Wednesday, February 24, 2021

إدارة بايدن والعلاقات مع تركيا في الميزان الإقليمي والدولي - م. ميشيل كلاغاصي

على الرغم من لجهته العثمانية ونبرته الهائجة فلا تزال تركيا – أردوغان تعتمد اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً على الولايات المتحدة وعلى حلف شمال الأطلسي ، ولا بد أن الفرح والسعادة قد طرقا قلب "السلطان" – الأطلسي , وهو الباحث دائماً عن ترجمة حقيقية وفعلية لما صرّح به الرئيس جو بايدن بالأمس في قمة ميونخ للأمن , حيث أكد بأن: "اميركا عائدة والتحالف عبر الأطلسي سيعود" وبأن :" أي هجوم على دولةٍ عضو في حلف شمال الأطلسي هو هجوم على كافة دول الحلف" ... فالأيام مع الرئيس ترامب وعدت وربما أثبتت غير ذلك وأقله بالنسبة أردوغان , إذ تصادمت خططهما الإستراتيجية عبر السنوات الأخيرة , وظهر بينهما نوع من الصراع , دفع أنقرة للتحول من حليف إلى منافس في بعض الأحيان , وبدأ الطرفان بتبادل الإتهام حيال ما أطلقا عليه بـ "السلوك الاستفزازي".

بالتأكيد لم ينشأ صراعهما اليوم , لكنه بدأ بالتفاقم منذ عام 2003 , نتيجة الأضرار التي لحقت بتركيا جراء الحرب الأمريكية على العراق , والتي اعتبرتها أنقرة تهديداً وزعزعةً للإستقرار في جنوب شرق تركيا , حيث التواجد السكاني الكثيف لأكراد تركيا , وخشيتها من دعواتهم للإنفصال أو الإستقلال .

إذ لا تزال القضية الكردية تقف حتى اليوم كحجر عثرة بين إيران وتركيا والعراق وسوريا , ولا تزال واشنطن تقدم دعمها لما تسمى ميليشيات "قسد" في سوريا , في الوقت التي تصنف فيه حكومة أردوغان بعض الأحزاب الكردية كتنظيماتٍ إرهابية.

كذلك , تصاعدت الخلافات الأمريكية - التركية من بوابة الإتفاق النووي الدولي – الإيراني , وتجد أنقرة نفسها أقرب إلى التضامن مع روسيا والدول الأوروبية , وتعارض العقوبات الأمريكية على إيران , وتعاظمت مخاوفها مع إنسحاب إدارة ترامب من الإتفاق والعقوبات والحصار والتوتر الكبير والتصعيد العسكري بين واشنطن وطهران , الأمر الذي يقلق تركيا دائماً وهي على حدود إيران.

ولا يمكن تجاوز أحداث عام 2016 والإنقلاب على حكم الرئيس أردوغان في تركيا , والتي لاتزال تصرّ تركيا على إتهام الولايات المتحدة بالوقوف ورائها , وبدعم فتح الله غولن الموجود في الولايات المتحدة منذ عام 1999 , لكن واشنطن تتجاهل المطلب التركي بتسليمه كزعيم لمنظمة إرهابية.

ناهيك عن عشرات الملفات التي تتسبب بتأزيم علاقة أنقرة بواشنطن , فقد ارتفعت وتيرة الخلافات بينهما وبشكل كبير مع التقارب التركي – الروسي , وخصوصاً بعد إبرام صفقة أنظمة صواريخ أرض- جو S-400.

وقد حاولت تركيا استغلال صفتها كدولة أطلسية ، ومن خلال العلاقة الودية بين الرئيسين ترمب وأردوغان , إلى تهدئة التوترات بين الحكومتين , لكن ذلك لم ينجح , وبقيت المطالبة بتسليم "غولن" تلقى الرفض الأمريكي.

ولم تكن البداية مشجعة مع الرئيس بايدن , واحتاج الطرف الأمريكي وقتاً وإلى ما بعد الإتصال بين وزيري الخارجية بلينكن – ج.أوغلو , لتحديد مسار العلاقة مع تركيا , فيما استعجل أردوغان بإختبار الإدارة الجديدة , وأطلق قذائفه عدوانه على مناطق شمال العراق ... ورغم الإعلان عن إتفاق الطرفين على دعم "الحل السياسي" في سوريا , إلاّ أن العنوان الرئيسي لم يتغير, فالولايات المتحدة ماضية في دعم التشكيلات المسلحة في سوريا , ولم ترفع عقوباتها على تركيا, ولم تعلن أنقرة تراجعها عن صفقة الـ S-400 .

كذلك تصاعدت التوترات مجدداً بين تركيا والولايات المتحدة في 11 شباط ، بعد دعوة وزارة الخارجية للإفراج الفوري عن زعيم المجتمع المدني التركي "عثمان كافالا" من السجن , وساعدت تظاهرات طلاب جامعة البوسفور على تفاقم الوضع , مع ظهور علم قوس قزح ( المثليين ) على بعض صور الرموز الدينية الإسلامية , إرضاءاً لبايدن وإنتقاداته للحريات والديمقراطية في تركيا ...

لا تبدو الحكومة التركية بوارد رفع مستوى التوترات والخلافات مع إدارة بايدن , ومن خلال قدرتها على المناورة , حيث لجأت لإرسال الإشارات إلى واشنطن حول إمكانية المصالحة بشأن عدد من قضايا الصراع , وأكد ابراهيم كالين المتحدث باسم الرئاسة التركية قول أردوغان : بأن " أنقرة ستسعى لحل المشاكل مع الولايات المتحدة من خلال الحوار , وستوقف استخدام الـ S-400  إذا توقفت واشنطن عن دعم القوات الكردية" , فيما أكد وزير الدفاع التركي : بأن "استخدام صواريخ الـ  S-400 يعتمد على ظهور التهديدات", فيما أعلنت الولايات المتحدة بأنها لن تتفاوض بشأن هذه المسألة في الوقت الحالي ".

ستبقى طبيعة العلاقات القادمة بين البلدين قيد الإنتظار والإفصاح عن نتائج إجتماع وزراء دفاع الناتو الذي عقد في العاصمة البلجيكية الإسبوع الماضي , لكن ستبقى مكانة تركيا في الناتو وكشريك استراتيجي للولايات المتحدة سارية المفعول .

المهندس: ميشيل كلاغاصي

21/2/2021

Friday, February 19, 2021

الهزيمة الأمريكية في سوريا هي "الحل السياسي" الوحيد - م. ميشيل كلاغاصي

كل ما عليك هو أن تصدق أن ترمب نسف ما جاءت به إدارة أوباما , وبايدن سينسف ما جاءت به إدارة ترمب .. وأن الرئيس الجديد دائماً هو من صنف الملائكة , فيما سلفه كان من صنف الشياطين .! , يا لها من إستراتيجية للمزاح والمزاج والإستخفاف.

ماذا عن جوزف بايدن , كسياسي معمر واكب عدداً كبيراً من الإدارت الأمريكية السابقة , وشارك بصنع قراراتها , ويأتي اليوم لينسف ما سبق له واّمن به وسعى لتحقيقه ... ماذا عن مواقفه ودعمه للحرب على سوريا , وتأييده للمشروع الإنفصالي وبتقسيم سوريا , ماذا عن مواقفه السابقة لدعم الوجود الأمريكي في سوريا ورفضه لإنسحاب قواته منها , وعن دعمه لصديقته هيلاري كلينتون وللرئيس أوباما في استثمار "داعش" في سوريا والعراق ... هل يعقل أن يكون بايدن "ملاك" السلام الجديد الذي يبحث عن وقف الحرب في سوريا وبإيجاد "الحل السياسي" , ويرفض مشاركة بلاده في الجولة الخامسة عشر للقاءات أستانا ! .. وماذا عن رفض قادة الكيان الإسرائيلي الغاصب لإنهاء الحرب وبالإنسحاب الأمريكي , والمال الخليجي والسعودي المتدفق دائماً دعماً للوجود والمشروع الأمريكي في سوريا ..!

لا يبدو الرئيس بايدن جاداً بوضع سوريا على قائمة أولوياته , ولا تبدو إدارته بأنها تملك رؤية ً واضحة وكافية للمزاوجة بين استراتيجيتها ومصالحها وأقله على المدى القريب ... ومن غير المتوقع بأن تخلي قواتها العسكرية مواقعها ووجودها اللاشرعي في الشمال الشرقي ومعبر التنف ، وأن تتخلى عن أدواتها وبإستمرار تغذيتها للمواجهات والإنقسامات والمزيد من محاولات تفتيت بنية النسيج الإجتماعي والديموغرافي في مناطق إحتلالها, وأن تحافظ على حالة الحصار والعقوبات التي نسجتها إدارة ترمب .

إذ لا تستطيع الولايات المتحدة إتخاذ خطوات معاكسة تماماً لسياستها في سوريا والتي اتبعتهاعلى مدى السنوات العشر الماضية , ولا يمكنها تجاوز المصالح الإسرائيلية وأمنها الحيوي في فلسطين المحتلة وسوريا ولبنان والأردن والعراق , ولن تستطيع تحمّل مشهد ما بعد إنسحاب قواتها , وتداعياته الإيجابية بالنسبة لسوريا , إن كان لصالح إنتهاء الحرب في غضون أيام وربما ساعات , أو لصالح مشهد التشبيك العسكري والتجاري من بيروت إلى دمشق وبغداد وطهران . 

إن خروج القوات الأمريكية من سوريا , سيحرم قادة الكيان الغاصب من الدعم الأمريكي المباشر , والذي أمنّ له دعماً استخبارياً منحه القدرة والفرصة لشن الإعتداءات المتكررة على سوريا وربطها بالوجود الإيراني حتى لو كان استشارياً عسكرياً فقط , وللمضي قدماً في سياسة العدوان ومحاولة ترهيب القيادة والدولة والشعب السوري .. فحالة الخوف الوجودي الذي تعانيه القيادات وبيئة المستوطنين الإسرائيليين , لن تسمح للرئيس بايدن بسحب قواته من المنطقة الحدودية ما بين سوريا والعراق , وبإجراء تغييرات جوهرية في ملف الحرب على سوريا , هذا من جهة , ومن جهةٍ أخرى لن يكون بمقدور إدارة بايدن الإنسحاب أمام أعين روسيا – بوتين العدو اللدود , كي يهنئ في مياه المتوسط الدافئة , وسط مخاوفها من تطوير قاعدة حميميم , ووضعها كندٍ قوي أمام قاعدة انجرليك في تركيا.

تدرك واشنطن بأنها لن تستطيع البقاء والعربدة في سوريا إلى ما لا نهاية, وبالتوازي مع تقدم الجيش العربي السوري وتحريره لغالبية الجغرافيا السورية , وسط هزيمة تنظيم "داعش" , وإنكشاف حقيقة الأدوات الأمريكية المحلية , وتصاعد الغضب الشعبي في وجه الإحتلال الأمريكي وعصابات "قسد" ومخططاتها الإنفصالية وممارساتها تجاه الثروات النفطية الوطنية والمحاصيل الزراعية والأهالي , ولن يكون بمقدور الرئيس بايدن الإحتفاظ  بدعمه لهذه الميليشيات وحمايتها وحماية حياة جنوده , وبالسيطرة الكاملة على غالبية المحافظات الشمالية الشرقية في محافظات الحسكة ودير الزور والرقة , مع استعداد القوات الروسية للإنتشار على طول الحدود السورية – التركية ... فلن تكون الولايات المتحدة قادرة إلى الأبد على منع الهيئات السياسية لـ"قسد" من الحوار والتفاوض مع الحكومة السورية لإنهاء "المغامرة" وإستعادة الدولة لسيطرتها على أراضيها .

ويبقى للإدارة الأمريكية البحث عن سبل إقناع أو تعويض تركيا للقبول بإستمرار دورها عبر سيطرة قواتها ومجاميعها الإرهابية على عفرين وإدلب للمضي قدماً في مشروع تقسيم سوريا , مع صعوبة إختراق العلاقات التركية – الروسية , والتركية - الإيرانية , وعدم قدرة تركيا على حماية الإدارة الذاتية المزعومة , وحماية كل الإجراءات اللاشرعية التي قامت وتقوم بها تركيا من ربطٍ لإقتصاد مناطق إحتلالها بالإقتصاد التركي وبإقامة الجامعات وغير ذلك... ويبدو من السخيف بمكان الإعلان الخارجية الأمريكية عن مضمون الإتصال الهاتفي للوزير بلينكن مع الوزير جاويش أوغلو بالحديث عن دعم الحل السياسي في سوريا .

أما بالنسبة للوجود الإيراني ، فالولايات المتحدة و"إسرائيل" وبعض الأنظمة الخليجية , لا يرغبون ببقاء الإيرانيين في سوريا ، لكنهم لا يملكون أدوات إجبار قوية وكافية , ولن تكون عملية ربط التفاوض بالعودة إلى الإتفاق النووي وخروج إيران من سوريا في صالح المفاوض الأمريكي والأوروبي , وعليهم استيعاب وفهم طبيعة العلاقات الإستراتيجية السورية – الإيرانية , والثقة المتبادلة , والأهداف البعيدة التي تتخطى ملف الحرب على سوريا , وترتبط مباشرة بالقضية الفلسطينية المركزية لكليهما , وتحرير الجولان السوري , ووقف المد الصهيوني في المنطقة. 
  
في الوقت الذي لا يبدو الرئيس بايدن قادراً على تحمّل إعلان هزيمته وحلفائه الأوروبيين والأتراك والإسرائيليين والعرب , واللجوء إلى الحوار السوري – الأمريكي المباشر – وأقله في هذه المرحلة .

مما تقدم نخلص إلى القول , بأن إدارة بايدن غير جاهزة للسلام , ولن يكون بمقدورها تغيير مواقف إداراتها السابقة , ونسف ما جاءت به إدارة ترمب , وتراجعها عن إعلان إنسحابها من سوريا , وأنه لم يكن يعدو أكثر من موقف استعراضي , وإعادةً لخلط الأوراق , وبحثاً عن المزيد من الوقت , على أمل بلورة موقفاً أمريكياً تبني عليه مزاوجة استراتيجيتها ومصالحها في سوريا ... في حين تقترب رهاناتها على كسب الوقت من الضياع الكلي مع إقتراب الإنتخابات الرئاسية في سوريا , والتي لن تخرج نتائجها عن التوقعات الأمريكية بفوزه وجيشه وشعبه , وبقائه لما بعد رحيل الرئيس بايدن.

المهندس: ميشيل كلاغاصي

17/2/2021
   

Sunday, February 14, 2021

واشنطن من الحروب العسكرية والتجارية إلى حروب التفاوض والحل السياسي - م. ميشيل كلاغاصي


كانت مدة ربع قرن بعد إنهيار الإتحاد السوفيتي كافية لتفردها بالقيادة والهيمنة على العالم ولإنتقالها نحو فتح باب السرداب الكبير وشن هجومها العسكري على أعدائها وأصدقائها , وكانت شرارة البداية بأن صفعت نفسها فيما تسمى أحداث أيلول الشهيرة 2001 , وانطلقت بكامل القسوة والغطرسة لتفتح الباب تلو الباب وتتقدم داخل سرداب المخطط الجهنمي للدولة الأمريكية العميقة وأصحاب المشروع الصهيوني الكبير.

فمن الهجوم على أفغانستان وتنظيم القاعدة إلى الهجوم على الإسلام بإعتراف الرئيس جورج بوش الأب , وزحفها نحو أوروبا وأمريكا اللاتينية وغزوها اليميني , فيما اتجهت نحو العالم العربي والشرق الأوسط , ودخلت العراق واسقطت قيادته ونظامه السياسي وجيشه الوطني وبناه التحتية في 2003, وتابعت تقدمها في السرداب نحو أبواب "الربيع العربي" , ومن الباب المصري إلى التونسي إلى الليبي واللبناني وصولاً إلى الباب السوري , لم تكن تنقصها الأدوات فمصانعها لم تتوقف عن إنتاج النسخ الإرهابية الجديدة "داعش والنصرة" وإعادة إنعاش القديمة منها "الإخوان المسلمين" , وكافة المجاميع الإرهابية التي تدور في فلكهم تحت عشرات التسميات .... وبدأ التسخين والبحث عن حصاد النتائج الأولية.

الأنظمة تتغير ... فقد تم دحر نظام الرئيس حسني مبارك , وتمت سرقة ثورة المصريين , وجاءت حكومة الرئيس السيسي بلا حول ولا قوة , وقُتل الرئيس القذافي في ليبيا واستباح تنظيم "داعش" البلاد , وبدأت الفوضى والإنقسام الداخلي والإقليمي والدولي , فيما طار الرئيس التونسي في طائرة ليترك البلاد تواجه المجهول , وواجه لبنان عاصفةً إسرائيلية في عدوان حرب تموز 2006 , لكن مقاومته حولت العدوان إلى مناسبة للإنتصار التاريخي , فيما حاول الرئيس السوري إنقاذ بلاده وشعبه وتفادي الطوفان , واضطر لحمل بندقيته في 2012 بعدما قرر المواجهة والصمود وعدم الإستسلام .

فيما تاهت الأنظمة الخليجية ما بين تمويل وتسليح المجاميع الإرهابية التي تقاتل في جميع الساحات والجبهات خصوصاً في سوريا , لإرضاء الوحش الأمريكي , وللحفاظ على عروشها , فكان القمع السعودي لثورة الشعب البحريني , والهيمنة على القرار المصري , والتدخل في العراق , والعدوان العسكري على اليمن , والإنقسام الخليجي ما بين المحورين الوهابي والإخواني , ومقتل الخاشقجي وحصار قطر , والعداء لإيران....إلخ.

لم يتوقف العبور الأمريكي داخل السرداب , واستمر فتح الأبواب للوصول إلى موسكو وبكين وبيونغ يانغ وطهران وكاراكاس , بوصفها دول قررت الصمود والمواجهة ومقاومة المشروع الصهيو-أمريكي.

من المؤكد أن صمود الرئيس بشار الأسد والجيش والشعب العربي السوري ولأربع سنوات وحدهم في مواجهة عشرات الاّلاف من الإرهابيين , ساعد موسكو والصين والكثيرين على قراءة المخطط والخطر الكبير , وشجعهم على إتخاذ قرار المواجهة ...

واعتقدت واشنطن بأن شيئاً لن يوقفها , لكن المفاجئات بإنتصارالمقاومة اللبنانية , وصلابة بعض الفصائل الفلسطينية في غزة , وما أظهرته المقاومة العراقية في الحشد الشعبي وكافة فصائل المقاومة هناك , بالإضافة لمواقف طهران ودعمها اللامحدود لوقف المد الصهيوني والأمريكي عبر سراديب الموت , بالإضافة إلى الدعم الروسي والصيني لسوريا , دفع واشنطن إلى المزيد من المراهنة على قوتها العسكرية وجحافل إرهابييها , لكنها أدركت استحالة المواجهة العسكرية , فما أظهرته موسكو من علو كعب قدراتها العسكرية وكذلك طهران وبيونغ يانغ وبكين , فكان لابد لها أن تعيد التفكير في سلوكها واستراتيجيتها.

وقررت تحويل حروبها العسكرية إلى حروب إقتصادية تجارية , بالتوازي مع العقوبات التي تفرضها يمنة ويسرة , الأمر الذي اقتضى مع رحيل باراك أوباما , الإتيان بدونالد ترامب - رجل الصفقات - , لكنه نكس العهود وتراجع عن عشرات الصفقات والمعاهدات , إذ تراجع عن الإتفاق النووي الإيراني وإتفاقية المناخ وإتفاقية ستارت3 مع موسكو ....إلخ.

تابع الرئيس ترامب شق طريقه داخل السرداب رغم الصعوبات , فتنظيم داعش ينهار على يد السوريين والعراقيين , وكاد ترامب نفسه يعلن الإنتصار عليه وإغلاق صفحته .. فيما هزمت وتفككت عشرات المجاميع الإرهابية التابعة للمحور الوهابي , وبدأ زعيم جبهة النصرة الإرهابي محمد الجولاني التفكير بالتحول إلى صفوف المعارضة السياسية , ولم يعد لهم أي أفق للإستمرار ... حتى ميليشيات "قسد" الإرهابية بدأت تتحسس أبخرة الغضب الشعبي السوري تتصاعد في وجهها , ولم يعد بإمكان واشنطن حمايتها أو تغطية جرائمها , وأصبحت على مقربة من النهاية .

كان لا بد لترامب أن يرحل كي تتمكن دولته العميقة من السيطرة على إنزلاقها وضعفها على كافة الجبهات الساخنة , فقد منيت بهزائم عسكرية كبرى , وما تعرضت له من ذل في قاعدة عين الأسد في العراق خير دليل , في حين فقد التحالف الخليجي مواده اللاحمة , وبدأت السعودية تأن تحت ضربات المقاومة اليمنية , ولم تعد الولايات المتحدة قادرة على دعمها وحمايتها , وحماية نفسها وجنودها وقواعدها في المنطقة , بدءاً من سوريا وصولاً إلى اليمن .

في الوقت الذي قرأت فيه واشنطن عدم جدوى حروبها الإقتصادية , على الرغم من الأذى الذي ألحقته بالإقتصاد السوري واليمني والليبي واللبناني والعراقي والإيراني والروسي والصيني والفنزويلي ... إلاّ أن تلك الدول وعبر تكاتفها وصمود قادتها وحكوماتها وشعوبها , استطاعت إبتكار بعض الحلول والبدائل , وبدأت هذه الحروب تفرض وطأتها على الولايات المتحدة نفسها مع ضعف وتراجع إقتصادها ... فكان لا بد لها من تغيير سلوكها واستراتيجيتها ثانيةً ...

وكان لا بد لترامب أن يرحل , والإتجاه مع جو بايدن نحو الخداع  من بوابة نسف سياسة ترامب , فالدولة العميقة لا تقبل الهزيمة والتراجع وفق خطٍ معاكس لسيرها داخل السرداب ...

ومع مجيء الرئيس بايدن والوزير بلينكن , أعلنت واشنطن إمكانية العودة إلى الإتفاق النووي الإيراني , وإلى إتفاقية ستارت3 مع روسيا والمناخ مع أوروبا , ووقف الحرب على اليمن , وبحثها عن الحلول السياسية لإنهاء الحرب في سوريا , وأنها تتخلى عن حماية لصوص الموارد النفطية في شمال شرق سوريا , والإلتزام بمكافحة تنظيم داعش الإرهابي فقط .. وتبدو قريبة من إعلان تخليها عن تنظيم "قسد" الإرهابي الإنفصالي , إذ يقول ويليام روباك المبعوث الأميركي السابق: "قدمنا مساعدات عسكرية لتعزيز دور"قسد" ضد "داعش" وليس للسيطرة على شمال شرقي سوريا" , بالإضافة إلى انسحاب القوات الأمريكية بالأمس وبشكل كامل من صوامع تل علو في اليعربية بريف الحسكة الشرقي.

يخطئ من يعتقد بأنها ستنحو منحى السلام , وبأنها ستغادر السرداب وتتراجع تباعاً من الباب الأخير إلى الذي قبله وقبله ... ونراها على العكس تحاول التقدم أكثر فأكثر , عبر محاولة جني قطاف حروبها العسكرية والتجارية الإقتصادية , والإمساك بدفاتر العقوبات , والتقدم نحو حروبٍ جديدة هي حروب التفاوض والولوج إلى داخل الأنظمة "العنيدة" التي صمدت ولم تنهار, وتعتقد بأنها قادرة على التوصل إلى إتفاقٍ نووي جديد مع طهران , واستغلال العقوبات والمعارضات الداخلية في روسيا والصين وفنزويلا واليمن والعراق ولبنان وليبيا, والولوج إلى داخل بنية "الحل السياسي" في سوريا , بالإضافة إلى تمسكها بتجميد الحلول العسكرية عبر تجميد الجبهات بحسب الخرائط العسكرية والسياسية والإقتصادية الحالية .

إن سعيها لدعم ما تسمى بـ "المعارضات" داخل دول أعدائها , وتصريحاتها حول "تجديد البحث عن حلول سياسية", لهو دليل قاطع على إنتقالها إلى حروب الحلول السياسية المزعومة , ودليل إضافي على استمرارها بالسير داخل عمق السرداب وليس للخروج منه , في محاولة لإعادة التموضع وليس لإحلال السلام .

المهندس: ميشيل كلاغاصي

14/2/2021


Wednesday, February 10, 2021

"قسد" ماضية في حرق مراكبها , هل تدفعها واشنطن نحو العرض التركي القديم - م. ميشيل كلاغاصي

أي إكذوبة روجها الإعلام المعادي والموازي للحرب على سوريا , وبالإشادة بتشكيل ما تسمى "قوات سوريا الديمقراطية " , والتي قدموها بالتعريف على بأنها مكونات الشعب في مناطق الشمال والشرق السوري, والتي سارعت الولايات المتحدة الأمريكية لدعمها , في الوقت الذي تقدم فيه دعمها للأكراد فقط , وماذا عن الأكراد اللذين قدموا من وراء الحدود السورية , من إيران والعراق وتركيا وأرمينيا وأذربيجان وجبال قنديل , ولماذا لم تُفصح واشنطن عن دعمها المباشر للسريان أو الاّشوريين أو الأيزيديين أو الأرمن أو العرب ولبعض القبائل العربية السورية ؟


هل يمكن القول بأن الولايات المتحدة تدعم قضية قومية أو عرقية للأكراد , وماذا عن قضايا البقية الباقية ؟ وهل قبل هؤلاء أن تقوم لهم دولة كردية وناطقة بالكردية ويسيطر عليها الأكراد جملة وتفصيلاً ؟ أين قضيتهم إذن ؟ وهل قررت هذه المكونات الإنخراط في مشروع تقسيم سوريا والإنفصال عنها مقابل حياة الذل والتبعية وقبول الهيمنة الكردية .

من سمع عن تأييدٍ علني دولي لتقسيم سوريا , هل قبلت الأمم المتحدة بتقسيم الأراضي السورية وبقرار أممي , أم أنه هناك إجماع دولي وأممي بالحفاظ على وحدة الأراضي السورية واحترام سيادتها على كامل أراضيها , وجاء ذلك عبر كافة القرارات الأممية المتعلقة وأشهرها القرار 2254و2253 وفي كافة مخرجات "أستانا" و"سوتشي", حتى الولايات المتحدة ذاتها وافقت على تلك القرارات , وأبعد من هذا فقد أعلنت مراراً عن رفضها لقيام دولة كردية على الأراضي السورية , وكانت أول من رفض المنطقة الاّمنة أو العازلة التي "جاهد" المجرم أردوغان للحصول عليها .

هل عُرف عن الولايات المتحدة مناصرة المظلوم وإغاثة الملهوف , ودعمها لقضايا التحرر العالمي , ونصرة الشعب الفنزويلي والكوبي والكوري والصيني ...إلخ , وتأييدها للحقوق الفلسطينية لتحرير الأرض وبناء الدولة , وللحقوق الإيرانية في الطاقة النووية , وللحقوق السورية بدحر الإرهاب ومجابهة فيروس كورونا , ولحقوق اليمن وشعبه وبالقصاص من اّل سعود وكافة طغاة التحالف العربي , ولحقوق الجياع والمعدمين في القصيم القطيف, ولحقوق الشعب البحريني للقضاء على الطاغية , ولحقوق عشرات ومئات الدول والشعوب أصحاب القضايا العادلة والمحقة.

وعلى النقيض , يمكن رصد من دعمتهم وقدمت لهم الغطاء السياسي والدعم المالي والعسكري , بدءاً من دعم الكيان الصهيوني الغاصب , وليس إنتهاءاً بالأحزاب والجماعات اليمينية المتطرفة والبيض في أوروبا وأمريكا , وبدعم عروش وحكومات الدول الخليجية الخانعة والتابعة فقط , وبدعم التنظيمات الإرهابية كالقاعدة وداعش والنصرة والجيش الحر والخوذ البيضاء وأنتيفا وبوكو حرام وحركة يقين وجماعة أبو سياف ....إلخ , بإختصار هي تدعم اللصوص والقتلة والمجرمين والإرهابيين والتابعين والمنفذين لمشاريعها الشريرة حول العالم ... ولن يخرج دعمها لـ "قسد" عن هذا السياق والمسار .

فمن يرصد أفعال "قسد" على الأراضي السورية , والتي أصبحت معروفة للقاصي والداني , ومن سرقة المحاصيل الزراعية إلى حرقها , ومن السيطرة على حقول النفط إلى توقيع إتفاقياتٍ مشبوهة لبيعها (التوقيع مع شركة دلتا كريسنت انيرجي) , إلى قطع المياه عن المواطنين , وجني الأتاوات , وتعذيب الناس , تجنيد الشباب بالقوة , وسلب كل إرادة وفرض كل هيمنة , ناهيك عن التكريد الممنهج .

فما أكثر المدنيون من الشباب السوريين اللذين تعرضوا للإعتقال وجرهم من بيوتهم وإقحامهم قسراً لحمل السلاح في صفوف ميليشيات "قسد" , ناهيك عن التقارير الإعلامية التي تتحدث عن تجنيد "قسد" للفتيات والأطفال القاصرين , سواء على الأراضي السورية أو من استجلبوا بالتضليل والخديعة أو بالخطف من جبال قنديل وغير مكان .

ماذا عن الديمقراطية في مناطق إحتلالهم وما تسمى بـ "الإدارة الذاتية"... تبدو الممارسات الإجرامية التي يقومون بها خير دليل على زيف الإدعاءات الديمقراطية التي يدعونها , ناهيك عن تعاظم الفساد المتفشي في "هيئات الإدارة الذاتية" , ذاك الفساد الذي لم يستطع المدعو "مظلوم عبدي" إنكاره , خصوصاً في عين العرب /"كوباني" , وفي صفوف عائلته وأقاربه , اللذين يشغلون معظم المناصب الحاكمة فيها... حيث تطرق "عبدي" في حديث نشرته صحيفة شفق لمقابلته مع فضائية "روناهي" ، إلى موضوع الفساد والقصور داخل الإدارة الذاتية وقال :"تم إنشاء الإدارة الذاتية في ظروف الحرب ، ولم يكن ذلك سهلاً ... يجب معالجة العديد من النواقص وسنعمل مع الإدارة الذاتية لمعالجة هذه القضايا", وأكد أن " الكثيرين خلال الحرب قد استغلوا الفجوة لمصالحهم واستغلوا مناصبهم ومسؤولياتهم" , وتعهد بمعالجة القضية , فهل يبدأ المعالجة من داخل العائلة ؟.

وقد لوحظ مؤخراً إتجاه "قسد" إلى مضاعفة إجرامها وإعتداءاتها على الممتلكات العامة والمواطنين السوريين بكافة أطيافهم , ووصلت حد إطلاق الرصاص الحي عليهم ... يبدو أنها حسمت موقفها وأحرقت مراكب عودتها , ويبقى السؤال كيف لها أن تضاعف تنمرها ووحشيتها إن لم تكن قد حصلت على الضوء الأخضر الأمريكي حصرياً , والذي أعاد شحذ قادة الأجنحة الإنفصالية داخل "قسد" , وأعاد إطلاق شهواتهم الإنفصالية والمصالحية , الأمر الذي يدفعهم نحو الإستمرار بتعطيل الحوار والإتفاق مع دمشق هذا من جهة , ومن جهة أخرى , ونحو الإستمرار بمنح العدو التركي ذريعة التوغل داخل الأراضي السورية,  بما يضاعف تأزيم الواقع ويعقد مهمة الجيش العربي السوري.

تقول الخارجية الأميركية: "قسد لن تتمكن من الاستمرار في محاربة الإرهاب و حراسة سجناء داعش وعوائلهم وحدها" , وتقول أيضاً : "سنجدد الجهود للتوصل الى حل سياسي في سوريا بعد التشاور مع حلفائنا", ويؤكد سياسييها بأنهم باقون في سوريا ولن يغادروها حالياً.

هل هو قصف تمهيدي لإقالة "قسد" والإستغناء عن خدماتهما ؟ أم هو تمهيد جديد لرفدهم ودعمهم عبر إقتراض بعض الإرهابيين المحليين من المعسكر التركي ؟ ... أهو القبول الأمريكي وقبول "قسد" بالتحالف العلني مع الأتراك , وبوضع الإدارة الذاتية تحت حمايةٍ وإشراف تركي – إخواني , من خلال المشروع الأردوغاني لإحتلال الشمال السوري ؟

لقد كان الإصرار الأمريكي لحماية "قسد" وتمويلها وتسليحها واضحاً , ووصل حد تهديد الرئيس ترمب لتركيا " سأدمر تركيا اقتصادياً إذا هاجمت الأكراد" ، فيما كان أردوغان واضحاً في مقالٍ كتبه بنفسه في العام 2019 ونشرته صحيفة " نيويورك تايمز" أعلن فيه أن "الكرد ليسوا أعدائه, ماعدا تلك التنظيمات التي تصنفها بلاده بالإرهابية, وأعلن دعمه للكرد وبالمحافظة على مجالسهم المحلية وما أنجزوه على طريق مشروعهم الإنفصالي, شريطة أن تشرف تركيا على إدارة المنطقة"... وقوبل عرضه يومها في بيان أصدرته "قسد" أعلنت فيه عن تقديم الدعم اللازم لإقامة المنطقة "الاّمنة" بضمانات دولية وليس تركية...

ويبقى السؤال , هل وصلت الإدارة الأمريكية الجديدة على جسور التمهيد والتحضير الفعلي على الأرض , وبات إعلانها عن عملية "دمج" قسد (كي - لا تبقى لوحدها - ) ووضعها ومشروعها الإنفصالي وإدارتها الذاتية  تحت العنوان التركي العريض لإحتلال الشمال والشرق السوري , بما يعني الترجمة الفعلية لمعارك سلم واستلم , وإرتداء أي بزة عسكرية تحت أي علم حتى لو كان العلم التركي وعلم الإنتداب ؟ , والقبول بالتمثيل التركي المهيمن على المعارضة السورية بإطارها الأوسع ما بعد "الدمج" ؟ أم ستقبل به تحت التهديد بتقدم الإجتياح وقذائف المدافع التركية ؟.

المهندس : ميشيل كلاغاصي

9/2/2021 

هل تتجه واشنطن حقاً نحو تبريد الملفات وتقديم التنازلات - م. ميشيل كلاغاصي

هل تتجه واشنطن حقاً نحو تبريد الملفات وتقديم التنازلات

المهندس: ميشيل كلاغاصي

منذ لحظاته الأولى في البيت الأبيض , وعد الرئيس جو بايدن بأن: "لا وقت لديه ليضيعه , وأنه الوقت المناسب للعمل" , وتم الإعلان عن إمكانية العودة إلى الإتفاق النووي الدولي مع إيران , والذي قوبل بشيئ من التفاؤل , على الرغم من إنعدام الثقة بالجانب الأمريكي , بالإضافة إلى عمليات الشد والجذب حول كيفية العودة , ومن سيذهب أولاً , أو بإنتظار ظهور اّلية جديدة تعفي الطرفين من طريقة اللقاء "الصعبة" .
بالتأكيد هو تفاؤل ممزوج بشيء من الواقعية , وبالتأكيد ستشمل فائدة العودة جميع الأطراف الموقعة و”الشهود” والعالم , وستعيد للبشرية جمعاء الثقة بالحلول السياسية الممزوجة بالإرادة السياسية الكافية لتراجع مخاطر الحروب .. ويبقى على العقلاء رؤية من يقف ضد رغبة العودة إلى الإتفاق , ومن يسعى لإقحام شروطه تحت لسان الطرف الأمريكي ؟.
ولوحظ  في الفترة الأخيرة , ومن خارج الدول الموقعة وأطراف الإتفاق الأساسيين , نشاط  في التحركات والزيارات والتصاريح والتهديدات وإعلان المواقف المتشنجة , لقادة الكيان الإسرائيلي ولبعض الأنظمة العربية , وصل حد إطلاقهم الشروط  المسبقة على الطرف الإيراني ولسان حالهم يقول :”أنا المعني الأول" , الأمر الذي يضع إدارة بايدن مجدداً أمام إختبار “فحص الدم– الصهيوني" , ويجعلها تنتقل وبكامل الضعف والولاء , من خطة الإمتثال للإمتثال إلى خطة الإنصياع إلى “الوسواس الخناس” , فما أُطلق من مواقف لإخراج إيران من ملفات الصراع ومجال أمنها القومي والحيوي وجغرافياته , كاد يقترب من المطالبة بإخراجها من إيران أيضاً , في محاولة لتناسي وللتعمية على الدور الإيراني وصراعها المفتوح في مواجهة المد الصهيوني في المنطقة , والصراع المركزي وأساسه الإحتلال الإسرائيلي لفلسطين , بالإضافة لدورها الرئيسي في دعم دول وأحزاب وفصائل محور المقاومة , ودورها الإنساني والأخلاقي – العقائدي في دعم كافة قوى التحرر في العالم .
بالنسبة لواشنطن , تبدو خطة العمل المشتركة الشاملة , وإزالة النزاع النووي كنقطة توتر رئيسية بين الولايات المتحدة وإيران , وسيعيق وصول إيران إلى إمتلاك القنبلة النووية والحد من تطور صواريخها البالستية , كذلك سيساعد واشنطن على تبريد الأجواء تدريجياً , ويمنحها فرصةً “باردة” لتقليص تواجدها العسكري في الشرق الأوسط  وحمايته , والإنسحاب إلى قواعدها القديمة والجديدة في دول الخليج العربي , وقد يمنحها مرونةً وحيوية للتحرك السياسي على خط تهدئة الصراعات المفتوحة من سوريا إلى اليمن مروراً  بلبنان – هذا إن صدقت النوايا -.
وبالنسبة لطهران ، فإن العودة إلى خطة العمل الشاملة المشتركة سترفع العقوبات التي تسببت بالأذى الكبير للاقتصاد الإيراني , وستمهد الطريق لإعادة تأهيل العلاقات الإيرانية السياسية والإقتصادية بشكلها الطبيعي مع الكثير من الدول التي وقفت ضدها بالوكالة أو الأصالة , وستضع حداً لذرائع الحملة الأمريكية المستمرة ضدها منذ أربعين عاماً , إلى أمدٍ يطول أو يقصر بحسب إلتزام واشنطن بالمخططات الصهيونية الكبرى وما تحيكه لساكني الأرض ومنطقة الشرق الأوسط وغرب اّسيا تحديداً.
إقحام السعودية و"إسرائيل" في ملف الإتفاق النووي مع إيران...
فمنذ يومها الأول , أطلقت إدارة بايدن عشرات المواقف كالتراجع عن إعتبار الحوثيين جماعة إرهابية , أتبعتها بتصاريح واضحة عن توقف دعمها لتسليح السعودية خصوصاً تلك الأسلحة التي تستخدمها في اليمن , ومن ثم إعلانها الصريح عن ضرورة وقف الحرب هناك... وما صدر عن الخارجية الأمريكية حيال :"تجديد الجهود للتوصل إلى حل سياسي في سوريا بعد التشاور مع الحلفاء", بالتوازي مع تصريحاتها حول عدم قدرة "قسد" على مواجهة داعش بمفردها...  هذا بالإضافة إلى ما أعلنته بنفسها وعبر حليفها الفرنسي وعدة دول أوروبية , حول ضرورة إقحام السعودية و"إسرائيل" في ملف الإتفاق النووي مع إيران.
يبدو من السذاجة ذاك الكم الإعلامي وتصريحات السياسيين الأمريكيين حول الحالة الإنسانية في اليمن , والذي شكل الدافع الرئيسي لقناعتهم بضرورة وقف الحرب , فيما الحقيقة تشي بعكس ذلك , فالهزائم العسكرية التي تكبدها الغزاة السعوديون والخليجيون ومرتزقتهم لخصها - يوم أمس الأول - العميد يحيى سريع , بإعلانه عن خسائر العدو خلال شهر كانون الثاني 2021 , وبإسقاط /6/ طائرات تجسسية , وإعطاب /92/ مدرعة وآلية عسكرية , وبمقتل وإصابة /1283/من قوى العدوان بينهم /74/ جندياً سعودياً و/75/ عنصراً من مرتزقة الجيش السوداني..  ومن جهة أخرى يبدو التخلي عن حرب اليمن وعن الأطماع السعودية فيه , ملفاً مناسباً تقدمه الولايات المتحدة على شكل تنازلات لإيران ومحور المقاومة.
كذلك , ما يتعلق بـ التخلي عن "قسد" كأداة أمريكية مباشرة على الأرض , يبدو ملفاً مناسباً لواشنطن كي تلوح به للتفاوض مع دمشق وترمي به من باب تقديم التنازلات لضمان خروجها وإنسحابها الاّمن والفوز بسمعتها وبسرقاتها وحياة جنودها .. من المؤكد أن واشنطن قرأت بعناية خاصة ما يحدث في الحسكة والقامشلي ودير الزور , ومستوى الغضب والغليان الشعبي ضد ممارسات إرهابيي "قسد" , ولن تكون واشنطن بوارد تحويل وجودها اللاشرعي لحماية – مرتزقة الإنفصاليين - .. بالإضافة لإستغلال هذا الملف كتنازل في التفاوض الإقليمي مع إيران , أو من خلال إحدى البوابات الخلفية للإتفاق النووي.
في الوقت الذي يبقى فيه إقحام العدو الإسرائيلي في الإتفاق , لا يعدو أكثر من تشاركية معلنة لواشنطن وتل أبيب , كانت سابقاً وستستمر في الحاضر والمستقبل , ولن نذيع سراً بأنهما اختارا المصير المشترك إنطلاقاً من الرحم المشترك , ولا يعطي أياً من المؤشرات حول إتجاه واشنطن نحو تبريد كافة الملفات وتقديم التنازلات المؤلمة , ولا تبدو مستعدة وقادرة على تقديم أي تنازل أمريكي على حساب المصالح الإسرائيلية - الأمريكية المشتركة , طالما امتلكتا سويةً أدوات وأوراق كثيرة يمكنهما المقامرة بها.

6/2/2021 

Saturday, February 6, 2021

استمرار العدوان الإسرائيلي على سوريا ... الملفات الصعبة والتنازلات الأمريكية م. ميشيل كلاغاصي

 

لم تتوقف الإعتداءات الإسرائيلية على سوريا , منذ بداية الحرب الإرهابية – الدولية على شعبها وأرضها ومواقعها العسكرية وبناها التحتية .. وتدرجت من خلالها سلطات العدو الإسرائيلي ما بين إتباع سياسة الصمت وعدم التعليق , إلى سياسة النفي , إلى الإعتراف بالعدوان والغارات , ووصلت مؤخراً حد الإعلان المسبق عن عدد ووتيرة شن الإعتداءات " ثلاث هجمات كل عشرة أيام" ...

كذلك , تدرجت بإعلانها مجموعة من الأهداف الواهية وصولاً إلى المختلقة والملفة بالمطلق , واعتمدت على وسائل الإعلام التضليلي الكاذب سواء كان أمريكياً أو أوروبياً أو عربياً , من خلال إعتمادها على ما يمكن تسميته بالـ "الرواية الإسرائيلية ".

وابتدعت عشرات الروايات والمبررات الخيالية , والتي بدأت من حماية الشعب السوري , إلى حماية نفسها وأمنها , وصولاً إلى روايات استهدافها لمنشاّت "نووية سورية" قيد الإنشاء أو تحت الأرض , ومراكز أبحاث وما شابه , ومع استنزاف الروايات وتكرار استهداف المواقع نفسها , تحولت إلى رواية استهداف ممرات وطرق تحرك قوافل ومخازن الأسلحة والصواريخ الإيرانية على الأراضي السورية , إلى استهداف أماكن تمركز القوات الإيرانية , وحزب الله ...إلخ .

وما لم تعلنه مصادر العدو الإسرائيلي وقيادته , بأن عدوانها تركز على دعم ومساندة المجاميع الإرهابية , خصوصاً في اللحظات الحرجة التي يقوم بها الجيش العربي السوري بسحق هؤلاء الإرهابيين , كذلك لم تعلن محاولاتها العديدة واستهدافها المتكرر لوسائط الدفاع الجوي السوري و راداراته ومطاراته , واسترتيجيتها التدميرية لكل هدف عسكري ومدني تستطيع الوصول إليه , ولم تعلن عن اعتداءاتها التي نفذت من خلالها سلسلة جرائم الإغتيالات للعديد من القادة على الأراضي السورية , ولم تعلن استهدافها للمدنيين السوريين الاّمنين , والأهم أنها لم تعلن عن هجماتها الإستفزازية بهدف إكتشاف المقدرات العسكرية السورية الجديدة والصواريخ الدقيقة.

ولم تعلن عن إعتداءاتها بهدف تصدير مشاكلها الداخلية , وإنتخاباتها , لحماية قادتها الفاسدين من الملاحقات القانونية داخل الكيان الغاصب .. ناهيك عن الإعتداءات الإستعراضية للإدعاء بالقوة وجهوزية "جيشها" , وإعتداءات الرسائل السياسية لأعدائها وأصدقائها على حدٍ سواء , كتلك التي نفذتها لمنع الولايات المتحدة من مغادرة الأراضي السورية والإنسحاب منها , ناهيك عن الإعتداءات وربطها بأهداف إقليمية وملفات دولية ....

يقولون من فمك أدينك .. فقد قد سمع العالم مؤخراً وعلى لسان رئيس الأركان الإسرائيلي أ. كوخافي أن : "إسرائيل نفذت / 500/غارة جوية  ضد سوريا في عام 2020" , كذلك صرح سلفه آيزنكوت العام الماضي بأن: "إسرائيل نفذت آلاف الغارات على أهداف إيرانية في سوريا خلال السنوات الماضية".

وفي خضم هذه الغطرسة , والمجاهرة بالقفز على القانون الدولي على مرأى ومسمع الأمم المتحدة ومجلس الأمن وكافة المؤسسات الدولية , وأمام أعين دول وحكومات وشعوب العالم .. وفي حال الإعتماد على دقة هذه الأرقام , يبقى السؤال عن "إنجازات" العدو الإسرائيلي على الصعيد العسكري والسياسي والشعبي في الداخل السوري والمحيط الإقليمي والدولي , ونستطيع تلخيص ما "كسبته" بما لا يعدو أكثر من تدمير لبعض البنى التحتية والاّليات العسكرية وإراقة الدماء ... في الوقت الذي لم تستطع فيه التأثيرعلى القيادة السورية وإرادة القتال في صفوف ضباطها وعسكرييها وشعبها , ولم تستطع حماية المجاميع الإرهابية في غالبية المناطق , حيث تم القضاء عليهم وإستعادة أمن وأمان البلدات والقرى والمدن , ولم تستطيع التأثيرعلى القدرات العسكرية السورية وخطط تطويرها , ولازالت القبضة العسكرية السورية تدب الرعب في نفوس كافة الإسرائيليين قادة ومجتمع المستوطنين المحتلين , وتكفي صافرة إنذار واحدة لإدخالهم وقادتهم إلى الملاجىء – عسى الذكرى تنفع - .

ويبقى من اللافت مع كامل عنجهيتها العسكرية , رضوخها تحت تأثير منظومة الردع المقاوم , وخصوصاً ردع المقاومة الإسلامية في لبنان , ولوعود وخطابات سماحة السيد حسن نصر الله , في الوقت الذي لم تستطع فيه قوات العدو الإسرائيلي تغيير أو فرض أية معادلة ردع أو قواعد اشتباك جديدة , وتبدو كمن ينتظر مصيرها أمام جهوزية محور المقاومة مجتمعاً.

إقحام السعودية و"إسرائيل" في ملف الإتفاق النووي مع إيران...

منذ وصول إدارة بايدن إلى البيت الأبيض , أطلقت عشرات المواقف كالتراجع عن إعتبار الحوثيين جماعة إرهابية , أتبعتها بتصاريح واضحة عن توقف دعمها لتسليح السعودية خصوصاً تلك الأسلحة التي تستخدمها في اليمن , ومن ثم إعلانها الصريح عن ضرورة وقف الحرب هناك... وما صدر عن الخارجية الأمريكية حيال :"تجديد الجهود للتوصل إلى حل سياسي في سوريا بعد التشاور مع الحلفاء", بالتوازي مع تصريحاتها حول عدم قدرة "قسد" على مواجهة داعش بمفردها...  بالإضافة إلى ما أعلنته هي وفرنسا وعدة دول أوروبية , حول ضرورة إقحام السعودية و"إسرائيل" في ملف الإتفاق النووي مع إيران.

يبدو من السذاجة ذاك الكم الإعلامي وتصريحات السياسيين الأمريكيين حول الحالة الإنسانية في اليمن , والذي شكل الدافع الرئيسي لقناعتهم بضرورة وقف الحرب , فيما الحقيقة تشي بعكس ذلك , فالهزائم العسكرية التي تكبدها الغزاة السعوديون والخليجيون ومرتزقتهم لخصها بالأمس العميد يحيى سريع , بإعلانه عن خسائر العدو خلال شهر كانون الثاني 2021 , وبإسقاط /6/ طائرات تجسسية , وإعطاب /92/ مدرعة وآلية عسكرية , وبمقتل وإصابة /1283/من قوى العدوان بينهم /74/ جندياً سعودياً و/75/ عنصراً من مرتزقة الجيش السوداني... هذا من جهة , ومن من جهة أخرى يبدو التخلي عن حرب اليمن وعن الأطماع السعودية فيه , ملفاً مناسباً تقدمه الولايات المتحدة على شكل تنازلات لإيران ومحور المقاومة.

كذلك , ما يتعلق بـ التخلي عن "قسد" كأداة أمريكية مباشرة على الأرض , يبدو ملفاً مناسباً لواشنطن كي تلوح به للتفاوض مع دمشق وترمي به من باب تقديم التنازلات لضمان خروجها وإنسحابها الاّمن والفوز بسمعتها وبسرقاتها وحياة جنودها .. من المؤكد أن واشنطن قرأت بعناية خاصة ما يحدث في الحسكة والقامشلي ودير الزور , ومستوى الغضب والغليان الشعبي ضد ممارسات إرهابيي "قسد" , ولن تكون واشنطن بوارد تحويل وجودها اللاشرعي لحماية – مرتزقة الإنفصاليين - .. بالإضافة لإستغلال هذا الملف كتنازل في التفاوض الإقليمي مع إيران , أو من خلال إحدى البوابات الخلفية للإتفاق النووي.

أما ما يتعلق بإقحام العدو الإسرائيلي , فلا يعدو أكثر من تشاركية معلنة لواشنطن وتل أبيب , كانت سابقاً وستستمر في الحاضر والمستقبل , ولن نذيع سراً بأنهما اختارا المصير المشترك إنطلاقاً من الرحم المشترك , وعليه لن يكون التنازل الأمريكي على حساب المصالح الإسرائيلية - الأمريكية المشتركة , طالما امتلكتا أدوات كثيرة وأوراق يمكن المقامرة بها.

المهندس: ميشيل كلاغاصي

6/2/2021

Tuesday, February 2, 2021

من يعود إلى الإتفاق أولاً .. إدارة بايدن على طاولة الإختبار الإيراني - م.ميشيل كلاغاصي


كان من المفاجئ إعلان الرئيس الأمريكي الجديد خلال اسبوعه الأول في البيت الأبيض إمكانية العودة إلى الإتفاق النووي لعام 2015 مع إيران , وما يعرف بـ خطة العمل الشاملة المشتركة , بعدما وصلت إلى طريق مسدود مع إدارة الرئيس الأسبق دونالد ترمب.

وفي الوقت الذي أعلن فيه كلا الطرفين الأمريكي والإيران عن إمكانية عودتهما إلى الإتفاق , برز خلافٌ جديد من خلال إصرارهما على ضرورة أن يعود الطرف الاّخر أولاً , وسط  تبادل التصريحات الساخنة بينهما .. ويطرح السؤال نفسه , من يعود أولاً ؟.

في الشكل , تبدو موافقة كل من واشنطن وطهران على آلية العودة إلى خطة العمل الشاملة المشتركة , أمراً سهلاً وبسيطاً وعلى قاعدة : الإمتثال للإمتثال ودون شروط مسبقة , بحيث يتخلى الإيرانيون عن مطالبهم بالتعويض الأمريكي لخرق الإتفاق والإنسحاب منه , فيما ترفع العقوبات الإضافية التي فرضها ترمب , كي لا تستخدم لإنتزاع التنازلات من إيران قبل العودة إلى الصفقة , وقتئذٍ يمكن أن تبدأ المفاوضات حول الخلافات والتغييرات على الصفقة – إن وجدت , وبموافقة الطرفين -... وهنا يطرح السؤال من يجب عليه القيام بالخطوة الأولى ؟.

وفي المضمون ... تحتاج إيران لتوضيحات أمريكية حيال تصريح وزير الخارجية بلينكن بأن :" الولايات المتحدة ستلتزم بالإمتثال الكامل بمجرد أن يفعل الإيرانيون الشيء نفسه " , بمعنى أنه على طهران  إتخاذ الخطوة الأولى... في الوقت الذي يرى فيه الإيرانيون أن واشنطن هي التي خرقت الإتفاق , وعليها العودة أولاً...  

من المؤكد أن حاجة الولايات المتحدة الأمريكية للعودة إلى الإتفاق تبدو ملحة وضرورة استراتيجية , وستمنحها الوقت الذي تحتاجه لإعادة تمركزها السياسي والعسكري والإقتصادي , للبناء على المكاسب والإخفاقات التي حصدتها إدارة ترمب , وسط إدراكها لصعوبة البدائل والخيارات ... ومن اللافت أن يبدأ بلينكن طريقه السياسي كوزير للخارجية عبر دبلوماسية عالقة حتى قبل أن تبدأ , أم لعل وراء الأكمة ما ورائها ؟.

قد يرى البعض أن سرعة الإعلان عن الموقف الأمريكي حول إمكانية العودة , جاء من باب التسرع , وأن فريق الإدارة الجديدة لم يكتمل بعد , ولن يكون في وضع يسمح له بالعودة أولاً , أم يرى أن في دخول الرئيس بايدن إلى "الحلبة" متأخراً سيجعله يبدو "مقاتلاً" شرساً وأقوى مما هو عليه , وأقله أمام مشجعيه فقط... فيما يمكن للبعض الاّخر أن يتفهموا صعوبة الموقف , وعدم رغبة أي من الأطراف بالظهور كمن يستجدي التفاوض , وكم تعنيه الحاجة للعودة إلى الخطة الشاملة.

يبدو إصرار طهران على أن تذهب الولايات المتحدة أولاً , يشير بطريقة أو أخرى لإنعدام الثقة في الطرف الأمريكي ( ترمب ) الذي تراجع وخان الإتفاق , ومن غير الحكمة الوثوق بنفس الطرف حتى مع استبدال الرئيس برئيس والوزير بوزير , ومن حقها أيضاً الحصول على ضمانات تقدمها واشنطن للعالم , بأن الرئيس بايدن أو أي رئيس سيأتي بعده لن يتراجع عن الإتفاق .

وبغض النظر عمن سيذهب أولاً , أو بظهور اّلية جديدة تعفي الطرفين من طريقة اللقاء , ينظر البعض إلى هذه العودة بالتفائل , فالفائدة هي لجميع الأطراف الموقعة و"الشهود" والعالم ... فمن حيث المبدأ يرحب العالم بنزع أي فتيل من شأنه منع الحروب , ويعيد للبشرية جمعاء الثقة بالحلول السياسية الممزوجة بالإرادة السياسية الكافية لتراجع المخاطر من الضوء الأحمر إلى اللون الأخضر, وعلى العقلاء رؤية من يقف ضد العودة إلى الإتفاق , ومن يسعى لإقحام شروطه تحت لسان الطرف الأمريكي ؟.

ولوحظ  أنه من خارج الدول الخمسة وأطراف الإتفاق الأساسيين , ظهرت العديد من التحركات والزيارات والتصاريح والتهديدات وإعلان المواقف المتشنجة , لقادة الكيان الإسرائيلي ولبعض الأنظمة العربية المهترئة , وصل حد إطلاقهم الشروط  المسبقة على الطرف الإيراني ولسان حالهم يقول :"أنا المعني الأول , أنا أم الصبي" , الأمر الذي يضع إدارة بايدن أمام إختبار "فحص الدم" – الصهيوني , ويجعلها تنتقل وبكامل الضعف وبكامل الولاء , من خطة الإمتثال للإمتثال إلى خطة الإنصياع إلى "الوسواس الخناس" , فما أُطلق من مواقف لإخراج إيران من ملفات الصراع ومجال أمنها القومي والحيوي وجغرافياته , كاد يقترب من المطالبة بإخراجها من إيران أيضاً , في محاولة لتناسي وللتعمية على الدور الإيراني وصراعها المفتوح في مواجهة المد الصهيوني في المنطقة , والصراع المركزي وأساسه الإحتلال الإسرائيلي لفلسطين , بالإضافة لدورها الرئيسي في دعم دول وأحزاب وفصائل محور المقاومة , ودورها الإنساني والأخلاقي – العقائدي في دعم كافة قوى التحرر في العالم .

بالنسبة لواشنطن , تبدو خطة العمل المشتركة الشاملة , وإزالة النزاع النووي كنقطة توتر رئيسية بين الولايات المتحدة وإيران , سيعيق وصول إيران إلى إمتلاك القنبلة النووية  والحد من تطور صواريخها البالستية , كذلك سيساعدها على تبريد الأجواء تدريجياً , ويمنحها فرصة "باردة" لتقليص تواجدها العسكري في الشرق الأوسط  وحمايته , والإنسحاب إلى قواعدها القديمة والجديدة في دول الخليج العربي , وقد يمنحها مرونةً وحيوية للتحرك السياسي على خط تهدئة الصراعات المفتوحة من سوريا إلى اليمن مروراً بلبنان – هذا إن صدقت النوايا -. 

وبالنسبة لطهران ، فإن العودة إلى خطة العمل الشاملة المشتركة سترفع العقوبات التي تسببت بالأذى الكبير للاقتصاد الإيراني , وستمهد الطريق لإعادة تأهيل العلاقات الإيرانية السياسية والإقتصادية بشكلها الطبيعي مع الكثير من الدول التي وقفت ضدها بالوكالة أو الأصالة , وستضع حداً لذرائع الحملة الأمريكية المستمرة ضدها منذ أربعين عاماً , إلى أمدٍ يطول أو يقصر بحسب إلتزامها بالمخططات الصهيونية الكبرى وما تحيكه لساكني الأرض ومنطقة الشرق الأوسط وغرب اّسيا تحديداً.

المهندس: ميشيل كلاغاصي

2/2/2021