Saturday, December 4, 2021

سوريا تكسر الطوق وتخرج من العزلة الدولية - م. ميشيل كلاغاصي


لا يمكن النظر إلى الحرب الأمريكية العدوانية الحالية على سوريا منذ أكثر من عشر سنوات , سوى على أنها حلقة من سلسلة , لطالما حلمت واشنطن بالفوز فيها , واستباحة المنطقة العربية كما تشتهي وربيتها "إسرائيل" ذاك الكيان العدواني الغاصب , لكنها واجهت قيادة سورية ذكية وشجاعة , متكئة على جيشٍ عقائدي قوي , وشعبٍ جبار يلتف حول قيادته وأهدافه التي تتجاوز تحرير فلسطين والجولان السوري , وما تبقى من أراضٍ لبنانية محتلة , لتشكل بحق النبض القومي العربي وضمير وهوية الأمة جمعاء , ولتساعد العرب على  رسم مستقبلهم وأجيالهم بأيديهم , بعيداً عن الهيمنة الأمريكية والعصا الإسرائيلية في المنطقة.  

ومن خلال الطريق الصعبة والوعرة التي اختارتها واشنطن للوصول إلى دمشق , تكبدت العديد من الهزائم السياسية والعسكرية في فلسطين وجنوب لبنان والعراق , ناهيك عن خسارتها الأموال الباهظة وتريلونات الدولارات , وفقدت حياة الاّلاف من جنودها , فلجأت إلى المخططات الكبرى والربيع العربي والتطبيع والترغيب والترهيب والإرهاب وتشكيل تحالف دولي كبير لإسقاط دمشق , فكانت حرباً عسكرية وتجارية وإقتصادية وإعلامية وأممية ...إلخ , بالإضافة إلى الحصار الخانق وإعتماد قانون قيصر, والعقوبات  على عشرات الأفراد والهيئات الإعتبارية في سوريا ، بمن فيهم الرئيس بشار الأسد والسيدة الأولى ، وكل من يتعاون مع دمشق.

وها هي دمشق تخرج شيئاً فشيئاً من عزلتها , حتى في ظل صيحات البيت الأبيض الغاضبة ، مع تزايد تدفق الوفود الأجنبية إلى دمشق ، مما يدل على استعداد الدول لتكثيف تعاونها مع الدولة السورية في العديد من المجالات ، وبتقديم استثماراتها لمساعدة سوريا على إستعادة حياتها الإقتصادية بالسرعة الممكنة.

وبتنا نرى الوفود الأجنبية تعج في دمشق , وكذلك السفراء والقنصليات , في دليلٍ واضح على استعادة الحياة السياسية والإقتصادية والعلاقات السورية – العربية , وسط نشاط تجاري وإقتصادي كبير لحلفاء سوريا الأوفياء في موسكو وطهران , وتفعيل كبير للإتفاقيات التي احتاجت أن تقوم دمشق بتعبيد طرقها كي تندفع نحو الأمام من خلال تطوير عديد الاّليات المصرفية والإلكترونية والبنى التحتية في البلاد .

وبتنا نرى عودة سوريا للمشاركة في بعض المؤتمرات الدولية والأممية , وسط الحديث عن احتمالية قبول سوريا عودتها إلى الجامعة العربية من خلال قمة الجزائر القادمة في اّذار 2022 , في وقتٍ تلقت فيه دمشق دعوةً رسمية إلى عمان لإجراء مفاوضات رباعية بمشاركة ممثلين عن مصر ولبنان والأردن بشأن مساعدة بيروت ، لحل أزمة الطاقة الخانقة والخطيرة , ناهيك عن الحضور السوري المميز في معرض "إكسبو 2020 " في دبي , كذلك الإعلان عن إعادة فتح المنطقة الحرة السورية - الأردنية المشتركة  , وإعادة فتح الحدود البرية الأردنية مع سوريا , واستعادة الرحلات الجوية بين عمان ودمشق , بالإضافة إلى عودة الرياضة الدولية الرسمية إلى ملاعب دمشق واستقبالها الفريق الكازاخستاني على أرضها , وظهور العلم السوري والنشيد الوطني في ملاعب قطر في إفتتاحية بطولة كأس العرب في قطر .  

للأسف فقد أضاع العرب وغيرهم وقتاً ثميناً , للعودة إلى يقينهم بأهمية سوريا , ودورها العربي والإقليمي والدولي , بعدما إتضح لهم مجدداً أن كافة حلول القضايا الإقليمية لن يكون ناجحاً دون المرور بدمشق , وأقله سياسياً وإقتصادياً , بإعتبارها أحد أهم اللاعبين الرئيسيين في الشرق الأوسط .

لم تقتصرعلاقات دمشق الودية والإستراتيجية مع الحلفاء فقط , بل شملت بعض اللاعبين الإقليميين الرئيسيين , الذين عارضوها , ووقفوا في الخندق الاّخر أثناء الحرب عليها , بعدما أظهروا ما أظهروا من حسن النوايا , والرغبة بإستعادة العلاقات الثنائية معها , فكانت عودة العلاقات السورية – الإماراتية هامة لكلا البلدين , سياسياً وإقتصادياً , وتُوجت بزيارة وزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد آل نهيان لدمشق ولقاؤه مع الرئيس بشار الأسد , تبعها محادثات هاتفية بين الرئيس بشار الأسد والملك الأردني عبد الله الثاني.

على الرغم من وجود بعض الشوائب والمعارضة القطرية لعودة سوريا إلى الجامعة العربية , إلاّ أن ذلك يحظى بتأييدٍ علني من الجزائر وتونس ومصر وعُمان والأردن والعراق والإمارات العربية المتحدة , وسط التوقعات بعدم وجود معارضة سعودية علنية لعودة سوريا.

وحدها الولايات المتحدة , عبرت بشكل علني عن عدم رضاها لعودة سوريا وفك عزلتها الدولية , التي فرضتها هي بالأساس , ومارست ضغوطها الرهيبة على عشرات الدول كي تلتحق بركبها ضد الدولة والشعب السوري , واليوم يأتي الوزير أنتوني بلينكن ليعبر عن "قلقه" تجاه زيارات الوفود الأجنبية إلى دمشق ، خصوصاً بعد "تحذيره" لبعض حلفاء واشنطن من تطبيع علاقاتها مع دمشق.

ومع ذلك ، فقد عبر مؤخراً , أكثر من ثلاثين عضواً في الكونجرس الأمريكي عن شكوكهم في شرعية الإجراءات التي قامت بها إدارة الرئيس بايدن في سوريا , كما شكك بعض المشرعين الأمريكيين في "حق" واشنطن بتنفيذ ضربات عسكرية في سوريا – بحسب صحيفة "بوليتيكو".

في يومٍ انتظره السوريون طويلاً , يبدو أن دول العالم تقترب شيئاً فشيئاً من الإعتراف بإنتصار سوريا وبمساعدة حلفائها , في الحرب الكونية التي شنها الأمريكيون والغربيون والأتراك والإسرائيليون وبعض العرب , والإنفصاليون والإرهابيون , بهزيمتهم في سوريا , وبات على واشنطن الإنسحاب من سوريا , والإكتفاء بإعلان إكذوبة مشاركتها و"إنتصارها" في القضاء على "داعش" في سوريا , والعراق أيضاً .

المهندس: ميشيل كلاغاصي

2/12/2021 

Wednesday, December 1, 2021

واشنطن اختارت أعدائها .. وتحتاج من يواجه إيران بالنيابة عنها - م. ميشيل كلاغاصي

مع نهاية الحرب العالمية الثانية، وبعد خروج الحليفين الإتحاد السوفيتي السابق والولايات المتحدة الأمريكية منتصرين, سعت واشنطن لإقامة تحالفاتٍ جديدة, بدأتها مع أعدائها الأوروبيين المهزومين في الحرب , وكونت معهم الشراكة المتوحشة , في ظل النظام العالمي الجديد وقتها, ولعبت فيه دور شرطي العالم , الذي يخوض المعارك , فيما يضمن لها شركاؤها استمرار تدفق الأموال في خزائنها, وبقاء الأسواق الأوروبية مفتوحة أمامها, مع ضمان مكانتها التجارية ونفوذها وسيطرتها على العالم , فيما تخلت عن تحالفها السابق مع الإتحاد السوفيتي, وانتقلت من منافسته إلى عدائه .. واستمر الحال إلى حين إنهيار الإتحاد السوفيتي, وبروز روسيا الإتحادية كوريث شرعي له , وصعود إيران الثورة إلى سدة الحكم في إيران وإمساك الحزب الشيوعي الصين زمام إدارة الصين بقوة , وتحت ذرائع البنتاغون ومخاوفه من عدم إمتثال بعض الدول الاّسيوية لقواعد النظام الجديد , ابتدعت أعداءاً جدد كروسيا الإتحادية والصين وإيران , وقررت المجيئ إلى العراق للإقتراب أكثر فأكثر من إيران بشكل خاص , ومن روسيا والصين ودول غرب اّسيا واّسيا الوسطى , وانتقلت – منفردة بقيادة العالم لحوالي ربع قرن – وتقدمت نحو حروب ما بعد أحداث أيلول 2001  نحو أفغانستان , في محاولة لهندسة الصراع مع الصين وروسيا.

وفي الوقت الذي تبلورت فيه صيغة عدائها الإستراتيجي لروسيا والصين , كان اللوبي المؤيد لإسرائيل في الولايات المتحدة ، والذي يتمتع بنفوذ وقدرة على صنع السياسة في البيت الأبيض ، يدفع واشنطن إلى حرب شاملة ضد طهران ... وعليه كان لا بد لها من تقديم البروباغاندا وحشد التأييد والتحالفات ضد العدو المفترض الجديد , ففي عام 2017 ، حاولت واشنطن تشكيل تحالفٍ عسكري جديد ضد إيران بزعامة السعودية تحت مسمى "الناتو العربي" , تقوده من وراء الكواليس , فيما تدعمه "إسرائيل" بمعلوماتها الإستخبارية . 

كذلك تحاول اليوم بناء تحالف اّخر , عبر مبعوثها الأمريكي الخاص بإيران , روبرت مالي , الذي أجرى مؤخراً , محادثات مع مسؤولين من فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة ودول الخليج ، بمشاركة ممثلين من مصر والأردن ... ومن المهم ملاحظة أن التحالف الجديد في حال نجاحه من عدمها , يبقى قراراً أمريكياً صرفاً , وجزءاً من نهجٍ بديل للنهج الدبلوماسي المتبع حتى الاّن في تجاذبات وحلول الملف النووي الإيراني , وهذا النهج البديل شكل أساس الموقف الذي كرره وزير الدفاع الأمريكي في 20 تشرين الثاني/ نوفمبر في المنامة ، خلال "المؤتمر الدولي حول الأمن في المنطقة".

لقد غيّر المبعوث مالي إتجاه التقارب الإيراني – السعودي – الخليجي , لكبح الحقوق والطموحات الإيرانية النووية السلمية , وناقش مع الحضور والمندوبين الأوروبيين ما دعاه بـ "الأنشطة الإيرانية المزعزعة للاستقرار في المنطقة ، كإستخدام ونقل الصواريخ الباليستية والطائرات بدون طيار التي أدت إلى هجمات ضد الشركاء الإقليميين" , وشجع البحرين ودول الخليج العربي الأخرى على توحيد جهودهم في معارضة إيران ، التي تتحمل مسؤولية هجمات الطائرات المسيرة التي يستخدمها الحوثيين ضد السعودية – دائماً الكلام بحسب روبرت مالي -.

كذلك استبقت واشنطن المؤتمر الدولي للأمن , بلقاء أمريكي – خليجي وما يسمى "مجموعة العمل بشأن إيران" , وخرجوا بتوافق على أن برنامج إيران النووي شكل "مصدر قلقٍ خطير" ، كما أعلنت المجموعة أن البرنامج مهم لبرامج الأسلحة النووية وليس للأغراض المدنية , وبأن تخصيب اليورانيوم أعلى مما يسمح به الإتفاق النووي السلمي ... كما ناقش المجتمعون , - "عدوانية إيران الخطيرة" , وتزويد حلفائها بأحدث الصواريخ الباليستية والطائرات بدون طيار ، فضلاً عن "استخدام" إيران وشركائها  هذه الأسلحة في مئات الهجمات ضد المدنيين والبنية التحتية الحيوية في السعودية ، وكذلك ضد السفن التجارية في المياه الدولية لبحر عمان , كما أشارت المجموعة إلى أن الهجمات الإيرانية تشكل خطراً على الجنود الأمريكيين الذين يقاتلون ضد "داعش".

ولأجل تبرير السعي الأمريكي لحشد المعارضة والتحالفات ضد إيران , لجأت إلى وسائل إعلامها , لإتهام طهران بشن الهجوم على قاعدة التنف – الأمريكية , رداً على "الضربات" الجوية الإسرائيلية في سوريا , وبأنه هجوم "متعمد ومنسق" بحسب تقريرالقيادة المركزية الأمريكية , وأنه يشكل خطر على القوات الأمريكية في الشرق الأوسط... في حين جاء رد المتحدث بإسم وزارة الخارجية الإيرانية بأنهم دائماً : "يتهمون إيران دون أي دليل".

تبدو واشنطن بأمس الحاجة لخلق أوراقٍ جديدة مع كل مرحلة تصطدم فيها بفشلها العسكري والسياسي والدبلوماسي أمام خصومها وأعدائها كروسيا والصين , ولا سيما في المواجهة المستمرة مع إيران ومحور المقاومة مجتمعاً.

المهندس: ميشيل كلاغاصي

26/11/2021

 

Friday, November 26, 2021

هل تكرّر واشنطن مخطّط "الربيع العربي" في دول رابطة "آسيان"؟ م. ميشيل كلاغاصي


مع نهاية شهر تشرين الأول/أكتوبر، وللمرة الأولى منذ 4 سنوات، حضر رئيسٌ أميركي القمة السنوية لرابطة دول جنوب شرق آسيا، ليتحدث عن "رؤية مشتركة وتنافس متكافئ يحكمه القانون"، في وقتٍ تسعى إدارته اليوم لإظهار اهتمامها بالمساهمة البناءة مع رابطة "آسيان"، في حين أنها تحاول الضغط على غالبية دول الرابطة لمواجهة الصّين بالنيابة عنها، واستخدامها كعصا غليظة لمنافستها والحدّ من الحركة النشطة للاقتصاد الصّيني، من خلال استراتيجية وخطط خاصّة وضعتها واشنطن لهذه الغاية، فقد تحدّث الرئيس جو بايدن عن "102 مليون دولار لتوسيع هذه الشراكة الاستراتيجية"، وشدّد على أهميتها الحيوية "للحفاظ على الانفتاح وحرية الحركة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ"، وتوجيه التمويل نحو برامج الصحة والمناخ والاقتصاد والتعليم.

على الرغم من إدراك دول "آسيان" أنَّ الولايات المتحدة تسعى لاستخدامها ضد الصين، فإنها تفضّل عدم الانحياز إلى أيّ طرف، وتحاول الاستفادة من علاقاتها البنّاءة مع الجميع، ولن يكون اختبارها وجعلها تقف أمام خيارين أمراً جيداً، وسيكون مقلقاً للبعض، فيما سيرفضه البعض الآخر سلفاً، فالصين تعتبر حتى اللحظة أكبر شريك تجاري لرابطة دول جنوب شرق آسيا، إن كان داخل "آسيان" أو ضمن حدود القارة الآسيوية، في حين تعتبر الولايات المتحدة بشكلٍ عام ثاني أكبر شريك تجاري للعديد من دول "آسيان" من خلال العلاقات الثنائية.

ويبدو من الصعوبة بمكان أن تجد واشنطن وسيلةً مناسبة لإقناع تلك الدول وجذبها لاستبدال علاقاتها الاقتصادية والاستراتيجية مع الصين، ناهيك بالاستثمارات الصينية ومشاريع البنية التحتية التي تقوم بها الأخيرة، بما فيها خطوط السكك الحديدية للقطارات الفائقة السرعة للربط بين دول الرابطة، إضافةً إلى بناء السدود والجسور والطرق السريعة وتنامي العلاقات العسكرية معها وتزويدها بالطاقة.

كما تجدر الإشارة إلى العلاقات السياحية وأعداد الصينيين الذين يتجهون نحو دول "الآسيان" سنوياً، بما يساهم في تنشيط أسواق تلك الدول، إضافةً إلى اللقاحات المضادة لفيروس "كوفيد – 19"، التي لم تتوقف الصين عن توريدها لهم.

وعلى الرغم من العلاقات المتينة والمتطوّرة بين الصين ودول "الآسيان"، فإنَّ ذلك لم يمنع وجود بعض الخلافات والتحديات والمصالح المتداخلة في بحر الصين الجنوبي، وسط سعي أميركي لاستغلالها وفتح الثغرات وتحويلها إلى نزاعات وصراعات، تفسح المجال وتجد الذريعة للقوات العسكرية الأميركية لترسيخ وجودها وتكريسه أكثر فأكثر في المنطقة.

من الواضح أنَّ الولايات المتّحدة لم تستطع تحقيق النجاح في هندسة صراع دول "الآسيان" مع الصين، لكنها استطاعت جذب أستراليا في أوقيانوسيا وبريطانيا في أوروبا كقواعد تثبيت ومراقبة وتهديد، في عالمٍ متعدد الأقطاب لا مكان فيه للحياد مع استمرار الهيمنة الأميركية الشرسة، التي تسعى لزراعة وتبني الجماعات والأحزاب المناهضة للصين داخل دول الرابطة، عن طريق التدمير والتخريب الاقتصادي، في ظل وجود حكومات حالية غير مهتمة بتحويل الصين إلى عدو والقارة الآسيوية إلى ساحة معركة، فهل تحاول واشنطن السير في لعبتها المحبّبة بتغيير الأنظمة واستبدالها بأنظمة عميلة أو خانعة، في محاولةٍ لتكرار "الربيع العربي" وإشاعة الفوضى والخراب على امتداد خطّ سير مبادرة "الحزام والطريق" الصينية، والذي تعتبره واشنطن من ضرورات تأخير الصين وعودة الولايات المتحدة إلى نغمة التفوق الاقتصادي، وفرصة لإعادة رسم دورها العالمي الذي يفوق دول العالم كافة؟

المهندس: ميشيل كلاغاصي

22/11/2021 

Saturday, November 20, 2021

الجيش الأوروبي ضرورة استراتيجية أم مجرد رد إعتبار وإعادة تموضع - م. ميشيل كلاغاصي


على الرغم من تحذير الناتو ومحاولات واشنطن لمنع تشكيل قوة عسكرية أوروبية مشتركة ، تبدي عديد الدول الأوروبية والإتحاد الأوروبي إصراراً كبيراً على بناء هذه القوة , نتيجة شعورها بالإحباط من سياسة الولايات المتحدة تجاهها , وعدم إظهارها ما يكفي من إحترام لمصالح تلك الدول , وسط مخاوف البعض من عدم جدوى مشاركتها في حلف الناتو وجدية حمايته لها , وباتت تطلع إلى ضرورة تنظيم القوات المسلحة الأوروبية دون الإعتماد على الناتو.

لم يعد الأوروبيون يحتملون مرارة السير وراء سياسة البنتاغون والخارجية الأمريكية , وباتوا على يقين أنهم يتبعون طريقاً خاطئاً ومعاكساً لمصالح دولهم وشعوبهم , وأن وجودهم في الحلف الأطلسي قد فقد بريقه , في وقتٍ تتجه فيه الولايات المتحدة نحو غير أحلاف وغير تكتلات ( أوكوس على سبيل المثال ) , وبأنهم باقون لأجلها, ويعادون روسيا وإيران وبيلاروسيا وغير دول لأجل أجندات أمريكية بحتة , وبأنهم على أعتاب خوض المعارك لأجل إنقاذ الجيش الأمريكي في الشرق الأوسط , وحروب البحر الأسود وبحر الصين الجنوبي وغيرها .

وفي سبتمبر/ ايلول الماضي، وتحت قبة البرلمان الأوروبي , اقترح حزب الشعب الأوروبي أكبر الأحزاب السياسية في الإتحاد الأوروبي ، إنشاء جيشٍ أوروبي جديد , يحرص أن يكون جزءاً من استراتيجية الدفاع والأمن المشتركة المستمرة للإتحاد الأوروبي.

وعلى الرغم من وجود معارضة سياسية لإنشاء هذا الجيش داخل الإتحاد الأوروبي , خصوصاً من الأدوات الأمريكية , الذين لم ينفكوا عن إعلان دعمهم لحلف شمال الأطلسي , إلاّ أن عدد المؤيدين آخذ في الإزدياد ، خاصة بعد كارثة إنسحاب الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي في أفغانستان بعيداً عن التعاون مع الدول الأوروبية وإحترام وجود قواتها هناك أيضاً , وفي هذا الشأن أكد الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية ، جوزيب بوريل :"يجب على أوروبا أن تصبح أكثر استقلالية عن الولايات المتحدة وأن تنشئ جيشها الخاص" , وتحدث عن ليلة الإنسحاب لصحيفة نيويورك تايمز بأن: "توقيت وطبيعة الإنسحاب تم تحديدهما في واشنطن" , ووجدنا أنفسنا نعمل وفق القرارات الأمريكية , وأكد أنه لا بد للإتحاد الأوروبي من العمل وفق "البوصلة الإستراتيجية الأوروبية".

بالنسبة للدول الأوروبية ، تحول الناتو منذ فترة طويلة إلى ما يشبه "مغارة علي بابا", التي تبتلع كل جهدٍ سياسي وعسكري لجيوش الدول المنضوية في صفوفه ، ويجبرها على ملئ بطون البيروقراطية السياسية والعسكرية , وأسماك القرش في المجمع الصناعي العسكري , المتمركزة عبر الناتو في واشنطن .

يبدو أن موقف من الإتحاد الأوروبي , يُقلق واشنطن والحلف الأطلسي ، ولا بد أن يبذل البيت الأبيض قصارى جهوده لإعادة الإتحاد الأوروبي إلى "رشده" , وبهذا الخصوص , صرّح الأمين العام لحلف الناتو بأن نوايا الإتحاد الأوروبي للدفاع عن نفسه "ستؤدي إلى انهيار الناتو" وأن إنشاء الجيش الأوروبي المشترك سيؤدي إلى "تقسيم المنطقة".

لا يمكن لواشنطن أن تتجاهل خطر نشوء الجيش الأوروبي ومخاوفها من إنهيار الناتو , كذلك تحتاج أوروبا لطرح أسبابها , في وقتٍ لا يمكن لأوروبا أن تتحمل وحدها مسؤولية إنهياره ونتائجها , وعليه أكدت رئيسة المفوضية الأوروبية ، في سبتمبر/أيلول الماضي , أمام البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ :"إنه من الضروري الإسراع بإنشاء جيش الإتحاد الأوروبي لإنعدام الثقة في الولايات المتحدة الأمريكية , في حين فضلت وزيرة الدفاع الفرنسي تقديم شيئاً من دبلوماسية الطمأنة بأن: "أي قدرات أوروبية ستقوي حلف شمال الأطلسي" , وهذا يطرح السؤال عن حقيقة الموقف الفرنسي , أم هي مجرد صرخات حاولت باريس إظهار ألمها وإستيائها وشقيقاتها الأوروبيات من اتفاق الولايات المتحدة الأمريكية وأستراليا وبريطانيا في تحالف أوكوس , الذي يلحق الضرر بالعلاقات العسكرية مع الإتحاد الأوروبي.

أخيراً ... هل تستطيع فرنسا وألمانيا تحويل الاتحاد الأوروبي إلى منافس جيوسياسي حقيقي للولايات المتحدة والدول الأنجلو ساكسونية التي انضمت إليهما ( أوكوس )، بدون سندٍ عسكري ؟ وهل يؤمن الإتحاد الأوروبي بأن الجيش الأوروبي ضرورة استراتيجية , أم أنها مجرد محاولات لرد الإعتبار وإعادة التموضع داخل الناتو , وتصحيح العلاقات الأمريكية – الأوروبية , وإلاّ فسيكون الكفاح المرير لإنشاء جيش أوروبي مستقل عن الولايات المتحدة.

المهندس: ميشيل كلاغاصي

19/11/2021 

Thursday, November 18, 2021

تهديد محطّة الفضاء الدوليّة وروّادها.. اتهام أميركيّ حقيقيّ أم هوليووديّ؟ - ميشيل كلاغاصي


من المعروف أنَّ روسيا كانت دعت منذ أكثر من 40 عاماً إلى وضع اتفاقية لحظر نشر الأسلحة أو استخدام القوة في الفضاء الخارجي، وقدَّمت مقترحاتها للجمعية العامة للأمم المتحدة.

من السّذاجة بمكان أن تدعي واشنطن أن روسيا تخاطر بأرواح رواد الفضاء، في ظل وجود رائدين روسيين في محطة الفضاء الدولية... ويبقى التعامل مع الإتهامات الأمريكية يحتاج إلى الحذر والتروي , والنظر إلى ما هو أبعد من نص الإتهام .

اتّهمت وزارتا الدفاع والخارجية الأميركيتان الدولةَ الروسية بإجراء اختبار "طائش وخطر" للأسلحة المضادة للأقمار الاصطناعية أثناء تدميرها قمراً اصطناعياً سوفياتياً قديماً، وبأنَّ حطامه الفضائي تسبَّب بتهديد سلامة محطة الفضاء الدولية وروادها، ثم تبعتهما فرنسا، عبر صحيفة "لو فيغارو"، بنشر الادعاءات الأميركية، وبإظهار مخاوفها من الأعمال الفضائية التي تقوم بها موسكو.

وبحسب المصادر الصحافيّة لوزارة الخارجية الأميركية والوزير أنتوني بلينكن، أجرت روسيا "بتهور تجارب مدمرة لإطلاق مباشر لصاروخ مضاد للأقمار الاصطناعية ضدّ أحد أقمارها الاصطناعية"، أدّى إلى ظهور "أكثر من 1.5 ألف حطام تحت المراقبة، ومئات الآلاف من شظايا الحطام الفضائي الأصغر، والتي تهدد الآن مصالح جميع البلدان"، وأبدى بلينكن مخاوفه من أن يتحوَّل الفضاء "إلى ساحة معركة بين القوى الكبرى".

 كذلك، زعم رئيس الإدارة الوطنية للملاحة الجوية والفضاء الأميركية (ناسا)، بيل نيلسون، أنَّ ما حصل "طائش وخطر"، وعرّض طاقم محطة الفضاء الدولية ورواد الفضاء التابعين لها والمحطة المدارية الصينية للخطر، ووصف بالعمل بكونه "غير مسؤول ومزعزعاً للاستقرار"، في حين ادّعى البنتاغون، وتحديداً قيادة الفضاء للقوات المسلحة الأميركية، أن إسقاط روسيا هذا القمر "أدى إلى ظهور الحطام في مدار أرضيّ منخفض، وبأنَّ روسيا تواصل تطوير أنظمة أسلحة مضادة للفضاء، ما يقوّض الاستقرار الاستراتيجي، ويشكّل تهديداً لجميع الدول".

وقد سارعت وزارة الدفاع الروسية إلى نفي الادعاءات الأميركية، ووصفتها بالتصريحات "المنافقة"، وأكَّدت أن الاختبار الذي أجرته وزارة الدفاع الروسية يوم الإثنين، بعلم ويقين من الولايات المتحدة، ناجح من حيث زمن الاختبار والبارامترات المدارية، وأنه لم ولن يشكل تهديداً للمحطات المدارية والمركبات الفضائية والأنشطة الفضائية، وسبق أن قامت الولايات المتحدة والصين والهند بتجارب مماثلة في الفضاء الخارجي، وأن الاتهامات الأميركية تعتبر بمثابة تهديد، ولا بد لموسكو من تعزيز قدراتها الدفاعية.

كما عرضت وزارة الدفاع شريط فيديو يحاكي مسار شظايا القمر المدمر ومدار محطة الفضاء الدولية بناء على معطيات حقيقية، ويظهر حركة الأجسام في مداراتٍ ومساراتٍ مختلفة، ويحدد مسافة بعد المحطة الفضائية الدولية بـ40-60 كم، ما يثبت أنَّ محطة الفضاء الدولية ليست في خطر، إضافةً إلى لقطات مصوّرة تثبت أنَّ الحطام لم يهدد الأقمار الاصطناعية لمحطة الفضاء الدولية، وأن المزاعم الأميركية "غير واقعية".

ومن المعروف أنَّ روسيا كانت دعت منذ أكثر من 40 عاماً إلى وضع اتفاقية لحظر نشر الأسلحة أو استخدام القوة في الفضاء الخارجي، وقدَّمت مقترحاتها للجمعية العامة للأمم المتحدة، وآخرها في أكتوبر/تشرين الأول، وحثَّت جميع الدول على "عدم إنشاء واختبار ونشر أسلحة فضائيّة واستخدامها ضد أهداف على الأرض أو في الجو، والقضاء على مثل هذه الأنظمة التي تمتلكها بعض الدول فعلياً".

كما دعت إلى "عدم اختبار أو استخدام المركبات الفضائية المأهولة لأغراض عسكرية، بما في ذلك تلك المضادة للأقمار الاصطناعية". وعلى العكس تماماً، كانت قد اقترحت في شباط/فبراير فرض حظر دولي على نشر الأسلحة في الفضاء، واستخدام الفضاء "لأغراض إبداعية، لمصلحة البشرية جمعاء" فقط... في الوقت نفسه، يغيب عن الذاكرة الأميركية قيامهم في العام 2008 بإسقاط أحد أقمار التجسس الأميركية بصاروخ تم إطلاقه من المحيط الهادئ وعلى ارتفاع 246 كم فقط.

من المهم التأكيد أنّ اهتمام الإدارة الأميركية لا يرتبط بهذه الاتهامات فقط. ويبدو أنه تخطيطٌ مسبق لسَوْق الاتهامات ضد موسكو وبكين، بالترويج إلى أنّهما يعملان من أجل عسكرة الفضاء وتهديد الأقمار الاصطناعية الأميركية، في سياق الحرب الباردة التي تحرص واشنطن فيها على التصعيد الدائم.

من السّذاجة بمكان أن تدعي واشنطن أن روسيا تخاطر بأرواح رواد الفضاء، في ظل وجود رائدين روسيين في محطة الفضاء الدولية، لإخفاء الاستياء الأميركي من التفوق العسكري والعلمي والتكنولوجي الروسي، وكان عليها البحث عمن يصدق أكاذيبها، في ظل تاريخ الحكومات والرؤساء الأميركيين الشهير في الكذب، فقد تسبَّبت أكذوبة الرئيس جيمس بوك على الكونغرس في العام 1846 باندلاع الحرب المكسيكية الأميركية، وتسبَّبت أكاذيب الرئيس ويليام ماكنلي في العام 1989 باندلاع الحرب الأميركية الإسبانية.

وتبقى الأكذوبة الأشهر في العصر الحديث، تلك التي أطلقها الرئيس جورج بوش الابن، حول امتلاك العراق أسلحة دمار شامل، واستخدمه ذريعة لشن الحرب على العراق واحتلاله وتدميره، إضافة إلى فضيحة أو أكذوبة "ووترغايت"، ناهيك بأكاذيب الرئيسين دونالد ترامب وجو بايدن حيال الأسلحة والقنبلة النووية الإيرانية، واتهام سوريا باستخدام الأسلحة الكيميائية عبر تزييف التقارير الأممية، فضلاً عن أكذوبة "محاربة داعش" في سوريا والعراق، في وقتٍ تيقّن العالم مسؤوليتها في صناعته وقيادة أعماله الإرهابية.

ولم تسلم الصين من الأكاذيب والادعاءات الأميركية، فقد اتّهمتها مؤخراً بإقامة قاعدة عسكرية على الحدود الطاجيكية - الصينية، في حين أنّ "القاعدة" ليست عسكرية، وتنحصر مهامها بالأعمال اللوجستية، من خلال اتفاقية أمنية أبرمتها وزارة أمن الدولة الصينية    مع وزارة الداخلية الطاجيكية، لإدارة مكافحة الجريمة المنظمة وحماية الحدود
المهندس: ميشيل كلاغاصي
17/11/2021

العبث والتوسع الأمريكي التركي في اّسيا الوسطى - م. ميشيل كلاغاصي

بعد الانسحاب الأمريكي الفاشل من أفغانستان ووصول طالبان إلى السلطة في كابول ، دخل النظام الأمني الإقليمي في آسيا الوسطى مرحلة جديدة وسريعة لإعادة تشكيله وفق المستجدات والتداعيات الخطيرة لهذا الإنسحاب , وعليه يكثف اللاعبون الأمريكيون والأتراك والصينيون جهودهم في مناطق نفوذ الإتحاد السوفيتي السابق.

ومع النشاط المكثف للحليفين الأطلسيين , الولايات المتحدة وتركيا ، لم يعد بالإمكان تجاهل خطورة أهدافهما التوسعية في اّسيا الوسطى , خصوصاً مع لجوء تركيا لإستخدام ماضيها العثماني الإستعماري كسياسة فعالة لتقوية علاقاتها مع دول المنطقة من خلال الترويج لفكرة "طوران الكبرى" , التي تسعى لتوحيد كافة الشعوب الناطقة بالتركية في إمبراطورية واحدة تمتد من الأناضول إلى آسيا الوسطى , فيما لا تزال الولايات المتحدة تأمل في البقاء في المنطقة من خلال قواعدها العسكرية في بعض دول آسيا الوسطى.

في الوقت الذي لم ترصد فيه جهود روسية واضحة للحد من نفوذ وتغلغل الولايات المتحدة وتركيا في آسيا الوسطى ، تبذل واشنطن وأنقرة جهوداً حثيثة لمراقبة التحركات الصينية , وللحد من قدراتها , حتى لوكان ذلك على حساب المساس بها بشكل علني ومباشر, والإستفادة من ماكيناتها الإعلامية الضخمة والمنتشرة حول العالم , لتشويه السياسات الإقليمية للصين والترويج لخطرها على عموم المنطقة.

فقد قامت بعض وسائل الإعلام الأمريكية بنشر معلومات حول مزاعم بقيام الصين بإنشاء عدد من القواعد العسكرية في طاجيكستان , استكمالاً لما بدأته عام 2017 بإقامة قاعدة صينية سرية في منطقة مورغوب -غورنو باداخشان , والتي تتمتع بالحكم الذاتي في طاجيكستان على الحدود الأفغانية , بالإعتماد على جنود صينيين من إيغور- شينجيانغ.

ورغم ترويجها تلك المزاعم , فشلت الولايات المتحدة في إثارة الخلافات بين روسيا والصين ، نتيجة العلاقات الصينية – الروسية المتينة , والتفهم الروسي للموقف الصيني الذي يسعى للسيطرة على "النشاط" المحتمل لمسلحي الأيغور الأفغان , وكذلك من خلال معرفة الروس والطاجيك والأفغان حجم المنشأة الصينية الصغير , والأعمال اللوجستية فقط التي تقوم بها الصين عبرها. 

ومن خلال السلوك الأمريكي في أفغانستان , بات واضحاً أن غالبية دول اّسيا الوسطى لا ترغب بوجود وتمركز القوات الأمريكية في المنطقة , الأمر الذي دفع الولايات المتحدة إلى شن حملة دعائية ومزاعم بناء الصين لقواعد عسكرية جديدة .

ومع ذلك ، سرعان ما تم رصد المزاعم الأمريكية , من خلال الإعلان الرسمي للسلطات الطاجيكية ، بأن الصين ستبني بالفعل قاعدة في منطقة غورنو باداخشان ، على الحدود مع الصين وأفغانستان , لكنها ستكون في إطار وحدات الرد السريع لإدارة مكافحة الجريمة المنظمة التابعة لوزارة الشؤون الداخلية في طاجيكستان , وسيتم بنائها كجزء من اتفاقية بين وزارة الداخلية الطاجيكية ووزارة أمن الدولة الصينية.

لا شك بأن قرار الصين ببناء هذه القاعدة يعود لسعيها بالدرجة الأولى , إلى تحقيق مصالحها الأمنية ومنع المقاتلين الأيغور في حركة تركستان الشرقية الإسلامية من دخول الصين والقيام بأعمال تخريبية , كذلك لحماية حدودها من هجمات الجماعات المسلحة في أفغانستان... بالإضافة إلى محاولة الحد من التحركات التوسعية التركية , ولضمان الدعم اللوجستي لحركة نقل البضائع على الطريق بين اّسيا وأوروبا.

يبدو أن النوايا والأهداف التوسعية الأمريكية - التركية , تصطدم بوعي دول وشعوب اّسيا الوسطى , وأنه لن يكون من السهولة بمكان بالنسبة لهما , توجيه ضرباتٍ "تحت الحزام" للتنين الصيني , الذي يستطيع وشريكه الروسي , محاصرة العبث الأمريكي – التركي , لحصد النفوذ والتوسع في منطقة اّسيا الوسطى.

المهندس : ميشيل كلاغاصي

15/11/2021

 

Friday, November 12, 2021

رحيل إردوغان .. صراعٌ داخلي أم هدفٌ داخلي وخارجي - م. ميشيل كلاغاصي


 سنوات طويلة أمضاها رجب طيب إردوغان في المعترك السياسي التركي الداخلي والخارجي , وتنوعت أشكال أدائه السياسي ما بين الغطرسة والعنجهية والتهديد والوعيد , وقوة التصاريح وارتفاع اللهجة والنبرة , وصولاً إلى الصمت حيناً والرد بالمثل حيناً اّخر, وتقبّل الإهانة أمام الكبار, ناهيك عن النفاق والكذب .. وحَصَدَ عبر السنوات ألقاباً وأوصافاً عديدة كـ السلطان الواهم , راعي الإرهاب , الممثل الهابط , اللص , الأزعر السياسي , البلطجي , الديكتاتور , الأحمق , المستبد , الطاغية ....إلخ... ولم يبق له سوى كتابة السطر الأخير في سيرته التي أرهقت الداخل التركي ودول الجوار والعالم القريب والبعيد , وسط تزايد مؤشرات رحيله.

وعلى مسافة عامين من الإنتخابات التركية , لا يبدو الحراك السياسي الداخلي يصب في صالح الرئيس إردوغان وحزب العدالة والتنمية , مع الإنضمام اليومي لعديد القوى والأحزاب التركية إلى جبهة المعارضة المناهضة لحكمه , والتي لا يمكن تصور نضالها بعيداً عن اللاعبين الدوليين والقوى الفاعلة في الإقليم والعالم , حتى داخل التكتلات والأحلاف التي تشارك فيها تركيا - إردوغان.

قد لا يؤيد البعض نضوج وتبلور فكرة إبعاد الرئيس التركي وفريقه الحاكم عن الساحة السياسية , لكن يبدو من المهم تصور نتائج الإخفاقات الإقتصادية والمالية لسياسته الداخلية , وتدهور الحريات وإمتلاء السجون بالمعارضين السياسيين والصحفيين وأصحاب الرأي ورجال الشرطة والضباط والعسكريين تحت ذرائع حقيقية أو مختلقة , وسط تحميل المعارضة والشارع التركي عموماً الرئيس وحكومته مسؤولية تدهور الحالة الإقتصادية والمالية وتبعات السياسات الداخلية والخارجية الخطرة والخاطئة , التي ستنعكس حكماً على مستقبل الدولة التركية بأكملها.

وبات من الواضح تضعضع النظام التركي وتصاعد موجة الإنتقادات الداخلية ، ما دفعه لإطلاق مخالبه لتطال المواطنين الأتراك العاديين أيضاً واتباع سياسة كم الأفواه وعقوبات السجن , على الرغم من أنهم يسمعون ويرون بأم العين تدهور الحالة الصحية للرئيس إردوغان وكفاحه للنطق ولتحريك ساقيه , ناهيك عن الشكوك حول صحته العقلية والشائعات التي تتحدث عن إصابته بسرطان الكبد , وبنوباتٍ صرعية , وصعوبات في التنفس وتشويش ذهني , والعقاقير الطبية التي يستخدمها لتخيف الرجفان , والاّثار الجانبية لها , بما يشمل مزاجية الإكتثاب وموجات الغضب والعصبية ... 

ونتيجة للأوضاع الداخلية , وانخفاض شعبية الحزب الحاكم ورئيسه , والحملات الحكومية الطائشة ، تحركت بعض مراكز الإستطلاع المؤيدة والمعارضة للنظام التركي الحالي ( شركة أوبتيمار, شركة عادل غور للأبحاث ، وشركات كوندا وسونار وغيرها ).. كما خلُصت في اّب المنصرم استطلاعات مؤسسة "ميتروبول" المستقلة والأكثر شهرة في البلاد , إلى إعتقاد 53.7% من الناخبين الأتراك بأن حزب العدالة والتنمية سيفقد نفوذه كحزب حاكم في انتخابات 2023 ,  مقابل  37.8% ممن يعتقدون بقدرة الحزب على الإحتفاظ بالسلطة.

كما جاء وفقاً لاستطلاع أجرته لجنة السياسة التركية في مركز "يونيليم" للأبحاث في أيلول الماضي ، أن 53% من المواطنين الأتراك فقدوا الثقة في النظام الرئاسي , وسط تراجع مؤيدي الائتلاف الحاكم المكون من حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية ، إلى 47% , فيما عبر 33% فقط عن ثقتهم بالرئيس إردوغان... وعلى مستوى الحراك الحزبي الداخلي , عقدت أحزاب (الشعب الجمهوري ، الخير ، السعادة ، المستقبل , الديمقراطي ، وحزب الديمقراطية والتقدم )، اجتماعاً في تشرين الأول تمت فيه مناقشة استعادة النظام البرلماني في تركيا.

قد لا يختلف حال النخب التركية الداخلية عن حال غالبية النخب الغربية , التي استطاعت تقييم السلوك الشخصي والسياسي للرئيس التركي وحزب العدالة والتنمية , والخطاب المليء بالشتائم , والدور السيئ وسياسة المرواغة والنفاق والعداء والعدوان العسكري والتماهي التام مع الإرهاب والإرهابيين , وبات من الصعوبة بمكان العثور على نعوت وأوصاف جيدة للرئيس إردوغان في الصحافة الأمريكية والأوروبية , خصوصاً ما بعد الإنقلاب الفاشل عام 2016. 

ولا بد من الإشارة إلى دور الصحافة الأمريكية حول التدهور الكبير في صحة إردوغان , وما نشرته الـ "فورين بوليسي" بقلم المعلق السياسي ستيفن كوك ومقاطع الفيديو , التي تظهر إردوغان وهو ينام بشكل مفاجئ , والصعوبات التي يواجهها في المشي والنطق , وعن المسكنات التي يحتاجها قبل إدلائه بالتصريحات العلنية ... كذلك ما نشرته "لو بوان" الفرنسية , في مقال تحت عنوان "صحة إردوغان موضع تساؤل" , حيث تناولت خطواته البطيئة وصعوبة نزوله الدرج واتكاؤه على ذراع زوجته .. ناهيك عن تقرير صحيفة "إستيا" اليونانية في منتصف تشرين الأول بأن: "أيام إردوغان باتت معدودة".. بالإضافة إلى هاشتاغ "إنه ميت" الذي نشر في 3 تشرين الثاني على وسائل التواصل الإجتماعي التركي , وسارعت قوى الأمن للقبض على 30 مشتبهاً بهم لإتهامهم ومقاضاتهم.

وفي عصرٍ لا يمكن معه إبعاد الكثير من وسائل الإعلام عن التسييس , بالإضافة إلى تلك المعروفة بالترويج والدعم خصوصاً في الولايات المتحدة والدول الغربية الكبرى , يمكن استخلاص أن التركيز على تدهور الحالة الصحية للرئيس التركي وما يرافقها من إشاعات , يفتح مناقشة ملف رحيله على مصراعيها , والتي يمكنها أن تلعب دوراً حاسماً في الإنتخابات التركية المقبلة , وتساهم في تحقيق ما يصبو إليه أعداء إردوغان ومعارضيه داخل تركيا وخارجها.

المهندس: ميشيل كلاغاصي

12/11/2021