Tuesday, December 7, 2021

واشنطن تحوّل أولمبياد 2022إلى سلاح ضد بكين - م. ميشيل كلاغاصي


بشغفٍ ولهفة ينتظر العالم موعده الشتوي مع الباندا الصينية العملاقة , الشعار والرمز الوطني الصيني الحصري لدورة الألعاب الأولمبية الشتوية في نسختها الرابعة والعشرين التي تستضيفها الصين , تحت عناوين "الجليد والنقاء والقوة والصحة والبهجة , وذلك خلال الفترة من 4 إلى 20 شباط/فبراير 2022,  وبذلك تكون بكين أول مدينة في التاريخ تستضيف دورتي الألعاب الأولمبية الصيفية والشتوية.

تبدو الصين مستعدة تماماً لإستضافة هذه الأحداث الرياضية , من حيث الملاعب والمرافق والبنى التحتية , وعلى مستوى ضمان السلامة وتحديداً تجاه فيروس كوفيد – 19 ونسخه الجديدة , والذي قد يشكل تحدياً خاصة في الملاعب والصالات المغلقة , حيث اهتمت بتوفير40 منشأة طبية إضافية خاصة بالحدث , وبإجراءات الحجر للوافدين من الخارج والتلقيح وغير ذلك , بالإضافة إلى الألعاب النارية ومهرجان الفوانيس الصينية الشهير, نتيجة التزامن مع الإحتفال برأس السنة الجديدة في بكين.

وقد دعا الرئيس الصيني عدداً كبيراً من الرؤساء والساسة , وعلى رأسهم  دعا "صديقه" الرئيس بوتين , لحضور حفل افتتاح دورة الألعاب الأولمبية الشتوية , وسط تأكيد وسائل الإعلام الصينية على أن حضور الرئيس الروسي هو قرار مهم يرتبط مباشرة بالطبيعة الخاصة للعلاقات الصينية الروسية.

وسبق للرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش أن حضر عام 2008 أول دورة ألعابٍ أولمبية تستضيفها الصين , وحاول عشية وصوله إلى بكين استفزاز الصينيين والخروج عن سياق الحدث الرياضي , واستغلاله لصالح المواقف السياسية , وعبّر – يومها – عن قلقه حيال حقوق الإنسان في الصين , في إشارةٍ واضحة إلى الأوضاع في التيبت... واليوم يحاول الرئيس بايدن فعل الشيء نفسه , وإخراج الحدث الرياضي من سياقه الطبيعي , الذي يحمل عادةً الفرح والمتعة الممزوجين بالإنتصارات والإنجازات الرياضية وحصد الميداليات , في مشهدٍ جماهيري عالمي  يجمع كافة شعوب الأرض , تغيب في السياسة , وتُرفع فيه جميع أعلام الدول على وقع عزف أناشيدها الوطنية , ويحضرنا هنا قول الرئيس الراحل حافظ الأسد بقوله :"إرى في الرياضة حياة".

لكن الذهنية السياسية الأمريكية وغرفها المظلمة , لا تبحث من خلال الأحداث الرياضية عن السلام واللقاء والمنافسة الرياضية الجميلة , بل تسعى إلى تحويل الرياضة إلى سلاح , وتفكر في مقاطعة أولمبياد بكين 2022 , من بوابة عناوين سياسية وعلى رأسها "حقوق الإنسان" ذاتها التي تحدث عنها الرئيس ج.د. بوش سابقاً , بالإعتماد على الدول التابعة والطائعة لها , وسرعان ما تبنت مجموعات حقوق الإنسان الغربية في كندا والنرويج والمملكة المتحدة المهمة.   

تدرك الصين أبعاد العزف الأمريكي على وتر حقوق الإنسان في الصين , وسبق للمتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية تشاو ليجيان الإشارة إلى أن "الولايات المتحدة تتقصد استخدام حقوق الإنسان كذريعة لتشويه سمعة الصين" ... فقد سبق لرئيسة مجلس النواب الأمريكي نانسي بيلوسي أن دعت المجتمع الدولي لمقاطعة الألعاب الأولمبية الصينية , وأصدر البرلمان الأوروبي قراراً يحث الدبلوماسيين على تجاهل الألعاب الأولمبية , وتم توقيع وثيقة مماثلة في بريطانيا بزعامة وزيرة الخارجية ليز تروس ورئيس الوزراء جونسون , كذلك تحدثت "رويترز" مؤخراً ، عن إقتراح مجموعةٍ من أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي من كلا الحزبين الديمقراطي والجمهوري ، تعديلاً على مشروع قانون الميزانية من شأنه فرض مقاطعةٍ دبلوماسية على أولمبياد الصين 2022 .

وإذا كان الرئيس الأمريكي جو بايدن قد أكد علناً أن بلاده "تدرس احتمال المقاطعة الدبلوماسية لأولمبياد بكين بسبب انتهاكات حقوق الإنسان في الصين" والإبقاء على مشاركة الرياضيين الأمريكيين , إلاّ أن بعض السياسيين ذهبوا إلى أبعد من ذلك بكثير, وطالبوا بأن تكون المقاطعة كاملة , ووصفوا أولمبياد بكين بـ "أولمبياد الإبادة الجماعية".

وحتى موعد إفتتاح الأولمبياد الصيني , لا يمكن استبعاد رؤية المزيد من التصعيد الأمريكي وجوقة الدول التابعة , والوصول إلى أقصى الحملة الإعلامية والسياسية , والتي تصب نهاية الأمر في خانة تحقيق بعض المكاسب الأمريكية , بإعتبارها أهداف إعلامية سياسية إقتصادية , تسعى إليها واشنطن عبر تحويل الرياضة بشكل عام , والأولمبياد في بكين إلى سلاح .

المهندس: ميشيل كلاغاصي

6/12/2021 

"قمة الديمقراطية" – غموضٌ وشكوكٌ وتعزيزٌ للإمبراطورية المتوحشة - م. ميشيل كلاغاصي


أيام قليلة تفصلنا عن موعد إنعقاد أولى قمم الديمقراطية , والتي تنظمها الولايات المتحدة , وتضم من أطلقت عليهم "قادة الحكومات , والمجتمع المدني , والقطاع الخاص ، الذين تم إختيارهم من قبل الولايات المتحدة بنفسها , ونصبت الرئيس بايدن مستضيفاً وقائداً وحكماً في تصنيف الدول "الديمقراطية" المدعوة , و"اللا ديمقراطية" غير المدعوة , في نية واضحة لإنتهاز القمة فرصةً إعلامية لصفع خصومها وأعدائها غير المدعويين , ولحظةً فارقة لتقسيم العالم إلى فريقين متعاكسين متناقضين متقابلين كجيشين في ساحة المعركة ينتظرا شارة بدء الهجوم والمواجهة .

ولأجل عقد هذه القمة , قامت واشنطن بتوجيه الدعوات إلى  111 دولة , من خلال تصنيفهم في ثلاث فئات , حيث تضم الفئة الأولى 77 دولة أطلقت عليها اسم دول "حرة" أو دول ديمقراطية بالكامل ، وضمت الفئة الثانية    31 مدعواً آخر على أنهم "أحرار جزئياً" ، فيما جاءت 3 دول في فئة "غير الحرة".

وبحسب وسائل الإعلام الأمريكية , فقد قام فريق بايدن بالتحضير لهذه القمة , وأجرى مناقشات وطرح الأفكار والمبادرات والمحفزات , وبأنه سيتم تشجيع القادة على الإعلان عن إجراءات والتزامات محددة لإصلاحات داخلية ومبادرات دولية تساهم في تحقيق أهداف القمة , وتشمل هذه التعهدات مبادرات محلية ودولية لمكافحة الإستبداد ومحاربة الفساد وتعزيز إحترام حقوق الإنسان.

ومن خلال الغموض المحيط  بأفكار وتعابيرالقمة ومفرداتها , يصعب التكهن بحقيقة نواياها وسلوكها لاحقاً .. فقد ناقش فريق بايدن إحدى المبادرات التي تدعو إلى إقامة تحالف دولي لتعزيز حرية الإنترنيت تحت مسمى "التحالف من أجل مستقبل الإنترنت" ، كما تم طرح قائمة بالإلتزامات التي يمكن أن تقدمها البلدان الأخرى ، مثل زيادة الأموال لبرامج محو الأمية الإعلامية , وسن الضوابط على تصديرعلى بعض التقنيات ذات الإستخدام المزدوج.

إن تركيز القمة على عناوين ومفردات ومصطلحات  كـ "الديمقراطية" و "حقوق الإنسان" و "مكافحة الفساد" , يبدو كمحاولة لتأمين غطاءٍ للحفاظ على أو إعادة تأكيد التفوق الغربي حول العالم بعد تراجعه الكبير, فيما يبقى تسمية القمة بـ قمة الديمقراطية" وحده يثير الشكوك , في وقتٍ تندفع فيه واشنطن نحو قيادة العالم عبر إعتلاء ظهر تلك التعابير والمفردات , وهي دولة الغطرسة , والهيمنة , والقوة والإحتلال والبطش , بعيداً عن حقوق الإنسان في الداخل الأمريكي وخارجه , وتقود برشاويها وإبتزازها وسلوك ساستها الفساد الدولي برمته.

كما أنه لا يوجد بلدٌ في العالم لم يتذوق "طعم" الديمقراطية الأمريكية , بدءاً من الهنود الحمر , وصولاً إلى ناغازاكي وهيروشيما , وأفغانستان والعراق وليبيا وسوريا ...إلخ , تلطخت من خلالها الأيدي الأمريكية بدماء الأبرياء , وحطمت أسوار أوطانهم , وغيرت وجوه قادتهم وأسماء بلادهم وأعلامهم. 

بالتأكيد سيكون مؤتمر القمة من أجل الديمقراطية , دليلٌ إضافي على الإستبداد الأمريكي ، وتعزيزٌ لغطرسة وهيمنة "الإمبراطورية" الأمريكية , ولا بد له أن يقود إلى نتائج معاكسة لمخططاتها الخبيثة , وسيساهم بتسريع سقوطها وأفولها .

المهندس: ميشيل كلاغاصي

3/11/2021 

Sunday, December 5, 2021

بايدن وقمة "الديمقراطية – القاتلة".. هزيمةُ الكاهن والطقوس - م. ميشيل كلاغاصي

 

في عالمٍ أرهقه الفلاسفة والمفكّرون عبر عشرات الرؤى والنظريات، وأثبته أصحاب التجربة بأفعالٍ، اختصرت الحكاية منذ البداية، وتوّجت الحلم والنضال، والمبادئ الإنسانية، والقيم الاجتماعية، وطرق حكم المجتمعات والدول وأساليبه ووسائله، بتعبير واحد هو "الديمقراطية".

وكي لا يصيبنا الصداع في محاولةٍ لفلسفة الفلسفة بوجود التجربة، دعونا نقفز نحو النتائج مباشرةً، "فمن ثمارهم تعرفونهم"، ونرى كيف ابتكر وفهم وترجم المروجون والمدعون الجدد لهذا المفهوم والمصطلح بشكلٍ فعلي، وأين تم تطبيقه، ومن استحوذ عليه واحتكره وتشدق به، وحوّله إلى سلاحٍ واستراتيجيةٍ للسيطرة على العالم.

بالتأكيد، نحن نتحدث عن الولايات المتحدة الأميركية، وكل من حاول قبلها أو معها السير وفق تعاليم "الديمقراطية – القاتلة" ونصوصها وأقوالها وأفعالها وطقوسها، على أنها الديمقراطية الحقيقية التي ينشدها جميع ساكني الأرض، فالديمقراطية الأميركية، وبالأفعال، أثبتت أن سكان أمريكا الأصليين احتاجوا إلى جزّ رؤوسهم لينعموا بالديمقراطية بعد انقراضهم، وأن اليابان احتاجت إلى أن تُقصف بالقنبلة الذرية ويقتل شعبها وتُدمّر، وأفغانستان احتاجت إلى غزو أميركي لأكثر من 20 عاماً لتنعم بديمقراطية "طالبان"، ومثلها العراق، احتاج إلى غزو واجتياح واحتلال أميركي ليعيش اليوم بلداً طائفياً مقسماً، وسوريا احتاجت إلى غزو أميركي – إرهابي، لتفقد أمنها، وتُنتهك سيادتها، وتُحتل أرضها، وتُسرق ثرواتها، ويُقتل شعبها ويحاصر ويجوع، من أجل الديمقراطية الأميركية، بمساعدةٍ من خلطةٍ سامة ركّبتها ودعمتها بنفسها ودعتها "قوات سوريا الديمقراطية"، لأجل تقسيم سوريا، وربما فدرلتها أو تشظيها، ولسرقة نفطها وقمحها، والأهم من أجل تكريد شرقها وتغيير ديموغرافيتها والتنكيل بأهلها، من أجل دفعها نحو الديمقراطية الأميركية، بتأكيد إلهام أحمد، القيادية في "مسد"، التي رأت "ضرورة زحف الديمقراطية" من مناطق احتلالهم وأريافها نحو "حصار دمشق وإجبارها على قبول الديمقراطية".

وكي لا يتوقَّف أحدكم عند كلمة طقوس، فقد ولدت الديمقراطية الأميركية ونمت وترعرعت ونضجت وتذوق "طعمها" الكثيرون، وأصبحت مطلباً وغايةً تبنتها واشنطن وبعض العواصم الملحقة، وانتهى بهم المطاف بأن أقاموا لها المعابد ومارسوا فيها الطقوس، واختاروا لها كاهناً تعددت أسماؤه. وفي أحدث نسخة، جاء جو بايدن، الذي أرادها ضجيجاً وحدثاً ولقاء غير مسبوق، دعا إليه من يشبهونه والطائعين له، للمشاركة في "عرسها" وحدثها الدولي الكبير: "قمة الديمقراطية". 

في يومي 9 و10 كانون الأول/ديسمبر، سيستضيف الرئيس الأميركي اجتماعاً افتراضياً لعقد "قمة الديمقراطية"، بمشاركة العديد من الدول، على اختلاف أنظمتها السياسية وتنوعها ومدى علاقتها بالديمقراطية.

إنّ فكرة القمّة و"تحالف الديمقراطيات" ليست وليدة اللحظة، وهي تدور منذ العام 2017 في رأس بايدن وصديقه أندرس فوغ راسموسن (قائد الناتو السابق، وقائد العدوان على ليبيا، ورئيس وزراء الدنمارك السابق)، اللذين مهّدا لها عبر قمة كوبنهاغن للديمقراطية في العام 2018، وكذلك في أيار/مايو من العام الحالي أيضاً.

ومن خلال صدور لائحة الدول التي تمت دعوتها إلى قمة بايدن، لوحظ أنها لا تشمل الصين وروسيا وتركيا وإيران وكوريا الديمقراطية وفنزويلا والسلفادور وغواتيمالا وهندوراس والمجر وبيلاروسيا، في حين تمت دعوة العراق، وتجاهل الأميركيون دعوة كل الدول العربية، إضافة إلى دعوة "الكيان الإسرائيلي الغاصب"، و16 دولة أفريقية فقط من أصل 54 دولة. كذلك تمت دعوة حكومة تايوان وسط غضبٍ صيني، وغموض حيال دعوة الصين من عدمها.

أيّ وجوهٍ "ديمقراطيةٍ" تمت دعوتها، من حكومات صربيا (جيش تحرير كوسوفو)، وحكومة الدمى الأميركية في دونباس، وحكومة بولندا اليمينية المتطرفة التي هاجمت اللاجئين العابرين لحدودها بالغاز المسيل للدموع والرصاص الحي، و"حكومة" القتلة والاحتلال والفصل العنصري في الكيان الإسرائيلي الغاصب، وحكومة اليميني الخانع بولسونارو في البرازيل!

يا لها من قمةٍ مزيفة! تحاول واشنطن من خلالها تحقيق كسبٍ إعلامي على حساب سمعة خصومها في الدول غير المدعوة، وحماية النظام الرأسمالي المتوحش وصناعييه ومصرفييه وعسكرييه، الذين أحكموا قبضتهم على الداخل الأميركي، وانتهوا خارج الحدود بهزائم عسكرية وسياسية ودبلوماسية واقتصادية – تجارية، انعكست على الداخل الأميركي، وكادت تودي به نحو الحرب الأهلية والعنصرية والطبقية، وإعادة تلميع وجهه الذي تلطّخ بالفضائح، وبالعداوات والحروب غير المبررة، والمخاطر والتهديدات التي تنتظر البلاد، جراء السياسات الخارجية المدمرة والمجازر التي ارتكبتها تحت عنوان الديمقراطية والمصالح الأميركية وضبط إيقاع العالم والسيطرة عليه.

لا بد من أنَّ العالم سيشهد قمة تستحقّ لقب "القمة – الفضيحة"، و"قمة – الدول العصابات"، الباحثة عن تقسيم العالم ما بين معسكرين متناقضين "ديمقراطي ولا ديمقراطي"، بهدف حماية "الكاهن ومعابده وطقوسه"، في وقتٍ لن يكون بمقدورها إخفاء حقيقتها أمام دول العالم وشعوبه، وخصوصاً الشعب الأميركي.

المهندس: ميشيل كلاغاصي

5/12/2021


Saturday, December 4, 2021

سوريا تكسر الطوق وتخرج من العزلة الدولية - م. ميشيل كلاغاصي


لا يمكن النظر إلى الحرب الأمريكية العدوانية الحالية على سوريا منذ أكثر من عشر سنوات , سوى على أنها حلقة من سلسلة , لطالما حلمت واشنطن بالفوز فيها , واستباحة المنطقة العربية كما تشتهي وربيتها "إسرائيل" ذاك الكيان العدواني الغاصب , لكنها واجهت قيادة سورية ذكية وشجاعة , متكئة على جيشٍ عقائدي قوي , وشعبٍ جبار يلتف حول قيادته وأهدافه التي تتجاوز تحرير فلسطين والجولان السوري , وما تبقى من أراضٍ لبنانية محتلة , لتشكل بحق النبض القومي العربي وضمير وهوية الأمة جمعاء , ولتساعد العرب على  رسم مستقبلهم وأجيالهم بأيديهم , بعيداً عن الهيمنة الأمريكية والعصا الإسرائيلية في المنطقة.  

ومن خلال الطريق الصعبة والوعرة التي اختارتها واشنطن للوصول إلى دمشق , تكبدت العديد من الهزائم السياسية والعسكرية في فلسطين وجنوب لبنان والعراق , ناهيك عن خسارتها الأموال الباهظة وتريلونات الدولارات , وفقدت حياة الاّلاف من جنودها , فلجأت إلى المخططات الكبرى والربيع العربي والتطبيع والترغيب والترهيب والإرهاب وتشكيل تحالف دولي كبير لإسقاط دمشق , فكانت حرباً عسكرية وتجارية وإقتصادية وإعلامية وأممية ...إلخ , بالإضافة إلى الحصار الخانق وإعتماد قانون قيصر, والعقوبات  على عشرات الأفراد والهيئات الإعتبارية في سوريا ، بمن فيهم الرئيس بشار الأسد والسيدة الأولى ، وكل من يتعاون مع دمشق.

وها هي دمشق تخرج شيئاً فشيئاً من عزلتها , حتى في ظل صيحات البيت الأبيض الغاضبة ، مع تزايد تدفق الوفود الأجنبية إلى دمشق ، مما يدل على استعداد الدول لتكثيف تعاونها مع الدولة السورية في العديد من المجالات ، وبتقديم استثماراتها لمساعدة سوريا على إستعادة حياتها الإقتصادية بالسرعة الممكنة.

وبتنا نرى الوفود الأجنبية تعج في دمشق , وكذلك السفراء والقنصليات , في دليلٍ واضح على استعادة الحياة السياسية والإقتصادية والعلاقات السورية – العربية , وسط نشاط تجاري وإقتصادي كبير لحلفاء سوريا الأوفياء في موسكو وطهران , وتفعيل كبير للإتفاقيات التي احتاجت أن تقوم دمشق بتعبيد طرقها كي تندفع نحو الأمام من خلال تطوير عديد الاّليات المصرفية والإلكترونية والبنى التحتية في البلاد .

وبتنا نرى عودة سوريا للمشاركة في بعض المؤتمرات الدولية والأممية , وسط الحديث عن احتمالية قبول سوريا عودتها إلى الجامعة العربية من خلال قمة الجزائر القادمة في اّذار 2022 , في وقتٍ تلقت فيه دمشق دعوةً رسمية إلى عمان لإجراء مفاوضات رباعية بمشاركة ممثلين عن مصر ولبنان والأردن بشأن مساعدة بيروت ، لحل أزمة الطاقة الخانقة والخطيرة , ناهيك عن الحضور السوري المميز في معرض "إكسبو 2020 " في دبي , كذلك الإعلان عن إعادة فتح المنطقة الحرة السورية - الأردنية المشتركة  , وإعادة فتح الحدود البرية الأردنية مع سوريا , واستعادة الرحلات الجوية بين عمان ودمشق , بالإضافة إلى عودة الرياضة الدولية الرسمية إلى ملاعب دمشق واستقبالها الفريق الكازاخستاني على أرضها , وظهور العلم السوري والنشيد الوطني في ملاعب قطر في إفتتاحية بطولة كأس العرب في قطر .  

للأسف فقد أضاع العرب وغيرهم وقتاً ثميناً , للعودة إلى يقينهم بأهمية سوريا , ودورها العربي والإقليمي والدولي , بعدما إتضح لهم مجدداً أن كافة حلول القضايا الإقليمية لن يكون ناجحاً دون المرور بدمشق , وأقله سياسياً وإقتصادياً , بإعتبارها أحد أهم اللاعبين الرئيسيين في الشرق الأوسط .

لم تقتصرعلاقات دمشق الودية والإستراتيجية مع الحلفاء فقط , بل شملت بعض اللاعبين الإقليميين الرئيسيين , الذين عارضوها , ووقفوا في الخندق الاّخر أثناء الحرب عليها , بعدما أظهروا ما أظهروا من حسن النوايا , والرغبة بإستعادة العلاقات الثنائية معها , فكانت عودة العلاقات السورية – الإماراتية هامة لكلا البلدين , سياسياً وإقتصادياً , وتُوجت بزيارة وزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد آل نهيان لدمشق ولقاؤه مع الرئيس بشار الأسد , تبعها محادثات هاتفية بين الرئيس بشار الأسد والملك الأردني عبد الله الثاني.

على الرغم من وجود بعض الشوائب والمعارضة القطرية لعودة سوريا إلى الجامعة العربية , إلاّ أن ذلك يحظى بتأييدٍ علني من الجزائر وتونس ومصر وعُمان والأردن والعراق والإمارات العربية المتحدة , وسط التوقعات بعدم وجود معارضة سعودية علنية لعودة سوريا.

وحدها الولايات المتحدة , عبرت بشكل علني عن عدم رضاها لعودة سوريا وفك عزلتها الدولية , التي فرضتها هي بالأساس , ومارست ضغوطها الرهيبة على عشرات الدول كي تلتحق بركبها ضد الدولة والشعب السوري , واليوم يأتي الوزير أنتوني بلينكن ليعبر عن "قلقه" تجاه زيارات الوفود الأجنبية إلى دمشق ، خصوصاً بعد "تحذيره" لبعض حلفاء واشنطن من تطبيع علاقاتها مع دمشق.

ومع ذلك ، فقد عبر مؤخراً , أكثر من ثلاثين عضواً في الكونجرس الأمريكي عن شكوكهم في شرعية الإجراءات التي قامت بها إدارة الرئيس بايدن في سوريا , كما شكك بعض المشرعين الأمريكيين في "حق" واشنطن بتنفيذ ضربات عسكرية في سوريا – بحسب صحيفة "بوليتيكو".

في يومٍ انتظره السوريون طويلاً , يبدو أن دول العالم تقترب شيئاً فشيئاً من الإعتراف بإنتصار سوريا وبمساعدة حلفائها , في الحرب الكونية التي شنها الأمريكيون والغربيون والأتراك والإسرائيليون وبعض العرب , والإنفصاليون والإرهابيون , بهزيمتهم في سوريا , وبات على واشنطن الإنسحاب من سوريا , والإكتفاء بإعلان إكذوبة مشاركتها و"إنتصارها" في القضاء على "داعش" في سوريا , والعراق أيضاً .

المهندس: ميشيل كلاغاصي

2/12/2021 

Wednesday, December 1, 2021

واشنطن اختارت أعدائها .. وتحتاج من يواجه إيران بالنيابة عنها - م. ميشيل كلاغاصي

مع نهاية الحرب العالمية الثانية، وبعد خروج الحليفين الإتحاد السوفيتي السابق والولايات المتحدة الأمريكية منتصرين, سعت واشنطن لإقامة تحالفاتٍ جديدة, بدأتها مع أعدائها الأوروبيين المهزومين في الحرب , وكونت معهم الشراكة المتوحشة , في ظل النظام العالمي الجديد وقتها, ولعبت فيه دور شرطي العالم , الذي يخوض المعارك , فيما يضمن لها شركاؤها استمرار تدفق الأموال في خزائنها, وبقاء الأسواق الأوروبية مفتوحة أمامها, مع ضمان مكانتها التجارية ونفوذها وسيطرتها على العالم , فيما تخلت عن تحالفها السابق مع الإتحاد السوفيتي, وانتقلت من منافسته إلى عدائه .. واستمر الحال إلى حين إنهيار الإتحاد السوفيتي, وبروز روسيا الإتحادية كوريث شرعي له , وصعود إيران الثورة إلى سدة الحكم في إيران وإمساك الحزب الشيوعي الصين زمام إدارة الصين بقوة , وتحت ذرائع البنتاغون ومخاوفه من عدم إمتثال بعض الدول الاّسيوية لقواعد النظام الجديد , ابتدعت أعداءاً جدد كروسيا الإتحادية والصين وإيران , وقررت المجيئ إلى العراق للإقتراب أكثر فأكثر من إيران بشكل خاص , ومن روسيا والصين ودول غرب اّسيا واّسيا الوسطى , وانتقلت – منفردة بقيادة العالم لحوالي ربع قرن – وتقدمت نحو حروب ما بعد أحداث أيلول 2001  نحو أفغانستان , في محاولة لهندسة الصراع مع الصين وروسيا.

وفي الوقت الذي تبلورت فيه صيغة عدائها الإستراتيجي لروسيا والصين , كان اللوبي المؤيد لإسرائيل في الولايات المتحدة ، والذي يتمتع بنفوذ وقدرة على صنع السياسة في البيت الأبيض ، يدفع واشنطن إلى حرب شاملة ضد طهران ... وعليه كان لا بد لها من تقديم البروباغاندا وحشد التأييد والتحالفات ضد العدو المفترض الجديد , ففي عام 2017 ، حاولت واشنطن تشكيل تحالفٍ عسكري جديد ضد إيران بزعامة السعودية تحت مسمى "الناتو العربي" , تقوده من وراء الكواليس , فيما تدعمه "إسرائيل" بمعلوماتها الإستخبارية . 

كذلك تحاول اليوم بناء تحالف اّخر , عبر مبعوثها الأمريكي الخاص بإيران , روبرت مالي , الذي أجرى مؤخراً , محادثات مع مسؤولين من فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة ودول الخليج ، بمشاركة ممثلين من مصر والأردن ... ومن المهم ملاحظة أن التحالف الجديد في حال نجاحه من عدمها , يبقى قراراً أمريكياً صرفاً , وجزءاً من نهجٍ بديل للنهج الدبلوماسي المتبع حتى الاّن في تجاذبات وحلول الملف النووي الإيراني , وهذا النهج البديل شكل أساس الموقف الذي كرره وزير الدفاع الأمريكي في 20 تشرين الثاني/ نوفمبر في المنامة ، خلال "المؤتمر الدولي حول الأمن في المنطقة".

لقد غيّر المبعوث مالي إتجاه التقارب الإيراني – السعودي – الخليجي , لكبح الحقوق والطموحات الإيرانية النووية السلمية , وناقش مع الحضور والمندوبين الأوروبيين ما دعاه بـ "الأنشطة الإيرانية المزعزعة للاستقرار في المنطقة ، كإستخدام ونقل الصواريخ الباليستية والطائرات بدون طيار التي أدت إلى هجمات ضد الشركاء الإقليميين" , وشجع البحرين ودول الخليج العربي الأخرى على توحيد جهودهم في معارضة إيران ، التي تتحمل مسؤولية هجمات الطائرات المسيرة التي يستخدمها الحوثيين ضد السعودية – دائماً الكلام بحسب روبرت مالي -.

كذلك استبقت واشنطن المؤتمر الدولي للأمن , بلقاء أمريكي – خليجي وما يسمى "مجموعة العمل بشأن إيران" , وخرجوا بتوافق على أن برنامج إيران النووي شكل "مصدر قلقٍ خطير" ، كما أعلنت المجموعة أن البرنامج مهم لبرامج الأسلحة النووية وليس للأغراض المدنية , وبأن تخصيب اليورانيوم أعلى مما يسمح به الإتفاق النووي السلمي ... كما ناقش المجتمعون , - "عدوانية إيران الخطيرة" , وتزويد حلفائها بأحدث الصواريخ الباليستية والطائرات بدون طيار ، فضلاً عن "استخدام" إيران وشركائها  هذه الأسلحة في مئات الهجمات ضد المدنيين والبنية التحتية الحيوية في السعودية ، وكذلك ضد السفن التجارية في المياه الدولية لبحر عمان , كما أشارت المجموعة إلى أن الهجمات الإيرانية تشكل خطراً على الجنود الأمريكيين الذين يقاتلون ضد "داعش".

ولأجل تبرير السعي الأمريكي لحشد المعارضة والتحالفات ضد إيران , لجأت إلى وسائل إعلامها , لإتهام طهران بشن الهجوم على قاعدة التنف – الأمريكية , رداً على "الضربات" الجوية الإسرائيلية في سوريا , وبأنه هجوم "متعمد ومنسق" بحسب تقريرالقيادة المركزية الأمريكية , وأنه يشكل خطر على القوات الأمريكية في الشرق الأوسط... في حين جاء رد المتحدث بإسم وزارة الخارجية الإيرانية بأنهم دائماً : "يتهمون إيران دون أي دليل".

تبدو واشنطن بأمس الحاجة لخلق أوراقٍ جديدة مع كل مرحلة تصطدم فيها بفشلها العسكري والسياسي والدبلوماسي أمام خصومها وأعدائها كروسيا والصين , ولا سيما في المواجهة المستمرة مع إيران ومحور المقاومة مجتمعاً.

المهندس: ميشيل كلاغاصي

26/11/2021

 

Friday, November 26, 2021

هل تكرّر واشنطن مخطّط "الربيع العربي" في دول رابطة "آسيان"؟ م. ميشيل كلاغاصي


مع نهاية شهر تشرين الأول/أكتوبر، وللمرة الأولى منذ 4 سنوات، حضر رئيسٌ أميركي القمة السنوية لرابطة دول جنوب شرق آسيا، ليتحدث عن "رؤية مشتركة وتنافس متكافئ يحكمه القانون"، في وقتٍ تسعى إدارته اليوم لإظهار اهتمامها بالمساهمة البناءة مع رابطة "آسيان"، في حين أنها تحاول الضغط على غالبية دول الرابطة لمواجهة الصّين بالنيابة عنها، واستخدامها كعصا غليظة لمنافستها والحدّ من الحركة النشطة للاقتصاد الصّيني، من خلال استراتيجية وخطط خاصّة وضعتها واشنطن لهذه الغاية، فقد تحدّث الرئيس جو بايدن عن "102 مليون دولار لتوسيع هذه الشراكة الاستراتيجية"، وشدّد على أهميتها الحيوية "للحفاظ على الانفتاح وحرية الحركة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ"، وتوجيه التمويل نحو برامج الصحة والمناخ والاقتصاد والتعليم.

على الرغم من إدراك دول "آسيان" أنَّ الولايات المتحدة تسعى لاستخدامها ضد الصين، فإنها تفضّل عدم الانحياز إلى أيّ طرف، وتحاول الاستفادة من علاقاتها البنّاءة مع الجميع، ولن يكون اختبارها وجعلها تقف أمام خيارين أمراً جيداً، وسيكون مقلقاً للبعض، فيما سيرفضه البعض الآخر سلفاً، فالصين تعتبر حتى اللحظة أكبر شريك تجاري لرابطة دول جنوب شرق آسيا، إن كان داخل "آسيان" أو ضمن حدود القارة الآسيوية، في حين تعتبر الولايات المتحدة بشكلٍ عام ثاني أكبر شريك تجاري للعديد من دول "آسيان" من خلال العلاقات الثنائية.

ويبدو من الصعوبة بمكان أن تجد واشنطن وسيلةً مناسبة لإقناع تلك الدول وجذبها لاستبدال علاقاتها الاقتصادية والاستراتيجية مع الصين، ناهيك بالاستثمارات الصينية ومشاريع البنية التحتية التي تقوم بها الأخيرة، بما فيها خطوط السكك الحديدية للقطارات الفائقة السرعة للربط بين دول الرابطة، إضافةً إلى بناء السدود والجسور والطرق السريعة وتنامي العلاقات العسكرية معها وتزويدها بالطاقة.

كما تجدر الإشارة إلى العلاقات السياحية وأعداد الصينيين الذين يتجهون نحو دول "الآسيان" سنوياً، بما يساهم في تنشيط أسواق تلك الدول، إضافةً إلى اللقاحات المضادة لفيروس "كوفيد – 19"، التي لم تتوقف الصين عن توريدها لهم.

وعلى الرغم من العلاقات المتينة والمتطوّرة بين الصين ودول "الآسيان"، فإنَّ ذلك لم يمنع وجود بعض الخلافات والتحديات والمصالح المتداخلة في بحر الصين الجنوبي، وسط سعي أميركي لاستغلالها وفتح الثغرات وتحويلها إلى نزاعات وصراعات، تفسح المجال وتجد الذريعة للقوات العسكرية الأميركية لترسيخ وجودها وتكريسه أكثر فأكثر في المنطقة.

من الواضح أنَّ الولايات المتّحدة لم تستطع تحقيق النجاح في هندسة صراع دول "الآسيان" مع الصين، لكنها استطاعت جذب أستراليا في أوقيانوسيا وبريطانيا في أوروبا كقواعد تثبيت ومراقبة وتهديد، في عالمٍ متعدد الأقطاب لا مكان فيه للحياد مع استمرار الهيمنة الأميركية الشرسة، التي تسعى لزراعة وتبني الجماعات والأحزاب المناهضة للصين داخل دول الرابطة، عن طريق التدمير والتخريب الاقتصادي، في ظل وجود حكومات حالية غير مهتمة بتحويل الصين إلى عدو والقارة الآسيوية إلى ساحة معركة، فهل تحاول واشنطن السير في لعبتها المحبّبة بتغيير الأنظمة واستبدالها بأنظمة عميلة أو خانعة، في محاولةٍ لتكرار "الربيع العربي" وإشاعة الفوضى والخراب على امتداد خطّ سير مبادرة "الحزام والطريق" الصينية، والذي تعتبره واشنطن من ضرورات تأخير الصين وعودة الولايات المتحدة إلى نغمة التفوق الاقتصادي، وفرصة لإعادة رسم دورها العالمي الذي يفوق دول العالم كافة؟

المهندس: ميشيل كلاغاصي

22/11/2021 

Saturday, November 20, 2021

الجيش الأوروبي ضرورة استراتيجية أم مجرد رد إعتبار وإعادة تموضع - م. ميشيل كلاغاصي


على الرغم من تحذير الناتو ومحاولات واشنطن لمنع تشكيل قوة عسكرية أوروبية مشتركة ، تبدي عديد الدول الأوروبية والإتحاد الأوروبي إصراراً كبيراً على بناء هذه القوة , نتيجة شعورها بالإحباط من سياسة الولايات المتحدة تجاهها , وعدم إظهارها ما يكفي من إحترام لمصالح تلك الدول , وسط مخاوف البعض من عدم جدوى مشاركتها في حلف الناتو وجدية حمايته لها , وباتت تطلع إلى ضرورة تنظيم القوات المسلحة الأوروبية دون الإعتماد على الناتو.

لم يعد الأوروبيون يحتملون مرارة السير وراء سياسة البنتاغون والخارجية الأمريكية , وباتوا على يقين أنهم يتبعون طريقاً خاطئاً ومعاكساً لمصالح دولهم وشعوبهم , وأن وجودهم في الحلف الأطلسي قد فقد بريقه , في وقتٍ تتجه فيه الولايات المتحدة نحو غير أحلاف وغير تكتلات ( أوكوس على سبيل المثال ) , وبأنهم باقون لأجلها, ويعادون روسيا وإيران وبيلاروسيا وغير دول لأجل أجندات أمريكية بحتة , وبأنهم على أعتاب خوض المعارك لأجل إنقاذ الجيش الأمريكي في الشرق الأوسط , وحروب البحر الأسود وبحر الصين الجنوبي وغيرها .

وفي سبتمبر/ ايلول الماضي، وتحت قبة البرلمان الأوروبي , اقترح حزب الشعب الأوروبي أكبر الأحزاب السياسية في الإتحاد الأوروبي ، إنشاء جيشٍ أوروبي جديد , يحرص أن يكون جزءاً من استراتيجية الدفاع والأمن المشتركة المستمرة للإتحاد الأوروبي.

وعلى الرغم من وجود معارضة سياسية لإنشاء هذا الجيش داخل الإتحاد الأوروبي , خصوصاً من الأدوات الأمريكية , الذين لم ينفكوا عن إعلان دعمهم لحلف شمال الأطلسي , إلاّ أن عدد المؤيدين آخذ في الإزدياد ، خاصة بعد كارثة إنسحاب الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي في أفغانستان بعيداً عن التعاون مع الدول الأوروبية وإحترام وجود قواتها هناك أيضاً , وفي هذا الشأن أكد الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية ، جوزيب بوريل :"يجب على أوروبا أن تصبح أكثر استقلالية عن الولايات المتحدة وأن تنشئ جيشها الخاص" , وتحدث عن ليلة الإنسحاب لصحيفة نيويورك تايمز بأن: "توقيت وطبيعة الإنسحاب تم تحديدهما في واشنطن" , ووجدنا أنفسنا نعمل وفق القرارات الأمريكية , وأكد أنه لا بد للإتحاد الأوروبي من العمل وفق "البوصلة الإستراتيجية الأوروبية".

بالنسبة للدول الأوروبية ، تحول الناتو منذ فترة طويلة إلى ما يشبه "مغارة علي بابا", التي تبتلع كل جهدٍ سياسي وعسكري لجيوش الدول المنضوية في صفوفه ، ويجبرها على ملئ بطون البيروقراطية السياسية والعسكرية , وأسماك القرش في المجمع الصناعي العسكري , المتمركزة عبر الناتو في واشنطن .

يبدو أن موقف من الإتحاد الأوروبي , يُقلق واشنطن والحلف الأطلسي ، ولا بد أن يبذل البيت الأبيض قصارى جهوده لإعادة الإتحاد الأوروبي إلى "رشده" , وبهذا الخصوص , صرّح الأمين العام لحلف الناتو بأن نوايا الإتحاد الأوروبي للدفاع عن نفسه "ستؤدي إلى انهيار الناتو" وأن إنشاء الجيش الأوروبي المشترك سيؤدي إلى "تقسيم المنطقة".

لا يمكن لواشنطن أن تتجاهل خطر نشوء الجيش الأوروبي ومخاوفها من إنهيار الناتو , كذلك تحتاج أوروبا لطرح أسبابها , في وقتٍ لا يمكن لأوروبا أن تتحمل وحدها مسؤولية إنهياره ونتائجها , وعليه أكدت رئيسة المفوضية الأوروبية ، في سبتمبر/أيلول الماضي , أمام البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ :"إنه من الضروري الإسراع بإنشاء جيش الإتحاد الأوروبي لإنعدام الثقة في الولايات المتحدة الأمريكية , في حين فضلت وزيرة الدفاع الفرنسي تقديم شيئاً من دبلوماسية الطمأنة بأن: "أي قدرات أوروبية ستقوي حلف شمال الأطلسي" , وهذا يطرح السؤال عن حقيقة الموقف الفرنسي , أم هي مجرد صرخات حاولت باريس إظهار ألمها وإستيائها وشقيقاتها الأوروبيات من اتفاق الولايات المتحدة الأمريكية وأستراليا وبريطانيا في تحالف أوكوس , الذي يلحق الضرر بالعلاقات العسكرية مع الإتحاد الأوروبي.

أخيراً ... هل تستطيع فرنسا وألمانيا تحويل الاتحاد الأوروبي إلى منافس جيوسياسي حقيقي للولايات المتحدة والدول الأنجلو ساكسونية التي انضمت إليهما ( أوكوس )، بدون سندٍ عسكري ؟ وهل يؤمن الإتحاد الأوروبي بأن الجيش الأوروبي ضرورة استراتيجية , أم أنها مجرد محاولات لرد الإعتبار وإعادة التموضع داخل الناتو , وتصحيح العلاقات الأمريكية – الأوروبية , وإلاّ فسيكون الكفاح المرير لإنشاء جيش أوروبي مستقل عن الولايات المتحدة.

المهندس: ميشيل كلاغاصي

19/11/2021