Saturday, September 11, 2021

فروا من أفغانستان .. متى يفرون من سورية ؟ - م.ميشيل كلاغاصي


على الرغم من التكاليف والأثمان السياسية والعسكرية والمالية الباهظة التي تكبَّدتها الولايات المتحدة الأميركية في فيتنام ولبنان والعراق وأفغانستان وسوريا، شهد العالم الأسبوع الماضي انسحاباً أميركياً وأطلسياً فوضوياً غير مسؤول، كانت إحدى نتائجه مقتل 13 جندياً أميركياً وبعض البريطانيين وعشرات المدنيين الأفغان، الأمر الَّذي يؤكّد أنَّ الغرب لم يتعلّم من دروس الماضي الأليمة.

ومن المثير للسّخرية أن يوجّه كلّ من الرئيس الأميركي جو بايدن ورئيس الناتو ينس ستولتنبرغ أصابع الاتهام إلى القادة الأفغان الَّذين فروا منذ اللحظات الأولى، لتقدم "طالبان" نحو السيطرة على غالبية عواصم الأقاليم قبل وصولهم إلى كابول، فالناتو والولايات المتحدة لا يشعرون بالحرج وهم يطلقون الأكاذيب ويروجون إلى أنهم منقذو العالم، وجالبو الديمقراطية والازدهار والسلام، والمدافعون عن حقوق الأطفال والمرأة والإنسان في تلك البلاد التي احتلوها ودمروها ونهبوا خيراتها. يا لها من سياسة خارجية قامت ولعقود على استراتيجيةٍ تنضوي على أيدولوجيا غربية متوحشة ومريضة، تبدأ بتدمير الدول، ثم بإعادة إعمارها، سبيلاً لتحقيق المكاسب وتكريس الهيمنة!

كانت غالبية دول العالم تعتبر "طالبان" إرهابية، ولا يعني تمددها اليوم وسيطرتها على البلاد أنها شرعية، ولم يسبق لأيِّ دولة أن اعترفت بها، بدليل تصنيفها الإرهابي في لوائح عدد من الدول. واليوم، وبعد الانسحاب الأميركي والأطلسي، بات معيار الكثيرين للاعتراف بـ"طالبان"، ومنهم الولايات المتحدة ودول الناتو، مرهونٌ "بسلوكها وأفعالها" الحالية والمستقبلية، وليس تاريخها والجرائم التي ارتكبتها، وبحقيقة مشروعها والأيديولوجيا التكفيرية المتطرفة التي تتحكم في عقول قادتها وبعض داعميهم، في الوقت الذي يذهب الوزير أنتوني بلينكن إلى أبعد من ذلك، ويختزل كل ما تريده واشنطن من "طالبان" بـ"محاربة الإرهاب"، فيما يرى الكثيرون اليوم أن الاعتراف بالحركة بات بحكم الأمر الواقع، وهذا يؤكد نجاح واشنطن بتحويل "طالبان" من حركة إرهابية إلى طرف شرعي ومعترف به في المعادلة الأفغانية، وسيكون حتماً في مواجهة أطراف متوقعة وأخرى قد تتضح معالمها قريباً.

هذا الأمر يقودنا إلى السؤال: هل تحاول واشنطن وعواصم الناتو تطبيق الأمر ذاته في سوريا، من خلال تمسكها بوجودها كقوة احتلال سافر في الأراضي السورية، وبمحاولاتها لتلميع صورة المدعو أبو محمد الجولاني، زعيم تنظيم جبهة "النصرة – القاعدة"، في محافظة إدلب ومحيطها، بما يملكه من إمرةٍ على عدد كبير من الإرهابيين المحليين والغرباء، تحت عنوان أنه بات لا يشكل خطراً على الأمن القومي الأميركي، وأنه زعيم سياسي لمعارضة مسلحة لحماية المدنيين السوريين من دولتهم وحكومتهم وجيشهم الوطني؟ هل تسعى واشنطن وأدواتها في دول الشر لتحويل "النصرة" إلى أمر واقع على غرار "طالبان" في أفغانستان وفق المعايير ذاتها، وعلى أساس منحه شهادة حسن سلوك أميركية - أطلسية، وعلى أساس أفعاله وتنظيمه الإرهابي المستقبلية، وليس بحسب تاريخهم الإرهابي والإجرامي في سوريا، من دون الاكتراث إلى تصنيفهم الإرهابي الأميركي والأممي والدولي؟

ماذا ستكون التداعيات على سوريا بعد حربٍ تجاوزت 10 سنوات؟ ومتى ستتوقف؟ هل سيحاول "منقذو العالم" الاستمرار بتعطيل الحل السياسي في سوريا، واستمرار محاولات تقسيمها ونهب ثرواتها وحصارها وشعبها وحرمانه من خيرات بلاده، ومن أدنى متطلبات الحياة من نفط وغاز ومحاصيل زراعية وغذاء ودواء في زمن جائحة كورونا، ودفع أبنائه نحو الهجرة؟

وبما أن "دوام الحال من المحال"، فلن يطول زمن حصاد جهود الدولة السورية الرسمية والشعبية، فقرار تحرير "كل شبر" متخذٌ، وبشكل رسمي ومعلن، منذ اللحظات الأولى للغزو الأميركي والتركي والانفصالي والإرهابي، كذلك قرار الشعب السوري ومقاومته الاحتلال هو من صلب جيناته اليوم وعبر التاريخ، وسيتم من دون أدنى شك اختراق المخطط الخبيث في ما تبقى من بؤر احتلال وتواجد إرهابي في الأراضي السورية، وستجد الولايات المتحدة الأميركية نفسها في وضع لا تحسد عليه، ولن يكون أمامها سوى الفرار السريع والهزيمة الكبرى ووصمة العار الإضافية لـ"جيش" احتلال "الدولة العظمى" وعصابة حلف الناتو.

يدرك العالم أن واشنطن لن تستفيد من المشهد الأفغاني في سوريا، فالحالتان مختلفتان تماماً، لكنهما قد تشتركان في مشهد فرار الولايات المتحدة والناتو. وعليه، يبقى السؤال: متى يفرون من سوريا؟ ومتى ستقودهم الحكمة إلى قرار تقليص خسائرهم في الشرق الأوسط، ويمدون يدهم إلى سوريا المنتصرة؟ ومتى سيعودون والأوروبيين والأتراك والعرب إلى التطبيع مع سوريا، وإنهاء العقوبات، وسحب القوات الأميركية وغيرها من الأراضي السورية، واحترام سيادتها الوطنية ووحدة أراضيها، والكفّ عن التدخل في شؤونها الداخلية؟

آن الأوان لتعميم بعض الأصوات الداخلية في مراكز صنع القرار الأميركي، والاتحاد خلف صوت عضو مجلس الشيوخ عن ولاية فرجينيا المتقاعد ريتشارد بلاك في مقابلته مع صحيفة "سوريا تايمز" الإلكترونية، والذي تساءل: "ألم تساعدنا سوريا على محاربة أكبر جيشٍ من إرهابيي القاعدة على وجه الأرض في إدلب؟ وبما أنّ "عدو عدوي هو صديقي"، فقد حان الوقت لنسأل أنفسنا: من هو صديقنا؟ سوريا أم "القاعدة"؟".

لا بد لعقلاء الولايات المتحدة والقارة العجوز من قراءة المرحلة بدقّة وواقعيّة، وأنّها ماضيةٌ نحو أفول "الإمبراطورية الأميركية" التي لا بدّ لها من أن تُسقط أوروبا معها، لأنها جزء منها، فالعالم الجديد متعدّد الأقطاب، ويتقاسم النفوذ الذي يحمي المصالح الاقتصادية بالدرجة الأولى، ولا يتحكّم في حياة البشر، وفي تغيير الأنظمة السياسية بالقوة، وفرض العقوبات، وتعميم النسخ الخاصة والمزيفة للديمقراطية.

المهندس: ميشيل كلاغاصي

6/9/2021 

تداعيات الإنسحاب "الكارثة" على مستقبل العلاقات الأمريكية - الدولية - م.ميشيل كلاغاصي

بتاريخ 14 آب/أغسطس 2021 , تلا الرئيس الأمريكي جو بايدن بيانه حول الإنسحاب من أفغانستان , وتحدث بفخر وإعتزاز عن إنجازات بلاده :"لقد أرسلت أمريكا أفضل شبابها وشاباتها ، واستثمرت ما يقرب من تريليون دولار ، ودربت أكثر من 300 ألف جندي وشرطي أفغاني ، وزودتهم بأحدث المعدات العسكرية ، وحافظت على قوتهم الجوية كجزء من أطول حرب في تاريخ الولايات المتحدة".

في حين كان المشهد على الأرض يرصد الفوضى والإندفاعة الأمريكية لإجلاء موظفيها ودبلوماسييها واّخرون اهتمت بإجلائهم , بالتوازي مع سرعة سيطرة طالبان على السلطة , - على عكس التوقعات الأمريكية -  الأمر الذي أكد فشلها الإستراتيجي , الذي انعكس بدوره على اّلية التخطيط والتنفيذ والإشراف , وأكد عدم إستفادتها من دروس فيتنام , وهذا بحد ذاته شكل أحد أسباب فشلها في أفغانستان ...

كذلك تحدث الرئيس بايدن في 31 آب/ أغسطس 2021, وأكد أن "القرار بشأن أفغانستان لا يتعلق فقط بأفغانستان" , و"يتعلق بإنهاء حقبة من العمليات العسكرية الكبرى" , "ستكون حقوق الإنسان في صميم سياستنا الخارجية" , "لن يتم ذلك من خلال الإنتشار العسكري اللانهائي" , "يجب أن تتغير استراتيجيتنا"... هل يمكن أن ينسحب كلامه على ساحات الشرق الأوسط  , وأهمها العراق وسورية ؟

وعلى الرغم من إدعاءات الرئيس بايدن المتكررة حيال نسف سياسة سلفه ترامب , ها هو مرة أخرى يسير على نهجه , ويحاول الخروج من عباءة أن تكون أمريكا " شرطي العالم" الدور الذي لعبته الولايات المتحدة منذ خمسينيات القرن الماضي , من خلال الشراكة المتوحشة مع بعض الدول الأوروبية .

لكن , في السنوات الأخيرة بدأت ملامح القلق والتوتر تصيب بعض دول الناتو , ووصلت حد المجاهرة , ففرنسا وألمانيا , سبق لهما إعلان الرغبة برسم سياساتهما بعيداً عن السياسة الخارجية  لواشنطن , فيما كشفت جولته الأوروبية الأخيرة إلى كورنوال ولقاءات مجموعة السبع وبروكسل ، وزعماء الناتو والاتحاد الأوروبي في يونيو الماضي , افلاسه واهتمامه بلقاء بوتين كرئيس للولايات المتحدة وليس كزعيم لتحالف أمريكي – أطلسي – أوروبي , مما دفعهم للتسائل عن مستقبل التحاقهم بالركب الأمريكي , كذلك الأمر بالنسبة لبعض الأنظمة الخليجية التي بدأت الإقتراب أكثر فأكثر من الروس والصينيون , وأتى الإنسحاب الأمريكي من أفغانستان بدون التنسيق مع الحلفاء ليشكل عاملاً إضافياً لتعميق الهوة بين واشنطن وأقرب حلفائها .

إن استيلاء طالبان على السلطة هو "فشل استخباراتي على أعلى مستوى" - بحسب مسؤول عسكري أمريكي سابق - ، في وقت تبذل فيه واشنطن قصارى جهدها لإعادة تحديد علاقاتها عبر جنوب شرق آسيا كحصن أمني وعسكري لمواجهة الصين , الأمر الذي يساهم بدفع بعض الدول الأوروبية - على وجه الخصوص ، ألمانيا وفرنسا - للتفكير بشكل أعمق في تطوير بنية تحتية أمنية وسياسة خارجية مستقلة تماماً عن الولايات المتحدة... وبالتالي ، ستترك - "الكارثة" - بحسب وصف الرئيس الروسي للإنسحاب  - أثراً كبيراً على مستقبل مكانة الولايات المتحدة في العالم.

إن فشل الولايات المتحدة في أفغانستان سيجعل منها حليفًاً لا يمكن الاعتماد عليه أوروبياً , الأمر ذاته بالنسبة لدول جنوب شرق اّسيا التي لا تؤيد فكرة التحالف ضد الصين , إذ لن تستطيع واشنطن إقناع أحد بالقتال إلى جانبها في حروب غير واضحة المعالم , وقد تنتهي بالفشل والإنسحاب مجدداً , إذ لا تحلم دول الاّسيان بمصير مشابه لدول الناتو.

المهندس: ميشيل كلاغاصي *** 4/9/2021

 

أفغانستان .. أهمية الدور الروسي والإيراني لإبعاد خطر "اللعبة الأمريكية الكبرى" - م.ميشيل كلاغاصي


من السذاجة بمكان التعامل مع الملف الأفغاني على أنه إنسحاب أمريكي وأطلسي , نتيجة حسابات ضيقة وأن الرئيس بايدن أراد إنهاء صفحة "حروب اللا نهاية وعودة الجنود إلى البلاد" , بالتوازي مع نشاطٍ مكثف لحركة طالبان المؤلفة من مجموعة من الإرهابيين سيئي السمعة , جهلة , متخلفين , متشددين – متطرفين ، أرادوا اليوم أن يكونوا جزءاً من "اللعبة الأمريكية الكبرى" التي تتكشف خيوطها في منطقة المحيطين الهندي والهادي.

إن هيمنة طالبان على الوضع في أفغانستان ، لا يتعلق فقط بوجود أو إنسحاب القوات الأمريكية والأطلسية , بل يرتبط بشكل وثيق بكافة دول المنطقة , ويعتبر بمثابة بشرى غير سارة للعديد منهم كالصين وباكستان والهند وطاجكستان , بالإضافة إلى روسيا وإيران , ويرتبط بشكل رئيسي بأمنهم الوطني والإقليمي وبموقعهم العالمي على الخرائط الجيوسياسية والعسكرية والإقتصادية الكبرى.

وتبدو طالبان بحاجة لترتيب جدول أولوياتها , وبحسب ما صدر عن غالبية الدول وبما يتوقعونه منها خصوصاً على الصعيد الخارجي , من قمع لجميع أنواع التجاوزات المسلحة والتي قد تتسبب بسرعة إندلاع الحرب الأهلية – المتوقعة- ، والقيام ببسط السيطرة على المناطق الحدودية  وتطبيق النظام والقانون , وتكثيف الإتصالات مع حرس الحدود للدول المجاورة , لمحاصرة أية فوضى , وأي تحركات ونشاطات إرهابية عبر الحدود , وقمع تجارة المخدرات ...

إذ يمكن للدول المجاورة أن تلعب دوراً في التعاون المثمر والمفيد لجميع الأطراف , لصياغة أهدافٍ مشتركة واضحة تمنع إمكانية إنتقال الصراع  من داخل أفغانستان إلى داخل دول الجوار , على خلفية الصراعات الموجودة أصلاً بين دول المنطقة , خصوصاً ما يتعلق بالممر الإقتصادي بين الصين وباكستان , وكافة فروع مشروع الحزام والطريق , والتعقيد الكبير في العلاقات بين الهند والصين وباكستان وبلوشستان ...إلخ , ومكونات المجتمع الأفغاني , ( البلوش , الهزارة , التركمان , الطاجيك ...إلخ ), بالإضافة إلى البشتون الذين يشكلون العمود الفقري لطالبان.

ويبقى التعويل على قوة وحكمة كلٍ من الصين وروسيا وإيران , لمنع إنزلاق الأمور وخروجها عن السيطرة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ بأكملها , حيث وصف الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي الإنسحاب الأمريكي من أفغانستان بـ"الفرصة لتحقيق الأمن و السلام الدائم في هذا البلد" ، ودعا للتوصل إلى "التوافق" وللقيام "بمصالحة وطنية" ، و"مشاركة كل الأطراف".

لا يمكن المراهنة سلفاً عما سيحدث في أفغانستان ومحيطها وكامل منطقة المحيطين الهندي والهادي , وسط حسابات ومعادلات قد تتغير بالتأثير الأمريكي , وزيادة عدد المنضمين التحالف المناهض للصين , الأمر الذي سيلقي على عاتق روسيا وإيران جهوداً إضافية لتسوية التناقضات بين الجهات الخارجية الرئيسية , وبذل المزيد من الجهود السياسة والدبلوماسية والتجارية – الاقتصادية , بعيداً عن لغة السلاح والعنف والإرهاب والفوضى المحببة للإدارة الأمريكية.

المهندس: ميشيل كلاغاصي

21/8/2021 

Friday, September 3, 2021

طالبان .. المهمة المستحيلة - م. ميشيل كلاغاصي


سيبقى مشهد تهافت الشعب الأفغاني نحو مطار كابول , ومحاولاتهم للتشبث بعربات وسلالم الطائرات أو بعجلاتها , من المشاهد المأسوية في ذاكرة العالم , بعدما دفع الكثيرين للدهشة والإستغراب , لطريقة تلقي عدداَ كبيراً من الأفغان نبأ الإنسحاب الأمريكي والأطلسي , بعد عشرين عاماً للغزو والإحتلال والعبث والفوضى في البلاد . 

لا يمكن التأكيد على أن جميع الراغبين بمغادرة البلاد هم من الأفغان العملاء أو الخونة , والمتعاملين مع قوات الإحتلال الأمريكي بطريقة أو بأخرى , كذلك لا يمكن الجزم بأن كل من هللوا ولم يغادروا هم طالبانيون أو من مؤيديهم في بيئة داخلية غير متجانسة سياسياً وإيديولوجياً , فالبلاد تعج بالقوميات والإثنيات والعرقيات والمذاهب ... ويبقى من الثابت أن طالبان تحاول بسط سيطرتها على الجميع دون استثناء , في وقتٍ تتحدث فيه عن الإستقرار والسلام ومعالجة كافة المشاكل , وسط بيئة جيوسياسية معقدة تربطها مع دول الجوار , الأمر الذي يبدو أشبه بالمهمة المستحيلة , بما يشي بوقوف أفغانستان على مفترق طرق خطير للغاية , لا تُستبعد فيه الحرب الأهلية.

تبدو المخاوف من سيطرة طالبان ترتبط إرتباطاً وثيقاً بإنعدام ثقة جميع الأفغان بحكمها , بالإضافة إلى وجود المعارضين القبليين والسياسيين التاريخيين لشكل وطريقة حكمها , قد شكل دافعاً لإتجاه الكثيرين نحو مطار كابول والحدود البرية لمغادرة البلاد.

من الواضح أن محاولات طالبان منذ منتصف شهر اّب الماضي , لتهدئة مخاوف الأفغان قد فشلت , أمام ذاكرتهم بسطوتها وطغيانها إبان فترة حكمها 1996 – 2001 , على الرغم من إسراعها بالإعلان عن فرض الشريعة , وتغيير العلم الأفغاني , والقيود المفروضة على حقوق المرأة ...إلخ.

كذلك تعاني طالبان من عجزٍ خطير في نيل الثقة الدولية , بفضل تاريخها المرتبط بالعنف والجهل والتخلف بالنسبة لبعض الدول , وبالإرهاب بالنسبة لغير دول , وبالتأكيد ستحتاج إلى دعم وتعاون دوليين , للبقاء وللعمل كحكومة مقبولة من دول العالم , وهذا سيضعها تحت رحمة المبتزين والطامعين وأصحاب الغايات والاهداف السياسية , وأصحاب المصلحة الحقيقية لحماية حدودهم وأمن دولهم الداخلي .

إن الهجوم على مطار حامد كرزاي الدولي , وسقوط القتلى والجرحى , يدفع طالبان لإثبات عدم ارتباطها بمرتكبي الهجوم الإرهابي , وبإدانتهم وملاحقتهم ومحاربتهم ,  وهذا سيفرض عليها حتماً موقفاً ضد تنظيم القاعدة وداعش والجماعات الأخرى... الخرى الأخرى والقصاص كذلك سيفرض عليها مواجهة التحديات الجيوسياسية الداخلية والخارجية , بما في ذلك إقناع طاجكستان وباكستان والهند والصين وروسيا وإيران ... , بأنها لن تكون مصدراً للقلق والفوضى .

أخيراً ... إذا كان الإنسحاب الأمريكي والأطلسي من أفغانستان يعني غياباً للوجود العسكري الخارجي في الداخل , لكنه لا يعني عدم عودة واشنطن وحلفائها التدخل من خارج الحدود , بالإضافة إلى تعقيد الجغرافيا السياسية المتمركزة حول أفغانستان وارتباط عديد الفصائل المحلية إلى ببعض الجهات الخارجية , سيجعل مهمة طالبان بالإجابة على سؤال - أفغانستان إلى أين ؟ - أشبه بالمستحيلة , وسيبقى رهن اللعبة الدولية.  

المهندس: ميشيل كلاغاصي

3/9/2021 

Sunday, August 22, 2021

أفغانستان .. أهمية الدور الروسي والإيراني لإبعاد خطر "اللعبة الأمريكية الكبرى" - ميشيل كلاغاصي

من السذاجة بمكان التعامل مع الملف الأفغاني على أنه إنسحاب أمريكي وأطلسي , نتيجة حسابات ضيقة وأن الرئيس بايدن أراد إنهاء صفحة "حروب اللا نهاية وعودة الجنود إلى البلاد" , بالتوازي مع نشاطٍ مكثف لحركة طالبان المؤلفة من مجموعة من الإرهابيين سيئي السمعة , جهلة , متخلفين , متشددين – متطرفين ، أرادوا اليوم أن يكونوا جزءاً من "اللعبة الأمريكية الكبرى" التي تتكشف خيوطها في منطقة المحيطين الهندي والهادي.

إن هيمنة طالبان على الوضع في أفغانستان ، لا يتعلق فقط بوجود أو إنسحاب القوات الأمريكية والأطلسية , بل يرتبط بشكل وثيق بكافة دول المنطقة , ويعتبر بمثابة بشرى غير سارة للعديد منهم كالصين وباكستان والهند وطاجكستان , بالإضافة إلى روسيا وإيران , ويرتبط بشكل رئيسي بأمنهم الوطني والإقليمي وبموقعهم العالمي على الخرائط الجيوسياسية والعسكرية والإقتصادية الكبرى.

وتبدو طالبان بحاجة لترتيب جدول أولوياتها , وبحسب ما صدر عن غالبية الدول وبما يتوقعونه منها خصوصاً على الصعيد الخارجي , من قمع لجميع أنواع التجاوزات المسلحة والتي قد تتسبب بسرعة إندلاع الحرب الأهلية – المتوقعة- ، والقيام ببسط السيطرة على المناطق الحدودية  وتطبيق النظام والقانون , وتكثيف الإتصالات مع حرس الحدود للدول المجاورة , لمحاصرة أية فوضى , وأي تحركات ونشاطات إرهابية عبر الحدود , وقمع تجارة المخدرات ...

إذ يمكن للدول المجاورة أن تلعب دوراً في التعاون المثمر والمفيد لجميع الأطراف , لصياغة أهدافٍ مشتركة واضحة تمنع إمكانية إنتقال الصراع  من داخل أفغانستان إلى داخل دول الجوار , على خلفية الصراعات الموجودة أصلاً بين دول المنطقة , خصوصاً ما يتعلق بالممر الإقتصادي بين الصين وباكستان , وكافة فروع مشروع الحزام والطريق , والتعقيد الكبير في العلاقات بين الهند والصين وباكستان وبلوشستان ...إلخ , ومكونات المجتمع الأفغاني , ( البلوش , الهزارة , التركمان , الطاجيك ...إلخ ), بالإضافة إلى البشتون الذين يشكلون العمود الفقري لطالبان.

ويبقى التعويل على قوة وحكمة كلٍ من الصين وروسيا وإيران , لمنع إنزلاق الأمور وخروجها عن السيطرة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ بأكملها , حيث وصف الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي الإنسحاب الأمريكي من أفغانستان بـ"الفرصة لتحقيق الأمن و السلام الدائم في هذا البلد" ، ودعا للتوصل إلى "التوافق" وللقيام "بمصالحة وطنية" ، و"مشاركة كل الأطراف".

لا يمكن المراهنة سلفاً عما سيحدث في أفغانستان ومحيطها وكامل منطقة المحيطين الهندي والهادي , وسط حسابات ومعادلات قد تتغير بالتأثير الأمريكي , وزيادة عدد المنضمين التحالف المناهض للصين , الأمر الذي سيلقي على عاتق روسيا وإيران جهوداً إضافية لتسوية التناقضات بين الجهات الخارجية الرئيسية , وبذل المزيد من الجهود السياسة والدبلوماسية والتجارية – الاقتصادية , بعيداً عن لغة السلاح والعنف والإرهاب والفوضى المحببة للإدارة الأمريكية.

المهندس: ميشيل كلاغاصي

21/8/2021 

قوات الإحتلال الأمريكي في سوريا.. استراتيجية مقَيدة وسلوكٌ مشين - ميشيل كلاغاصي

هكذا يصمت العالم وهو يتابع بكافة وسائل إعلامه , وبشكل شبه يومي , أخبار إخراج قوات الإحتلال الأمريكي صهاريج النفط وشاحنات القمح السوري المسروقين نحو العراق عبر معبر الوليد اللا شرعي , واستطاعت هذه الأخبار تحويل الأمم المتحدة والمنظمات الأممية , ووزارات الخارجية حول العالم , والمؤسسات الحقوقية والإنسانية وغالبية وسائل الإعلام الغربية ومن يسيرون على إيقاعها , إلى ما يشبه مكاتب للجدولة والأرشفة والتدوين فقط .. أكثر من خمس سنوات والمشهد يتكرر دون توقف , وبدون ضجيج حتى بدون أية ردة فعل أو تصريح أو حتى استنكار , وحدها الدول الوفية والصديقة والحليفة لسوريا كروسيا وإيران واّخرون , يستنكرون ويحاولون ما بوسعهم لنقل الفعل الأمريكي المشين من خانة الأرشفة الباردة إلى دائرة الضوء وتقييم الحدث ...

وحده المتحدث باسم التحالف الدولي العقيد "واين ماروتو" ، رأى في 15 / حزيران الماضي – بحسب RT - ، أن اتهام واشنطن بسرقة النفط في سوريا هو "ادعاء باطل", و"معلومات مضللة ليس لها أي أساس من الصحة".! ... يبدو أن العقيد واين , لا يتابع أخبار قوات الإحتلال الأمريكي و"مهارتها" في سرقة المقدرات السورية , ومدى إلتزامها بأجندة البنتاغون , والأموال التي أقرها ورصدها الكونغرس الأمريكي لدعم خططه في سوريا , أم تراه يحاول نسب صفة "التشبيح" على بعض عناصر قوات الإحتلال الأمريكي كعملٍ فردي ؟.

يبدو نفي "العقيد" مستغرباً , مع تلك الفيديوهات التي تنشرها وكالات الأنباء وكافة وسائل الميديا , ورصدها لأرتال الشاحنات والصهاريج الأمريكية التي تحمل مسروقاتها وتعبر بها خارج الحدود السورية ... ولم يتناه لأسماعه موقف الدولة السورية , وبيانات وزارة خارجيتها الرسمية , وتقاريرها إلى مجلس الأمن والأمم المتحدة , ولم يسمع بتقارير وكالات الأنباء العالمية ووكالة الأنباء السورية سانا , وهي توثق وتفضح أرتال السرقات التي يقوم بها جيش الدولة "العظمى" على الأراضي السورية.

بات من المؤكد نفاذ كافة أوراق التوت الأمريكية , بعد سقوط الذرائع التي ادعتها إدارات أوباما وترامب وبايدن لتبرير وجودها اللاشرعي في سوريا , ورواياتها حول "حماية الشعب السوري" من حكومته الشرعية وجيشه الوطني , و"حماية ثرواته ونفطه" , كذلك بعدما تحولت روايتها بمحاربة تنظيم داعش , إلى مسرحية هزلية , وبات العالم يدرك أن واشنطن تُمسك كافة خيوط المؤامرة والحرب على سوريا , وأن ما تقوم به أدواتها الإسرائيلية والأوروبية والتركية وبعض الخليجية , وميليشياتها الإنفصالية والإرهابية , وكافة الذين يشكلون بطبيعة أدوارهم الأدوات التنفيذية المحكومة  بتنفيذ الأوامر الأمريكية , ويختبؤون وراء الأفعال المشينة لقوات الإحتلال الأمريكي , والتي بدورها تختبئ وراء ستار سياسات "الدولة الأمريكية العميقة" , وما يخدم مصالح الرئيس الأمريكي وإدارته , بعدما تأكدت حقيقة اللصوصية الأمريكية , التي تمر عبر قواعدها العسكرية والمعابر اللا شرعية , وتحولت إلى ثوابت لا تقبل التشكيك بها , أو نكرانها ونفيها.

ولبعض الوقت , ومع السلوك الأمريكي في سوريا , من دعمٍ للإنفصاليين في شمال وشرق البلاد , وسيطرة القوات الأمريكية بنفسها على حقول النفط ومحاصيل الأقماح والشعير, ودعمها للمشروع العثماني والإرهابي ولتنظيم جبهة النصرة وكافة المجاميع الإرهابية في شمال وغرب البلاد وفي محافظة إدلب السورية ... اعتقد البعض أن واشنطن مهتمة فقط بفرض استراتيجية كبرى تتخطى مصالحها على الأراضي السورية , وتجعلها قادرة على تحقيق أهدافها في العراق , وتمنحها إمكانية الإقتراب من الحدود الإيرانية , ومنع التواصل الجغرافي والحيوي والعسكري , الممتد من طهران إلى بغداد ودمشق وصولاً إلى لبنان وفلسطين المحتلة ..

ولم تكن الأنظار مسلطة على أعمال النهب المباشر, لكن ومع تصدع الرواية والمشروع الأمريكي , نتيجة الإنتصارات العسكرية التي حققها الجيش العربي السوري وحلفاؤه والمقاومة العراقية , على طرفي الحدود , وبعد نجاح الدولة السورية باستعادة سيطرتها ونفوذها وتحرير ما يقارب الـ 80% من الأراضي التي سيطر عليها الإرهابيون , ومع استعادة الأرض والأمن والإستقرار , تأكد الأمريكيون من استحالة تحقيق أي تقدم أو نجاح في تفكيك الدولة السورية والإطاحة بحكومتها وقيادتها ونظامها السياسي , ومع غياب أي استراتيجية أمريكية لتغيير هذا الواقع , تحول المشهد نحو الرغبة الأمريكية الجامحة لتجميد الخرائط العسكرية على واقعها , وسط هواجس حفاظها على حياة جنودها.

واكتفت بمتابعة أعمال السرقة والنهب وحرق المحاصيل , الأمر الذي أعاد توجيه الأنظار إلى الممارسات والأعمال اللصوصية الأمريكية , وأنها لا تعدو سوى دولة إحتلال ولصوصية , وهي المتواجدة بشكل لا شرعي على الأراضي السورية.

من المهم ما تعلن عنه طهران وموسكو ودمشق مراراً وتكراراً , حول الوجود العسكري الأمريكي في سوريا , وبأنه احتلال ووجود لا شرعي ، وإعلانها الدائم عن عمليات النهب والسرقة الأمريكية لثروات الدولة والشعب السوري , وإبقاء الأنظار متجهة نحو الممارسات اللاقانونية واللاشرعية للـ "الدولة العظمى", إذ  لم تعد واشنطن قادرة على إخفاء نشاطها الإجرامي في سوريا , والذي صنعت له غلافاً مزيفاً تحت مسمى "الحرب الإقتصادية" , والعقوبات على الدولة السورية وعديد الشخصيات والكيانات الإقتصادية السورية .

لن يتوقف السوريون ومحور المقاومة مجتمعاً , عن توثيق لصوصية قوات الإحتلال الأمريكي , ولن يتوقفوا عن سعيهم إلى محاسبتها , وإخراجها من سوريا  والمنطقة والإقليم , وسط غياب العدالة الدولية , وصمت الأمم المتحدة , ومجلس الأمن , وما يطلقون عليه زرواً اسم "المجتمع الدولي".

المهندس: ميشال كلاغاصي

14/8/2021 

المأزق الأمريكي .. مفاوضات فيينا في عهد الرئيس إبراهيم رئيسي - ميشال كلاغاصي

لم يكن على واشنطن سوى إبتلاع غيظها وغضبها بعد فشل محاولاتها للتأثير على العملية الإنتخابية الإيرانية , منذ إعلان فوز المرشح إبراهيم رئيسي في الإستحقاق الرئاسي الديمقراطي في الجمهورية الإسلامية الإيرانية , وبات عليها مراقبة إتمام المراحل الدستورية لإنتقال السلطة الهادئ والمنظم من إدارة الرئيس حسن روحاني إلى الإدارة الجديدة برئاسة إبراهيم رئيسي , وتأديته اليمين الدستورية , وسط مباركة المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي .

ومن خلال تعمقها في دراسة الساسة الإيرانيون , تدرك واشنطن , أهمية وصول الرئيس إبراهيم رئيسي إلى سدة السلطة , وحكومته العتيدة القادمة , ومدى تأثير ذلك على المسار الداخلي المستقبلي لإيران , وعلى السياسة الإقليمية والدولية , وخصوصاً ما يتعلق بالظروف المحيطة بالإتفاق النووي الإيراني – الدولي للعام 2015 .

إذ تعتقد واشنطن , أن الرئيس إبراهيم رئيسي قد يتبع سياسةً أكثر تحفظاً وصرامةً في التعامل مع إدارة جو بايدن مما كانت عليه إدارة روحاني , خصوصاً وأن الإدارة الإيرانية الجديدة تشكك في قدرة إدارة بايدن على توقيع اتفاق لا يتم التراجع عنه في المستقبل , الأمر الذي سيقيد إستراتيجية المناورات التفاوضية الأمريكية .

من ناحية أخرى , تتأثر إدارة الرئيس بايدن , وبعد ستة أشهر من ولايته الأولى , بتراجعها ونزولها عن عرش تحقيق الوعود الإنتخابية , مع غياب ملامح تعافي الإقتصاد الأمريكي , وتفاقم مشاكل جائحة فيروس كورونا , وظهور النوع دلتا وتفشيه من جنوب أمريكا إلى شمالها , بالتزامن مع بدء اختفاء مظاهر القوة التي حاول بايدن كسبها من أخطاء إدارة ترامب وسلوكه الشخصي , وانكشاف حقيقة سيره على خطى وسياسات ترامب في عشرات الملفات وليس عبر نسفها كما إدعى , ناهيك عن تراجع شعبيته بحسب وسائل الإعلام الأمريكية ... ومما لا شك فيه , أن الإيرانيون يراقبون ويُقيّمون , وسينظرون إلى بايدن على أنه مفاوض ضعيف في فيينا, ولا يمتلك الكثير من رأس المال السياسي الذي يؤهله للحصول على موافقة الكونغرس على إتفاق نووي جديد.

من جهةٍ أخرى , راهنت الدبلوماسية الأمريكية وكذلك المفاوض الأمريكي , على عدم قدرة إيران مواجهة صعوباتها الإقتصادية , ولا بد أن تقدم التنازلات مقابل رفع العقوبات , وبالغ الأمريكيون في تقديراتهم وحساباتهم الخاطئة وانطلقوا نحو إملاء الشروط , وتوسيع نطاقها خارج بنود إتفاقية 2015.

فقد أصر فريق بايدن على أن عودة الولايات المتحدة إلى خطة العمل الشاملة المشتركة تعتمد على المحادثات المستقبلية المحتملة بشأن القضايا الإقليمية , وأنها لا تستطيع الموافقة على رفع حظر الأسلحة كما هو منصوص عليه في خطة العمل الشاملة المشتركة ؛ ولن ترفع العقوبات التي فرضها ترامب , وأنها غير ملزمة بتعويض إيران عن الأضرار الجسيمة التي لحقت بإقتصادها من خلال الإنسحاب الأمريكي أحادي الجانب , وأنه يتوجب على إيران الموافقة على قيود جديدة على اتفاقياتها النووية تتجاوز بكثير تلك المنصوص عليها سابقاً.

كان لا بد للرئيس إبراهيم رئيسي من الرد , وأتى وقع كلمته بعد أدائه اليمين الدستوري كالصاعقة , بحضوره الكبير , ولهجته الحازمة القوية , وقوة المنطق والحق والعنفوان الإيراني , وأسمعت كلماته من كان في أذنيه صمم , وأعلن التحدي والإصرار على تمسك بلاده بمواقفها وبحقوقها في الطاقة النووية السلمية , وبأن قيم وعقيدة الجمهورية الإسلامية والشعب الإيراني , لا تقودهم نحو صناعة القنبلة النووية , ونسف الرواية الأمريكية – الإسرائيلية الزائفة والمضللة والتي لطالما استخدمتها واشنطن وحلفائها وأدواتها وأبواقها , لتبريرعدائيتها المفرطة تجاه إيران.. كذلك , أعلن المرشد الأعلى أن طهران لن تقبل مطالب واشنطن "العنيدة" في المحادثات النووية ورفض مرة أخرى بشكل قاطع إدراج أي قضايا أخرى في مفاوضات فيينا عند استئنافها.

من المؤكد أن الإيرانيون لا يثقون بالإدارة الأمريكية , ويدركون نوعية الإرتباط الأمريكي - الإسرائيلي الإستراتيجي الخاص , ويدركون حضورهم الخفي والعلني في المشهد الإقليمي والدولي وفي المفاوضات النووية , وأنهم يقبعون داخل الأجندة الأمريكية وفي تصاريح ومواقف وزارة الخارجية الأمريكية من المفاوضات في فيينا , وقد وسبق لهم القيام بعدوان إلكتروني على المنشاّت النووية الإيرانية , وحاولوا رفع منسوب التصعيد العسكري في المنطقة بدءاً من لبنان , وسوريا , ومياه الخليج , وما سمي بحرب السفن , ناهيك عن زيارة وليم بيرنز مدير الـ CIA إلى تل أبيب وجدول لقاءاته بما فيها اللقاء مع رئيس الموساد , لمناقشة الملف الإيراني , في ضوء وصول الرئيس إبراهيم رئيسي إلى السلطة , ولتأكيد رغبة "إسرائيل" في منع إيران من الحصول على السلاح النووي , والحد من تطور البرنامج الصاروخي الإيراني .

لا تبدو إدارة بايدن حرة في مواقفها المعلنة من مختلف الملفات المطروحة , وتبدو مقيدة بعلاقاتها بـ"إسرائيل" وبحلفائها في الخليج , وتبدو بأمس الحاجة لبعض الوقت لبلورة مواقفها ومفاوضاتها مع إيران , وتلجأ لإستغلال فرنسا وبريطانيا – كالعادة – للعب في الوقت الضائع .

وليس مستبعدا ً أن تلجأ واشنطن إلى سياسة التفاوض من أجل التفاوض , فتوسيع دائرة التفاوض سيضع واشنطن أمام حتمية التوصل إلى إتفاق نووي جديد لن يكون مختلفاً عن سابقه , وإلى حتمية تنفيذ إنسحاب قواتها العسكرية بالكامل من العراق , وإنسحاباً موازياً من سوريا , الأمر الذي سيؤدي بطبيعة الحال إلى زيادة الضغط على حكومة تل أبيب عبر جبهات محور المقاومة , اللبنانية والسورية والفلسطينية في غزة , وسيصيب سياسة بعض العروش الخليجية بالإنهيار في لبنان واليمن ومياه الخليج , وسيؤجج الخلافات داخل المحور الصهيو – أمريكي... وقد يكون مؤتمر بغداد بالمساعي الفرنسية حلاً مؤقتاً يمنع إنفراط عقد محور الشر الأمريكي , وأقله سيمنع سحب صاعق تفجير الإقليم والمنطقة والعالم.

من الواضح أن الولايات المتحدة الأمريكية قد وضعت نفسها في موقفٍ لا تحسد عليه , وقد تجد نفسها ما بين الرضوخ والتنازل , بعدما أخطأ فريق بايدن بطرح مطالب مفرطة على إيران الأكثر تماسكاً وقوةً برئاسة إبراهيم رئيسي والمرشح لوزارة الخارجية المخضرم أميرعبد اللهيان , الذي سيكون قادراً على التحرك في ملف التفاوض أكثر فأكثر مع تزايد العمق الإستراتيجي والشراكة الإيرانية مع كلٍ من روسيا والصين , وصعوبة التفكير بالحل العسكري ضدها.

وقد تحاول واشنطن السعي ما بوسعها لتفادي وصول الإتفاق إلى خواتيمه , قبل نضوج مسارح الصراعات القادمة والتي خططت لها عبر إنسحابها من أفغانستان لها للنيل من أعدائها , وتعويض خسائرها إما تفاوضاً أو قتالاً وحروباً بديلة وبالوكالة في ساحات خصومها وأعدائها إنطلاقاً من الساحة الأفغانية وبمساعدة حركة طالبان.

المهندس: ميشيل كلاغاصي

12/8/2021