد الأقل إنتاجاً والأكثر عوزاً , في ظل العواصف الإقتصادية المتوقعة والقادمة , وسطوة "سيدٍ" أمريكي بات يستخدم السوط أكثر من الجزرة.

ميشال كلاغاصي

27/10/2022   

 

"الحرية وحقوق الإنسان" السلاح الغربي القديم – الجديد لإستهداف إيران - م. ميشيل كلاغاصي


يستمر الإستهداف الأمريكي – الغربي للدولة الإيرانية , وتستمر معه الحملات الإعلامية التضليلية الحاقدة , بالإعتماد على تغييب عقول المتلقين , وكل من تعتبرهم وسائل الإعلام الغربي المسيس والمأجور , أناساً بلا ذاكرة , ولا يعرفون أن إيران تتعرض لأبشع عدوانٍ غربي منذ أربعين عاماً , لم يتوقف فيها الحصار وفرض العقوبات الأمريكية والدولية على إيران الدولة والشعب , ولا يعرفون أيضاً أن الإيرانيين حولوها إلى فرصة وحافزاً جدياً ساعدهم على تطوير علومهم وفكرهم ومهاراتهم التنظيمية وترجمتها حقائق على أرض الواقع , ومنحت بلادهم القدرة لتكون واحدة من أهم الدول والقوى الإقليمية والدولية , وأكثرها استقلالية في اّلية إتخاذ قرارها السياسي , الذي يلبي طموحات شعبها , التي تستند إلى تاريخه وحضارته , وتشكل حصيلة لصبره وكفاحه ونضاله , وخصوصاً مع إنطلاقة "الثورة" عام 1979.

فقد أدى النهج الإيراني إلى تحقيق عديد الإنجازات في كافة مجال العلوم والتكنولوجيا والصناعات العسكرية التقنية التي تحتاجها إيران , وبات العالم كله يعرف أن الإنجازات الإيرانية جاءت كنتاج لعراقة الحضارة الإيرانية واستمرارها وتطورها , ومراكمة إنجازاتها , وليست وليدة ظروفٍ ولحظاتٍ اّنية مرت وتمر بها البلاد. 

واليوم , وبفضل متانة وعمق الأساسات الإيرانية , استطاعت التصدي للعدوان الأمريكي - الغربي متعدد الأشكال والأساليب على مدى العقود الأخيرة , والتي اقتربت فيها المواجهة العسكرية المباشرة بينهما مرات عديدة , سجلت فيها الدولة الإيرانية ثباتاً وشجاعةً وحكمةً , أكدت علو كعبها السياسي والدبلوماسي وردعها العسكري , ودقة حساباتها , وبراعتها في ترتيب أولوياتها الجيو- سياسية .

وهذا يشير إلى أهم ما يميز إيران وسياستها الخارجية , التي تقوم على التمسك بمصالحها الوطنية ، النابعة من عمق وتاريخية وهوية المجتمع والدولة , بما يؤكد صعوبة التأثير عليها من الخارج , في وقتٍ لم تتوقف فيه المعارضة الإيرانية المدعومة من الخارج , إقتناصها الفرص , وتنفيذ هجماتٍ إرهابية داخل البلاد , أو بمحاولات زعزعة الإستقرار الداخلي , تنفيذاً للمخططات التي يحيكها بأعداء إيران كالعدو الإسرائيلي , والولايات المتحدة الأمريكية , وبريطانيا , وبعض الدول والأنظمة العربية المجاورة , ومع ذلك , حافظت الدولة الإيرانية على استقلالية قرارها السيادي والسياسي , وواجهت أزماتها وصراعاتها والعدوان الصهيو – أمريكي وأدواته , بقدراتها الذاتية , وبكبرياء شعبها , وحكمة قيادتها. 

وعلى الرغم من تطور علاقاتها الدولية مع بعض القوى الكبرى كروسيا والصين , والتي بلغت مستويات متقدمة للغاية , على المستوى الإقتصادي , والتبادل التجاري , والعلمي , وتبادل الخبرات , وعشرات المجالات الأخرى , بما فيها المجال العسكري , وبنت معهم علاقات استراتيجية هامة ومميزة , وباتت أكثر قرباً من إعلان شراكتها وانضمامها إلى منظمة الأمن الجماعي , ومنظمة شنغهاي للتعاون , الأمر الذي استغله الغرب لمضاعفة حملاته الإعلامية وإتهاماته وشكوكه حيال "سلوكها" , إذ ينظر الغرب إلى "الشراكة" و"العلاقات الإستراتيجية" وحتى "التحالفات" , بالقياس على ذهنيته وفهمه لطبيعة هذه المصطلحات , وعلى مبدأ "من ساواك بنفسه ما ظلمك" , وبأنه لا بد لها أن تكون جزءاً من سياسات وسلوكيات "القطيع" , التي لا تقبل الولايات المتحدة بديلاً عنها بعلاقاتها معهم.

وعليه , لا يستطيعون فهم المواقف الإيرانية من القضايا والملفات والصراعات , التي تقوم أساساً على مصالحها وشعبها , ويبقى من الصعب عليهم فهم مواقفها , للحفاظ على السلام في جنوب القوقاز , ورفضها الثورات الملونة والهجينة , والحرب في أوكرانيا , وكبح بعض الطموحات التركية , ودعم القضايا العادلة كالقضية الفلسطينية , ودعم الدولة السورية وفنزويلا وغيرها , وإخراج الولايات المتحدة من الشرق الأوسط , دعم السلام وعلاقات حسن الجوار في محيطها العربي.

إن تطور الدولة الإيرانية والمكانة الإقليمية والدولية التي أصبحت تتمتع بها , دفع الغرب لزيادة التاّمر والعدوان عليها , وإنكار حقوقها بإمتلاك وإنتاج الطاقة النووية السلمية , وبما استطاعت إنتاجه من صناعات عسكرية , تدعم دفاعها عن سيادتها وقرارها وأمنها وشعبها , بالإضافة إلى ردعها الجدي لأعدائها , وسط إدراك الولايات المتحدة وحلفائها صعوبة التمدد في المنطقة , وتمرير المشاريع الخبيثة , والسيطرة على ثروات الدول والشعوب في المنطقة بما فيها إيران , الأمر الذي جعل منها هدفاً غربياً , مورست بحقها التهديدات والضغوط وطبقت عليها العقوبات الأمريكية والأوروبية , بعيداً عن الشرعية الدولية والقوانين الأممية والأعراف الدولية.

ولأجل مكانتها وقوة تأثيرها ودورها في محيطها , أرادت واشنطن إبعادها عن الساحة الإقليمية والدولية , والحرب على روسيا في أوكرانيا , التي أعدت لها العدة منذ العام 2014 , ومزقت الاتفاق النووي الإيراني في عهد دونالد ترامب , وجاء الرئيس بايدن ليستكمل الخديعة , ويسير بالمفاوضات حتى أنها كادت تثمر إتفاقاً جديداً , كررت فيها إيران إنتصارها الدبلوماسي , والتفاوضي , لكن الأمريكيون لا زالوا يضعون العراقيل والذرائع لتأجيل التوقيع وربما لنسفه.

كذلك أرادت واشنطن إبعاد إيران عن الصين , وعديد الدول الاّسيوية , وسورية , والعراق , لبنان  ,... لأسباب تتوحد في جوهرها , وتصب في خانة صعوبة تخطي الدولة الإيرانية في الصراعات الدولية , وخصوصاً تلك المحيطة بإيران , ومن خلال إدراكها بأنها الدولة الأولى في العالم التي وقفت في وجهها ووجه النظام الليبرالي العالمي منذ ثمانينيات القرن الماضي , في وقتٍ لم يكن فيه احتمال انهيار النظام الدولي الأحادي يلقى الصدى حول العالم , ولم تتخيل فيه أيضاً الدول كالصين والهند والدول النامية الكبرى , أنه يمكن مواجهة الغرب ورفض هيمنته وإملاءاته .

وفي محاولةٍ لصيد عصفورين بحجر واحد , ونتيجة تفوق روسيا في الحرب الدائرة في أوكرانيا , بمواجهة الولايات المتحدة والناتو والإتحاد الأوروبي , تستغل واشنطن وأدواتها لتوجيه الإتهامات لروسيا بإستهدافها البنى التحتية والتجمعات السكانية في أوكرانيا وبمسؤوليتها عن إزهاق أرواح المدنيين , قامت بتوجيه الإتهام إلى إيران أيضاً , عبر مزاعم أن ما قامت به روسيا , كان بفضل الطائرات الإيرانية المسيرة التي قامت بتوريدها إلى روسيا .

وعلى الرغم من النفي الإيراني والروسي القاطع لهذه الإتهامات , والتأكيد الإيراني حول تمسكها بالقانون الدولي , وسط غياب أي دليل يثبت صحة الادعاءات المزعومة , أوقفت واشنطن حديثها وتصريحاتها حول الاتفاق النووي الإيراني , واتجهت نحو شن حملةٍ إعلامية – سياسية عنيفة ضد إيران , استغلتها أيضاً لفرض المزيد من العقوبات على إيران , وصبت بالتوازي كافة جهودها على استهداف الدولة الإيرانية من داخلها , بالإعتماد على مرتزقتها من المعارضة المحليين , المرتبطين بشركائهم في إقليم كردستان العراق , لإثارة الشغب , والإخلال بالأمن الداخلي , وهز الاستقرار , وجر البلاد نحو الفوضى , تحت ذريعة واهية , اعتمدت على حادثة وفاة الشابة مهسا أميني , نتيجة مرضها ووضعها الصحي الخاص والمعقد , الأمر الذي أثبتته التحقيقات الرسمية , ودعمته شرائط الفيديو , التي توضح لحظة سقوط الشابة ومصرعها وسط صديقاتها , وبأنه لا أساس للحديث عن تعرضها للضرب على راسها من قبل رجال الشرطة أثناء توقيفها , لمخالفتها القانون الرسمي الذي يكفله ويحميه دستور البلاد بشكلٍ شرعي مطلق.

تتالى العقوبات والتصريحات الغربية الحاقدة , والمبنية على نفاق كلي وأضاليل مكشوفة , لكن الغرب يريد تصديق نفسه , ليسوق مبررات حملته وعقوباته على إيران , ويبقى من المثير للسخرية , أن يدعي الغرب مخالفة إيران للقوانين الدولية , ويفرض عليها عقوبات لا قانونية , وتبدو أقرب إلى قانون العصابات , حيث تسارع كندا لإطلاق عقوباتها على وسائل الإعلام وعدد من الصحفيين في إيران , فالغرب لا يريد لوسائل الإعلام الإيرانية الرسمية والمستقلة نقل حقيقة الجماعات الإرهابية والإنفصالية , ومدى إرتباطها بالخارج , والإبقاء على قنوات التضليل الإعلامي , بهدف تمدده وتأثيره ليطال كافة المجتمع الإيراني , للإنقلاب على الدولة الإيرانية وقيادتها , وتحويل البلاد إلى ساحة مواجهة , أرضاً للحرب الأهلية , تحت عنوان "الحرية" و"حقوق الإنسان" التي لم يحترمها الغرب يوماً , وسط مشاهد القمع والعنف الرسمي - الحكومي في فرنسا وألمانيا وبريطانيا , بحق المواطنين الذين خرجوا للتظاهر والمطالبة بوقف دعم حكوماتهم للمتطرفين والإنفصاليين الأوكران , وللخروج من الناتو , والإتحاد الأوروبي , ووقف الحرب على روسيا , واحترام حقوقهم في الحياة والعمل والغذاء والدواء والدفء في الشتاء القادم على عجل , وأنهم لا يبحثون كحوماتهم عن تدمير روسيا ووقف إمداداتها من الغاز , وبإقتراب الناتو من حدودها.

ميشيل كلاغاصي

24/10/2022

 

"الديمقراطية والقيم الغربية" قصمت ظهر القارة العجوز- م. ميشيل كلاغاصي


مع استمرار الصراع في أوكرانيا ، ومن خلال ما أظهره القادة والساسة الأوروبيين , من كراهية ونفاق , وضعف وتبعية للولايات المتحدة الأمريكية , ومن محاولات التبرير الفاشل والبائس , لحجم الدعم المالي والعسكري لحكومة كييف المتطرفة , والإنخراط والإنسياق الكامل وراء أجندة المخطط الأمريكي ضد روسيا , يطرح السؤال نفسه , حول مدى وجدوى الدعم الأوروبي لأوكرانيا , على حساب مصالح الدول الأوروبية , وهزّ استقرارها , وإقتصادها , ونسف أمنها , والإطاحة بمكاسب مواطنيها , وطريقة عيشهم الكريمة , وإذلالهم وإصطفافهم على الطوابير أمام محطات الوقود , وبإرتفاع أسعار الغاز والطاقة والسلع الغذائية , وإجبارهم على قضاء شتاء قاسٍ بلا تدفئة , أمورٌ بمجملها أثارت غضب واستياء الأوروبيين , وأجبرتهم التخلي عن رفاهيتهم , ونزولهم إلى الشارع للمطالبة بإسقاط الحكومات , وبزيادة الرواتب , وبتمسكهم بفرص عملهم , وبدعواتهم للخروج من الإتحاد الأوروبي والناتو .

ماذا حل بقواعد النظام الديمقراطي الذي تتشدق به الحكومات الغربية ؟ التي حصدت أصوات الناخبين عبر وعودٍ ورديةٍ كاذبة , استبدلتها بحروبٍ وبحياةٍ قاسية صعبة , لم تعد شعوبها الأوروبية قادرة على تحملها .

يبدو أن الدعم الأوروبي المتهور والأعمى لسياسات الولايات المتحدة في الصراع الأوكراني ، لم يحسب حساب العواقب الإقتصادية والسياسية الوخيمة التي أطلقها بنفسه ، وأوصلته بكامل هيكله السياسي , نحو لحظةٍ حاسمة لا يمكن حلها إلاّ من خلال وضع خط النهاية لنظام الإتحاد الأوروبي , وبإيجاد تسويةٍ سياسية جديدة , وبناء هيكلٍ جديد , يضمن أمن القارة الأوروبية , واستقلاليتها , ومستقبلها.

لقد راهنت الدول الأوروبية على هزيمة روسيا , وإزاحة الرئيس فلاديمير بوتين ، عبر استراتيجية التبعية المهينة والمذلة للإتحاد الأوروبي , الذي انخرط بكليته بحربٍ اقتصادية تبدو فاشلة وبلا فائدة , قادتها الولايات المتحدة ضد روسيا , من خلال العقوبات التي لم يسبق وأن تعرضت لها دولة عبر التاريخ , وأدت إلى نتائج عكسية , أثرت بشكلٍ سلبي على المستهلكين والشركات الأوروبية , وتسببت بإرتفاع فواتير الطاقة وبالتضخم العام , وبإرتفاع احتمالات انعدام التدفئة ومواجهة البرد خلال هذا الشتاء ، ناهيك عن الأضرار الإقتصادية التي لم يعد بالإمكان إصلاحها على المدى المنظور , خصوصاً وأن العقوبات التي فرضها الإتحاد الأوروبي على روسيا , أدت من حيث النتيجة إلى إفلاس العديد من المصانع والشركات الأوروبية التي يرتبط إنتاجها بالطاقة , الأمر الذي أدى بدوره إلى تدهور الموازين التجارية ، وتآكل كبير لليورو ، وفقدان الوظائف ، بما يبشر بعقودٍ سيسودها الركود الإقتصادي الحاد , الذي سيرخي بظلاله المخيفة على الحياة السياسية والإجتماعية , التي ستطال كافة دول القارة الأوروبية .

بات من الواضح أن كافة قرارات الإتحاد الأوروبي الداعمة لأوكرانيا , التي اتخذها تحت عنوان "قواعد النظام الديمقراطي" و"سيادة القانون" و"القيم الغربية" , ووضعها عناوين ومبررات  , لرفض العملية العسكرية الروسية الخاصة , وإدعاء عدم شرعيتها , ومخالفتها للقانون الدولي , قد سقطت وسقط معها نفاق قادة وساسة الدول الأوروبية , والإتحاد الأوروبي , وأظهرت حقيقة ما يخفونه في صدورهم من كراهية دفينة منذ قرون تجاه روسيا القيصرية والإتحاد السوفيتي وروسيا الإتحادية اليوم , وحاولوا تبريرها بإقناع الشعوب الأوروبية بـ "الرهاب الروسي" القديم – الجديد , وبأنه اّن الأوان لإستئصاله , عبر هزيمتها وتدمير إقتصادها وتفكيكها وتقسيمها .

كم من السذاجة يتطلبه الأمر , لقبول دفاع الأوروبيين عن نظام كييف , وهو الذي ارتكب المجازر بحق مواطنيه الناطقين باللغة الروسية على مدى ثماني سنوات , وتحديداً منذ الإنقلاب الذي رعته الولايات المتحدة الأمريكية عام 2014 , وعدم إلتزامه ببنود إتفاقية مينسك في عام 2015 , وانخراطه في المخطط الأمريكي , وسط تجاهلٍ أوروبي لجرائم نظام كييف , والإضطهاد السياسي الذي مارسه بحق معارضيه , وتمادى في تعميم أفكار إيديولوجيا التطرف القومي , وبرعاية المجموعات والعصابات الأوكرانية الإنفصالية الإرهابية , ناهيك ممارساته التي اعتمدت على منظومة فساد النظام والمجتمع , ومع ذلك تدعي الدول الأوروبية والإتحاد الأوروبي , قيادتهما للمجتمعات الأوروبية في ظل "القيم" الأوروبية !.

لم يستطع الإتحاد الأوروبي تقديم نفسه كطرف مستقل في الصراع الأمريكي – الروسي , وحرم نفسه بأن يكون وسيطاً نزيهاً في مفاوضات السلام التي لا بد منها عاجلاً أو اّجلاً , وتخلت الدول الأوروبية عن دورها ومكانتها الدبلوماسية التقليدية لصالح دولٍ أخرى , كتركيا والمملكة العربية السعودية , وسط احتمالية دخول دول أخرى على خط المفاوضات , الأمر الذي سيفرض على أوروبا كطرف رئيسي في الصراع , تقديم التنازلات مقابل السلام , كذلك بات عليها الإعتراف بتراجع دورها ومكانتها الدولية , وبأنها قارةٌ عجوز , كما وصفها وأرادها الأمريكيون أنفسهم.

المهندس: ميشيل كلاغاصي

2/10/2022

 

Saturday, October 22, 2022

تركيا تقحم ليبيا في الصراع الدولي على الغاز والنفط - م. ميشيل كلاغاصي


مؤخراً وفي 3 أكتوبر/ تشرين الأول , وقع وزير الخارجية التركي مولود تشاووش أوغلو ، ونظيرته نجلاء المنقوش وزيرة الخارجية في حكومة الوحدة الوطنية في شمال ليبيا ، مذكرتي تعاون بين البلدين في قطاع النفط والغاز ، بما في ذلك التنقيب المشترك , كما وقع وزيرا الإقتصاد والتجارة في شمال إفريقيا محمد الحويج ونظيره التركي فاتح دونماز , عدد من الإتفاقيات الثنائية.  

وخلال المؤتمر الصحفي في طرابلس , والذي تلا توقيع المذكرات , صرح وزير الخارجية التركي ، أن تركيا أرادت توقيع اتفاقية للغاز مع الدولة الليبية , والتي وبموجبها ستمنح الشركات التركية تراخيص للتنقيب عن النفط والغاز" , بناءاً على اتفاقية الحدود البحرية الموقعة بينهما في عام 2019 ، والتي رفضتها اليونان وقبرص وانتقدتها مصر , بإعتبارها تشمل المناطق المتنازع عليها" شرق البحر المتوسط , كذلك قوبل الإتفاق برفض البرلمان الليبي في شرقي البلاد التابع لحكومة فتحي باشاغا.

ومن خلال إجاباتٍ استفزازية , أكد الوزير التركي , أن مذكرات وإتفاقيات التعاون التي تم توقيعها من شأنها "تحقيق الفائدة لكلا البلدين" , بعيداً عما يفكر به الاّخرون , مضيفاً "أنه لا يحق للدول الأخرى التدخل" , في ردٍ مباشر على مواقف مصر واليونان اللتان اعتبرتا أن حكومة الوحدة الوطنية المنتهية في طرابلس منتهية الشرعية , ولا تملك سلطة إبرام أية اتفاقات دولية أو مذكرات تفاهم.

في حين أكد عبد الحميد دبيبة رئيس الوزراء الليبي لحكومة الوحدة الوطنية ، خلال اجتماع حكومي في 6 أكتوبر، إن تركيا وليبيا ستعملان بشكل مشترك  وبحسب المذكرة على التعاون في مجال الهيدروكربونات ( استكشاف وإنتاج ونقل وتكرير وتوزيع وتجارة الهيدروكربونات ، وإنتاج وتجارة النفط والغاز والبتروكيماويات والمنتجات البترولية المتنوعة ) وفقاً للقوانين واللوائح الوطنية ، وتبادل المعلومات والخبرات وتدريب الموارد البشرية ، وتقوية الشراكة بين القطاعين العام والخاص في كلتا الدولتين.

في وقت سابق ، قال وزير النفط والغاز الليبي في حكومة الوحدة الوطنية ، وفقاً لدراسة أجرتها وزارة الخارجية , إن اتفاقية عام 2019 لترسيم الحدود البحرية مع تركيا منحت ليبيا منطقة مائية ضخمة حيث اكتشفت ليبيا 29 حقلاً نفطياً و 12 حقلاً غازياً ، في وقتٍ  قال فيه رئيس الأركان التركي السابق للقوات البحرية الأدميرال جهاد يايجي ، إن قيمة الإحتياطيات شمال الولاية البحرية الليبية تعادل نحو 30 تريليون دولار.

لم تسلم الإتفاقيات الموقعة بين الوزيرين أوغلو – النقاش من الإنتقاد , وأثارت ردود فعل متناقضة محلياً وإقليمياً ودولياً , وبحسب وسائل الإعلام , شككت كل من اليونان ومصر في شرعية ما حصل , واتفقتا على تنسيق إجراءاتهما المشتركة بشأن المذكرات الموقعة , وبأن اليونان لن تتسامح مع أي انتهاكات لإتفاقية عام 2020 التي وقعتها مع مصر , وبأنها ستدافع عن حقوقها السيادية على أساس القانون الدولي ، ولا سيما اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار.

كذلك أعرب رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح عن معارضته الشديدة للإتفاق ، وطالب الأمين العام للأمم المتحدة بعدم الإعتراف بالإتفاقيات الموقعة بين حكومة الوحدة الوطنية الليبية وتركيا , وكان صالح قد شدد في وقت سابق على أن توقيع الإتفاقيات الدولية هو من اختصاص حكومة فتحي باشاغا المنتخبة من قبل البرلمان , والتي أدى وزرائها اليمين الدستوري أمام البرلمان في مدينة طبرق في شهر اّذار الماضي , كذلك أعلن أعضاء المجلس الأعلى للدولة الليبية رفضهم التوقيع على الإتفاقية ، معتبرين أنها "غامضة".

وعلى المقلب التركي , اعتبرت أنقرة أن مواقف كل من مصر واليونان منحازة , وقد تبدأ السفن التركية  بعمليات المسح والإستكشاف في غضون بضعة أشهر – بحسب الأدميرال التركي السابق جهاد يايجي – وأشار إلى حقيقة معارضة اليونان للإتفاق , متهماً أثينا بالتخطيط "لإبتلاع مساحة بحجم أربع جزر قبرصية في البحر الأبيض المتوسط".

يبدو أن الصراع حول التنقيب عن الغاز في شرقي البحر الأبيض المتوسط  يشتد ويتفاقم بشكلٍ خطير , في ظل حرب الولايات المتحدة والدول الأوروبية على روسيا , وسط الإعلان عن محاصرة روسيا ووقف إمدادات أنابيبها للطاقة والغاز , الأمر الذي يفترض البحث عن المصادر البديلة , بهدف دعم وتعزيز أمن الطاقة للدول الأوروبية بالدرجة الأولى , فضلاً عن عديد الدول الأخرى , ولا يمكن استبعاد أية نتائج لإنخراط  تركيا وليبيا ومصر واليونان وفرنسا وغيرها , في التصعيد الجديد في شرقي البحر الأبيض المتوسط.

وعلى الرغم من حرص الولايات المتحدة على عدم ظهورها في المشهد الليبي , لكنها حاضرة وبقوة من خلال أدواتها المحلية داخل ليبيا , وتحت أقنعة الدول التي تدور في فلكها وتأتمر بأوامرها , وباتت أهدافها مكشوفة وواضحة ، بعدما ساهمت بشكل كبير في تدمير ليبيا وتأجيج الصراع فيها ومحاولة تقسيمها، واستغلال ملفها وثرواتها لتأجيج الصراع الدولي حول خصومها وأعدائها وحتى من يعتقدون أنفسهم أصدقائها.

المهندس: ميشيل كلاغاصي

13/10/2022